موسوعة تركمان العراق العراق الجميل ابداعات

      قحطان الهرمزي

 

              قارب في الصحراء

اربع مسرحيات جادة

 

1

 
كانون الثاني 2005

 

74

 

 

 
المدينة التي غادرها اهلي …

 

مسرحية

2

 
 


المدينة التي غادرها اهلي …

- مدخل -

( مشهد مدينة تكاد تكون مهجورة .. شوارع قفراء .. بيوت على الطراز القديم .. جو المدينة يكون خريفيا حزينا . ريح ليست سريعة .. اشجار تتساقط ارواقها .. سكون شامل . ) .

ايوب : ( يظهر على المسرح متفحصا المدينة وباستغراب شديد ) .

3

 

42

 
البيوت هي عينها والشوارع كذلك .. الا ان نوعا من المشيب داهمها … ( يستدرك ) ما هذا الصمت الرهيب ؟ ماذا جرى ؟ الى اية جهة ارتحلوا ؟ الرحيل بات هاجسنا وخوفنا .. وخاصة الرحيل الى اين ؟ (عواء كلاب و اصوات صفارات يسمع اتية من بعيد ، ما هذا الفراغ ؟ ولِمَ  هذه العزلة الشريرة .. هل تغير المجرى في هذه المدينة ؟ هل ابتلع الظلام الدامس الاضواء الساطعة ؟ ( يتحرك هيستيريا ويقول كلاما غريبا ) كان علي ان ابقى متكورا كالكرة .. هناك في العالم السفلي .. الاسئلة كانت غامضة … ونزيفي كان حادا .. لقد قلت مرات عديدة  .. لا اعرف .. لااعرف .. ( بعد فترة تامل ) كيف يتسنى للانسان ان يدري ما يفعله الاخرون .. الاخرون الان هم ليسوا كما كانوا .. ( يحدق مليا في بيوتات المدينة ) حتى هذه المدينة ليست كما كانت .. اشجار عارية .. اوراق صفراء تبعث بها الريح .. سكون شامل .. وابواب موصدة باحكام صارم . هناك فتحوا لي الباب  .. هذا كل ما ااتذكره .. وما عدا ذلك كان ظلاما وغموضا في ذاكرتي المظلمة عن مكان تواجدي .. ليس ما حدث هو الذي يؤلمني …  الذي يؤلمني انني لم امسك بيدها عابرا الجسر الحجري صعودا الى القلعة وازقتها الضيقة .. ولم اعد اميز الان فيما اذا كانت هي التي رحلت من البلد الذي تحب ام انا الذي فقدت البلد الذي احب ؟ واولا فاين هم سكان هذه المدينة ؟ لماذا لااسمع الاغاني التي كانت تبهج وتحزن في ان واحد وتهز الشوارع والابنية والانسان والعشاق منهم بصورة خاصة ..   ( ثم بصوت شجي ) هل مات العشاق ؟ العشاق مجانين .. والمجانين يموتون قبل الاوان .. ما افقر العالم بدون عشق وعشاق .

الحارس : ( يدخل المسرح وبيده بندقية )

لاتتحرك والا قتلتك .

ايوب : ( وكانه غير آبه ) الم ترتوا من القتل ؟

الحارس : ( منفعلا ) هذا كلام يضرك ايها الغريب ؟

ايوب : ( مؤشرا الى نفسه ) هل انا هو الغريب ؟ !

الحارس : والا فمن انت ؟

ايوب: انا ابن هذه المدينة .

الحارس : وما دليلك على ما تدعي ؟

ايوب: في داخلي الف دليل على ما اقول .

الحارس : اذن قل لي من انت ؟

ايوب : انا الذي يجب ان اقول لك من انت ؟

الحارس : ما هذا الهراء ؟

ايوب : الهراء هم الذين اوجدوك !

الحارس : ومن تقصد بـ ( هم ) ؟

ايوب : النفر الضال . النفر المعزولون .. المنبوذ الذين اوجدوك لحماية انفسهم من قلقهم وتمزقهم والخوف من انفسهم .

