|
|
قحطان الهرمزي
اربع
مسرحيات جادة
1
74 مسرحية
2 المدينة التي غادرها اهلي … - مدخل - ( مشهد مدينة تكاد تكون مهجورة .. شوارع
قفراء .. بيوت على الطراز القديم .. جو المدينة يكون خريفيا حزينا . ريح ليست
سريعة .. اشجار تتساقط ارواقها .. سكون شامل . ) . ايوب : ( يظهر على المسرح متفحصا المدينة
وباستغراب شديد ) .
3 42 الحارس : ( يدخل المسرح وبيده بندقية ) لاتتحرك والا قتلتك . ايوب : ( وكانه غير آبه ) الم ترتوا من
القتل ؟ الحارس : ( منفعلا ) هذا كلام يضرك ايها
الغريب ؟ ايوب : ( مؤشرا الى نفسه ) هل انا هو
الغريب ؟ ! الحارس : والا فمن انت ؟ ايوب: انا ابن هذه المدينة . الحارس : وما دليلك على ما تدعي ؟ ايوب: في داخلي الف دليل على ما اقول . الحارس : اذن قل لي من انت ؟ ايوب : انا الذي يجب ان اقول لك من انت ؟
الحارس : ما هذا الهراء ؟ ايوب : الهراء هم الذين اوجدوك ! الحارس : ومن تقصد بـ ( هم ) ؟ ايوب : النفر الضال . النفر المعزولون ..
المنبوذ الذين اوجدوك لحماية انفسهم من قلقهم وتمزقهم والخوف من انفسهم .
5 ايوب : أأنا هو المتشرد ؟ الحارس : بل متشرد وقح . لا افهم ماذا
يقصد ؟ ايوب : انت لاتفهم الا ما تؤمر به . الحارس : على اية حال .. اذا لم تؤكد لي
كونك من هذه المدينة فسوف اقودك الى السجن . ايوب : الانسان سجين ذاته فلا حاجة له الى سجون اخرى . الحارس : انت متشرد وقح ( ويقرب البندقية
من جبين ايوب ) ايوب : أي انسان لا وجهة له متشرد .
فالبشر كله لا وجهة له الحارس : ( غاضبا ) لا تدعني التجأ الى
البندقية .
6 الحارس : ( وكانه بدا يتعاطف معه ومن
الممكن ظن انه مجنون او مخبول ) . واين كنت ؟ ايوب : لايمكن لاحد ان يتكهن اين كنت ؟
لم يكن الاله موجودا هناك .. لم يسمعني عندما ناديته .. انا الان بحاجة الى اله
يسمعني .. الى اله موجود حقا ، اكشف له ما يحدث في الاماكن التي لايتواجد فيها ..
وماذا يحدث للافراد المتخلى عنهم ، وكيف ان حصاته لم تكن تستطيع تحريك المستنقعات
الراكدة . الحارس : يبدو انك تشتبك مع القضايا
الشائكة والممنوعة والمحرمة .. أي انك تشتبك مع القضايا الخاسرة . ايوب : انا لا احمل عذابي فقط ولكني احمل
عذاب العالم كله فلا تنظر اليّ نظرتك الى انسان موجود وجود الشبح .. كفى احتفاظي
في الزوايا السردابية . الحارس : على اية حال ..
71 الحارس: ( يبدو انه يخطو اليه خطوات من
يعطف عليه ، ( ويسأله بصوت رومانسي)
وهل لك حبيبة ؟ ايوب : وبيت واهل واصدقاء .
8 ايوب : ( بلهجة ودية ) الا تتفق معي ايها
الحارس ان الالم هو اله طيب ، ومن لم يتالم في حياته ألما مبرها . من لم يعشق ..
من لم يحمل في داخله جروحا نازفة لاتندمل .. قد فاتته النعمة الكبرى وهو ليس بانسان . الحارس : ( مرتبكا ) انت غير مالوف
وكلماتك غير مالوفة .. وحالتك غريبة .. لذا ساعاملك كاسير حرب قاوم ببسالة ولا
انزع نياشينك .. وبما انك تدعي بإن لك حبيبة وبيت واهل واصدقاء .. ادخل أي دار
تشاء .. شاهد واحد يكيفيني ان ادعك حرا وانصرف ، اما اذا كان الامر على غير ما
تدعي فعندئذ علي تنفيذ واجبي .
