موسوعة تركمان العراق العراق الجميل ابداعات

      قحطان الهرمزي

 

              قارب في الصحراء

اربع مسرحيات جادة

 

1

 
كانون الثاني 2005

 

74

 

 

 
المدينة التي غادرها اهلي …

 

مسرحية

2

 
 


المدينة التي غادرها اهلي …

- مدخل -

( مشهد مدينة تكاد تكون مهجورة .. شوارع قفراء .. بيوت على الطراز القديم .. جو المدينة يكون خريفيا حزينا . ريح ليست سريعة .. اشجار تتساقط ارواقها .. سكون شامل . ) .

ايوب : ( يظهر على المسرح متفحصا المدينة وباستغراب شديد ) .

3

 

42

 
البيوت هي عينها والشوارع كذلك .. الا ان نوعا من المشيب داهمها … ( يستدرك ) ما هذا الصمت الرهيب ؟ ماذا جرى ؟ الى اية جهة ارتحلوا ؟ الرحيل بات هاجسنا وخوفنا .. وخاصة الرحيل الى اين ؟ (عواء كلاب و اصوات صفارات يسمع اتية من بعيد ، ما هذا الفراغ ؟ ولِمَ  هذه العزلة الشريرة .. هل تغير المجرى في هذه المدينة ؟ هل ابتلع الظلام الدامس الاضواء الساطعة ؟ ( يتحرك هيستيريا ويقول كلاما غريبا ) كان علي ان ابقى متكورا كالكرة .. هناك في العالم السفلي .. الاسئلة كانت غامضة … ونزيفي كان حادا .. لقد قلت مرات عديدة  .. لا اعرف .. لااعرف .. ( بعد فترة تامل ) كيف يتسنى للانسان ان يدري ما يفعله الاخرون .. الاخرون الان هم ليسوا كما كانوا .. ( يحدق مليا في بيوتات المدينة ) حتى هذه المدينة ليست كما كانت .. اشجار عارية .. اوراق صفراء تبعث بها الريح .. سكون شامل .. وابواب موصدة باحكام صارم . هناك فتحوا لي الباب  .. هذا كل ما ااتذكره .. وما عدا ذلك كان ظلاما وغموضا في ذاكرتي المظلمة عن مكان تواجدي .. ليس ما حدث هو الذي يؤلمني …  الذي يؤلمني انني لم امسك بيدها عابرا الجسر الحجري صعودا الى القلعة وازقتها الضيقة .. ولم اعد اميز الان فيما اذا كانت هي التي رحلت من البلد الذي تحب ام انا الذي فقدت البلد الذي احب ؟ واولا فاين هم سكان هذه المدينة ؟ لماذا لااسمع الاغاني التي كانت تبهج وتحزن في ان واحد وتهز الشوارع والابنية والانسان والعشاق منهم بصورة خاصة ..   ( ثم بصوت شجي ) هل مات العشاق ؟ العشاق مجانين .. والمجانين يموتون قبل الاوان .. ما افقر العالم بدون عشق وعشاق .

الحارس : ( يدخل المسرح وبيده بندقية )

لاتتحرك والا قتلتك .

ايوب : ( وكانه غير آبه ) الم ترتوا من القتل ؟

الحارس : ( منفعلا ) هذا كلام يضرك ايها الغريب ؟

ايوب : ( مؤشرا الى نفسه ) هل انا هو الغريب ؟ !

الحارس : والا فمن انت ؟

ايوب: انا ابن هذه المدينة .

الحارس : وما دليلك على ما تدعي ؟

ايوب: في داخلي الف دليل على ما اقول .

الحارس : اذن قل لي من انت ؟

ايوب : انا الذي يجب ان اقول لك من انت ؟

الحارس : ما هذا الهراء ؟

ايوب : الهراء هم الذين اوجدوك !

الحارس : ومن تقصد بـ ( هم ) ؟

ايوب : النفر الضال . النفر المعزولون .. المنبوذ الذين اوجدوك لحماية انفسهم من قلقهم وتمزقهم والخوف من انفسهم .

5

 
الحارس : ( متعجبا ومتفحصا ايوب بدقة ) : لم اسمع بمتشرد يتطاول  على الحارس بمثل هذه الفظاظة .

ايوب : أأنا هو المتشرد ؟

الحارس : بل متشرد وقح . لا افهم ماذا يقصد ؟

ايوب : انت لاتفهم الا ما تؤمر به .

الحارس : على اية حال .. اذا لم تؤكد لي كونك من هذه المدينة فسوف اقودك الى السجن .

ايوب : الانسان سجين ذاته فلا  حاجة له الى سجون اخرى .

الحارس : انت متشرد وقح ( ويقرب البندقية من جبين ايوب )

ايوب : أي انسان لا وجهة له متشرد . فالبشر كله لا وجهة له

الحارس : ( غاضبا ) لا تدعني التجأ الى البندقية .

6

 
ايوب : ( يدور حول الحارس ) أي جبان يحمل بندقية يستطيع ان يقتل انسان .. اجل تستطيع ان تقتلني الان ( يقف ويغبر لهجته ) ولكنه بموت انسان واحد لاترتوي البنادق .. ثم ماذا ؟  ثم ماذا اذا مت ؟ هل يموت الناس معي وتقف الحياة ؟‍ ( بلهجة ماساوية ) انا لمست الموت بيدي .. رايته بعيني .. سمعته        باذني … لمسته وهو سلك كهربائي مشحون حول عنقي .. رايته كقطعة قماش اسود يلف عيني .. سمعته على شكل كلمات صاعقة تهمشت في اذني … شربت ومعه في كاس واحدة ورقصت واياه في كيس جرذان عمياء مسعورة .. ورغم ذلك فها انذا        اعود .. .

الحارس : ( وكانه بدا يتعاطف معه ومن الممكن ظن انه مجنون او مخبول ) . واين كنت ؟

ايوب : لايمكن لاحد ان يتكهن اين كنت ؟ لم يكن الاله موجودا هناك .. لم يسمعني عندما ناديته .. انا الان بحاجة الى اله يسمعني .. الى اله موجود حقا ، اكشف له ما يحدث في الاماكن التي لايتواجد فيها .. وماذا يحدث للافراد المتخلى عنهم ، وكيف ان حصاته لم تكن تستطيع تحريك المستنقعات الراكدة .

الحارس : يبدو انك تشتبك مع القضايا الشائكة والممنوعة والمحرمة .. أي انك تشتبك مع القضايا الخاسرة .

ايوب : انا لا احمل عذابي فقط ولكني احمل عذاب العالم كله فلا تنظر اليّ نظرتك الى انسان موجود وجود الشبح .. كفى احتفاظي في الزوايا السردابية .

الحارس : على اية حال ..

71

 
ايوب : على اية حال .. واجبك هو القبض علي .. انها حقيقة لاتفوتني . الكل مقبوض عليه . الكل محكوم عليه بالموت لكنه ينتظر التنفيذ . ( بشكل درامي  ينتقل الى ما هو اغرب بالنسبة للحارس ) ايها الحارس  .. هل رايت ازهار الخزامي في الربيع .. اليست هي قرمزية كشقة فتاة عذراء .. انها ازهاري المفضلة . انها الازهار التي اذا لم ارها يعني اني لم ار الربيع ولا ازهاري المفضلة مرت علي هنالك سنوات عصيبة .. تصور ايها الحارس عالما بدون ازهار الخزامي .. أي عالم هذا .. عالم باتس كئيب يثير الاسى . ( يتمتم بينه وبين نفسه ولكن بصوت مسموع وعاطفي ) حبيبتي كانت تقول لي : ازهار الخزامي القرمزية معناها وجود ربيع دائم .

الحارس: ( يبدو انه يخطو اليه خطوات من يعطف عليه ،        ( ويسأله بصوت رومانسي) وهل لك حبيبة ؟

ايوب : وبيت واهل واصدقاء .

8

 
الحارس : ومع ذلك فانت تبدو وكانك لست من اهل هذه المدينة … فانا لم ارك قط .. من اين انت قادم ؟ ولم هذا التعب البادي على وجهك ؟ وما هذه الدموع الحبيسة  في عينيك ؟ ولماذا في رنات صوتك حشرجة المتالمين ؟

ايوب : ( بلهجة ودية ) الا تتفق معي ايها الحارس ان الالم هو اله طيب ، ومن لم يتالم في حياته ألما مبرها . من لم يعشق .. من لم يحمل في داخله جروحا نازفة لاتندمل .. قد فاتته النعمة الكبرى وهو ليس    بانسان .

الحارس : ( مرتبكا ) انت غير مالوف وكلماتك غير مالوفة .. وحالتك غريبة .. لذا ساعاملك كاسير حرب قاوم ببسالة ولا انزع نياشينك .. وبما انك تدعي بإن لك حبيبة وبيت واهل واصدقاء .. ادخل أي دار تشاء .. شاهد واحد يكيفيني ان ادعك حرا وانصرف ، اما اذا كان الامر على غير ما تدعي فعندئذ علي تنفيذ واجبي .

9

 
ايوب : الان تبدا عملية تعريف الذات ، وسوف تتكلم اناي الكبرى في داخلي مع اناهم الداخلية لا مع        مسوخهم .. سوف افهمهم من ايقاعات قلوبهم .. سوف انصرف عن الامام المنافق واتشبت بمخمور وشرب اقداحا حقيقة من النبيذ الصافي المعتق .. آه ما اجمل جرار الخمور حين يحتسيها من كان في مستواها .. انها شبيهة بحببيتي اشتهيها ولكني لا املكها .. اشتهي اشياء كثيرة لست صاحبها .. ما اتعس الانسان الذي يهرب امامه كل شيء .           ( اصوات مطعمة بالموسيقى تسمع من بعيد ثم تقترب الاصوات  رويدا رويدا حتى تدخل المسرح على شكل جوقة موسيقية ) .

الجوقة الموسيقية : ( تنشد بصورة كورالية امام ايوب والحارس ) .

(( عمن تبحث ايها الغريب

الحارس يتبعك اينما ترحل

فاءن لن تستسلم

فتسقط علىالرصيف

بفعل رمحين مسمومين

واحد في  الصدر واخر في الراس

دماؤك قانية تسيل .. ))

ايوب : ( يواجه الجوقة الموسيقية ) 

 جئت ابحث عن نفسي

جئت ابحث عن ايوب

الجوقة الموسيقية : ايوب كان نبيا فمات

102

 
ايوب كان نبيا فمات

ايوب : ايوب النبي مات

اما ايوب الانسان فلم يمت .

( تم يتقدم من الجوقة ويقول : )

لايصح للانبياء ان يتباهوا بكفاحهم . لقد كان لهم اله      يساندهم . انا الذي يجب ان اتباهى بكفاحي . لاني كافحت بدون رب يساندني .

الجوقة الموسيقية : ( تخرج من المسرح منشدة نفس النشيد السابق ) .

الحارس : ( موجها كلامه الى ايوب مع بعض التودد ) .

والان ماذا تقول يا ايوب . ؟!

ايوب : ( متأهبا ) اقتيادك لي الى السجن امر لايكدرني .. لاني كانسان متالم احمل في داخلي سجنا كبيرا وهموما تخصني وحدي وغربة قضيتها بالبكاء ؟

الحارس : واين قضيت هذه الغربة التي تصفها بـ المريرة ؟

11

 
ايوب : في داخلي . في اعماقي ترسبات تضنيني .. صراع طويل .. قلب انهكه التشرد وهدّ قواه الانتظار الطويل والهجر والعزلة .. ما اتعس المرافئ التي لاتقف عندها السفن ( بعد برهة قصيرة ) يمتلكني احساس رهيب باني مرفأ مهجور .. يتيم محروم من الحنان لم تمس راسه يد اب وام رؤوم ( يصرخ ) اني علاقة مقطوعة .. أبد مكبلة بالحديد وناس يهربون مني ومنعطفات تنعطف ضد رغبتي .. ( ثم بصوت حزين ) : اجل .. اجل انني مرفأ مهجور .

الحارس : ( اصبح اقرب اليه مودة ) ايها الغريب لماذا لاتفرغ حمولة داخلك وتتخلص منها .؟!

ايوب : عندما يترسب شيء ما في داخل الانسان لايستطيع التخلص منه بسهولة ، فمن كان مثلاً في قلبه عشق كبير بهيامه ونزوعه الى امتلاك المحبوب يموت هو ولايموت ما في قلبه .. وكذلك القلق الانساني فهو ربي المتوج ولا سبيل من الخلاص من سطوته . ( ويقترب  من الحارس وكانه صديقه ليقول في وجهه ) رغم ما قلت فاءن الناس غير جديرين لكي تضحي من       اجلهم .. ( ثم بشكل هيستيري ) العالم مزيف العالم مزيف ومغشوش .. ( يهتف ) فليسقط العالم .

الحارس : ( يبتعد عنه قليلا ) .

122

 
          ايها الغريب دعك من كل هذا .. شاهد واحد فقط .. واحد فقط ينقذك من السجن والسجان . اعذرني هذه      مهمتي .. والتخلي عنها موت يترصدني .

( المشهد الاول )

       ( غرفة استقبال واسعة ذات اثاث من الطراز القديم .. الاب جالس في الصدارة بجانبه الام وتحيط بهما الابنة وزوجها .. ايوب واقف امامهم .. المشهد بيدو وكانه قاعة محكمة مهيبة . ) .

ايوب : كيف حالك يا ابي ؟ كيف حالك يا امي ؟ كيف حال الجميع ؟

         ( صمت مطبق وعلامات حيرة على وجوه الجالسين )

ايوب :  لِمَ هذا الصمت ؟‍ لِمَ هذه الدهشة ؟‍‍‍‍‍‍‍‍ وما هذه العلامات الاستفهامية في اعينكم ؟ ( مؤشرا الى نفسه بوثوق ) الم تعرفوني ؟ انا ايوب .. ابنكم ايوب .. ابن هذه العائلة ؟ الابن الوحيد لهذه العائلة .

الاب : ( بصوت رزين ) لا اعرف احدا اسمه ايوب .

الام : ( بصوت حزين ) وانا ايضاً لا اعرف احدا بهذا الاسم .

ايوب : ( يظهر عليه الارتباك ويتوجه نحو اخته ) وهل انت ايضا يا اختي ؟

الاخت : ( حائرة ومرتبكة ) اجل .

13

 
ايوب : (مؤشرا الى الصهر) ومن هذا الرجل الجالس لصقك ؟

الاخت :  انه زوجي .

ايوب : ولكنه غريب عن العائلة .

( يتجه نحو الاب )

ومنذ متى بدأ الغرباء يتسربون الى دارنا يا ابي ؟

الصهر : ( يقوم من مجلسه غاضبا ويتوجه نحو الاب ،  من هذا المخبول يا عماه ؟

الاخت : ( تقف وتوجه كلامها الى  الاب )

اطرده من الدار يا ابي .. انني خائفة منه .

ايوب : يرجع نحو اخته الواقفة ) لكم كنت متفجرة صريحة ؟ ما زلت هائجة كالسيل .. مازلت كعهدي بك تفتقرين الى مجرى .

الاخت : ( تواجه ايوب بغضب )

انني استشيط غضبا من سوء تصرفك .

ايوب : ( مازال في موقفه الرومانسي في حديثه معها )

كنت كالسحب تمطرين سيولا ومع ذلك لم تكوني الا سحابة خفيفة . ( باندهاش ) يا ترى ماذا جرى لك ..؟ 

142

 
الاخت : ( بانكسار ) من اين اتيت ايهاالغريب ؟ ( بشيء من الغضب ) وهل قدمت لتعكير صفو حياتنا .. ؟

ايوب : اتيت من بعيد .. من مكان بعيد .. اتيت لا لكي اعكر صفو حياة احد .. بل لكوني فردا من افراد هذه العائلة ( ثم للجميع ) لابد ان امورا غريبة حدثت والا فماذا يبرر تنكر اب وام لابنهما الوحيد ؟ كيف تنسى الاخت آخاه ؟ كيف تتزوج الابنة الصالحة للعائلة غريبا من غير اهل الدار ؟ .

الاخت : ( يخطو بهياج نحو الام )

ايتها الام العزيزة .. الا تسمعين ما يدعي هذا الفتى الغريب . لماذا لاتتكلمين ؟ ( الام تظل صامتة ) .

ايوب : ( مع نفسه بصوت مسموع ) ياللعناكب التي نسجت بيوتها في ادمغتهم . يبدو انهم اطلقوا النار على ماضيهم  وحكموا عليه بالاعدام .. حكموا بالاعدام على انفسهم هم .. هم الذين كانوا يدعون : كل العالم عائلة واحدة .

الاب : ( يقدم ويخطو نحو ايوب ويواجهه )

15

 
ايها الفتى يخطر لي انك تعيش في الوهم .. يجب ان تتخلص من وهمك . فانت بحاجة الى سلام شخصي .. الى تفسير يواسي حياتك الفجيعة في هذا العالم .

ايوب : لقد كان سلامي الشخصي وآمان نفسي حاضرين في نفسي عندما كنت يافعا تاخذني معك الى الحقول البعيدة والبساتين المزدهرة وكنت تحدثني عن حب الارض حتى امتلئت به ابار ذاتي واصبحت كالدورق الملأن رغبة وهياما حبا بالارض .. وما جرى كان سببه تحقيق تلك الرغبة .

الاب : ( يبتعد عن ايوب قليلا وبشبه انحناءة من فوق ظهره ، حقا انك تعيش واهما ، لانه لم تكن لنا في يوم من الايام حقولا وبساتينا في هذا البلده عشنا متيبسين .. وما زلنا نعيش في جفاف لذا ابحث عن بيتك في مكان اخر .

ايوب : ( محاولة منه لتحريك ذهن والده ) .

         ((امراة تفوح منها رائحة المسك )) اتذكر يا ابي هذه العبارة .

الاب : لاتعني هذه العبارة عندي إفاءة ما .

162

 
ايوب : كنت  تقول لي ( الاب يغير وضعية وقوفه وينصت بدقة ) كنت تقول لي : انت وحيدي يا ايوب .. عندما تكبر سوف ازوجك من امراة تفوح منها رائحة   المسك .. فالرجل  عندما يعود الى بيته بعد عمل شاق يحب ان بنزع تعبه ولا يستطيع ذلك الا بمساعدة امراة جميلة تقدم لها النبيذ والمضجع الدافئ .. قال احدهم : ان النساء تجسيدات للحكمة الالهية لانهن يلهمن الحب في الرجال .