5

 
الحارس : ( متعجبا ومتفحصا ايوب بدقة ) : لم اسمع بمتشرد يتطاول  على الحارس بمثل هذه الفظاظة .

ايوب : أأنا هو المتشرد ؟

الحارس : بل متشرد وقح . لا افهم ماذا يقصد ؟

ايوب : انت لاتفهم الا ما تؤمر به .

الحارس : على اية حال .. اذا لم تؤكد لي كونك من هذه المدينة فسوف اقودك الى السجن .

ايوب : الانسان سجين ذاته فلا  حاجة له الى سجون اخرى .

الحارس : انت متشرد وقح ( ويقرب البندقية من جبين ايوب )

ايوب : أي انسان لا وجهة له متشرد . فالبشر كله لا وجهة له

الحارس : ( غاضبا ) لا تدعني التجأ الى البندقية .

6

 
ايوب : ( يدور حول الحارس ) أي جبان يحمل بندقية يستطيع ان يقتل انسان .. اجل تستطيع ان تقتلني الان ( يقف ويغبر لهجته ) ولكنه بموت انسان واحد لاترتوي البنادق .. ثم ماذا ؟  ثم ماذا اذا مت ؟ هل يموت الناس معي وتقف الحياة ؟‍ ( بلهجة ماساوية ) انا لمست الموت بيدي .. رايته بعيني .. سمعته        باذني … لمسته وهو سلك كهربائي مشحون حول عنقي .. رايته كقطعة قماش اسود يلف عيني .. سمعته على شكل كلمات صاعقة تهمشت في اذني … شربت ومعه في كاس واحدة ورقصت واياه في كيس جرذان عمياء مسعورة .. ورغم ذلك فها انذا        اعود .. .

الحارس : ( وكانه بدا يتعاطف معه ومن الممكن ظن انه مجنون او مخبول ) . واين كنت ؟

ايوب : لايمكن لاحد ان يتكهن اين كنت ؟ لم يكن الاله موجودا هناك .. لم يسمعني عندما ناديته .. انا الان بحاجة الى اله يسمعني .. الى اله موجود حقا ، اكشف له ما يحدث في الاماكن التي لايتواجد فيها .. وماذا يحدث للافراد المتخلى عنهم ، وكيف ان حصاته لم تكن تستطيع تحريك المستنقعات الراكدة .

الحارس : يبدو انك تشتبك مع القضايا الشائكة والممنوعة والمحرمة .. أي انك تشتبك مع القضايا الخاسرة .

ايوب : انا لا احمل عذابي فقط ولكني احمل عذاب العالم كله فلا تنظر اليّ نظرتك الى انسان موجود وجود الشبح .. كفى احتفاظي في الزوايا السردابية .

الحارس : على اية حال ..

71

 
ايوب : على اية حال .. واجبك هو القبض علي .. انها حقيقة لاتفوتني . الكل مقبوض عليه . الكل محكوم عليه بالموت لكنه ينتظر التنفيذ . ( بشكل درامي  ينتقل الى ما هو اغرب بالنسبة للحارس ) ايها الحارس  .. هل رايت ازهار الخزامي في الربيع .. اليست هي قرمزية كشقة فتاة عذراء .. انها ازهاري المفضلة . انها الازهار التي اذا لم ارها يعني اني لم ار الربيع ولا ازهاري المفضلة مرت علي هنالك سنوات عصيبة .. تصور ايها الحارس عالما بدون ازهار الخزامي .. أي عالم هذا .. عالم باتس كئيب يثير الاسى . ( يتمتم بينه وبين نفسه ولكن بصوت مسموع وعاطفي ) حبيبتي كانت تقول لي : ازهار الخزامي القرمزية معناها وجود ربيع دائم .

الحارس: ( يبدو انه يخطو اليه خطوات من يعطف عليه ،        ( ويسأله بصوت رومانسي) وهل لك حبيبة ؟

ايوب : وبيت واهل واصدقاء .