9 الجوقة الموسيقية : ( تنشد بصورة كورالية
امام ايوب والحارس ) . (( عمن تبحث ايها الغريب الحارس يتبعك اينما ترحل فاءن لن تستسلم فتسقط علىالرصيف بفعل رمحين مسمومين واحد في الصدر واخر في الراس دماؤك قانية تسيل .. )) ايوب : ( يواجه الجوقة الموسيقية ) جئت ابحث عن نفسي جئت ابحث عن ايوب الجوقة الموسيقية : ايوب كان نبيا فمات
102 ايوب : ايوب النبي مات اما ايوب الانسان فلم يمت . ( تم يتقدم من الجوقة ويقول : ) لايصح للانبياء ان يتباهوا بكفاحهم . لقد
كان لهم اله
يساندهم . انا الذي يجب ان اتباهى بكفاحي . لاني كافحت بدون رب يساندني . الجوقة الموسيقية : ( تخرج من المسرح
منشدة نفس النشيد السابق ) . الحارس : ( موجها كلامه الى ايوب مع بعض
التودد ) . والان ماذا تقول يا ايوب . ؟! ايوب : ( متأهبا ) اقتيادك لي الى السجن
امر لايكدرني .. لاني كانسان متالم احمل في داخلي سجنا كبيرا وهموما تخصني وحدي
وغربة قضيتها بالبكاء ؟ الحارس : واين قضيت هذه الغربة التي
تصفها بـ المريرة ؟
11 الحارس : ( اصبح اقرب اليه مودة ) ايها
الغريب لماذا لاتفرغ حمولة داخلك وتتخلص منها .؟! ايوب : عندما يترسب شيء ما في داخل
الانسان لايستطيع التخلص منه بسهولة ، فمن كان مثلاً في قلبه عشق كبير بهيامه
ونزوعه الى امتلاك المحبوب يموت هو ولايموت ما في قلبه .. وكذلك القلق الانساني
فهو ربي المتوج ولا سبيل من الخلاص من سطوته . ( ويقترب من الحارس وكانه صديقه ليقول في وجهه ) رغم ما قلت فاءن الناس
غير جديرين لكي تضحي من اجلهم .. ( ثم بشكل هيستيري )
العالم مزيف العالم مزيف ومغشوش .. ( يهتف ) فليسقط العالم . الحارس : ( يبتعد عنه قليلا ) .
122 ( المشهد الاول ) ( غرفة استقبال واسعة ذات اثاث
من الطراز القديم .. الاب جالس في الصدارة بجانبه الام وتحيط بهما الابنة وزوجها
.. ايوب واقف امامهم .. المشهد بيدو وكانه قاعة محكمة مهيبة . ) . ايوب : كيف حالك يا ابي ؟ كيف حالك يا
امي ؟ كيف حال الجميع ؟ ( صمت مطبق وعلامات
حيرة على وجوه الجالسين ) ايوب : لِمَ هذا الصمت ؟ لِمَ هذه الدهشة ؟ وما هذه العلامات
الاستفهامية في اعينكم ؟ ( مؤشرا الى نفسه بوثوق ) الم تعرفوني ؟ انا ايوب ..
ابنكم ايوب .. ابن هذه العائلة ؟ الابن الوحيد لهذه العائلة . الاب : ( بصوت رزين ) لا اعرف احدا اسمه
ايوب . الام : ( بصوت حزين ) وانا ايضاً لا اعرف
احدا بهذا الاسم . ايوب : ( يظهر عليه الارتباك ويتوجه نحو
اخته ) وهل انت ايضا يا اختي ؟ الاخت : ( حائرة ومرتبكة ) اجل .
13 الاخت : انه زوجي . ايوب : ولكنه غريب عن العائلة . ( يتجه نحو الاب ) ومنذ متى بدأ الغرباء يتسربون الى دارنا
يا ابي ؟ الصهر : ( يقوم من مجلسه غاضبا ويتوجه
نحو الاب ، من هذا المخبول يا عماه
؟ الاخت : ( تقف وتوجه كلامها الى الاب ) اطرده من الدار يا ابي .. انني خائفة منه
. ايوب : يرجع نحو اخته الواقفة ) لكم كنت
متفجرة صريحة ؟ ما زلت هائجة كالسيل .. مازلت كعهدي بك تفتقرين الى مجرى . الاخت : ( تواجه ايوب بغضب ) انني استشيط غضبا من سوء تصرفك . ايوب : ( مازال في موقفه الرومانسي في
حديثه معها ) كنت كالسحب تمطرين سيولا ومع ذلك لم
تكوني الا سحابة خفيفة . ( باندهاش ) يا ترى ماذا جرى لك ..؟
142 ايوب : اتيت من بعيد .. من مكان بعيد ..