الاب : هذا كلام من تداعيات مخيلتك المريضة .

ايوب : غريب امرك يا ابي .. لكانك تريد لي وطنا بلا احبة .. وانت الذي قلت لي مراراً : ان الوطن خراب بدون احبة .. الا يؤنبك ضميرك وانت ترى كل هذا الشقاء الذي انا فيه ؟‍ ( يصرح ) لماذا  اتيت بي الى هذا العالم .. هل لكي احمل صليب الوحدة والعزلة والانكسار والاحباط .. لكم هو قبليّ الهك يا ابي ؟ انت تستعمله وتستخدمه ضدي عصا لتخويفي .

الاب : اذهب انت وابحث عن الهك الرحيم في مكان اخر ..

17

 
الام : ( محاولة منها لتخفيف وطاة الحديث وبنوع من    الاشفاق ) انا اشفق على فتى تائه مثلك .. لذلك سوف ادلك على طريقة تتعرف بها على نفسك . في هذه المدينة ديوان كبير يضم سجلات ضخمة فيها اسماء جميع سكان المدينة مع التفاصيل المطلوبة . يستطيع احد موظفي الديوان ان يتفحص تلك السجلات لعلة يعثر على اسمك واسم ابيك وجدك والعائلة التي تنتمي اليها وهكذا سوف يتضح لك من تكون واين يسكن اهلك ؟

ايوب : لا حاجة لي الى مثل هذا الديوان .. فانا موجود في اوراقي الخاصة .. والمدينة التي انتمي اليها لها نكهة خاصة في داخلي . ( يتقدم نحو الام وقد حل به الياس ولكنه لم يفقد الامل بعد ) .

أماه ايتها القديسة : اسمعي الى اما اقوله لك الان .. لعله يقودك الى استعادتي الى خاطرك .

الام : تكلم فانا صاغية .

182

 
ايوب : ( يجمع قواه المبعثرة ) اماه انت سجلي الخاص الذي فيه اسمي ومن اكون … اماه اتتذكرين .. كان اليوم يوم اربعاء … رجعت من المدرسة باكيا ومرتجفا فاندهشت لحالي وقلت لي : ما بك يا ايوب ؟ لماذا تبكي يا ولدي ولما لم اجب سالتيني : هل انت جائع ؟ قلت : كلا … امطرتيني اسئلة : هل احد سخر من ملابسك لانها متهرئة ومن حذاءك لانه مثقوب ؟ ام تبكي لاننا لم ندفع لك يوميتك منذ اسبوع بسبب الفصل الكيفي الذي تعرض له والدك وفقد عمله ؟ قلت لك : يا اماً سوداء العينين .. وافره الحنان ، لا يهمني سخرية احد لكوني ارتدي ملابس بالية ولاابكي ضجرا من حذائي المشقوق ، ولا ليوميتي التي انحرمت منها .. ان والدي كان يدافع عن حقوق الاخرين .. كان ينادي بتحيقق العدالة الاجتماعية  .. اني اقتسمه المسؤولية بالقدر الذي استطيعه .. ان السبب لبكائي هو تعنت مدرس اللغة الاجنبية في مدرستنا .. لقد ضربني  واهانني وقال : كلكم كلاب …هل صحيح يا اماه : اننا كلاب .. وعندما انتهيت من كلامي ربتِ راسي بيدك الرقيقة ولاحظت حواضن عيونك تمتلئ بالدموع وانت تقولين : لغةالام هي الاولى .

الام : ( مصدوعة ) لم يحدث شيء كهذا .

19

 
ايوب : ( غاضبا ) الذي حدث اذن .. هو هذا التحول المفاجئ من الفقر الىالرفاهية .. ومن النفور من الاجنبي الى الشغف بحبه ومن ثم اهداء اختي لاحد منهم . وثم بلهجة واضحة الياس ) هذه محاولني الاخيرة معك : مرة كنت تخبزين في التنور المنصوب على سطح دارنا ، وكان لون وجهك برونزيا من شدة لهيب التنور .. وكنت واقفا بجوارك اراقب حركاتك الشجاعة .. ومحاولة مني لتخفيف وطاة عملك قرات لك شعرا .. لم يعجبك شعري .. قلت : الشاعر هو من يلقي بنفسه في هذا التنور الملتهب وبعد ان يحترق يخرج وفي يده قلم يحترق يكتب به الشعر وعندئذ  يكون شعره    حقيقيا .

الام : ( في هذه المواقف يحدد المخرج حركات الممثلين حسبما يتطلبه الموقف ) انا لا افهم من الشعر شيئا حتى اقول هذا الكلام .

20

 
ايوب : بل قلت اكثر ورويت لي هذه الاسطورة عن الشعر والسلطة : جمع احد السلاطين الشعراء وطلب منهم ان يغنوا باءن الارض لم تشهد قط مثل هذا السلطان في عظمته وعدله ونساؤه الجميلات من لم يغن يحرف .. بدا الكل يغنون عدا واحدا .. اطلق سراح الذين غنوا .. وامر بالنسبة للممتنع ان : اربطوه بجذع شجرة واشعلوا فيها النار .. ولما بدات النار تتصاعد والشاعر مربوط  بالجذع انشد وهو يكاد يحترق اغنيته الشهيرة عن قسوة السلطان واستبداده ، وعندئذ صرخ السلطان :

     - مكوا حباله .. اخرجوه من النار .. انا لا اريد ان افقد الشاعر الوحيد الحيققي في بلدي(1) .

        ولم  افهم بالضبط ماذا كنت تقصدين في حينه ، ولكني فهمت قصدك عندما وجدت جئتي تتدلى وتحتي النيران تشتعل .

الام : لست الام التي روت لك هذه الاسطورة .

ايوب : يبقى ان اصرخ في وجهك ( يصرخ ) : من طلب منك ان تلديني يا اماه ؟

الاخت : ( تتداخل متنقله بين الحضور بانفعال شديد )         رباه لا اطيق كل هذا .. لا اطيق كل هذا . .

ايوب : ( يشعر بالعطف على اخته الهاتجة ) انك تعبشين   حياة فجيعة … دعيني اروي لك خاطرة لعلها تعيدني الى خاطرك ( بلهجة عاطفية رقيقة ) : عندما عدت من المدرسة وبيدك وثيقة نجاحك ايام كنا لا يقف تعاطفنا مع البعض عند حد احتضنتك واحسست بشروقك في قلبي ، وكان اشراقك اكثر  سطوعا من الشمس المشرقة في كبد السماء ولما امتثلنا امام والدينا حبذن العائلة ان تكافئك بهدية تدخل السرور الى نفسك الغضة الا ان العائلة وجدت نفسها عاجزة عن تدبير مبلغ الهدية .. بكيت في قراره نفسي دون ان اشعرك ، وفي صباح اليوم الثاني هيأت نفسي ونهضت من النوم مبكرا وذهبت للعمل في احد المباني التي كانت تبنى حديتا وعملت في بنائها كعامل جص واستمرت الحالة عشرة ايام بعدها استطعت ان اتدبر مبلغ الهدية وابتعت لك قرطا  فعلقتيه في اذنيك وابتسمت لي والسعادة تغمر وجهك الحالم الجميل وكانك في داخلك تقولين   لي : وهل ولدت الا لاحبك !! ( ويقف برهة عن الاسترسال ويبدا بعدها بالكلام وكانه يبكي : والان هل نسيت ذلك الحب .. هل نسيت ذلك الاخ الذي اشرقت في قلبه كابهى حب بين اخ واخته ؟

الاخت : كفاك ايها الغريب .. حكايتي تخيفني .

ايوب : وكيف بك اذا قصصت مالاقيته هناك في البعيد …في البعيد ؟ .

الاخت : انت تجهض حياتي ايها القادم من البعيد .. البعيد .

21

 

22

 
ايوب: لايمكن ان اجهض حياتك .. فانا شقيقك .. شقيقك انا يا اخت قلبي .. انظري الى وجهي .. الا ترين تشابه ملامحنا ..تذكري جيدا .. تاملي خطابي الموجه الى الرقة الالهية الكامنة في اعماقك .. فانا اعرف ان الهك لم يكن محاربا ولا قبليا .. ولايمكن ان يتحول الهنا الرفيق الىاله قبلي محارب .. هل يمكن ان يكون القطب الشمالي جنوبيا .. واما اذا استمرت الحالة وتشبثت بعنادك .. فتلك حالة تولد في نفسي الضياع والفراغ .. ( الاخت تدير وجهها عن ايوب) ( ايوب يبدو ملدوغا فيصرخ ) : ما اقفر العالم .. ما اقفر عالم لايتعرف عليّ فيه احد . ( يقف مستدركا  كأن خاطرة جديدة طرات في فكره ) .

         وذلك الفتى الشاب هل نسيته ايضاً ؟ هل نسيت مصطفى والوعد الذي قطعته له : ساكون بجانبك واملأ احشاء بندقيتك بالرصاص كلما فرغت .. هل نسيت عندما قلت له هذا الكلام ابتسم هو بملئ فمه وقال لكِ : هذا معناه النصر ؟!! .

الاخت : مصطفى .. هذا الذي تتحدث عنه ليس له وجود في قائمة ذاكرتي .

23

 
ايوب : مصطفى الشاب الرزين الهادئ الوقور .. الثائر في اعماقه .. مصطفى لماذا وقعت على البيان .. لاجل من ؟ ( هنا يتحدث متمتما بينه وبين نفسه بتاثر بالغ وبصوت مسموع ) .

الاخت : ( منفعلة تخاطب زوجها الاجنبي ) .

         لماذا لاتطرده .. لماذا لاتطرده من الدار ؟ هل تريد ان اجن ؟

الصهر : انه كلب .

ايوب : ( يتقدم بخطوات ثابتة نحو الاب ويتكلم باسى بالغ ) هل انا كلب يا ابي ؟

الاب : صهري ادرى .. انه اعلم منا جميعا .

ايوب : اذن ان لهذا السؤال ان يطرح : هل يستحق موضوعا ما ان تضحي بزهرة شبابك من اجله ؟ ( وبهدوء غريب ) .

        مات قلبي واصبح العالم فارغا .

الاب : ايها الفتي : اليس لك معارف اخرين في هذه المدينة ؟

ايوب : ومن اقرب الى الانسان من امه وابيه واخته ..           ( وباسف ) لو كان لي اخا لمددت يدي نحوه .. لايمكن لشيء ان يفرحني مثل اخ يمد يده نحوي .

24

 
الاب : سالتك : هل هنالك من تعرفه ؟

ايوب : اجل .. لي اصدقاء كثيرون واقربهم الي صديق شاعر واديب ، لابد انه يتعرف علي لاني كنت ملازما له لسنوات طويلة – نقرا معا … ونكتب معا .. ونغني    معا .. الا انه لم يوقع على البيان  معنا .

الاب : اذن اذهب اليهم لعلهم يساعدونك في محنتك .

ايوب : اب ينكر ابنه .. وام تنكر ابنها .. واخت تنحو    منحاهما .. لابد  ان اللعنة حلت .

الصهر : ( يشهر مسدسه ) ساقتلك حالا …

          ( الجميع يتداخل لمنع وقوع جريمة ويحسم الاب الموقف بقوله الى ايوب : )

الاب : اخرج من دارنا ايها الغريب  .

( الصهر ) : ( يساند الاب ) اخرج من دارنا ايها الغريب .

ايوب : ( باسف عميق وقد جرحت مشاعره كلها ) ان يطرد اهل الدار من دارهم امر يثير اسئلة كثيرة .. واما ان يطردني غريب من داري فيثير اسئلة اكثر .

25

 
         ( ثم يخطو بخطوات ثقيلة نحو الباب تمهيدا لمغادرة البيت وعند باب الخروج يستدير ليقول بصوت شجاع وحزين) 

         جئت  لأطلق النار على الاستبداد .. فاءذن باهلي يفرشون دربه بالورود ( يخرج في الوقت الذي تملأ فيه اصوات الجوقة جو المسرح ) .

اصوات الجوقة : " عمن تبحث ايها الغريب

الحارس يتبعك اينما ترحل

فان لم تستسلم

فتسقط على الرصيف

بفعل رمحين مسمومين

واحد في الصدر واخر في الراس

دماؤك قانية تسيل .. " .

 

26

 
 


( المشهد الثاني )

( تبدو مجريات هذا المشهد وكأنها من وحي المخيلة ..       غرفة .. فتاة .. يدخل ايوب ) 

الفتاة : ( يقف ايوب مبهوتا ، مندهشا امام فتاة تتحدث بلا وعي ) الساعة الان الثانية بعد منتصف الليل .. افزعني حلم رهيب .. وما زلت وكانني اعيش في   جوه .. ان واقعي هو حلمي  .. وما ارغبه لايحدث الا في مخيلتي … ينتابني احساس مضني ودائم باءنني معزولة ولا مجدية وليس لما اقوم به أي معنى …

        وليس هنالك شيء يفرحني .. لقد اصبحت انسانة عاجزة في قهر شقائي .. روحي قبر . وهذا البلد يضجرني .. عرضت حالتي في رحاب الالهة طالبة منها النجدة و انتزاعي من سأمي الوحشي فاذا بالالهة تاتيني بكاس من نبعة النسيان شريتها دفعة واحدة بعدها شعرت بضباب يغلف راسي وقلبي .

27

 
         ( بعد صمت قصير تحدق هنا وهناك وكانها قد سمعت صوتا لاتتخذ أي اجراء وتعود لتكمل حديثها ) حلمت باءنني اطارد ظلي ولا استطيع اللحاق به والنجوم والاقمار تضحك مني وفجاءة وقف ظلي وصوب بندقية نحوي واطلق علي طلقا ناريا فسقطت علىالارض والدماء تنزف من كل انحاء جسمي .. افقت مذكورة ووجدت نفسي بدون نفسي .. بقي مني الظل فقط … ولم ابق انا .. انا الان ظل فقط .. وكنت قد قرات مرة .. ان الانسان فقد نفسه منذ زمن بعيد والذي ينصرف هو ظله .

        (مرة اخرى تسمع صوتا وتنتبه هذه المرة .. يظهر ايوب )

        من انت ايها الغريب .. وكيف دخلت الى غرفتي ؟

ايوب : انا ايوب وقد دخلت الغرفة من النافذة المفتوحة كما كنت افعل ذلك من قبل .

الفتاة : هل يمكن لايوب النبي ان يعود الى الحياة ثانية ؟

ايوب : لست ايوب النبي .. انا ايوب الانسان .. انظري الي جيدا وستعرفين من اكون ؟

الفتاة : (  تنظر الى ايوب متفحصة وجهه بدقة )

        لا اتذكر بانني رايتك سابقا . وعلى أي حال ماذا تريد ؟

28

 
ايوب : حارس المدينة ينتظرني امام الباب ليقتادني الى السجن لكنه عطفا منه عليّ امهلني لحين عثوري على احد يعرفني ويشهد بمعرفته لي امامه .. واذا تم ذلك يعتقني ويعيد اليّ حريتي .

الفتاة : اليس لك اهل واصدقاء ؟

ايوب : عندي اهل واصدقاء .. انكرني اهلي وطردوني من الدار .

الفتاة : وماذا عن اصدقاءك ؟

ايوب : لغيتهم تغيروا .. حتى احاديثهم تغيرت .. بل حتى مقاييسهم نحو الامور تغيرت .. وذهبت الى بيت صديق حميم كنا واياه نتحدث في الشعر والادب والفن ونلتهم معا صفحات الكتب الفلسفية والادبية لكتاب من كافة انحاء العالم  ايمانا منا ان العالم واحد والافكار هي ملك الانسانية جمعاء .. تصوري انه لم يتذكر موقفا واحدا من مواقفي معه ولم يتعرف علي وقال ان كلامي هذا لغو وانه لم يقرا في حياته كتابا واحدا .

الفتاة : وانا ماذا يمكن ان اكون بالنسبة لك ؟

ايوب : انت فرصتي الاخيرة .

29

 
الفتاة : ذاكرتي مظلمة .. فات الاوان ورغم كل شيء .. تحدث .. اسرد لي ذكريات ومواقف لعلي استطيع من خلالها التعرف عليك .

ايوب : بدات علاقتنا بعد ان وقعنا البيان .

الفتاة : وماذا كان مضمون البيان ؟

ايوب : من مضامينه : الى متى نهرب ونحن ابرياء ؟ وعندما تلافت عينانا بعد التوقيع على البيان قلت لي : لون عينك عسلي كلون عيني ، وكان الباص رقم ثمانية عشر يشق طريقه في اماكن توجتك ربة لها .

الفتاة : وبعد

ايوب : ( يدور حول الفتاة متاثرا من النتيجة التي الت اليها )

         الاجيال المضحى بها .. ماذا نقول لها ؟ بعد ان قرات هذا البند بعذوبة شفتيك القرمزيتين المكتنزتين .. وقفت تتاملين في هذه الفقرة ( انتزاع الانسان من السام الوحشي من الامور التي تساهم في تخفيف معاناة البشرية ) وكنت اقاطعك مؤكدا على هذه العبارة         ( الانطلاق بجناح قوي نحو المتاهات النقية ) كانت شفتانا تتشققان بضحك مجنون .. لاجله           سميتك :العاشقة الصامتة ولاجله ايضا انتِ سميتني : الاسمر القبيح .

30

 
الفتاة : وماذا ايضا ؟

ايوب : كنت مطواعا لما تريدين ، وبك كنت اتحدى العالم .. ولم تكن امام رغبتي اليك حدود وكنت حريصا ان لا ارى في عينيك الا ما اطلبه .

الفتاة : وثم .. ؟

ايوب : كان بياننا مزدانا بهذا البند ( المحبة تقربنا خطوة من السكينة ) .

الفتاة : وثم .. ؟

ايوب : لانريد طفولة محرومة .