8

 
الحارس : ومع ذلك فانت تبدو وكانك لست من اهل هذه المدينة … فانا لم ارك قط .. من اين انت قادم ؟ ولم هذا التعب البادي على وجهك ؟ وما هذه الدموع الحبيسة  في عينيك ؟ ولماذا في رنات صوتك حشرجة المتالمين ؟

ايوب : ( بلهجة ودية ) الا تتفق معي ايها الحارس ان الالم هو اله طيب ، ومن لم يتالم في حياته ألما مبرها . من لم يعشق .. من لم يحمل في داخله جروحا نازفة لاتندمل .. قد فاتته النعمة الكبرى وهو ليس    بانسان .

الحارس : ( مرتبكا ) انت غير مالوف وكلماتك غير مالوفة .. وحالتك غريبة .. لذا ساعاملك كاسير حرب قاوم ببسالة ولا انزع نياشينك .. وبما انك تدعي بإن لك حبيبة وبيت واهل واصدقاء .. ادخل أي دار تشاء .. شاهد واحد يكيفيني ان ادعك حرا وانصرف ، اما اذا كان الامر على غير ما تدعي فعندئذ علي تنفيذ واجبي .

9

 
ايوب : الان تبدا عملية تعريف الذات ، وسوف تتكلم اناي الكبرى في داخلي مع اناهم الداخلية لا مع        مسوخهم .. سوف افهمهم من ايقاعات قلوبهم .. سوف انصرف عن الامام المنافق واتشبت بمخمور وشرب اقداحا حقيقة من النبيذ الصافي المعتق .. آه ما اجمل جرار الخمور حين يحتسيها من كان في مستواها .. انها شبيهة بحببيتي اشتهيها ولكني لا املكها .. اشتهي اشياء كثيرة لست صاحبها .. ما اتعس الانسان الذي يهرب امامه كل شيء .           ( اصوات مطعمة بالموسيقى تسمع من بعيد ثم تقترب الاصوات  رويدا رويدا حتى تدخل المسرح على شكل جوقة موسيقية ) .

الجوقة الموسيقية : ( تنشد بصورة كورالية امام ايوب والحارس ) .

(( عمن تبحث ايها الغريب

الحارس يتبعك اينما ترحل

فاءن لن تستسلم

فتسقط علىالرصيف

بفعل رمحين مسمومين

واحد في  الصدر واخر في الراس

دماؤك قانية تسيل .. ))

ايوب : ( يواجه الجوقة الموسيقية ) 

 جئت ابحث عن نفسي

جئت ابحث عن ايوب

الجوقة الموسيقية : ايوب كان نبيا فمات

102

 
ايوب كان نبيا فمات

ايوب : ايوب النبي مات

اما ايوب الانسان فلم يمت .

( تم يتقدم من الجوقة ويقول : )

لايصح للانبياء ان يتباهوا بكفاحهم . لقد كان لهم اله      يساندهم . انا الذي يجب ان اتباهى بكفاحي . لاني كافحت بدون رب يساندني .

الجوقة الموسيقية : ( تخرج من المسرح منشدة نفس النشيد السابق ) .

الحارس : ( موجها كلامه الى ايوب مع بعض التودد ) .

والان ماذا تقول يا ايوب . ؟!

ايوب : ( متأهبا ) اقتيادك لي الى السجن امر لايكدرني .. لاني كانسان متالم احمل في داخلي سجنا كبيرا وهموما تخصني وحدي وغربة قضيتها بالبكاء ؟

الحارس : واين قضيت هذه الغربة التي تصفها بـ المريرة ؟

11

 
ايوب : في داخلي . في اعماقي ترسبات تضنيني .. صراع طويل .. قلب انهكه التشرد وهدّ قواه الانتظار الطويل والهجر والعزلة .. ما اتعس المرافئ التي لاتقف عندها السفن ( بعد برهة قصيرة ) يمتلكني احساس رهيب باني مرفأ مهجور .. يتيم محروم من الحنان لم تمس راسه يد اب وام رؤوم ( يصرخ ) اني علاقة مقطوعة .. أبد مكبلة بالحديد وناس يهربون مني ومنعطفات تنعطف ضد رغبتي .. ( ثم بصوت حزين ) : اجل .. اجل انني مرفأ مهجور .