اتيت لا لكي اعكر صفو حياة احد .. بل لكوني فردا من افراد هذه العائلة ( ثم للجميع
) لابد ان امورا غريبة حدثت والا فماذا يبرر تنكر اب وام لابنهما الوحيد ؟ كيف
تنسى الاخت آخاه ؟ كيف تتزوج الابنة الصالحة للعائلة غريبا من غير اهل الدار ؟ . الاخت : ( يخطو بهياج نحو الام ) ايتها الام العزيزة .. الا تسمعين ما
يدعي هذا الفتى الغريب . لماذا لاتتكلمين ؟ ( الام تظل صامتة ) . ايوب : ( مع نفسه بصوت مسموع ) ياللعناكب
التي نسجت بيوتها في ادمغتهم . يبدو انهم اطلقوا النار على ماضيهم وحكموا عليه بالاعدام .. حكموا بالاعدام
على انفسهم هم .. هم الذين كانوا يدعون : كل العالم عائلة واحدة . الاب : ( يقدم ويخطو نحو ايوب ويواجهه )
15 ايوب : لقد كان سلامي الشخصي وآمان نفسي
حاضرين في نفسي عندما كنت يافعا تاخذني معك الى الحقول البعيدة والبساتين المزدهرة
وكنت تحدثني عن حب الارض حتى امتلئت به ابار ذاتي واصبحت كالدورق الملأن رغبة
وهياما حبا بالارض .. وما جرى كان سببه تحقيق تلك الرغبة . الاب : ( يبتعد عن ايوب قليلا وبشبه
انحناءة من فوق ظهره ، حقا انك تعيش واهما ، لانه لم تكن لنا في يوم من الايام
حقولا وبساتينا في هذا البلده عشنا متيبسين .. وما زلنا نعيش في جفاف لذا ابحث عن
بيتك في مكان اخر . ايوب : ( محاولة منه لتحريك ذهن والده )
. ((امراة تفوح منها
رائحة المسك )) اتذكر يا ابي هذه العبارة . الاب : لاتعني هذه العبارة عندي إفاءة ما
.
162 الاب : هذا كلام من تداعيات مخيلتك
المريضة . ايوب : غريب امرك يا ابي .. لكانك تريد
لي وطنا بلا احبة .. وانت الذي قلت لي مراراً : ان الوطن خراب بدون احبة .. الا
يؤنبك ضميرك وانت ترى كل هذا الشقاء الذي انا فيه ؟ ( يصرح ) لماذا اتيت بي الى هذا العالم .. هل لكي احمل
صليب الوحدة والعزلة والانكسار والاحباط .. لكم هو قبليّ الهك يا ابي ؟ انت
تستعمله وتستخدمه ضدي عصا لتخويفي . الاب : اذهب انت وابحث عن الهك الرحيم في
مكان اخر ..
17 ايوب : لا حاجة لي الى مثل هذا الديوان
.. فانا موجود في اوراقي الخاصة .. والمدينة التي انتمي اليها لها نكهة خاصة في
داخلي . ( يتقدم نحو الام وقد حل به الياس ولكنه لم يفقد الامل بعد ) . أماه ايتها القديسة : اسمعي الى اما
اقوله لك الان .. لعله يقودك الى استعادتي الى خاطرك . الام : تكلم فانا صاغية .
182 الام : ( مصدوعة ) لم يحدث شيء كهذا .
19 الام : ( في هذه المواقف يحدد المخرج
حركات الممثلين حسبما يتطلبه الموقف ) انا لا افهم من الشعر شيئا حتى اقول هذا
الكلام .