الفتاة : ولم كل ذلك ؟

ايوب : اذا تطهر المجتمع الانساني من المعقدين والمنبوذين والمتسلطين ، يبتعد شبح الحرب عن الشباب ..         ( وهنا يبدو ايوب وكانه يتحدث مع نفسه وكانه تذكر امورا كثيرة حدثت ) عندما تندلع الحروب تكون وقودها الفقراء .

الفتاة : واخيرا ..

ايوب : كنت اسميك ليلى .. بينا كان اسمك الحقيقي غير هذا الاسم .

31

 
الفتاة : لا اتذكر احدا نادني بهذا الاسم .

ايوب : دعي اسمك جانبا .. اسمعي مني هذا الكلام : كنا نلتقي في اليوم الثاني من كل عيد وفي احدى مناسبة من تلك المناسبات جئتك كعادتي ورايتك ترتدين ثوبا يحوي كل الالوان المنسجمة وقد سرحت شعرك على شكل ضفيرتين تتدليان من على كتفيك نحو نهديك الدافئين الناعمين الرقيقين ) وفي اذنيك قرطان كبيران من الطراز الاسباني وفي يديك الصغيرتين المفتوحتين المنبسطتين سهول صغيرة خضراء انفتحت ليدي .. ولما التفت عيناي ببساتين عينيك .. عينيك المختلفين الغامضتين المتقلبتين شاطرني فمك الحب وهمست : ساوثقك بسوطي ، ولم اقاوم بل استسلمت لنارك برغبة طوعية .. وتسارعت كلماتي لتقدم ولائها لك : أي عزيزتي ليلى باستطاعتك ان تنامي في بحر قلبي .. باستطاعتك ان تؤوي في سرير قلبي الذي لم يتقاسمه احد غيرك .. أي عزيزتي ليلى اني احس بك احساسا صاعقا وحشيا .. انتبه اليك وكانني مشدود اليك ابدا .. اعتبري حبي نهراً تسبحين فيه او نبتة خضراء تنمو في حديقتك 

32

 
الفتاة : انك تفيض كسيل لامجرى له .

ايوب : انا في موسيقى كلامك حب بدون شروط .

الفتاة : هذه الفاظ غنائية عنيفة . روحي مختلة .. انا لست هنا .

ايوب : انسحب النسخ من جسدي .

الفتاة : لاتلف المساتل بالالم .

ايوب : عيناك مأساويتان .

        ( في هذا الحوار يبدو العاشقان في انسجام يصل الى حد الانصهار احدهما في جوف الاخر ) .

الفتاة : اكاد اسمع خفقات قلبك .

ايوب : انفك فاتن .

الفتاة : وانت اسمر قبيح .. اهكذا كنت اقول لك ؟

ايوب : وتضيفين : كل شيء يموت الا الحب .

الفتاة : مزيدا من الذكريات .

ايوب : ايام الاربعاء كانت اعياد اسابيعنا ، وكنا نخرج معا الى السهول والهضاب الفسيحة الخضراء ونهيم حبا ببعضنا .. حتى باتت السهول والهضاب الخضراء تعرفنا وكانت ازهار الدفلى القرمزية تحدثنا بصوت مسموع وتبارك حبنا وانت محجوزة في داخلي .

33

 
الفتاة : وهل كنت احجز نفسي في داخلك ؟

ايوب : بل كنت تدخلين الى جسدي من مسامات جلدي وتنامين في قلبي اياما وليالي .

الفتاة : وما دام الامر كان كذلك .. فلِمَ افترقنا ؟

ايوب : ثلاث مرات .. مرة نتيجة تعنت والدك وآخر بناء على انفعال والدتك .. والمرة الثالثة تم بناء على مشيئتك .

الفتاة : ولماذا طلبت منك الفراق ؟

ايوب : غضبت عني دون ان تذكري السبب واعدت لي اشعاري وقلت : الوداع .

الفتاة : وهل كان فراقا ابديا ؟

 ايوب : كلا .. بعد مرور اسبوع اتصلت بي هاتفيا وكان الوقت فجرا وقلت لي : انني مجنونة ..

الفتاة : ورجعنا لبعضنا .

ايوب : نعم .

الفتاة : وبعد ..

ايوب : خلال سنين حبنا حجبت عني اعز شيئئين على نفسي .

الفتاة : وهما ؟

ايوب : نهداك المغروران وصوتك العذب .

34

 
الفتاة : لكم اتألم من اجلك فحياتك تبدو مفجعة ( مستدركة ) لكن قل لي لماذا افترقنا اخيرا .

ايوب : البيان الذي كان يطالب بالعدالة الاجتماعية .

الفتاة : والان ..

ايوب : الان اخر محاولتي معك اسردها على مسامعك : الوقت كان مساء وكنا نعود من نزهة ربيعية بدات منذ الصباح الباكر ، وفجاءة لاحظتك تنظرين الي بنهم بالغ وباشتياق جارف ثم لاحظت الدموع تنهمر على خديك قلت : لماذا تبكين ياليلاي  . قلت : اخاف ان ترحل . فابتسمت قائلا : اذا رحلت اليوم غدا اعود .. ومن ثم تعلقت عين كل منا معين الاخر .. فسألتكِ : أي شيء فيّ لا يعجبك .. قلتِ : كل شيء فيك  يعجبني . وعندئذ بدات اغني لك اغنية شجبة ابكت كلينا .. 

         ( اغنية عاطفية رقيقة تتسرب الى اجواء المسرح )    ( تنتهي الاغنية ويمسح كلاهما دموعه ) .

الفتاة : اسفي .. لا استطيع ان اتذكر شيئا مما جرى .

ايوب : اذن لاتدع الحارس ينتظر طويلا ( يهم بالانصراف ) .

الفتاة : مهلا ..

ايوب : ماذا ؟

الفتاة : ساقول للحارس اني اعرفك .

35

 
ايوب : ولكنك لم تتعرفي علي .

الفتاة : ولكني استطيع ان اقول له : انني اعرفه .

ايوب : لن اقبل عاطفة مغشوشة مشوشة .

الفتاة : وهل ستختار السجن اذن ؟

ايوب : السجن مكان يستطيع الانسان ان يفكر بين جدرانه .. هل ما فعله وضحى من اجله كان يستحق كل هذا العناء ؟

الحارس : ( من وراء الباب ) انتهى الوقت … هيا اسرع يا ايوب .

ايوب : انا قادم ايها الحارس .

         ( يتهيأ للخروج بخطوات بطولية وهو يردد )

            لست واحدا منهم .. لست واحدا منهم  .

 

 

( ينزل الستار )

 

36

 
 

 


( شخصيات المسرحية )

ايوب .

الحارس .

الجوقة الموسيقية .

الاب .

الام .

الاخت .

الصهر .

الفتاة .

 

37

 
 

 

 


قحطان الهرمزي

 

القميص الخانق …

 

مسرحية

38

 
 


 ( القميص الخانق … )

39

 
( حالما ينفتح الستار يدخل الراوي متقدما نحو الجمهور … ينحني لهم باحترام ثم يقف : ) الراوي : لم يبق في قبضتنا سوى قطار واحد .. حتى هذا القطار نسي محطة المدينة ولم يزرها منذ سنوات طويلة .. هنالك تأويلات كثيرة في هذا الشان .. يقولون ان فرامله معطوبة .. ويقولون ان خط سيرة الحديدي ينخره الصدأ ، وهنالك من يقول : اطاراته تهرات ، ومنهم من يقول : قطاع الطرق هم السبب ، وقد سمعت احدهم يصرخ : عندما يسكر سائقه يتعذر عليه رؤية الطريق وخاصة ايام الغبار الطاغية المتلازمة لجو مدينتنا والتي يكون فيها مدى الرؤية ضعيفة في كافة المواسم (يستدرك ويؤشر الى نفسه ويتمشى بحركات متئدة ) قال لي احد الشيوخ : اصابته الشيخوخة والشيء الذي يشيخ لايستطيع العطار اعادة شبابه .. انظروا الى  انفسكم ( مؤشرا الى الجمهور ) كلما يمر يوم عليكم يسقط من قصر عمركم طابوق لكل يوم .. ولكنكم وكما اقرا في وجوهكم التعبة تسقط عدة طابوقات من عمركم لقاء مرور يوم واحد عليكم فسمعكم بات يلتقط بالكاد انفاس ما تجري حولكم .. ( يقف برهة وكأنه يريد ان يغير صيغة الحديث) اراني اتحدث وكأنني خارج سوركم .. انا واحد منكم لذا يتوجب علي ان اعلن : ان ما اصابكم اصابني ايضا .. فلاتكلم باسمنا جميعا .. ( تغير صيغة الحديث ) اصبحنا كلما نريد ان نتقدم خطوة نحس بعسر التنفس وبانقباض الصدر وصدى خفقات قلوبنا يملأ اذننا وكأننا بعد المائة من عمرنا .. اذن لا عجب ان اقول ان قطارنا مثلنا يتراجع  الى الوراء كلما .. تملكته نية التقدم الى امام ( يصمت قليلا لكانه احس بتماديه في الكلام ) لا اريد خوض حكايات لا نهاية لها .. المهم انه قد شاع اليوم خبر بين المواطنين مفاده : ان قطارنا الذي غاب منذ سنوات سيصل اليوم الى محطة المدينة . ( ينسحب الراوي من المسرح بعد ان ينحني ثانية للجمهور ، الضوء ينطفئء ويضيء ثلاث مرات ليتمركز اخيرا في مكان مناسب من المسرح .. فيرى الجمهور غرفة استقبال .. محمود جالس على اريكة وصوت نسائي . أي صوت امراة يسمع وكأنه صادر من المطبخ ..  ومن الممكن ان يكون لصف غرفة الاستقبال ) .

40

 
زينب : ( صوتها آت من المطبخ دون ان يراها احد او ان يرى المطبخ )

         فاطمة .. فاطمة موعد حضوره  قد اقترب .

فاطمة : ( ايضا لا احد يراها ) الى ان يحضر يكون الطعام جاهزا .

زينب : ( بصوت اقوى ) ( الصوت دال على ان صاحبته تنوي تغيير امر ما ) ماذا تقول انت يا محمود ؟ هل الامر مناسب مناقشته في هذا اليوم ؟

محمود : ( دون ان يتحرك ) سواء كان مناسبا او غير مناسب فاءنه يتوجب علينا بحث الموضوع بكل تفاصيله قبل ان يفلت الحل من يدنا . 

         ( يشارك الجلوس في غرفة الاستقبال ( مهدي ) الابن الاصغر للعائلة .. صامت مكتف بالنظر الى اخيه الكبير .. يسمع دق على الباب )

41

 
محمود : ها قد جاء ( تدخل زينب وفاطمة الغرفة وينهض محمود ليفتح الباب .. الاب يدخل وهو يرتدي قميصا باليا يتدلى على بنطلون رث .. العائلة كلها تكون مشهد من يستقبل احدا .. الكل ينظر الى الاب وهم يقولون بصوت واحد كورالي : هل الحالة كما هي ؟ ( يقولون هذا محدقين الى قميصه البالي ) ( الاب يهز راسه بالايجاب ) .

محمود : ( ينظر الى ابيه باستغراب ) اراك يا ابي عدت بالقميص البالي نفسه ؟

الاب : ( ينظر الى افراد عائلته بنظرات معبرة ) لم اجد قميصا قياسه يناسب جسمي .

محمود : ( بشيء من الضجر ) في المدينة مئات المخازن .. الم تجد في احدها قميصا يناسبك ؟

الاب : ( من دون الجميع يوجه كلامه الى ابنه الكبير         محمود ) توجد قمصان كثيرة تناسبني ولكن ما كل موجود  … موجود لكل واحد .. هنالك موجودات حتى اذا كانت في حضنك فاءنها تعصى عليك  وتفر من حضنك .

42

 
محمود : بصوت اقرب الى الغضب ) وهل كنت تريد ابتياع ضيعة .. ام كنت تريد ابتياع قميص حتى يعصى عليك الامر ؟ لم تكن تريد شراء نهر دجلة والفرات معا .. كنت تريد قميصا وما تريده امر طبيعي جدا لأن قميصك بات يشكل ارتدائه عيبا لكثرة رقعانه وتدري ان ترقيع شيء لاينفع لأعادته صالحا للاستعمال ، ولست ادري الى متى سيستمر دور الترقيع هذا ؟ ان الاوان ان نتحدث صراحة .   

زينب : ( الام تتدخل ) اذا استمرت الحالة على هذا المنوال فستبقى عاريا .

فاطمة : ( الابنة الوحيدة للعائلة تتدخل ايضا ) وسيكون ذلك عارا لنا .

الاب : ان اظل عاريا .. وان يشكل ذلك عارا لنا .. ماذا يهمهم ؟

محمود : من هم هؤلاء الذين تقول عنهم : ماذا يهمهم ؟

الاب : ( يحافظ على هدوئه ) وهل انا في امتحان حتى اتعرض لكل هذه الاسئلة ؟ الاسئلة كثيرة بالطبع .. لكن الاجوبة ابدا غير مقنعة . فأنا في داخلي الآف الاسئلة التي تظل بلا جواب دائما !! .

محمود : دع هذا جانبا .. اريد ان افهم : لماذا لم تبتع       قميصا ؟

الاب : ( وبهدوء ايضا ) اعتقد انه لايحق لك ان تستجوبني وتطرح علي كل هذه الاسئلة المحرجة .

زينب : الاستجواب يجري  بناء على طلبي .

43

 
الاب : رغم ايماني العميق بحقوق المراة . الا انه يراودني احيانا ان وراء كل مهانرة امراة . ( ويتوقف عن الكلام وينظر الى ابنه الصغير مهدي الذي ما زال صامتا ومذهولا : ، ارى مهديا لايتكلم .. هل سوف يتكلم عندما تمتلأ الدنيا جورا وتضيع العدالة من وجه الارض ؟

زينب : ( محتدة ) مهديك رايه من رايك . 

         ( الاب ينظر الى مهدي بأمتتان ثم يرجع ليواجه ابنه الكبير )

الاب : امهلني .. فسوف اوضح كل شيء .

زينب : ما نبغيه هو توضيح الامور وايجاد حل نهائي لما يكدرنا .

الاب : لكن الحل يجب ان يكون مشبعا بالاستقامة .

زينب : ( متاففة ) لكن الاستقامة في هذه الايام تؤدي بنا الى طريق مسدود .

44

 
الاب : ( يبدأ بمحاولة لتوضيح بعصنا من الامر . محمود وزينب وفاطمة يدورون حوله معبرين عن ابتهاجهم لكانهم توقعوا ان المسالة سوف تحسم نهائيا .. مهدي هو الوحيد الذي يظل ساكنا يراقبهم دون   حراك ) دخلت احد المخازن الذي كان يعرض قمصانا بمختلف الاحجام والالوان ، ومن بينها وجدت قميصا يلائمني حجما ولونا ( الكل الان واقف وهو في وسطهم عدا مهدي فهو لايزال على وضعه السابق يتنصتون الى الاب بكل حواسهم ) ( الاب يستمر في حديثه ) . اعلمت صاحب المخزن رغبتي في ابتياعه ( بخيبة امل ) .. لكني فوجئت بصاحب المخزن يقول لي : شراء هذا النوع من القميص محظور عليك : قلت لصاحب المخزن : لابأس اذا كان القميص الازرق الذي اخترته غير مسموح لي ابتياعه اذن اعطني ذلك القميص القهوائي .. هذا ايضا لايمكنني بيعه لك ، قال هذا باسلوب استعلاني وكأنه يخاطب منبوذا .. وقفت مندهشا .. ترددت ان اتخذ أي قرار او ان اقول ما يقال في مثل هذه المواقف . فكرت : ربما صاحب المخزن لايعي جيدا ما اريد .. لذلك بدات اوضح ما اريد بعبارات اخرى وباسلوب اكثر      ملاءمة : القمصان التي اردتها قياساتها تناسبني لذلك عرضت عليك رغبتي في ابتياعها . الا انني فوجئت بصاحب المخزن يتكلم غاضبا وهو يقول : القمصان التي رغبت فيها غير مسموح لك شرائها .

45

 
هل فهمت الان ؟

محمود : ( بحيرة  واندهاش . الاندهاش ظهر على وجوه كافة افراد العائلة ) هذا كلام لم اسمع مثله قط .. يدخل احد مخزنا ويرغب في شراء قميص .. بدلا من ان يرحب به صاحب المخزن .. بدلا من ذلك ينهره ويقول له : غير مسموح لك ابتياع القميص الذي تريده . ( ثم بشيء من التأثر والاستهزاء ) وهل كانت نقودك مزورة ؟

الاب : دع هذا جانبا .. وانصت جيدا لما اقول : قلت لصاحب المخزن : انظر الى قميصي لكم تهرأ ؟ انظر الى شقوقه المتفتقة من جوانب رقعاته .. علي ان ابدل هذا القميص .. واذا امتنعت عن البيع يعني ذلك انني سابقى عاريا .

محمود : ثم …

46

 
الاب : اشار صاحب المخزن الى قميص معين وقال تستطيع شراء هذا القميص فقط .. القميص المشار اليه بعد ان تاملته وجدته قد فقد لونه .. قلت في نفسي : اللون غير مهم .. فانت ترى احدهم الان ابيض   اللون .. غدا تراه قد اسودّ لونه .. وبعد مدة  تراه اسمر اللون .. ولايهمه ايضا ان يكون فيما بعد احمرا .. او ازرقا .. اذن لاحق لي في التحاور حول لون القميص ، ولكن اليس من حقي ان يكون القميص ملائما لقياس جسمي .. ؟ فالقميص الذي فرضه علي صاحب المخزن كان ضيقا الى درجة كبيرة .. اذا ارتديته  قسرا يعني ذلك انني يجب ان انقطع عن الحركة فاءذا تحركت يتشقق وان لم اتحرك فسوف اختنق  ( يستدرك ) عدت الى نفسي وفكرت قليلا : انني احب ارتداء القمصان الفارهة لاتحرك حسب هواي – اقعد وانهض بحرية تامة .. لان كل شيء لايقيدني هو ما ارتاح اليه .. فأنا لا استطيع الا ان اتحرك من خلال حريتي .. كذلك احب ان افكر وانا حر .. ( يتحرك فيما بين افراد العائلة بطريقة شبه هيستيرية وهم ينظرون اليه مرتابين من شيء ما قد يحدث ) وليكن توضيحي ادق : فانا غير موجود اذا لم اكن حرا .. ( يصيح ) اذا ارتديت القميص المفروض  علي ارتداءه .. فاءنه سوف يقيدني كما يقيد العبد المساق الى ساحة البيع في اواسط العواصم الخانقة .. ان القميص القسري

47

 
الارتداء اذا ارتديته فعلى اذن ان اتحرك حسب مشيئته وفي اطاره ، ويجب على ان انتهج المنهج الذي يفرضه علي ( يقف وقد تعب ومع ذلك فصوته هادر ) هل تقبلون ان اكون تابعا وانا اكره التبعية ؟ ( يسكت ثم على شكل تمتمة مسموعة ) هنالك مخازن كثيرة في هذه المدينة .. سوف اراجعها ولا اشتري قميصا الا بالمواصفات التي اريد .. قلت هذا وخرجت لادخل الى المخازن الاخرى .