الحارس : ( اصبح اقرب اليه مودة ) ايها الغريب لماذا لاتفرغ حمولة داخلك وتتخلص منها .؟!

ايوب : عندما يترسب شيء ما في داخل الانسان لايستطيع التخلص منه بسهولة ، فمن كان مثلاً في قلبه عشق كبير بهيامه ونزوعه الى امتلاك المحبوب يموت هو ولايموت ما في قلبه .. وكذلك القلق الانساني فهو ربي المتوج ولا سبيل من الخلاص من سطوته . ( ويقترب  من الحارس وكانه صديقه ليقول في وجهه ) رغم ما قلت فاءن الناس غير جديرين لكي تضحي من       اجلهم .. ( ثم بشكل هيستيري ) العالم مزيف العالم مزيف ومغشوش .. ( يهتف ) فليسقط العالم .

الحارس : ( يبتعد عنه قليلا ) .

122

 
          ايها الغريب دعك من كل هذا .. شاهد واحد فقط .. واحد فقط ينقذك من السجن والسجان . اعذرني هذه      مهمتي .. والتخلي عنها موت يترصدني .

( المشهد الاول )

       ( غرفة استقبال واسعة ذات اثاث من الطراز القديم .. الاب جالس في الصدارة بجانبه الام وتحيط بهما الابنة وزوجها .. ايوب واقف امامهم .. المشهد بيدو وكانه قاعة محكمة مهيبة . ) .

ايوب : كيف حالك يا ابي ؟ كيف حالك يا امي ؟ كيف حال الجميع ؟

         ( صمت مطبق وعلامات حيرة على وجوه الجالسين )

ايوب :  لِمَ هذا الصمت ؟‍ لِمَ هذه الدهشة ؟‍‍‍‍‍‍‍‍ وما هذه العلامات الاستفهامية في اعينكم ؟ ( مؤشرا الى نفسه بوثوق ) الم تعرفوني ؟ انا ايوب .. ابنكم ايوب .. ابن هذه العائلة ؟ الابن الوحيد لهذه العائلة .

الاب : ( بصوت رزين ) لا اعرف احدا اسمه ايوب .

الام : ( بصوت حزين ) وانا ايضاً لا اعرف احدا بهذا الاسم .

ايوب : ( يظهر عليه الارتباك ويتوجه نحو اخته ) وهل انت ايضا يا اختي ؟

الاخت : ( حائرة ومرتبكة ) اجل .

13

 
ايوب : (مؤشرا الى الصهر) ومن هذا الرجل الجالس لصقك ؟

الاخت :  انه زوجي .

ايوب : ولكنه غريب عن العائلة .

( يتجه نحو الاب )

ومنذ متى بدأ الغرباء يتسربون الى دارنا يا ابي ؟

الصهر : ( يقوم من مجلسه غاضبا ويتوجه نحو الاب ،  من هذا المخبول يا عماه ؟

الاخت : ( تقف وتوجه كلامها الى  الاب )

اطرده من الدار يا ابي .. انني خائفة منه .

ايوب : يرجع نحو اخته الواقفة ) لكم كنت متفجرة صريحة ؟ ما زلت هائجة كالسيل .. مازلت كعهدي بك تفتقرين الى مجرى .

الاخت : ( تواجه ايوب بغضب )

انني استشيط غضبا من سوء تصرفك .