20 - مكوا حباله .. اخرجوه من النار .. انا لا
اريد ان افقد الشاعر الوحيد الحيققي في بلدي(1)
. ولم افهم بالضبط ماذا كنت تقصدين في حينه ،
ولكني فهمت قصدك عندما وجدت جئتي تتدلى وتحتي النيران تشتعل . الام : لست الام التي روت لك هذه الاسطورة
. ايوب : يبقى ان اصرخ في وجهك ( يصرخ ) :
من طلب منك ان تلديني يا اماه ؟ الاخت : ( تتداخل متنقله بين الحضور
بانفعال شديد ) رباه لا اطيق كل
هذا .. لا اطيق كل هذا . . ايوب : ( يشعر بالعطف على اخته الهاتجة )
انك تعبشين حياة فجيعة …
دعيني اروي لك خاطرة لعلها تعيدني الى خاطرك ( بلهجة عاطفية رقيقة ) : عندما عدت
من المدرسة وبيدك وثيقة نجاحك ايام كنا لا يقف تعاطفنا مع البعض عند حد احتضنتك
واحسست بشروقك في قلبي ، وكان اشراقك اكثر
سطوعا من الشمس المشرقة في كبد السماء ولما امتثلنا امام والدينا حبذن العائلة
ان تكافئك بهدية تدخل السرور الى نفسك الغضة الا ان العائلة وجدت نفسها عاجزة عن
تدبير مبلغ الهدية .. بكيت في قراره نفسي دون ان اشعرك ، وفي صباح اليوم الثاني
هيأت نفسي ونهضت من النوم مبكرا وذهبت للعمل في احد المباني التي كانت تبنى حديتا
وعملت في بنائها كعامل جص واستمرت الحالة عشرة ايام بعدها استطعت ان اتدبر مبلغ
الهدية وابتعت لك قرطا فعلقتيه في
اذنيك وابتسمت لي والسعادة تغمر وجهك الحالم الجميل وكانك في داخلك تقولين لي : وهل ولدت الا لاحبك !! ( ويقف
برهة عن الاسترسال ويبدا بعدها بالكلام وكانه يبكي : والان هل نسيت ذلك الحب .. هل
نسيت ذلك الاخ الذي اشرقت في قلبه كابهى حب بين اخ واخته ؟ الاخت : كفاك ايها الغريب .. حكايتي
تخيفني . ايوب : وكيف بك اذا قصصت مالاقيته هناك
في البعيد …في البعيد ؟ . الاخت : انت تجهض حياتي ايها القادم من
البعيد .. البعيد .
21 22 وذلك الفتى الشاب
هل نسيته ايضاً ؟ هل نسيت مصطفى والوعد الذي قطعته له : ساكون بجانبك واملأ احشاء
بندقيتك بالرصاص كلما فرغت .. هل نسيت عندما قلت له هذا الكلام ابتسم هو بملئ فمه
وقال لكِ : هذا معناه النصر ؟!! . الاخت : مصطفى .. هذا الذي تتحدث عنه ليس
له وجود في قائمة ذاكرتي .
23 الاخت : ( منفعلة تخاطب زوجها الاجنبي )
. لماذا لاتطرده ..
لماذا لاتطرده من الدار ؟ هل تريد ان اجن ؟ الصهر : انه كلب . ايوب : ( يتقدم بخطوات ثابتة نحو الاب
ويتكلم باسى بالغ ) هل انا كلب يا ابي ؟ الاب : صهري ادرى .. انه اعلم منا جميعا
. ايوب : اذن ان لهذا السؤال ان يطرح : هل
يستحق موضوعا ما ان تضحي بزهرة شبابك من اجله ؟ ( وبهدوء غريب ) . مات قلبي واصبح العالم
فارغا . الاب : ايها الفتي : اليس لك معارف اخرين
في هذه المدينة ؟ ايوب : ومن اقرب الى الانسان من امه
وابيه واخته .. (
وباسف ) لو كان لي اخا لمددت يدي نحوه .. لايمكن لشيء ان يفرحني مثل اخ يمد يده
نحوي .
24 ايوب : اجل .. لي اصدقاء كثيرون واقربهم
الي صديق شاعر واديب ، لابد انه يتعرف علي لاني كنت ملازما له لسنوات طويلة – نقرا
معا … ونكتب معا .. ونغني معا .. الا انه لم يوقع على البيان معنا . الاب : اذن اذهب اليهم لعلهم يساعدونك في
محنتك . ايوب : اب ينكر ابنه .. وام تنكر ابنها
.. واخت تنحو منحاهما
.. لابد ان اللعنة حلت . الصهر : ( يشهر مسدسه ) ساقتلك حالا … ( الجميع
يتداخل لمنع وقوع جريمة ويحسم الاب الموقف بقوله الى ايوب : ) الاب : اخرج من دارنا ايها الغريب . ( الصهر ) : ( يساند الاب ) اخرج من
دارنا ايها الغريب . ايوب : ( باسف عميق وقد جرحت مشاعره كلها
) ان يطرد اهل الدار من دارهم امر يثير اسئلة كثيرة .. واما ان يطردني غريب من
داري فيثير اسئلة اكثر .
25 جئت لأطلق النار على الاستبداد .. فاءذن
باهلي يفرشون دربه بالورود ( يخرج في الوقت الذي تملأ فيه اصوات الجوقة جو المسرح
) . اصوات الجوقة : " عمن تبحث ايها
الغريب الحارس يتبعك اينما ترحل فان لم تستسلم فتسقط على الرصيف بفعل رمحين مسمومين واحد في الصدر واخر في الراس دماؤك قانية تسيل .. " . |