زينب : وهل فعلت ما نويته ؟

48

 
الاب : نعم فعلت .. خرجت من ذلك المخزن وبدات ادخل كل المخازن المنتشرة في شوارع المدينة الرئيسية .. لكن لساني عقدته الدهشة عندما اصطدمت باصحابها ينهجون معي نهج صاحب المخزن الاول – أي ان اصحاب المخازن جميعا غنوا لي الاغنية نفسها .       ( يخرج من بين افراد عائلته ويتوجه نحو الجمهور ) ترى لماذ يمنعونني من شراء القميص الذي اريد ؟ لمذا ياترى يفرضون عليّ ان ارتدي قميصا معينا ؟ اصحاب المخازن يدعون : انهم لم يتصرفوا معي بمحض ارادتهم وان الامر ليس في ايديهم .. وكلهم قالوا لي : الغافل هو انت . ( يرجع الى غرفة الاستقبال ليقول لمحمود بالذات ) انا لست غافلا يا بني .. انا لست غافلا ايها الناس ( العبارة الاخيرة موجهة الى مجموع افراد العائلة . ) .

محمود : انا اعرف ذلك يا ابي .. فانت انسان اختبر الدنيا وفهمها .. انها دنيا تافهة وضحلة ولاتستحق ان نتصالح معها .. 

         ( المشهد يتغير بصورة تلقائية .. يخرج الاب من غرفة الاستقبال بعصبية ويتوجه نحو الجمهور مرة اخرى ويقف في حضورهم تلحقه زوجته وتقف بجانبه ) .

49

 
الاب : ( بصوت فيه حزن ممزوج بشيء من الندم ) عند خروجي من كل مخزن وانا صفر اليدين كان الناس يحدقونني باستهزاء وشماته لكانني مرتكب جريمة كبرى .. ما الذي  ارتكبته ؟ ما الذي طلبته ؟           ( بصوت رقيق ) انا كأي مواطن في هذا البلد ابغي ابتياع قميص ملائم هل في هذا ما تشكل مخالفة    ما ؟! لماذا هذا التمايز ؟ يأتي احد المواطنين فيبتاع القميص الذي يريد وانا مواطن مثله لماذا لا استطيع ذلك ؟ انا مثله تماما لي يدان وعينان وقد خلقنا جميعا من طينة واحدة وبصنع خالق واحد وفي بلد واحد وفي وطن واحد بل وفي قارة واحدة وعالم واحد يضمنا جميعا كوكب واحد .. وما دام الامر وكذلك اذن لماذا احرم من حقي في شراء قميص ئلائمني هو يبتاع ما يريد عرانا يفرض على ما يريدون  وهو من ابسط حقوقي كأنسان .. لماذا يفرض علي ارتداء قميص سعته لاتتسع لسعتي ؟ ان صدري واسع كالانسانية .. وقلبي الكبير يسع للكل .. ( بعد برهة يتحسر فيها ) آه  لو اعرف من ذا الذي خاط لي هذا القميص الضيق الخانق ؟

المشاهد1: ( يقف وقد كان جالسا بين الجمهور ويقول للاب متشككا ويبدو انه لايقفه الموضع تماما ) : في بيتك جرار مليئة بالذهب وانت لاتستطيع ابتياع قميص ، هذا ما لا يجوز . 

50

 
الاب : ( يضع يده على جبينه ويتامل المشاهد مليا بعده    يقول : ) رغم ان مداخلتك في الموضوع تدل على غموض المسألة بالنسبة لك ، لكنه مع ذلك اتلقى كلامك اهتماما بي ( يهز راسه ) اجل في بيتي جرار مليئة بالذهب .. هذا الذهب اذا لم استطيع البيع منه بالكمّ والكيف الذي اريد ، لاستطيع لقاء بيعه شراء حاجيات اخرى .. مثلا ماكينة خياطة لزوجتي او كتابا لولدي وقلما لي اكتب به ظلامتي … اذا لم استطع ان اقوم بكل ما ذكرت ،  فكيف اذن استطيع ان ادعي ملكية جرار الذهب ؟ ( ولما لم يجب المشاهدا بدا الاب يستفسر : )

المشاهد1: اتدري حالتي تشبه اية حال ( مازال واقفا ) اية حال ؟

الاب : ماء في فمي وانا جد عطشان اريد ان ابلع قطرة      منه … قطرة واحدة ترطب بلعومي المحترق جفافا ولكني لااتمكن .. اذن الماء الذي في فمي انا ليس لي انا ( المشاهد يرتبك ويرى الاب ارتباكه فيقول له : ) دعني اسألك سؤالا …

المشاهد1: لك ذلك .

الاب : انت في قفص حديدي ولك جناحان قويان .. تريد الانطلاق من ذلك القفص الى متاهات السموات اللازوردية .. هل تستطيع الطيران  ؟

51

 
المشاهد1: ( ينظر هنا وهناك مرتبكا ) ارجو المعذرة .

الاب : في هذه الحال ساوفر عليك مشقة الجواب .. من أي طرف في داخل القفص اذ تحاول ان تطير بجابهك حديد اكثر صلابة من جناحيك فتستكين وتستلم وتعزف على وتر ( الامر الواقع ) . ( برهة ) وللايضاح اسمع مني ما يلي : لاظل في الشتاء ولا شباب الفقير المعدم ولا عيد اليتيم بنافع ( بتحسر ) لك الام لا تستطيع ان تتحملها .. !! ولك قرية تحبها لاتستطيع مغادرتها ولا العيش فيها .. ماذا ستفعل ؟  ستكون مثلي ترتعد في الشتاء من شدة البرد … وفي الصيف من شدة البرد .. وفي الصيف يحرقك الهواء السام .

المشاهد1 : يجلس . الاب والام " الام تشترك في المشهد السابق بصمتها فقط " يعودان الى غرفة الاستقبال فيستقبل محمود اباه قائلاً : )

محمود : لا تتعب نفسك في دهاليز تفكيرك المضيء .

زينب  : متداخلة بصورة اكثر حماساً ) جارنا لبس القميص .

فاطمة : ( بشي من الحسد وتاييدا لأمها لذلك تغير موقف ابنته :

52

 
الاب : ( يتقدم من محمود ) وانت ماذا تقول ؟

محمود : شجرة البرتقال في دارنا لاتثمر خوفا من ان يقتطفوا ثمارها .

الاب : ( ينظر الى ابنه محمود بدهشة وحيرة وفي الوقت ذاته يتقدم الابن الصغير مهدي نحو ابيه ليقول بصوت من هو واثق من نفسه ) .

مهدي : مهما تكن الظروف المناخية قاسية فالبرعم لايكف عن التفتح .

محمود : لكن اولاد المحلة يقطفون البراعم قبل تفتحها .

53

 
الاب : اعرف هذا .. اعرف انه منذ سنوات طويلة ، اولاد المحلة يقفزون من على الجدار الى حديقتنا ويقطفون ثمار اشجارها قبل نضوجها رغم ذلك فاشجار حديقتنا لاتكف عن عادتها .. انها ابدا تعيد وتكرر نفسها بالثمر في كل موسم ( يتحرك سريعا بين غرفة الاستقبال وبين الجمهور ثلاث مرات ثم يستقر كالصنم امام الجمهور : ) هنالك جنس من الطيور تلد في موعد اوان ولادتها كل عام وهنالك جنس اخر من الطيور المتوحشة تاتي في موسم ولادة الجنس الاول لتفترس فراخها بكل ضراوة وقسوة ( بكل ما استطاعت من شراسة فتجاهد امهات الفراخ مستعينة للدفاع عن حياة فراخها بكل بسالة ولكنها في النهاية تخسر المعركة والويل للمغلوب . ( يستدرك ) الا ان الغريب في الامر ان الطيور . المغلوبة لاتكف عن ولادات جديدة في كل موسم ولاتكف الطيور المتوحشة مهاجمة وافتراس تلك الولادات الجديدة وتتكرر هذه المعركة كل عام دون تراجع أي طرف عن غريزتها الاصيلة .

مهدي : ( يخرج من الغرفة ويتوجه نحو ابيه الى وسط المسرح . ) انا راغب ان اكون احد تلك الفراخ .

54

 
محمود : ( يخرج بدوره من الغرفة وورائه زينب وفاطمة ويقفون حيث يقف الاب ) يتبين لي ان كلامي لم يتوضح .. انا لا اقول يتوجب على ابي ان يرتدي القميص المفروض عليه .. ولكني اقصد الى متى يستطيع الصمود عاريا ؟. ايام اصعب تتوالى بعد ايام صعبة .. هفوتنا تعتبر جريمة .. وانا بكل احساسي غير مؤمن بصلاح البشر .. اليست البشرية منبتها القسوة و التوحش ؟ دماء … دماء … دموع … دموع  … في كل مكان .. الكون مغمور بالاكاذيب .. يقتلون الانسان ويقولون كي نحول دون القتل .. ويضحون بالخراف حتى لاتظل الخراف تذبح .. يسوقوننا بالعصا ويقولون لنا لكي تتعلموا كيف ترفضون العصا .. المصالحة مع الضمير غير مستحبة ، والشفقة تسبب السقوط .. يجب ان تنكر ما تعتقد به وتؤمن بصحته  طالما لا امل في تحقيقه وما دام لا اول لنا في القميص الذي نرغب فلنرتدي القميص المفروض علينا . لا اقول فلنستسلم . ولكني لا اتعب نفسي بنضال دوكيشوتي . علينا ان لانعتمد على الامل . للامل حد اذا تجاوزنا ذلك الحد فنحن حمقى .

الاب : ( كلام ابنه يثير في نفسه الاشجان ) .

        اذا كان الامر كذلك فاءن الصدأ ينتظرنا في نهاية الشوط .

محمود : ( برجاء او شبيه ذلك ) رطوبة التصورات القديمة عن الحشمة والايثار والاخلاص في عالم الامس تفشت في ارجاء جسمنا  .. نحن الان عفنون وغدا ياتي دور رائحة العفونة … الذي اطلبه يا ابي ان لا تصدأ وحدك مرة اخرى .

55

 
الاب : ماذا تعني بـ ( مرة اخرى ) ؟

محمود : ( الكل مازالوا في وسط المسرح .. كل واحد منهم بوضح خاص حسب احساسه بالموضوع ) اعني الذين حولك .. واحدا واحدا اظهروا استعدادهم لارتداء القميص .. المثقف منهم والجاهل … القصاب والبقال … العامل والفلاح .. المحامي والطبيب وباختصار غنيهم وفقيرهم . الكل هؤلاء واتتهم الفرصة مرة اشتركوا في السلب والنهب .. وبقيت انت الوحيد المحتفظ بالحشمة .. وها هنا في اعماقي اليوم  هاجس ينباني إنك ستكون وحدك في موضوعنا الجديد ايضا . والذي يبقى في الميدان وحده يموت وحده .. وليس اسهل للذئب من افتراس الحمل المتخلف عن القطيع .. !!

56

 
الاب : ارجو ان لايكون الامر كما تدعي .. والا فأني سوف  افسر الموضع على ان هؤلاء كانوا يغشونني منذ بداية الطريق ولو كنت ادري ان هؤلاء سيتصرفون على هذا النحو .. اذن لكنت ارفض ان اهدر قمصاني الكثيرة الملائمة لي ذات الالوان المختلفة والتي كانت من مقننياتي ولكنت الان في غنى عن ابتياع أي قميص ولكانت تسد حاجتي وحاجة عائلتي حتى الممات .

محمود : ( يحاول مسايرة ابيه لعله يقنعه على مانوى عليه ) ولماذا لا تتحدث عن جهودك المضنية الباقية في هذا السبيل  .. مجابهة مع هذا .. عراك مع ذاك .. يا قتك ممزوقة  دما ( هنا يقوم كل الممثلين على المسرح ببعض حركات دالة على الموضوع ) الدم المسال على وجنتيك … تمزق طبلة اذتك .. التهجير بالسيارات المقبطة .. والعيش بعيدا عن اهلك   وذويك ، وما تابعه من حسرات وشوق.. كل ما جرى كان لايحدث لولا .. ( يضرب يدا بيد ويسكت الا ان الاب رغم تنصته للحديث يبدو في جوابه انه مازال مصرا على موقفه ) .

الاب : اذا اردت اللحاق بالقطار .. عليك ان تسلك الطريق التي تؤدي الى المحطة … حتى ولو وصلت وحدك فالقطار سيكون له راكب .. راكب واحد يكفي .. شفة واحدة تكفي لرواية ما جرى .

57

 
مهدي : ( يتدخل باعتداد ) الفراخ المولودة رغم الطيور المتوحشة اذا نجا منها فرخ واحد فاءنه سيتبعك الى المحطة ليركب القطار معك . ( ينسحب الاب وزينب وفاطمة ومحمود ومهدي الى غرفة الاستقبال التي ينطفي فيها الضوء .. وفي نفس الوقت يضاء وسط المسرح ويظهر رجلان ) .

الرجل 1: ازداد عدد الذين يرتدون القمصان الضيقة .

الرجل2: الناس على اديان ملوكهم .

الرجل 1 : اذا هاجمتك فئران تحمل في احشائها الطاعون ماذا ستفعل ؟

الرجل 2: ابحث عن طريق للخلاص .

الرجل 1: واذا كانت كافة الطرق مسدودة ؟

الرجل 2: التجا الى عقلي .

الرجل 1: ارجو ان يكون في علمك ان العقل يرى جانبا واحدا من الحقيقة ولايرى بقية جوانبها لذا فاءن العقل اليوم مشلول وحلت محله احاسيس اكثر صدقا .

الرجل2 : وكيف ذلك ؟

الرجل 1: اذا اجبروك ان تجيبهم بنعم اولا .. هل ترتدي القميص  ام لا ؟! ماذا سيكون موقفك العقلاني .

الرجل2 : هنا يحتار عقلي ويراوغ .

58

 
الرجل 1: المراوغة لا سبيل لها اذا قالوا لك .. نعم ام لا .

الرجل 2: دع ما لاتفهمه . قل لي من اين سيجلبون القمصان وبالاعداد الضخمة فيما اذا رضي كل مواطن وقال : نعم .

الرجل 1: هنالك معامل تخيط قمصانا تلائم منهجها .. ومنهجها يقضي ان تكون القمصان خانقة لانفاسنا .

الرجل 2: وفي الحالة هذه .. هل يكف خياطونا عن العمل ؟

الرجل1: سيكون واجبهم فتح بيوت الازرار حتى ولو اقتضى العمل استخدام السلاح .

الرجل2: قل لي : ولماذا وحدنا يخيطون تلك القمصان       الخانقة ؟

الرجل 1: نحن لانستطبع ان نفهم لما يدبرون سببا .

الرجل 2: لماذا ؟ .. السنا بشرا مثلهم .

الرجل1: ثمة انسان وثمة انسان .. يوجد في عالمنا انسان يملك كل بساتين الدنيا .. ويوجد انسان مثلي اريد ان ازرع شجرة ورد يقولون : لايجوز .

الرجل2: وهل بقيت لك ارض لغرس شجرة حتى ولو      واحدة ؟! 

الرجل 1: كانت لي .. ولكن .

59

 
الرجل2: ولكن ماذا ؟

الرجل1:  ( ينظر هنا وهناك ) من الممكن ان يكون هنالك من يسمعنا .

الرجل2: وكيف تعيش الان ؟

الرجل 1: لقاء نصف رغيف الف قبضة على الراس

الرجل2: اولم تنته الضرب بالقضبان على الرؤس .. كل ياتي ليلهب بالسياط ظهر الاخر .

الرجل1: قلت هنالك قد يكون من يتنصت الى حديثنا . الدنيا تحولت الى اذان . ( الضوء ينطفئ ويضئ .. يظهر رجل من بعد انسحاب الرجل1 والرجل2 من          المسرح ) .

60

 
الرجل المسن1: ( وكأنه يخاطب الجمهور ) انا لا اقول ان لا ياكل اولادكم التفاح والبرتقال والموز واللحم لان ذلك من حقهم الطبيعي.. لكني اقول ان يتلوى اطفالنا نحن من الم الجوع .. ذلك ما لايجوز .. انا ادعو الى طعام وفير واطمئنان للجميع . ارجو ان تصححوا قولي فيما اذا كنت على خطأ . ( يتقدم بضع خطوات الى الامام ويقول : ) الا انهم اعتبروا كلامي هذا اهانة لهم فغضب احد منهم وصاح في وجهي ( يصبح كأنه في حالة انفعال ) : قضينا ان ياكل اطفالنا الموز وان يرموا قشوره الى الشارع ليتزحلق اطفالكم العراة عندما يطأونها . ثم مسك بياقتي وقال بغضب   صاعق : اطفالنا يتسرب النوم الى اعينهم عن طريق الحكايات المسلية والموسيقى الهادئة اما اطفالكم فموسيقى الجوع في احشائهم تقضي مضاجعهم .. هذا ناموس التكوين شئت ام ابيت . ( الرجل المسن1 يقوم ببعض الحركات الدالة على ان ناموس التكوين لا يمكن ان يكون هكذا ( ينسحب من المسرح والضوء ينطفئ ثم يضيء ونلاحظ على المسرح وفي المكان نفسه رجل يجلس على الرصيف بهيئة مزرية لكأن الزمن سار ضده .. يدخل رجل آخر الى المسرح ويقترب من الرجل الجالس على الرصيف . )

مصطفى : السلام عليكم .