ايوب : ( مازال في موقفه الرومانسي في حديثه معها )

كنت كالسحب تمطرين سيولا ومع ذلك لم تكوني الا سحابة خفيفة . ( باندهاش ) يا ترى ماذا جرى لك ..؟ 

142

 
الاخت : ( بانكسار ) من اين اتيت ايهاالغريب ؟ ( بشيء من الغضب ) وهل قدمت لتعكير صفو حياتنا .. ؟

ايوب : اتيت من بعيد .. من مكان بعيد .. اتيت لا لكي اعكر صفو حياة احد .. بل لكوني فردا من افراد هذه العائلة ( ثم للجميع ) لابد ان امورا غريبة حدثت والا فماذا يبرر تنكر اب وام لابنهما الوحيد ؟ كيف تنسى الاخت آخاه ؟ كيف تتزوج الابنة الصالحة للعائلة غريبا من غير اهل الدار ؟ .

الاخت : ( يخطو بهياج نحو الام )

ايتها الام العزيزة .. الا تسمعين ما يدعي هذا الفتى الغريب . لماذا لاتتكلمين ؟ ( الام تظل صامتة ) .

ايوب : ( مع نفسه بصوت مسموع ) ياللعناكب التي نسجت بيوتها في ادمغتهم . يبدو انهم اطلقوا النار على ماضيهم  وحكموا عليه بالاعدام .. حكموا بالاعدام على انفسهم هم .. هم الذين كانوا يدعون : كل العالم عائلة واحدة .

الاب : ( يقدم ويخطو نحو ايوب ويواجهه )

15

 
ايها الفتى يخطر لي انك تعيش في الوهم .. يجب ان تتخلص من وهمك . فانت بحاجة الى سلام شخصي .. الى تفسير يواسي حياتك الفجيعة في هذا العالم .

ايوب : لقد كان سلامي الشخصي وآمان نفسي حاضرين في نفسي عندما كنت يافعا تاخذني معك الى الحقول البعيدة والبساتين المزدهرة وكنت تحدثني عن حب الارض حتى امتلئت به ابار ذاتي واصبحت كالدورق الملأن رغبة وهياما حبا بالارض .. وما جرى كان سببه تحقيق تلك الرغبة .

الاب : ( يبتعد عن ايوب قليلا وبشبه انحناءة من فوق ظهره ، حقا انك تعيش واهما ، لانه لم تكن لنا في يوم من الايام حقولا وبساتينا في هذا البلده عشنا متيبسين .. وما زلنا نعيش في جفاف لذا ابحث عن بيتك في مكان اخر .

ايوب : ( محاولة منه لتحريك ذهن والده ) .

         ((امراة تفوح منها رائحة المسك )) اتذكر يا ابي هذه العبارة .

الاب : لاتعني هذه العبارة عندي إفاءة ما .

162

 
ايوب : كنت  تقول لي ( الاب يغير وضعية وقوفه وينصت بدقة ) كنت تقول لي : انت وحيدي يا ايوب .. عندما تكبر سوف ازوجك من امراة تفوح منها رائحة   المسك .. فالرجل  عندما يعود الى بيته بعد عمل شاق يحب ان بنزع تعبه ولا يستطيع ذلك الا بمساعدة امراة جميلة تقدم لها النبيذ والمضجع الدافئ .. قال احدهم : ان النساء تجسيدات للحكمة الالهية لانهن يلهمن الحب في الرجال .

الاب : هذا كلام من تداعيات مخيلتك المريضة .

ايوب : غريب امرك يا ابي .. لكانك تريد لي وطنا بلا احبة .. وانت الذي قلت لي مراراً : ان الوطن خراب بدون احبة .. الا يؤنبك ضميرك وانت ترى كل هذا الشقاء الذي انا فيه ؟‍ ( يصرح ) لماذا  اتيت بي الى هذا العالم .. هل لكي احمل صليب الوحدة والعزلة والانكسار والاحباط .. لكم هو قبليّ الهك يا ابي ؟ انت تستعمله وتستخدمه ضدي عصا لتخويفي .

الاب : اذهب انت وابحث عن الهك الرحيم في مكان اخر ..