ادريس : وعليكم السلام . ( يقف ) .

مصطفى : الست الاغا ادريس ؟

ادريس : اجل انا هو – او كنت هو .

مصطفى : وما جلوسك هنا ؟

6159

 
ادريس : انتظر صاحب بستان وعدني ان يستخدمني في بستانه .

مصطفى : ولكنك كنت صاحب بستان مزدهر ؟ ( يستدرك ) ماذا عنه ؟

ادريس : لقد جفّ ..

مصطفى : وكيف ؟

ادريس : اشحاره المزدهرة الفواحة بالمسك زاحمتها ادغال غريبة متوحشة .. ذلك الدغل المتوحش عندما بدأ ينمو لاول مرة لم اعره انتباها .. ثم بدأ يتكاثر شيئا فشيئا دون ان يلفت نظري .. او دون ان انتبه .. ومر الزمن فصحوت فإذا بستاني قد داهمته الادغال وتجذرت فيه بشكل متوحش .. لايمكن اجتثاثها . وتيقنت ان قيامي باي عمل لانقاذ بستاني منها مستحيل ، فلقد كان الامر منتهينا فالادغال بانت قوية الشكيمة وليس بمقدوري اجتثاتها .. الادغال تلك امتصت ماء اشجاري حتى جفت وتساقطت ثمارها ، وذبلت ورودها .. ( بتحسر ) وخلال مدة لم افطن عمق مداها وجدت نفسي وسط بستاني وكأنني في ارض لاتنمو فيها الا الادغال الغريبة .. ( ثم بحزن ) ماذا فعلت ؟ بكيت ولكن بكائي لم ينفعني .

62

 
مصطفى : لماذا بكيت ؟

ادريس : لأني كنت السبب فيما حدث … كان علي مكافحة الدغل واجتثاثه حال ظهوره ..وكان علي كبساتني التصرف بحيطة وحذر ازاء كل ظاهرة غريبة ولّما لم اقم بواجبي منذ اللحظة الاولى ولتغافلي عما دار حولي رايت نفسي بين عشية وضحايا حارسا في بستان كنت انا صاحبه  .

         ( مصطفى يمسك من يد ادريس ليساعده علىالمشي ويغادران المسرح ، ثم يدخل الراوي والضوء مازال على حاله ويقف امام الجمهور كعادته وبنفس  حركاته . )

63

 

64

 
الراوي : لست بصدد الحديث في مثل هذه الامور .. فهي لاتخصني .. الذي يخصني هو النظر الى ما يجري دون أي تدخل من جانبي في تغيير مجرياته . اما التحليل والتعليق والتعقيب على الاحداث فلها من يقوم بها . ( تغير لهجته ) الذي شاهدته ان صاحب البستان الجديد رفض اخيرا خدمات صاحب البستان السابق مدعيا انه رفض ارتداء القميص الذي خيط له ولامثاله ( يتحرك قليلا يمينا ويسارا ثم يقف في قبالة الجمهور ) وعلى أي حال .. فأنني لاحظت اليوم حدثا لابد من نقله الى اسماعكم لاهميته الكبيرة في سياق ما ارى ( برهة صمت ) رايت احدهم ماسكا بياقة رجل آخر وهو يصيح في وجهه : كيف اصبحت انت الغريب هنا تملك بستانينِ وانا احرم حتى التصرف في حديقة داري ..؟ انت عندما حللت هنا اهدوك بستانا بجانب بستاني ، فاحترمتك لأني في قرارة نفسي قلت ان هذا الانسان غريب هنا وعلى ان اساعده واشد من ازره لانه صاحب عائلة واطفال ، وقمت بخطوة مهمة في سبيلك فهدمت الجدار الذي كان يفصل بين بستانينا وقلت انه من غير الاصول حسب عادة اهل مدينتنا ان يكون هناك جدار بين بستانين جارين وخاصة انني لم اكن من انصار جدار برلين .. وكنت ادعو للمقاتلين الشيشان ان ينتصروا.. ووقفت ضد المقابر الجماعية التي انتشرت في بعض اصقاع العالم .. الذي ادريه : اذا كانت النيات نظيفة ونقية فاءن جميع بساتين العالم اخوات والفصل بين الاخوات ببناء جدار او سور فيما بينها عار يحزنني كما يحزنني تقاتل الاخوة في افغانستان وحصد الملونين في افريقيا السوداء …   ( يقوم ببعض الحركات الدالة على اقواله تمهيدا لتكملة الحديث ) ثم رايت الرجل يهز ياقة الرجل الاخر ، بعنف ليقول له : إنك فهمت نيتي الحليبية الصافية ضعفا وقلبي الابيض بدائيا فبدات تتغلغل الى بستاني بخطوات غير مرئية . يوما سرقت ماء بستاني .. وفي يوم اخر سرقت قسما من اشجاره … وبعد مدة فتحت عيني لارى انك ملكت بستاني كله وتماديت اكثر من ذلك فسجلته باسمك في الدائرة المختصة ( الراوي يصمت قليلا ثم يبدأ : ) هذا ما رايته بام عيني .. اما ماذا حدث بعد ذلك والى اين انتهى الصراع فلم اعرف … لندع  كل هذا جانبا … الذي اريد ان اقوله : هو انتشار خبر مفاده ان القطار سيصل الى محطة المدينة اليوم وانا بدوري طرت الى المحطة طيرانا وبدات انتظر وصول القطار … وجدته تعبا ودليلي هو سيره البطيء الذي كان يشبه سير رجل كهل مريض .. لما توقف رايت عرباته فارغة ولا اثر فيها لاي راكب … ففكرت بقطارات مدن العالم المكتظة بالناس والبضائع والهدايا وضحكات

65

 
المسافرين تنبعث على شكل موسيقى ناعمة جذلة .. اما قطارنا  الذي لاياتي الا مرة واحدة في كل عدة سنوات .. فيجئ اما فارغا او ياتي محملا بالفئران الناقلة للطاعون . ( وبصورة الية يربط الحديث بحديث آخر ) اعرف رجلا عندما كان يذهب للتسوق كان يحمل معه جميع ما يمتلكه من البطاقات الشخصية الدالة عليه .. هوية التقاعد .. الأحوال المدنية .. الجنسية .. وكان يصطحب معه اضافة على ذلك شاهدين … وعندما سألته : ولماذا كل هذه التدابير الاحتياطية ؟ ( ظهر على المسرح رجل من الممكن ان يكون موظفا متقاعدا … ملابسه … سيمائه تدل على ذلك … يقف امام الجمهور      ويقول : ) المتقاعد : السبب لاتخاذي كل هذه التدابير لاجل شراء نصف كيلو من البامية او الطماطة او أي حاجة اخرى لبيتي هو … او … او … او …           ( يتلعتم ويتلعتم ولا يستطيع الكلام فينسحب خائب من المسرح وسط تصفيق الجمهور )

66

 
الراوي : ( موضحا ) حسنا فعل … لقد كان من صالحه عدم استطاعته التكلم .. كان من الممكن ان يتكلم بلسان لا يستحسنه الغير ..انه يملك لسانا واحدا .. من اين ياتي بالسنة اخرى .. وعلى أي حال .. نطق او لم ينطق .. وهل استطاع شراء  متطلبات بيته ام لا ..هذا ما لا يهمني .. فأني شاهدت ما هو اشنع … شاهدت مريضا بيده وصفه طبية من طبيب اختصاصي .. شاهدته يبحث عن انسان يزكيه لدى الصيدلي حتى يحصل على الدواء فأوصاه رجل كان يبدو محنكا ومجربا . اوصاه ان يدفع اكثر ليحصل على الدواء .. ادفع … ادفع … تستطيع ان تحصل حتى على أسئلة الامتحانات ( لأول مرة يستخدم الراوي تعبيرا شعبيا فيقول بشيء من المراوغة والدهاء ( آنى يا هو مالتي ) ثم يستمر : ) أنا لا اتكلم في كل موضوع ، ربما يغضب احد مني ، انا ات الان لمشاهدة القطار الذي طال انتظارنا له .. وقبل قليل قلت ان القطار وصل فارغا … انتظرت احدا ينزل ويطأ ارض المحطة .. فلم يحدث ما أنتظرت .. تملكتني الخيبة واردت العودة من حيث اتيت ولكني قلت في نفسي .. لأنتظر برهة اخرى .. لانه لا احد يعرف ما الذي يحدث هنا بين دقيقة

67

 
واخرى … ( يتساءل ) ايان ينتهي ما يجري ؟ واذا استمر فألى متى ؟ بالنسبة      لي: انا لااعرف ولكني سمعت : ان هناك من يعرف .

68

 
         لاتتصوروا انني غبي لايعرف شيئا .. فأنا اعرف مثلا ومن خلال مطالعاتي ان من يملك ضميرا نقيا يدخل الجنة وبعد ان استوعبت مفهوم هذه العبارة قلت في نفسي : بشرى للجنة فاءنها ستبقى       فارغة .. ( يضع يده على جبينه ويحدق الى جهة معينة وكأنه يرى امرا محيّرا : ) ( بشيء من التعجب والاندهاش ) . ها انذا ارى رجلا ينزل من القطار .. الرجل لايشبهنا .. يبدو انه ليس من هذه الارجاء .. يعتمر قبعة سوداء وبيده حقيبة سوداء .. ها هو يسير حذرا على الطريق المؤدية الى       المدينة ... الان يقف في مكان مناسب ويؤشرُ الى سيارة اجرة .. لكن السيارة لم تقف ... يؤشر على اخرى واخرى ... لكن احداها لم تقف … يريد ان يتكلم مع بعض المارين فيتهربون  منه … الرجل يضطر الى السير حاملا حقيبته السوداء متوجها نحو مركز المدينة ( الراوي ينسحب … الضوء ينطفئ والمسرح يبدو شبه مظلم لكن غرفة الاستقبال        تضاء ) .

زينب : ( تخاطب زوجها ) متى ستحرر من قميصك المتهرئ البالي ؟

الاب : افكر كما تفكرين .

زينب : ماذا يفيدك التفكير اذا لم يؤد بك الى قرار ؟

الاب : لا اعي قصدك بصورة واضحة .

زينب : جد الطريق .

الاب : الطريق هو الصبر .

زينب : اولادنا نفد صبرهم .. وانا معهم لم نعد نتحمل بعد .. ازيدك علما ان ذلك الرجل المتقاعد رغم هوياته المتعددة ورغم شاهديه .. طلبوا منه ورقة تاييد من المختار … ولما ذهب الى المختار . ابلغه : الامر صريح اذا لم ترتد القميص لايجوز لك ما تريد .

الاب : وماذا تعنين ؟

زينب : بصراحة … اشتري القميص المفروض والبسه .

69

 
الاب : وماذا عن الضمير وماذا عن الحشمة ؟ افرضي فعلت ما تريدين وارتديت ما خاطوه لي … ما الذي    سيتغير ؟

زينب : العقدة ستنقك … مشكلتنا ستنتهي .

الاب : لكن العقدة ستعود بعد حين لتنعقد بصورة اكثف ومشكلتنا ستعود بصيغة اخرى وبمضمون اثقل       وطأً  .

فاطمة : ( تتدخل بنفاذ صبر ) الاهم هو الحل .. جده بأية  طرقة كانت .. لقد ولى زمن الصبر على المكروه .

الاب : وهل نستسلم ؟ اهذا هو حلك المنشود .

زينب : ( تسارع الى الجواب قبل فاطمة ) : اذا كان الاستسلام هو الحل فلنستسلم وهو الاصح مادمنا قد خسرنا الحرب .

محمود : ( بصوت متخاذل ) اضم صوتي الى صوتهما .

مهدي : ( ينهض غاضبا ويتكلم بصوت غاضب ) يعني ذلك ان ابي يجب ان يتحرك ضد ارادته . وهو ما يريده الذين فصلوا لنا القميص .

زينب وفاطمة ومحمود ( كلهم دفعة واحدة بصوت فيه لحن ) .

وهل بقي انسان يتحرك بارادته ؟

( هم انفسهم يجيبون ويلحن ايضا )

70

 
لااحد … لا احد .

زينب : ( تتكلم لوحدها ) اللهم اجعل ختامه خيراً  .

الاب : وهل تنادين الله ليقف معهم في صف واحد ؟ للطريق المتعرج  دائما نهايات متعرجة .

         الليل يقترب من منتصفه ويبدو علىافراد العائلة تعبا شديد .. وقد ارهقتهم المناقشات الفجة .. فيركنون الىالراحة .. الا ان الراحة لن تستمر ففي منتصف الليل يسمعون دقات مهذبة علىالباب . ورغم ذلك فالكل يمتلكه الخوف والرعب ) .

الاب : ( يغمغم ) من الطارق في مثل هذه الساعة المتاخرة من الليل ؟ ( يتقدم نحو الباب وهو يصيح ) من الطارق ؟ من الطارق ؟

صوت : ( بكل تهذيب ) أنا .

الاب : من انت وماذا تريد في مثل هذا الوقت المتأخر ؟

صوت : اسمي غريب افندي .

الاب : ( يقترب من الباب ويقول مندهشا ) غريب افندي من يكون ؟

71

 
       ( يفتح الباب .. يدخل الرجل الذي شاهده الراوي نازلا من القطار .. بنفس قيافته التي وصفها للجمهور )

       انا لا اعرفك  … واستقبال الغرباء محظور علينا وخاصة في مثل هذا الوقت غير المناسب .

غريب : جئت لاساعدكم .

الاب : لم اطلب مساعدة احد .

زينب : ( بصوت متعاطف ) هاهي الرؤيا تتحق ؟

         الاب ( محنداً ) اية رؤيا … واي تحقق ؟

زينب : حلمت الليلة البارحة : ان رجلا وضاء الوجه مد يده نحونا وربت رؤوسنا بيده الكريمة .

محمود : ( دون ان يابه لابيه موجها كلامه الى غريب       افندي )

         تفضل واجلس ايها الغريب . ( يجلس غريب على جانب من الاريكة )

غريب : انا مطلع على كافة  ملابسات معاناتكم .

زينب : ( متحمسة ) انظروا كيف يتحقق حلمي .

الاب : ( ينظر الى غريب افندي باشتباه وحذر ودون ان يلتفت الى كلام زوجته او دون ان يعير لكلامها اية اهمية يقول : )

72

 
         كيف تمكنت من الوصول الى بيتنا في مثل هذا الوقت المتاخر من الليل ؟

غريب : ( يضع حقيبته على الاريكة وينهض متكلما بحركات درامية مصطنعة )

73

 
         عندما توقف القطار كنت منشغلا بتنظيم محتويات حقيبتي لذلك نزلت متاخرا بعض الوقت .. وجدت سيارات الاجرة لم تتوقف لي رغم اشاراتي      الواضحة ويهرب مني كل من حاولت التحدث اليه والفنادق هنا كما اخبروني مسبقا ، لاتفتح ابوابها ليلا لاي مسافر كان .. كما انني مدرب على كيفية تجاوز الفئران الحاملة للطاعون … وكل ما رايته في طريقي لم يكن غريبا مشهدة بالنسبة الي لانهم احاطوني علما بكل ما سوف اشاهده … شاهدت مثلا السنة تتدلى خارج افواهها … لاحظت ان الاضواء محتجبة عن كل   مكان .. وشاهدت ابواب البيوت مقفلة باحكام بالغ … هذه مدينة تنام مع غروب الشمس مباشرة .. تعبت من المشي وانشدت الراحة قليلا فارخيت جسدي الى جذع شجرة توت ضخمة .. ولما الفيت نفسي اتفحص الشجرة .. هالني ما شاهدته فوق الغصون .. وبسرعة اغمضت عيني رغم كل احاطتي بالامور .. كان ثمة طيرا جارحا اسود يطير من شجرة الى شجرة ومن غصن الى غصن ولكي احافظ على نفسي اتجهت نحو احد الاحياء الجانبية ومن بين جميع بيوتاته رايت ضوء خافتا في بيتكم ( بعد قليل ) الان اشعر بتعب شديد ارجو ان تهياؤا لي فراشا لانام ، وفي الصباح الباكر لدي عمل يتوجب علي ان انجزه واعود عصرا لأودعكم وسوف اغطي حاجتكم ومن ثم ارحل .

الاب : وما هي طبيعة عملك المنشود ؟

غريب : لاتعكر صفوك .. ستفهم كل شيء .

الاب : اريد مغادرتك بسرعة .

غريب : ( باطمئنان بالغ وبهدوء ) لاتخف كل هذا الخوف .

الاب : ( باعتداد ) لست بخائف ولكني لا احب التعامل مع الغرباء .

غريب : رغم مظهري فأنا لست غريب هذه الديار .

الاب : لاتحيرني اكثر .

74

 
         ( بعد هذاالحوار … غريب ينام في المكان الذي خصص له .. ويغادر الكل الى غرفة اخرى .. في الغرفة الاخرى غيرالمرئية يسمع الجمهور هذا الحوار .. دون ان يرى الغرفة ودون ان يرى المتحاورين ) .

زينب : ( بعتاب ) اخشى انه استاء .

الاب : لماذا ؟

زينب : امطرته بوابل من الاسئلة المحرجة .

الاب : انا اب .. ورب هذه الاسرة .. عل ان اعراف من هذا الرجل الطارئ ؟ وماذا يبغي ؟

زينب : لاتفكر هكذا … فالله هو بعثه الينا .. ودليلي هو حلمي فإذا جعلته يستاء فإن الله سوف يستاء منك .