17

 
الام : ( محاولة منها لتخفيف وطاة الحديث وبنوع من    الاشفاق ) انا اشفق على فتى تائه مثلك .. لذلك سوف ادلك على طريقة تتعرف بها على نفسك . في هذه المدينة ديوان كبير يضم سجلات ضخمة فيها اسماء جميع سكان المدينة مع التفاصيل المطلوبة . يستطيع احد موظفي الديوان ان يتفحص تلك السجلات لعلة يعثر على اسمك واسم ابيك وجدك والعائلة التي تنتمي اليها وهكذا سوف يتضح لك من تكون واين يسكن اهلك ؟

ايوب : لا حاجة لي الى مثل هذا الديوان .. فانا موجود في اوراقي الخاصة .. والمدينة التي انتمي اليها لها نكهة خاصة في داخلي . ( يتقدم نحو الام وقد حل به الياس ولكنه لم يفقد الامل بعد ) .

أماه ايتها القديسة : اسمعي الى اما اقوله لك الان .. لعله يقودك الى استعادتي الى خاطرك .

الام : تكلم فانا صاغية .

182

 
ايوب : ( يجمع قواه المبعثرة ) اماه انت سجلي الخاص الذي فيه اسمي ومن اكون … اماه اتتذكرين .. كان اليوم يوم اربعاء … رجعت من المدرسة باكيا ومرتجفا فاندهشت لحالي وقلت لي : ما بك يا ايوب ؟ لماذا تبكي يا ولدي ولما لم اجب سالتيني : هل انت جائع ؟ قلت : كلا … امطرتيني اسئلة : هل احد سخر من ملابسك لانها متهرئة ومن حذاءك لانه مثقوب ؟ ام تبكي لاننا لم ندفع لك يوميتك منذ اسبوع بسبب الفصل الكيفي الذي تعرض له والدك وفقد عمله ؟ قلت لك : يا اماً سوداء العينين .. وافره الحنان ، لا يهمني سخرية احد لكوني ارتدي ملابس بالية ولاابكي ضجرا من حذائي المشقوق ، ولا ليوميتي التي انحرمت منها .. ان والدي كان يدافع عن حقوق الاخرين .. كان ينادي بتحيقق العدالة الاجتماعية  .. اني اقتسمه المسؤولية بالقدر الذي استطيعه .. ان السبب لبكائي هو تعنت مدرس اللغة الاجنبية في مدرستنا .. لقد ضربني  واهانني وقال : كلكم كلاب …هل صحيح يا اماه : اننا كلاب .. وعندما انتهيت من كلامي ربتِ راسي بيدك الرقيقة ولاحظت حواضن عيونك تمتلئ بالدموع وانت تقولين : لغةالام هي الاولى .

الام : ( مصدوعة ) لم يحدث شيء كهذا .

19

 
ايوب : ( غاضبا ) الذي حدث اذن .. هو هذا التحول المفاجئ من الفقر الىالرفاهية .. ومن النفور من الاجنبي الى الشغف بحبه ومن ثم اهداء اختي لاحد منهم . وثم بلهجة واضحة الياس ) هذه محاولني الاخيرة معك : مرة كنت تخبزين في التنور المنصوب على سطح دارنا ، وكان لون وجهك برونزيا من شدة لهيب التنور .. وكنت واقفا بجوارك اراقب حركاتك الشجاعة .. ومحاولة مني لتخفيف وطاة عملك قرات لك شعرا .. لم يعجبك شعري .. قلت : الشاعر هو من يلقي بنفسه في هذا التنور الملتهب وبعد ان يحترق يخرج وفي يده قلم يحترق يكتب به الشعر وعندئذ  يكون شعره    حقيقيا .

الام : ( في هذه المواقف يحدد المخرج حركات الممثلين حسبما يتطلبه الموقف ) انا لا افهم من الشعر شيئا حتى اقول هذا الكلام .