الاب : الحلام المريضة … احلام المرضى … هي التي تقودنا الى الهلاك .. فقلبي يقول : ان هذا الرجل يريد بنا سؤا  . ( يخيم صمت عميق .. الاضواء تنطفئ وتضئ … يظهر الراوي على خشبة المسرح امام  الجمهور : )

75

 
الراوي : القطار يغادر … ثم يرجع … ثم يغادر وكرة اخرى  يعود .. في كل عودة يحمل حفنة من الاغراب يحملون الاسم نفسه … حتى بات في كل بيت شخص اسمه غريب … الاغرب في الامر … ان هؤلاء كلهم يطلبون شيئا واحدا كانهم كلهم رجل واحد ( وبعد برهة وبصورة دالة على حزن وقلق ) في المدينة الان تشاع حكايات كثيرة تدور عنهم … قسم من الناس يقولون : ان هؤلاء جاءوا لينقذونا من ارتداء القمصان الخانقة … وقسم اخر يقول : ان هذا كلام باطل لان تلك القمصان الخانقة المفروضة علينا ارتداؤها قد فصلت لنا بامر هؤلاء الغرباء انفسهم ، وبعض البسطاء يقولون : ربما ان هؤلاء لصوص .. ورغم بساطة هؤلاء فهم يسندون كلامهم ليقولوا : ان هؤلاء الغرباء لهم اطماع قديمة ينوون تحقيقها        الان .

المشاهد 2 : ( يقف من بين الجمهور ويتساءل : )

              ولماذ الآن ؟

الراوي : ( يشعر بالحراجة ومع ذلك يجيب : )

76

 
          لهذا التوقيت احتمالات كثيرة … التفرقة الضاربة اطنابها بين من ننتمي … انشغالنا بترسيم الحدود … السنتنا المعقودة .. ادمغتنا المجمدة … القمصان الخانقة التي تشل حركاتنا وتفكيرنا … التشبث بالماضي كما هو … ايماننا بالغيبيات … تفردنا في المعترك … لا اصدقاء لنا ولا اشقاء … ومن الممكن ان تكون هنالك احتمالات كثيرة اخرى ومنها إنهم يجدوننا الان جاهزين للذبح حسب تصورهم الخاص .

المشاهد2: ( يجلس دون ان يضيف كلمة اخرى )

الراوي : ( يستمر لتكملة حديثه السابق بعد هذه القطيعة ) الانسان الذي يوشك على الغرق يتشبت حتى بقشة او ريشة لعله ينجو … لكنه يتوجب على غرقي اليوم ان لاينخدعوا بالقش او الريش او خشبة عائمة … الانسان الغريق ينقذه شيء واحد فقط وهو براعته في السباحة . واكثرهم لايفهم هذا الامر وما يجري حوله .

المشاهد3 : ( ينهض من بين الجمهور ويقول غاضبا ) .

              وماذا ترانا انت ؟ هل نحن عميان

الراوي : ( بابتسام وهدوء ) لاتغضب لقولي … انا اريد فقط ان اوضح : دع العميان جانبا فلا امل لنا فيهم … ولكن فيما بيننا من يمتلك قوة بصر خارقة ومع ذلك فهم غافلون عن العقبات التي تعترض طريقهم والا فأني … وفي أي مكان يمكن ان يحدث ما يلي :

77

 
         رجال سوقنا عندما يستحفل الغلاء برقاب الناس يذبحون القرابين فرحا … فلاحونا كلما زاد ثرائهم يتزوجون امراة تلو اخرى … لكن علماءنا بكل اصنافهم ينسجون الخيوط للبطانيات في معامل ( فتاح باشا ) من اجل حفنه قمح لاطفالهم  . وثم يوجه كلامه بصورة خاصة الى المشاهد3 ) : هل تريد بعد الذي سمعته مني ان تحليّ كلامي بكلام ما ؟

المشاهد3 : لا استطيع ان  احلي هذه الحقيقة المرة بعسل مغشوش . ( يجلس المشاهد3 … الراوي        ينسحب … الضوء ينطفيء ويضيء في وسط المسرح … جمع من اهالي المدينة جالسون على الارض والاب يتحدث اليهم ) .

78

 
الاب : ( على شكل خطاب ) بعد اتصالات مكثفة استطعت ان اعقد هذا الاجتماع معكم … اعرف ان هناك من يغضب علينا … لكنني سوف اتحمل مسؤولية كل ما يحدث … الموضوع الذي ساتحدثه معكم اوجزه كما يلي : لأنني اثناء اتصالي بكم انكشف الشيء الكثير منه … في احد الليالي … دق بابي … فإذا برجل غريب يدخل بيتي افهمني انه جاء لينقذني من المحنة التي انا واسرتي فيها وادعى بإنه سوف يرحل … لكنه لم يرحل … وفي كل مساء عندما كان يعود الى البيت كان يحمل معه هدايا ثمينة لي ولزوجتي ولابنتي ولولديّ ، انا وابني الصغير ( مهدي ) كنا نرفض هداياه ، لكن زوجتي وابنتي وابني الكبير     ( محمود ) كانوا يتقبلون هداياه بفرح غامر … لم ينته الامر عند هذا الحد … ظهرت امور اخرى … زوجتي بدات تميل اليه … وتحول هذا الميل الى النوم معا في فراش واحد … وتبعتها في هذا الاتجاه ابنتي ايضا … كان لبريق ذهب الغريب مفعولا    طاغيا … مفعولا طغى على جميع نصائحي وتحذيراتي … ففهمت ان امام لمعان الذهب تتحول النصيحة الى هراء … وما كنت قط اتصور ان الالوان الزاهية للاقمشة طغيانا يفوق على الكرامة والحشمة … فلقد تمادى ابني محمود الى درجة اصبح يعتبر الغريب  هو ابوه وانا هو الغريب        ( المخرج هنا يضفي بعض الحركات الدالة على المشهد فيجعل المشهد ساخنا ) وكلما كنت اريد ان اتفوه بكلمة واحدة ضد الغريب كان ولدي محمود يقف مني موقف الضد وتملكتني قناعة موجعة بإنه

79

 
سوف يقتلني اذا اصررت على موقفي الضد من الغريب … لقد اصبحت اشعر بالغربة وانا في      بيتي … فالغريب اصبح كل شيء بالنسبة لعائلتي … الا ان خيطا رفيعا ظل يربطني للبيت … ذلك الخيط هو الحنان الذي كان يلتمع اتجاهي في عين ولدي الصغير ( مهدي ) ومن ثم بدات اقتنع انه من الممكن ان يكيدوا لي فيما اذا قمت بعمل انتقامي ، ومهما حاولت ان انقذ عائلتي من التاثير الافيوني للغريب فلم استطيع لذا اجتمعت بكم اليوم هنا واحتاج الى رايكم ومشورتكم .

الجميع : ( يهتفون بصوت اوبرالي ) .

           كل الذي جرى لك .

          جرى لنا ايضا … قل انت لكي ننفذ نحن .

الاب : حسنا … ما دام الداء واحدا … اذن الدواء ايضا يكون واحدا .

الجميع : ( دفعة واحدة وبنفاذ صبر ) ما هو الدواء … كيف نداوي هذا الجرح ؟

80

 
الاب : اليوم عندما يعود الغريب الى البيت .. كل يقتل غريبه .. بعده نخرج الى الشوارع معلنين انتهاء لعبة الغرباء .

الجميع : ( وكانهم يتسابقون الاحداث ) انتهت لعبة     الغرباء … لعبة الغرباء انتهت ( الكل ينسحب من المسرح … الضوء ينطفئ ويضيء … يظهر الراوي مخاطبا الجمهور )

الراوي : شاعر المدينة عبّر عن الحال بقصيدة بدات تنتقل من يد الى يد  … إنه يرغب في المثول امامكم ليقراها على مسامعكم … هل تتفضلون بالسماح له لتحقيق ما يصبو اليه .

المشاهدون 4،5،6  : ( ثلاثتهم بصوت واحد ) حبذا … حبذا لو يحضر .

        ( يظهر الشاعر على المسرح … المشاهدون الثلاثة يجلسون بعد ان وقفوا اثناء ترديد عبارتهم … الشاعر يكون الان في مواجهة الجمهور … ويلقي قصيدته : )

الشاعر : ( بصوت فيه دهشة ورقة وحزن )

عنوان القصيدة ( سيزيف من اهل المدينة :  )

الحمامة البرتقالية

كانت تحط على شاهقة جبل عاصٍ

81

 
وكان قلبي مثلها برتقاليا

فاعتبروا هذا جرما

وحكموا علي بالقاء القبض على الحمامة

بدأت كل يوم اتسلق الجبل العاصي

وإذ اكاد ابلغ قمته

كانت الحمامة تطير ،

فارجع مرة اخرى الى قاعدة الجبل

لأعاود الصعود كلما الحمامة تعود

العمر يمضي

لا انا استطيع رفض المحاولة

ولا الحمامة تكف عن الطيران

واظل اصعد واهبط

وتطل الحمامة تحط وتطير .

( ينحني احتراما وينسحب من المسرح وسط تصفيق الجمهور ) .

82

 
الراوي : ( يبدو انه وقع تحت تاثير الشاعر لانه يبدو وكانه يتكلم كشاعر ) الغرباء ما كانوا يستطعيون التسرب الى بيوتنا بهذا الشكل الخطير … ماذا اقول ؟ ما الذي اروي عن تلك التبليغات التي كانت تصل الى بيوتنا (( احضر بدون تاخير )) .. فاركض سريعا لانني لو لم اصل (( بدون تاخير )) لكان ما كان من امر السهام التي لم يبق انسان الا واصابها في عمق سويدائه … وحالما كنت اصل بلهاث مسموعة الى المحل المطلوب كانوا  يقولون لي وانا لم التقط انفاسي بعد : (( تاجل التحقيق …  عد غدا وبدون تاخير )) ( سكت قليلا وكأه يلتقط انفاسه )          بين (( بدون تاخير )) و (( تاجل التحقيق )) اهدرت الطاقة … ولم تعد ارجلنا تستطيع حمل اجسادنا فاحدودبت ظهورنا وانتهى عمر طويل بالدوران حول النفس وابداً لم يتخط (( التاجيل )) الى حيز          (( التنفيذ )) ( يصمت وكانه يريد ان يغير الموضوع ثم يبدأ ) :

83

 
         احدهم القوه ارضا وبداوا يشبعون بطنه باحذيتهم الثقيلة ركلا … فوجدوه انهم كلما يكثفون الضرب على بطنه يصيح ( آه ظهري ) … سألوه نحن نضربك في بطنك وانت تشكو في ظهرك … لماذا ؟ قال الرجل المطروح ارضا : لو كان لي ظهرا لما كنتم تستطيعون ضربي في بطني . ( الراوي ينسحب منفعلا … ينطفئ الضوء ثم يضاء ثلاثا .. يظهر شاب في وسط المسرح … هذا الشاب محام ومتهم وقاض وشاهد معاً وفي آن واحد … ويعني انه يمثل اربعة ادوار وحسب المواقف والاسئلة والاستجواب .

المحامي : تدعي هنا وهناك إنك ظهره … وانك حبيبه ونافذته التي يطل منها على العالم .

المتهم : اجل انا سنده وظهره ونافذته المطلة على العالم بل انا مجرىمائه الذي ينساب الى بستانه .

المحامي : لو كنت مائه ومجرى ماته الذي يسقي زرعه إذن لماذا اهديت ماءه لسقي مزروعات الاخرين وحجبته عن مزرعته هو .

المتهم : ذلك ما ليس في يدي .

المحامي : واذ كنت نافذته المفتوحة على الدنيا فلماذا اذن كلما يريد اللقاء مع الحياة يرى النافذة مقفلة باحكام .

المتهم : يحدث هذا تحت تاثير امر مشدد للغاية .

المحامي : وتدعي انك شفيعة في كل ضيق .

المتهم : وانا القائل له / اهجم انا ات لنصرتك .

84

 
المحامي : اذن لماذا  لما رفع يده ليصفع الذي خاط القميص الضيق … مسكت يده ومنعته عن الضرب ؟ . وبدات تلتمس عذرا للذي خاط القميص الخانق واعتذرت منه ووضعت تصرف من تقول عنه انا ظهيره … وصفت تصرفه بإنه تصرف طائش .

المتهم : لم اكن املك القوة الكافية للمواجهات .

المحامي : وعندما استبدلوا غطاء راسه لماذا اكتفيت  بالتفرج فقط ؟

المتهم : عقدوا لساني .

المحامي : عندما استهدفوا تبديل لون بشرته … لماذا اكتفيت بالصمت ؟

المتهم : لأنني لم اكن اعتقد ان الالوان تتبدل .

المحامي : لا اريد القاء مزيد من الاسئلة وسيكون هذا سؤالي الاخير : عندما قلعوه من جذوره ماذا فعلت ؟

المتهم : لم استطيع ان افعل شيئا .

85

 
المحامي : ( يتوجه بكلامه الى القاضي ) سيدي القاضي : لقد تنصتم الى اجوبته جيدا … هل يحق لهذا المتهم اولمن مثله ان يدعي بأنه سند وحبيب لموكلي … هل الحبيب يتخاذل عن اداء واجبه نحو حبيبه ايام      الشدة ؟… هل يمكن ان نسمي مثل هذا الحبيب  حبيبا ؟ لقد تأكد لديّ ان المتهم كان اساسا يخدع موكلي ويحرضه على القتال والمواجهة … وعندما يحين الحين وتستعر المعركة … يرى  موكلي نفسه وحيدا في المعترك … ويولي الداعي هاربا … لذا اطلب اصدار حكمكم العادل بحقه حسب القانون المرعي .

القاضي : لكي يتحقق العدل … احتاج الى شاهدين .

الشاهد 1 : كان يضحك كلما كان يركلونه رفا .

الشاهد2 : سلبوا منه زوجته عنوة … اتصل هو بالسالبين طالبا حصته .

القاضي : بقي سؤالي الذي يتوجب علي ان اوجهه الى     المتهم .

المتهم : تفضل يا سيدي القاضي .

القاضي : احتضنت من لم يحبك … وادرت ظهرت لكل من كان يحبك حقا … ومنهم من كان على اتم استعداد لتقديم نفسه قربانا على مذبحك … احتضنت كل من كان ضدا وتركت كل العشاق عزلا امام قدر شرير … لماذا ؟

المتهم : دُس بحذائك راس المظلوم وامشي .

86

 
المحامي : ( غاضبا ) هذا كلام فيه الشيء الكثير ويشم منه رائحة الهزء والسخرية ليس من الانسان المظلوم فقط بل من الانسانية جمعاء … لذا انا الان بانتظار قراركم العادل .

القاضي : قرار … قرار … هنا لاحاجة لأي قرار .. ان يبقى الانسان بلا حبيب خير له من ان يكون له مثل هذا الحبيب .. ولايصح لأنسان ان يقبل يد انسان يقّبل ارجل الاخرين . 

( ينطفى الضوء ثم يضاء في غرفة الاستقبال .. الاب يتكلم باصرار موجها كلامه لافراد عائلته المجتمعين حوله ) .

87

 
الاب : انتهى الامر .. اتخذت قراري .. آنَ أنْ اقتل الغريب .. لقد فرق شمل عائلتي واغوي زوجتي وابنتي الوحيدة بالذهب والماس … وقد ثبت لدى صائغي المدينة ان ذهبه ومجوهراته الاخرى كلها مغشوشة ومزورة .. وكذلك كانت مجوهرات كل الغرباء .. ورغم هذا الاعلان فإن نساءنا  لم يصدقننا  .. لقد جعل من ابني الكبير الذي هو صلبي ودمي عدوا لي .. لقد افسد اخلاق عائلتي … واذا تفش الفساد في عائلة  ما .. معناه فساد المجتمع كله .. ولايرتجي خيرا من عائلة فاسدة ولا من مجتمع فاسد .. تصوروا ان غريب عرض على البارحة ان ابيع داري له لقاء اضعاف ثمنها الحقيقي وغايته من ابتياع داري هو القاءنا في العراء لنكون مشردين في نهاية الامر غايته هي تشردنا وضياعنا وشراء وطننا كاملا .. فلنعالج الموضوع بحزم ونفوت الفرصة عليه           ( يمديده الى صدره الذي لم يستطيع القميص الممزق ستره ويخرج خنجرا يعرضه امام اعين افراد      عائلته ) بعد قليل سيرجع الى البيت ويلقي حتفه بيدي .

زينب : ( غاضبة ) والله لن نسمح لك ايذاءه .. لانه منقذنا من حالتنا المزرية وهو ولي نعمتنا .. لقد غمرنا بالذهب والثياب الفاخرة ووعد ان يجلب لك القميص الذي يناسبك وعندما تلبسه سيولي عهد العري والبحث المتعب عن القميص المناسب .

88

 
الاب : ( الى زوجته وبحزم اشد ) كل ما جلبه سوف يستعيده بطريقته الخاصة .. ووعوده التي قطعها لكم هي خديعة من خدائعه .. اننا اليوم وسيلته للوصول الى مرامه … وحالما يحقق مراحه سوف يطرحنا خارج مرحاضه … ( يمسك بياقة زوجته غاضبا ) اعلمي جيدا انني لن ارتدي قميصه .. بقائي عاريا خير لي من ارتداء قميصه … ولتفهمي جديا ان مشروع القميص الخانق هو من  ابتكاره وهو الذي صمم خارطته والقميص المزعوم الذي سيجلبه لي كما تدعين حيلة من حيله لتغطية ما يفعله في السر وما يخطه ضدنا ( الزوجة تحرر ياقتها من يده ) .

محمود: ( يتقدم نحو ابيه ويصرخ في وجهه ) لن ادعك تقتله .. ولا تمس امي مرة اخرى .

مهدي : ( يتقم من والده ويحتضنه بحنان ) انت على حق يا ابي وانا معك ( العائلة تشتبك بعضها مع البعض .. اصوات .. رنة مها تراث … الاب يسيطر على الموقف بتلويح الخنجر ) .

89

 
الاب : من يقف في سبيل ما ابتغي سوف اقتله ايضاً ..  ما هي الا لحظات وياتي .. وسوف اقتله واجعل دمه يسيل .. اعلموا ان الذين رفضوا ارتداء القمصان الخانقة قد وحدوا صفوفهم ( وفي هذه الاثناء يفتح الباب و يدخل غريب ويقف مندهشا مذهولا امام المشهد الذي يراه فيهجم عليه الاب ويمسك بتلابيبه ويجره عنوة الى وسط خنجرة ليذبح وريده عند الرقيه ويلاحظ ان محمودا قد غاب زينب وسوط المسرح الذي يضاء ويمد وفاطمة تصرخان بصوت واحد .. مهدي واقف يراقب ما يجري ) .

زينب وفاطمة : ( معا ) لاتفعل – لن ندعك تفعل .

( وفي هذه اللحظة يظهر محمود خارجا من المطبخ بسرعة قصوى وبيده سكين فيهجم علىابيه ويغرس سكينه في ظهره .. وبتزامن تام زينب وفاطمة تخرجان من جعبتهما سكينا .. وتتقدمان من الاب وتطعن كل واحدة منهما الاب بسكينها كيفما اتفق ومن كافة  الجهات .. فيسقط  الخنجر من يد     الاب … والدماء تسيل من كافة انحاء جسمه .. يدور بينهم كحصان ذبيح وينظر الى كل واحد منهم باسً ودهشة بالغة وينظر الى سكاكينهم الملطخة بدمه فيقول بصوت باهت ضعيف : )

90

 
الاب : ولدي الكبير … ابنتي الوحيدة … زوجتي يذبحونني قربا تحت قدمي غريب .. ( لا يستطيع الاحتفاظ بتوازنة فيسقط ارضا تحت اقدام غريب وهو يقول : ) رغم تعاسة الفعل وهول الجريمة فأنني سأموت سعيدا لأنني ضحيت بروحي ولم ارتد القميص المفروض        ( يموت ) . 

( بعد لحظات والمشهد مازال كما هو … يسمع اصوات مبهمة ومخيفة تاتي من خارج المسرح … تلك الاصوات المبهمة تخيف غريب ومحمود وزينب ويبدو عليهم الارتباك والذعر ، وبخوف بالغ ينسحبون من المسرح ويلقون بادوات الجريمة على الارض وينسحبون فارين … فيتقدم ( مهدي ) الابن الصغير ويسجد عند جثة والده متأملا اياه .. ثم ينهض ويتقدم نحو الجمهور ويقول : ) .

مهدي : مات ابي … لكن المسالة لم تمت … المسالة امانة تسلمها ابي من جدي .. وها انذا استلمت الامانة من ابي . ( يجهش بالبكاء راكعا ) .

الراوي : ( يظهر على المسرح حزينا )

الاب مات .. لكن المسالة لم تمت .. انها مسالة وراثية .. وغدا مع انبثاق اول خيط من خيوط   الفجر .. سيصدر بياننا الاول  .

( ستار )

91

 
 

 

 


( شخصيات المسرحية )

 

الراوي .

زينب .

فاطمة .

محمود .

الاب .

المشاهد1 .

مهدي .

الرجل1 .

الرجل2 .

الرجل المسن1 .

مصطفى .

ادريس

المتقاعد .

غريب

المشاهد2 .

92

 
 


المشاهد3 .

الجميع .

المشاهدون 4،5،6 .

الشاعر .

( المحامي – المتهم – القاضي – الشاهد1 – الشاهد2 . ) شخص واحد .

 

 

93

 
 


قحطان الهرمزي

 

ما الذي جرى … ؟!

 

مليودراما

94

 
 


 ( ما الذي جرى … ؟! )

( من الممكن ان لاتكون في الظاهر مشاهد درامية لما يجري ، وان وجدت .. شارع مثلا .. او ساحة او مارة او همهمات فكلها تكون ضبابية وكالحة و باهتة تبدو او لاتبدو … لان احداث هذا النص تحدث خارج الزمان والمكان كل شيء يبدو مبهما ، فالابهام هو الصفة السائدة على كل ما يجري … يدخل الرجل1 متجها الى وسط المسرح بحركات مضطربة ومرتبكة .. يقف … ثم يتقدم نحو الجمهور وينحني لهم . )

96

 

95

 
الرجل1 : علي ان اواجهه … وان اتعرف اليه وجها لوجه … ما شكله ؟ ما لونه ؟ هل هو بشر ام مخلوق لم نألفه بعد ؟ ( بتعجب ) والا فلماذا اسمع صوته يدوي في اذني ولا اراه هو ؟ كيف يستطيع ان يخفي وجهه عني ؟. بل كيف يستطيع ان يتوارى عن ناظري وصوته يطن في طبلة اذني ؟ ( مستدركا بتامل ) المراة التي كانت تسير بخطوات ملتهبة رايت ركبتيها البضتين بفضل تنورتها المنحسرة .. لكن هذا الذي اريد رؤيته .. اسمع صوته بوضوح وبايقاع صاخب آما وجهه فلا اراه مما يزيد من شوقي الى وجهه غير المرئي والذي يلازمني صوته ووقع اقدامه اينما سرت .. الوجه هذا ونساء العالم والفرص المواتية مستعصيات عليّ اينما توجهت … النساء دائما ملك غيري من الناس ، وفرصي فائتة دائما .. لكن تصميمي على رؤية وجهه بات منهجي الذي علي تحقيقه … الصوت الذي يبعثرني مع الريح عليّ ان ارى صاحبه واشخصه باية وسيلة كانت ( بصمت ويبدو وكأنه ينظر الى شخص ما المرأة المكشوفة الساقين اختفت من ناظري .. الشارع مزدحم والناس يروحون ويجيئون ( لا احد يرى في الشارع ) وانا كأي واحد منهم اسير على نفس الرصيف … الفارق كما اتوجه هو انهم يسيرون الى وجهة معينة وانا لاوجهه معينة لي … او هكذا يبدو ( يتحرك بخطوات متثاقلة داخل المشهد ) اليوم انفذّ خطتي لأراه         ( يتصرف وكأنه يعتد بنفسه ) ها انذا احس بوقع اقادمه خلفي ( صدى وقع اقدام ثقيلة يتسرب الى المسرح ) ها هو كعادته يتبعني في كل خطوة اخطوها ( صدى وقع الاقدام يزاحمه ) الان آن أنْ افك رموز خطتي ( يلتفت الى الوراء بسرعة ) … يا لهزيمتي لم ار وجها معينا خلفي ( يستدير ويمشي ) ها انذا استمر في السير وها هي خطواته خلفي تحدث طنينا مزعجا في اذني ( يتكلم بخفوت  كأنه يخش ان يسمعه احد ) احس بها قريبة اكثر من أي وقت مضي فلأستدرْ الى الوراء دفعة واحدة ( يستدير بسرعة قصوى ) ها انذا استدير بسرعة طائشة      ( يمشي وجهه الى الامام وخطواته الى الوراء ) ما الامر ؟ خطواته انتقلت الى الجهة المضادة ( يستدير على كافة الجهات كمروحة سقفية ) ( يقف ثم بصوت يطغي عليه التعب )  تعبت من الاستدارات .. موسيقى خطواته المرعبة كما هي ( مرة اخرى ) تعبت من الاستدارات … المارة ينظرون الّي ببلاهة وذهول .. الان احس به كتفا بكتف … فرحت في داخلي لانني سارى وجهه ومن الممكن ان اعرف من يكون … ( يستدير نحواليمين ) ( يحدق جيدا ) مهما احدق … لا اراه … واعجب من ذلك ها هو صوته

97

 
يهمس :

الصوت1: ( هادئا )  .

مرحبا سبارتكوس .

الرجل1: عنقي بسرعة قصوى استدار نحو جانب الصوت     ( يقوم بحركات دالة ) رايت شبحا بهيئة انسان ؟؟؟؟ ( شبح يظهر ثم يختفي خلال لحظات قصيرة جدا )     ( متحسرا ) احس بالارهاق والدوار … ويتملكني احساس فظيع بالاحباط … حالتي النفسجمانية عمّقت في هذا الشعور الخذلاني الاحباطي ( يرفع صوته ) ما اتعس الانسان الذي يبحث عن مجهول … عن مجهول موجود وغير موجود ( يصرخ بلا كلمات يجد نفسه وجها لوجه امام صديق … الصديق يظهر من خلال جو ضبابي كالح وحالته اشبه بحالة من مات منذ زمن … )

الصديق : اراك في حيرة من امرك … ما الذي يجري … وما الذي تخافه ؟!

الرجل1 : ايها الصديق هل تعرف سبارتكوس ؟

الصديق : سمعت عنه الكثير .

98

 
الرجل1 : هل هو انا ؟!

الصديق : انت … انت … لا … لايمكن ( وبصوت مرتعش ) العبيد تخلوا عنه وقتلوه .

الرجل1 : ( بصوت مبطن بالفرح ) : إذن انا لست سبارتكوس … اذن ان الصوت كان يريد استلام ذاتي من ذاتي ( بشيء من الاعتداء ) انه لم يستطيع منها منها انذا موجود . ( الصديق يختفي كالظل دون ان ينبس بكلمة ) .

الرجل1 : ( ينظر الى كافة الجهات فرحا ومتعجبا ، لكن فرحه لم يدم … فقد اخترق طبلة اذنة الصوت عينة .

الصوت1 : هل نت قرد ؟

الرجل1 : ( يدور حول نفسه لكي يرى صاحب الصوت ولايتحقق له ذلك ويبدأ بالصراخ كمن مسه خلل في توازنه العقلي والجسدي .

انا لست قردا : انا مواطن عادي من اهل هذا البلد الذي احبه واحب مواطنيه ( يراوح في مكانه ظانا انه يهرب … ثم يقف … ثم يتقدم الى مواجهة       الجمهور ) :

99

 
لم استطيع اللحاق به ( مستدركا وباسلوب مغاير مبطن بالم عميق ) كتبت الى حبيبتي :

صوت فتاة : ( برقة وعذوبة يملأ المسرح … الصوت يقرا الرسالة )

أي حبيبتي امل … كيف ترضين ان يسموني سبارتكوسا وانا لااريد ان اتحرر من عبوديتكِ ؟ لماذا لاتتدخلين عندما يتهمونني بالقردية ؟! لماذا انت ساكتة … لماذا ؟!

الرجل1 : ( بعد انحسار الصوت من المسرح ) .

100

 
امل لم تجب على رسالتي … هذه ليست الرسالة الاولى التي تصمت امل عن مضمونها … لقدارسلت لها سابقاً رسائل مماثلة شرحت فيها عما لحق بي من الاذى … انهم يريدونني ان اتاقلم كما تتاقلم الشجرة ، و كيف لي ان اتاقلم ( ثم بحنان ) وشجرة حياتي لم تنم بغضن واحد حتى هذه اللحظة … ولم تتفتح حتى وريقة واحدة ؟ شجرة كهذه هل       تثمر … ؟! يريدون اثمارا … يريدون اطنانا من الاثمار من شجيرة تفتقر حتى الى ثمر واحد … لكم هو مرعب ان يعيش الانسان وحيدا في هذه الدوامة المطوحة !! لكم يؤلمني ان تتركني امل في خضم هذا التطاحن الموجع بلا ذراع … بلا اجنحة … !! وتسكت على ما يجري سكوتا لا نأمة حتى       لسكوتها … تسكت امل ولكن الصوت لايسكت فها هو يدوي في اذني :

الصوت1 : ( آمرا ومتهدجا )

         الساعة الثامنة صباح غد ودون تاخير عليك المثول  امامه .

الرجل1 : ودون أي تاخير امتثلت امامه .

احدهم : ( وهو انسان لامرئي أي لا احد يراه لكن كل واحد يسمعه  … ومن الممكن ان يكون جالسا الان على مكتبة اثناء هذه المحاولة : ) ماذا تقول ؟!

الرجل1 : ايها السيد العظيم … كيف يمكن ان اكون سبارتكوسا وانا عبد على بابا امل … وكيف يمكن ان اكون قردا وانا كما تراني واقف على قدمي ولي شكل انسان واتحدث كما يتحدث أي بني آدم ؟

احدهم : ( غاضبا وهو دائما في حالة غضب )

         اغرب عن وجهي .

الرجل1 : ( يستدير وكانه يخرج )

101

 
        رفعت نظري الى وجهه كي اراه وهالني انني لا ارى أي احد امامي … إذن كيف اغرب عن وجه من لا وجه له ؟ عن انسان يراني ولا اراه ؟ ( يقوم بحركات دالة على رجوعه الى الوقوف امام منصة غير المرئي ويتبين من اقواله انه يدافع عن       مجهول . ) ( يؤشر الى فتى ايضا لايراه احد ) :

        ان هذا الشاب الاسمر الواقف امامكم بذل وخضوع اعطيته خبزا واحدا من خبزين كانا ملكي وهو لذلك بريء من تهمة السرقة … فالرغيف الذي ضبطمره في يده . هو هديتي اليه … لقد وجدت انه من الخطا ان يكون لانسان خبزين … بينما هنالك اخر لاخبز   له … لقد وجدت خبزه معروضا للبيع امام سوق القيصري في كركوك … الخبز خبزه … لكنه يلهث تعبا من اجل الحصول عليه … الا يحق لهذا الفتى الاسمر ان يكون له خبزه ؟ وختاما : اذا انت لم تخزن فلن يكون هنالك سارق .

احدهم : ( غاضبا كعادته ) .

         القوه خارجا .

102

 
         ( الرجل1 يتحرك كمن القوة خاجا ثم يقف ويتكلم باسلوب هادئ ورزين بينه وبين نفسه )

الرجل1 : كنا جماعة صغيرة واحدة تقتات من ثمر شجر واحد … لكم كنا سعداء انذاك … !!

        ( وفجاءة يبدو الرجل1 مفزوعا مرتعشا كأن صاعقة من الصوت قصفه )

الصوت1 : يريدك مرة اخرى .

           ( يتصرف الرجل1 كمن عاد الى منصة المحكمة مرة اخرى )

احدهم : ماذا كنت تقول في داخلك ؟!

الرجل1 : يبدو انكم نصبتم لاقطة  في داخلي والا فكيف سمعتم منلوجي الداخلي … يا سيدي كنت انوي ان اقول : لم يخلق احد لخدمة اغراض الاخرين .

احدهم : ( بوابل من الغضب )

القوة امام مهب ريح ثلجية عاصفه

( الرجل1 ياتي بحركات من القي خارجا )

الرجل1 : ( كانه امام عاصفة ثلجية قاسية )

103

 
           ريح باردة تعصف … اشجار تترنح سكرى … اوراق تتساقط … ورقة انا بين تلك الاوراق الذابلة الساقطة … من الذي منح انسانا لا مرئيا الحق في ان يعامل انسانا مرئيا بكل هذه القسوة … من هذا الذي يقتفي اثري اينما ارحل واينما اكون دون ان ارى وجهه ومن اعطاه حق ترويعي وسلب       راحتي ؟ لماذا يفعل بي كل هذا ؟ انظروا الى الاخوة المتينة بين اشجار الغابة الواحدة … لماذا لانتآخى مثلها ؟ الريح تلامس الاشجار … الريح هي موسيقى الاشجار … انها ترقص كلما لامست الريح شغافها … وانا لماذا لا ارقص ( يرقص ) لماذا تمنعوني عن الرقص … الرقص هو البهجة … الموسيقى هي سكينة النفس … دعوا اطفالكم يمرحون … الدنيا ليست ليلا طويلا ( تكتنفه هلوسه كلامية ويتكلم بابهام بالغ ) ليس كل من بلغ سن الزواج صالحاً للزواج … لماذا تقراون افكاري ؟ لماذ تفتحون رسائلي … لقد قراوا حتى رسالتي الجديدة الى امل .

صوت فتاة : ( يغمر مساحة المسرح برقة وحنان )

        انا قوي بكِ يا امل … فلا تخذليني … نحن بحاجة الى يد امراة حنونة تداوي جرحنا .

104

 
صوت فتاة : ( تجيب على الرسالة بصوتها الرقيق ايضا )

عزيزي : كتب عليك ان تعيش بدوني … يؤسفني ما       يجري .

         ( الصوت يختفي وسكوت رهيب يضفي على المسرح مشهدا محزنا )

الرجل1 : ( يقوم بحركات غريبة . )

       كتب علي ان اعيش بلا امل … بدونها امضي في الحياة … هذا هو الالم … الالم الانساني المتوج بالنزف الوجيع … انه المي الخاص وانا فخور به      ( يرتعش ) خائف انا … من ماذا ؟ من أي شيء انا خائف ؟ ما الذي جرى ؟ ما الذي يجري ؟ ( يؤشر الى نفسه ) انا الوحيد الذي يعرف ما الذي جرى ؟ وما الذي يجري ؟ دعوني فجرحي ان فتحتموه سوف ينزف دما .

احدهم : اتخاف مني ؟!