20

 
ايوب : بل قلت اكثر ورويت لي هذه الاسطورة عن الشعر والسلطة : جمع احد السلاطين الشعراء وطلب منهم ان يغنوا باءن الارض لم تشهد قط مثل هذا السلطان في عظمته وعدله ونساؤه الجميلات من لم يغن يحرف .. بدا الكل يغنون عدا واحدا .. اطلق سراح الذين غنوا .. وامر بالنسبة للممتنع ان : اربطوه بجذع شجرة واشعلوا فيها النار .. ولما بدات النار تتصاعد والشاعر مربوط  بالجذع انشد وهو يكاد يحترق اغنيته الشهيرة عن قسوة السلطان واستبداده ، وعندئذ صرخ السلطان :

     - مكوا حباله .. اخرجوه من النار .. انا لا اريد ان افقد الشاعر الوحيد الحيققي في بلدي(1) .

        ولم  افهم بالضبط ماذا كنت تقصدين في حينه ، ولكني فهمت قصدك عندما وجدت جئتي تتدلى وتحتي النيران تشتعل .

الام : لست الام التي روت لك هذه الاسطورة .

ايوب : يبقى ان اصرخ في وجهك ( يصرخ ) : من طلب منك ان تلديني يا اماه ؟

الاخت : ( تتداخل متنقله بين الحضور بانفعال شديد )         رباه لا اطيق كل هذا .. لا اطيق كل هذا . .

ايوب : ( يشعر بالعطف على اخته الهاتجة ) انك تعبشين   حياة فجيعة … دعيني اروي لك خاطرة لعلها تعيدني الى خاطرك ( بلهجة عاطفية رقيقة ) : عندما عدت من المدرسة وبيدك وثيقة نجاحك ايام كنا لا يقف تعاطفنا مع البعض عند حد احتضنتك واحسست بشروقك في قلبي ، وكان اشراقك اكثر  سطوعا من الشمس المشرقة في كبد السماء ولما امتثلنا امام والدينا حبذن العائلة ان تكافئك بهدية تدخل السرور الى نفسك الغضة الا ان العائلة وجدت نفسها عاجزة عن تدبير مبلغ الهدية .. بكيت في قراره نفسي دون ان اشعرك ، وفي صباح اليوم الثاني هيأت نفسي ونهضت من النوم مبكرا وذهبت للعمل في احد المباني التي كانت تبنى حديتا وعملت في بنائها كعامل جص واستمرت الحالة عشرة ايام بعدها استطعت ان اتدبر مبلغ الهدية وابتعت لك قرطا  فعلقتيه في اذنيك وابتسمت لي والسعادة تغمر وجهك الحالم الجميل وكانك في داخلك تقولين   لي : وهل ولدت الا لاحبك !! ( ويقف برهة عن الاسترسال ويبدا بعدها بالكلام وكانه يبكي : والان هل نسيت ذلك الحب .. هل نسيت ذلك الاخ الذي اشرقت في قلبه كابهى حب بين اخ واخته ؟

الاخت : كفاك ايها الغريب .. حكايتي تخيفني .

ايوب : وكيف بك اذا قصصت مالاقيته هناك في البعيد …في البعيد ؟ .

الاخت : انت تجهض حياتي ايها القادم من البعيد .. البعيد .

21

 

22

 
ايوب: لايمكن ان اجهض حياتك .. فانا شقيقك .. شقيقك انا يا اخت قلبي .. انظري الى وجهي .. الا ترين تشابه ملامحنا ..تذكري جيدا .. تاملي خطابي الموجه الى الرقة الالهية الكامنة في اعماقك .. فانا اعرف ان الهك لم يكن محاربا ولا قبليا .. ولايمكن ان يتحول الهنا الرفيق الىاله قبلي محارب .. هل يمكن ان يكون القطب الشمالي جنوبيا .. واما اذا استمرت الحالة وتشبثت بعنادك .. فتلك حالة تولد في نفسي الضياع والفراغ .. ( الاخت تدير وجهها عن ايوب) ( ايوب يبدو ملدوغا فيصرخ ) : ما اقفر العالم .. ما اقفر عالم لايتعرف عليّ فيه احد . ( يقف مستدركا  كأن خاطرة جديدة طرات في فكره ) .

         وذلك الفتى الشاب هل نسيته ايضاً ؟ هل نسيت مصطفى والوعد الذي قطعته له : ساكون بجانبك واملأ احشاء بندقيتك بالرصاص كلما فرغت .. هل نسيت عندما قلت له هذا الكلام ابتسم هو بملئ فمه وقال لكِ : هذا معناه النصر ؟!! .

الاخت : مصطفى .. هذا الذي تتحدث عنه ليس له وجود في قائمة ذاكرتي .

23

 
ايوب : مصطفى الشاب الرزين الهادئ الوقور .. الثائر في اعماقه .. مصطفى لماذا وقعت على البيان .. لاجل من ؟ ( هنا يتحدث متمتما بينه وبين نفسه بتاثر بالغ وبصوت مسموع ) .

الاخت : ( منفعلة تخاطب زوجها الاجنبي ) .

         لماذا لاتطرده .. لماذا لاتطرده من الدار ؟ هل تريد ان اجن ؟

الصهر : انه كلب .

ايوب : ( يتقدم بخطوات ثابتة نحو الاب ويتكلم باسى بالغ ) هل انا كلب يا ابي ؟

الاب : صهري ادرى .. انه اعلم منا جميعا .

ايوب : اذن ان لهذا السؤال ان يطرح : هل يستحق موضوعا ما ان تضحي بزهرة شبابك من اجله ؟ ( وبهدوء غريب ) .

        مات قلبي واصبح العالم فارغا .

الاب : ايها الفتي : اليس لك معارف اخرين في هذه المدينة ؟

ايوب : ومن اقرب الى الانسان من امه وابيه واخته ..           ( وباسف ) لو كان لي اخا لمددت يدي نحوه .. لايمكن لشيء ان يفرحني مثل اخ يمد يده نحوي .

24

 
الاب : سالتك : هل هنالك من تعرفه ؟

ايوب : اجل .. لي اصدقاء كثيرون واقربهم الي صديق شاعر واديب ، لابد انه يتعرف علي لاني كنت ملازما له لسنوات طويلة – نقرا معا … ونكتب معا .. ونغني    معا .. الا انه لم يوقع على البيان  معنا .

الاب : اذن اذهب اليهم لعلهم يساعدونك في محنتك .

ايوب : اب ينكر ابنه .. وام تنكر ابنها .. واخت تنحو    منحاهما .. لابد  ان اللعنة حلت .

الصهر : ( يشهر مسدسه ) ساقتلك حالا …

          ( الجميع يتداخل لمنع وقوع جريمة ويحسم الاب الموقف بقوله الى ايوب : )

الاب : اخرج من دارنا ايها الغريب  .

( الصهر ) : ( يساند الاب ) اخرج من دارنا ايها الغريب .

ايوب : ( باسف عميق وقد جرحت مشاعره كلها ) ان يطرد اهل الدار من دارهم امر يثير اسئلة كثيرة .. واما ان يطردني غريب من داري فيثير اسئلة اكثر .

25

 
         ( ثم يخطو بخطوات ثقيلة نحو الباب تمهيدا لمغادرة البيت وعند باب الخروج يستدير ليقول بصوت شجاع وحزين) 

         جئت  لأطلق النار على الاستبداد .. فاءذن باهلي يفرشون دربه بالورود ( يخرج في الوقت الذي تملأ فيه اصوات الجوقة جو المسرح ) .

اصوات الجوقة : " عمن تبحث ايها الغريب

الحارس يتبعك اينما ترحل

فان لم تستسلم

فتسقط على الرصيف

بفعل رمحين مسمومين

واحد في الصدر واخر في الراس

دماؤك قانية تسيل .. " .