105

 
الرجل1 : خوفي سببه ليس انت … خوفي خاص بي … كلمة الخوف هي الغالبة على قاموسي الشخصي … فانا مثلا اخاف العراء … اخاف الاماكن المغلقة المسقفة و كذلك اخاف من الاماكن الفسيحة الواسعة … اتدري ان صرير الباب يخيفني كما تخيفني الكوارث الطبيعية من زلازل وبراكين وفيضانات آهٍ لو         تدري  ؟ كم هي رهيبة الكوابيس التي تخنقني        ليلا .. ؟ ولكي اطمئنك على ان خوفي سببه ليس انت .. اقول انني خائف ايما خوف من صاحب الخطوات التي تخطو ورائي … اسمع صوته امرني دون ان اراه … ( يصج ) انتهى كل شيء … لن اتفاهم … لم اعد ارى الفيل غزالا ولا السلحفاة لاعب كرة قدم … ( يقوم ببعض حركات تدل على ان مجموعة من الناس القوه جانبا فينزوي في زاوية من زوايا المسرح ويبدو وكأنه اعتزل الناس . )

الراوي : ( يدخل المسرح ويتجه نحو الجمهور موضحا )

106

 
        في الايام الاخيرة من تسكعه على الارصفة وفي الشوارع … كان مشهده يثير وقعا حزينا في نفوس مواطني مدينته .. لقد شوهد وهو يبكي وكأنه يعاني من انشطارات الوحدة وتمزقات وارهاقات الاحاسيس المتوترة … واحيانا كان الناس يرونه وهو يتكلم بلغة الرموز والاشارات … ولم يستطع احد تفسير ما يرى .. هل كان يعاني من انشقاق ذهني ؟ هل كان منشطر الفكر ؟ هل كان يحلم ؟ وانا بنفسي سمعته يلعن امل … ويقول لا امل اصلا … واغرب من ذلك استصحابه عصا غليظة اينما يتواجد … ولما ساله احد المواطنين … وماذا في عصاك هذه ؟ انها سلامي قال … ولما ساله ايضا : ولماذا تحمل    سلاحا ؟ اجاب : احافظ على الخزائن … ولما قيل      له : واية خزائن تقصد ؟ قال : الخزائن        المسروقة … ولما سئل : وهل الخزائن المسروقة بحاجة الى حراسة ؟ قال : انا الخزينة التي سرقوها … انا الانسان المسلوب انسانيته … عالم البشر خال من الاتقياء … ادعوكم الى انسان يكون هو عسكر نفسه ودين نفسه ونظام نفسه… كان لمثل هذه العبارات وقعا غريبا في نفوس الناس … فهم ابدا لم يعرفوا ما يريد … كان يمر من امام المساجد والكنائس وهو يصيح : علاقتي طيبة مع الله … إلهي ليس الها عشائريا مقاتلا … وليس جحيمه اوسع من كل شيء … الهي وديع طيب ولا سيف صارم له ، كل الناس عبيده الا الاحرار . اتمنى ان اكون بقرة في الهند … اتمنى ان ارى المعالم بلا

107

 
حدود ولا عساكر … اتمنى ان ينهار الذين نصبوا انفسهم جسرا بيني وبين السماء … ومرة شوهد يتكلم مع نفسه بصوت مسموع : هل خانتني امل العزيزة … هل انحازت الى الخندق الضد ؟ لكنها معذورة مهما تفعل … فهي منذ بدايات حبنا لم تعطني وعدا قاطعا باللقاء … الا ان طغياني العاطفي هو الذي فسر الامر كما يحلو لي …

        وكان عندما تشتد هلوسته يهذي بمثل هذه العبارات : القلم ليس بيدي لهذا يكتب عني ما يريد ويصورني كما يشاء … خطير … عقله كحولي … افكاره  افيونية … الايمكن ان يكون صديقي قد مات منذ زمن بعيد … ولكن كيف يتسنى للموتى ان يظهروا ويتكلموا وكأنهم احياء ؟ ان حلم البشرية هو ان يعود ميت من عالمه الى عالمنا لكي نتخلص من الغموض الذي يحيط  بعالمهم … كانت امي تقول : من مات مظلوما فإنه يظهر بين حين واخر هنا وهناك …

108

 
       اغرب ماحدث انه مسك بتلابب فتاة مارة في الشارع وصاح في وجهها امل العزيزة تقول لي عش       بدوني … ايتها الفتاة الغضة الجميلة يا شبيهة امل هل تستطيع هي ان تعيش في مناخ قاتم … الابواب مقفلة … لا مكان ياوي اليه الانسان لينزع تعبه … ليس . هنالك ولو فجوة صغيرة ليجلس فيها الانسان ويشرب كأسا من النبيذ لينس همومه … قولي لامل : توجب علي ان اسير وحدي وان لا اتكلم الا مع نفسي وان اموت وحدي …

       ( الراوي ينحني احتراما للجمهور وينسحب من المسرح وفي الوقت نفسه يتحرك الرجل1 وكانه نهض من نوم عميق فيتجه نحو وسط المسرح . )

109

 
الرجل1 : بعد ان القوني خارجا وجدت نفسي في صحراء قاحلة لا اول لها ولا اخر ، ودون ارادتي هتفت باعلى صوتي : امل … امل … امل … ودوىّ صدى صوتي في ارجاء الصحراء عنيفا ، قويا ، هزازا … ( يقوم بحركات غريبة مخاطبا نفسه على شكل     اوامر ) يمين دُر … يسار دُر … الى الامام سر … الى الخلف دُر .. قفْ .. ( مع تطبيق الاوامر الصادرة اليه من نفسه ) ( يكرر العملية ولكنه لايستطيع الاستمرار لشدة التعب الذي نال منه فيخر على الارض وكأنه مغمى عليه وبعد فترة قصيرة يفتح عينيه ليرى صديقه واقفا على راسه فيقف وجها لوجه مع صديقه … الصديق يظهر كعادته من خلال جو ضبابي كالح وحالته اشبه بحالة من مات منذ زمن بعيد )

الصديق : الطريق مسدود من كافة الجهات .

الرجل1 : حتى الى بلد الاحلام الخضراء ؟

الصديق : تقصد البلد الذي تعيش فيه حبيبتك امل .

الرجل1 : لكم تفهمني ايها الصديق الودود ( يتعانقان )

الصديق : دعك من كل هذا … لاتتكابر … لكي لا يقتلوك ثانية … ابحث عن فوهة تقودك الى جوف الارض .

الرجل1 : اتقصد انه اسدل الستار على يومي الاخير .

الصديق : بل على يومينا الاخيرين ، ومنذ زمن بعيد .

          ( الصديق يختفي كما يختفي الظل )

الرجل1 : ( متأملا فيما حوله … فاحصا كافة جهاته )

110

 
       تركني واختفى …. من اية فوهة نزل الى جوف الارض … هل يجب ان احفر حفرتي بيدي … ام هي موجودة في مكان ما … سابحث عنها ما دامت الرحمة حجبت عني … وساختفي اختفاءً لن يراني احد بعد … وهنالك في عالمي الجديد سوف لن اسمع لا وقع خطواته خلقي ولا صوته الامر : احضر بدون تاخير وسوف لن اسمع عواء غير المرئي : القوه خارجا .. ولا زمجرة جنده : لماذا لاتقتله ؟! فلتنغنج المراة الحاسرة الركبتين على الارصفة … لم يعد يهمني امرها … الذي يهمني الان هو هناك … هناك حيث صديقي … حيث الرقص الموفور والنبيذ المعتق والاخلاد الى اللاامل … وداعا … ودعا … وداعا . ( ينحني للجمهور وينسحب من المسرح بخطوات متئدة وبعد ان يختفي … يسدل الستار . )

 

 (الممثلون … )

1- الرجل1 .

2- الصوت1 .

3- الصديق .

4- صوت فتاة .

5- احدهم .

6- الراوي .

 

111

 
 


قحطان الهرمزي

 

قارب في الصحراء …

 

مونودراما

 

112

 
قارب في الصحراء …

113

 
        ( عندما ينفتح الستار يكون المشهد غامضا  … ليس هو مكان في الصحراء ولا هو موقع على البحر … لكنه من الممكن ان يذكرنا بالصحراء والبحر معا ، ورغم غموضه فهو مكان فسيح مؤطر بجدران من ثلاث جهات ، اما الجهة الامامية فمفتوحة على الجمهور .. وهنالك باب على جدار الجهة اليمنى ، ومن الممكن ان يضيف المخرج على المشهد بعض اضافات مستنبطة من النص … وسط هذا المشهد المضاء ما يوحي جوا متداخلا من اهواء كافة المدارس المسرحية من رومانسية ورمزية      وسريالية .. يكون الجو السريالي هو الاكثر       حضورا … نرى على المسرح شابا في حوالي الخامسة والثلاثين من عمره يقطع مشيا الجهات الثلاث للمسرح رواحا ومجيئا وحالته غير طبيعية كحالة السرير الوحيد والمقعد الوحيد الظاهر في المشهد وليس من الواضح هل السرير والمقعد مصنوعان من الخشب ام من الحجارة ام تراب صحراوي ام من بقايا اخشاب سفينة غارقة منذ زمن بعيد ومن الممكن ان يتخذ المشهد شكلا يشبه البحر والصحراء في آن واحد … الشاب يتقدم نحو وسط المسرح … )

الشاب1 : ( بشكل تراجيدي شكسبيري )

114

 
       ماذا لو لم ياتِ … ؟ وماذا لو ياتي ؟ ( صيغة  السؤال تكون استفهامية بصورة اكثف ) من هو هذا الذي لو لم يأتِ ؟! من هو هذا الذي إذ ياتي ؟! إنه … إنه … ( برهة تامل ثم مع التغيير ) في لحظة ما … في لحظة اقل مسافة من طرفة عين لاتدري اين ومتى وكيف ينزل عليك كالصاعقة !! تهزك في كيانك وتقلعك من جذورك ( خطوات متئدة يخطوها ثم يتوقف ليقول مستدركا ) أهو سحر يصعقك … أم افيون يخدرك … ام عاصفة  اتت امامها وريقة خريف ؟! ما هوية هذا الذي ينزل في زمن طول مسافته اصغر مسافة بينك وبين الذي ينزل ولايحق لك حتى القيام بمراسيم استقباله ( يتحرك سريعا نوعا ما بين ارجاء المشهد صائحا ) : صواعق … صواعق … كم من صواعق اطاحت بالشجرة الوحيدة القائمة في عرض الصحراء او احرقت مجموعة اشجار متاخية في غابة كثيفة … آه لكم أحن الى المؤاخاة … الاشجار احتضْنتها في غاباتها … وقطعان الحيوانات الفْتها بين مجموعاتها … اما انا فمع من اتاخي ؟! آه من العزلة … إنها الرهيبة عزلة البشر … انها لرهيبة مراقصة النار حين تعزف العواصف موسيقاها التدميرية … القرن الافريقي الاسود … اسود ، رطب ، بخاري ، دامي ،       وحشي … وفي القدس رفض صديقي التوقيع مع الملوك … صاروخ من صنع انسان يهدم دارانسان او لم ترَ داري المقصوفة على نهر دجلة ؟             ( يستدرك ) وانا كيف لم احارب عندما هدموا داري ؟ لقد عانيت ولكن هل لمعاناة البشر نهاية ؟ إذا كان الموت خاتمة هذه المعاناة فلماذا اذن خلق الانسان؟ هل ليقتلوه كما قتلوه في الشيشان ؟ ان تتحرك … ان تاتي بنامة … ان تتململ … ان تعترض … ان ترفض … كل هذا فات آوانه … فكيف اذن تريد ان

115

 
اقول لا … واللاء هذه بحكم السيط اختفت من قاموس الكلمات ( يرفع راسه الى السماء ويتكلم بصوت اعلى : ) الصاروخ ياتي من بعيد … بعيد … والطائرات تحلق في السماء عالية … عالية … والغازات السامة تسممك اينما اتجهت … سموم … سموم … الحياة سُمَّ … والجيوش المتقاتله لاتريد اسرى … الحياة سم كما قلت … لأجرع هذا السم دفعة واحدة ، فالموت دفعة واحدة خير من الموت على طراز تقطيع الاوصال … او الانتظار اليومي الذي لاطائل تحته من ذبذبات الشعور الذبيح … من اهتياجات الروح المطعونة ( برهة ) عندما اتذكر الصومال وافغانستان اسال نفسي :وهل مقولة " قتل شعب آمن مسالة فيها نظر " قائمة لحد الان …         ( يغيّر صيغة الحديث بشكل آني ) فلأرحل  الى    هناك … الى الجزيرة التي انتفت فيها الحاجة الى العنف ( ثم بصوت شاعري ) المجئ ثم الرحيل او الرحيل ثم المجئ ليس من صنع يدي حتى اتخذ القرار … ما انا الا شبح في الليل ووجود ممحي في

116

 
النهار ومن يرى ظلام النهار يترحم على ظلام      الليل .. فظلام الليل ارحم من ظلام الظهيرة ( بصوت مهموس ومسموع ) :

        في بعض اصفاع العالم تحترف اشجار الغابات في حدود ثلاثين درجة حرارية مئوية … لاتسالني كم درجة حرارية مئوية تحملت ( الممثل يستطيع ان ياتي باية حركة تناسب الموضوع وله حق الاخراج الاني حسب المواقف التي يمر بها … يتهاوى على المقعد اولا ثم يقوم فيتهاوى على السرير ولا يستطيع الاستقرار فيقوم بالتحول في انحاء المسرح ويقف عند نقطة معينة من قبله يبدا بالكلام بلهجة      مأساوية ) .

116

 

117

 
        كنت اتحدث عن اللحظة التي هي اقل مسافة من طرفة عين … هذه اللحظة مسكت بتلابيبي وصاحت في وجهي : متى تفهم إنك تعيش يوما واحدا    مكرورا ؟ متى تفهم إنك تتحدث بمفردات لم تعد لها معانٍ مترادفة في منجد ذاتك ؟ يا لكلمة الذات من كلمة خلابة !! ( بعد صمت قصير ) خلابة … وما هي الخلابة هذه  ؟ الخلابة هي عين عسلية حالمة لفتاة عذراء … ولكن هل الذات ايضا خلابة مثل بحر ازرق ناعم الموج او سهل الانسياب نحو اجمل المصبات … الان اخترق سهم مناطقي       اللاشعورية … توقف عقلي … اللاشعور هو الذي يتكلم … المصب … وما هو المصب هذا بالنسبة     لي ؟ هل سيكون مصبي الى الجحيم … الجحيم اليق مكان لتوجهاتي … لأني في حال احتراق دائم …      ( يصيح ) انني احترق … انني احترق وانت       تقول … اسمعك بكل وضوح تقول لي : الى      الجحيم … الى الجحيم … وما دمت ترى الجحيم مكانا ومستقرالي وانت صديقي واهل بيتي ومذ فتحت عيني رايتك هذا دابك معي … فكيف اعترض ؟ وقد مهدت سبيلي بحرقي قبل الوصول اليه … المحترق يصب في المحرقة ، والنهر يصب في البحر … اما انت يامن اخترت لي الجحيم مصبا فسوف ارفضك حتى في جحيمي … لأننا معا سوف نصب فيه … ولكي يتطبع حديثي بقالب جدي اقول لك : انه عندما يكون دوري الان … فلاتنسى ان دورك سيكون غدا    ( صمت وحركات لا ارادية ثم بصوت يكثفه الحزن بصورة اعمق : )

119

 
        هل رايت هذه اللحظة العدمية المسافة …      الصغيرة … الصغيرة … ماذا تفعل بي والى اية مدارات تقودني ؟ … إنها الان تذكرني بجدي الذي كان صائد سمك في البحر ثم صار برغبته ام بغير رغبته راعي ابل في الصحراء … وليس مهما ان اعرف ذلك … أي ان ادري ان ذلك التحول الهائل الحاسم من البحر الى الصحراء هل تم بارادته ام على عكس ارادته … لأن التحول ذلك تم وانا لم اولد     بعد ، وليس لي في ذلك التحول أي راي … ومن ثم فانني لم استشر حتى بسقوطي الهائل وارتطامي بقاعدة الحياة الاسفلتية الرصيف … ذلك السقوط الذي يسمى بالميلاد … والذي اسميه المهزلة … فمهزلة وجودي خطيئة ، وعندما اجدني غير مسؤول عن وجودي وعن تصرفاتي وضعتي واغلالي وتفسخي ونتانني تتبادر الى ذهني قصة رواها لي صديق حافي حيث قال : يوما بعد يوم بدأت اتضاءل     واضمر ، ولما وجددا ضخامة مخدعي لم تعد تتلاءم وجسمي المنكمش على نفسه طعنونني الطعنة الاخيرة ، ثم رموني الى بالوعة مرحاض … وفيما انا اظهر استيائي من عفونة المكان … بداتْ في الحين نفسه حركة تحزب بين محتويات البالوعة المرحاضية ضدي و سمعتها تهمس : ما اقذر الانسان !! بحلوله بيننا نتانته تخنق انفاسنا ( صمت قصير وحركات سريعة في الضوء ) .

120

 
       احسست بانني مجبر على ان اكون هكذا … لذا قررت ان اكون شجاعا اثناء الاستجواب وجمعت قواي وصرخت في وجه المستجوب : على ماذا      تستجوبني ؟! انظر الى اثر السياط في ظهري … انظر الى الزرقة المكتنفة بالنفسجية تحت عيوني … انظر الى الحطام الذي استحلت اليه حتى وصولي اليك … الا يطربك كل هذا ؟! هل تريد إقامة مجلس طرب اخرلي ؟ ارقص على النار وامشي على فتات القناني الزجاجية المهشمة وعلى كاهلي اثقل      الخطايا ، وحول معصميّ الطوق الحديدي الصدئ … امعن النظر الى كومة الرماد الواصلة الى حضرة قدميك … امعن جيدا الى عواطفي المهانة  وخيباتي المتلاحقة … ابحثْ في جسمي عن صدأ الزنزانات ذات النوافذ العمياء وتمتع بدم عروقي المراق       هدرا … ابقيَ شيء ولم تحاسبني عليه؟! ابقي عذاب لم تطعمني به ؟ … اسمع شاعر المدينة المهووس كيف يعبر عن حالي :-

" … وكما تدقين الطبل هكذا ارقص

بواطن قدميّ تشققت

غربلتني الحانك السادية

انسانا رزينا كنت

تحولت الى دب راقص

يرقص كما يشاء طبلك

والان ماذا تبقى مني ؟

حتى تسوقيني الى هناك

كرة اخرى … "

        ( ويبدو وكأنه قد مرّ بفترة هذيان استفاق منها )

122

 

121

 
       اعذرني فانا من الممكن ان اكون الان في حالة     هذيان … هذيان انسان منفي من الحياة … ان هذا الهذيان هو عرس الانسان المنفي ( ثم مستذكرا ) العرس … العرس … لقد كنت اباس عريس في الحياة … لأنني ابتداءً من الليلة الاولى اكتشفت ان عروستي مصابة بلوثة في الدماغ ومختلة عقليا … وبمرور الايام توسعت اللوثة وكبر الاختلال … ثم جاء اليوم الذي وجدت فيه عروستي تنقل بسيارة اسعاف الى مصحة عقلية … وقد اخبرني الطبيب النفسي ان حالتها ميئوسة ،ولكي نجعلها تتفادى الالم الذي تستشعر به ولكي نحيلها عن ايلام الناس فسوف نحقنها بحقنة الرحمة التي تنهي حيانها … وينتهي تفاعلها مع الشرور البشرية ومشاركتها  فيها … نظرت الى الطبيب فاغرا وصحت في وجهه ( يصيح فزعا ) : ولماذا لاتنقذون البشرية بحقنكم تلك من الاشرار ؟! الاشرار الذين يسفكون الدماء في الارض … ( ثم يعود الى هدوئه ) فوجم الطبيب وقال لي بصوت رزين : ابتعد م هذا المكان ولاتعد الى هنا مرة اخرى ، واعتبر عروستك في اعداد الموتى …  ( ثم لمن يتكلم مع نفسه ) عروستي في عداد    الموتى … الكل في عداد الموتى … الكل قطيع في طريقة الى المجزرة … المجزرة التي يديرها قصابون مهرة ( صمت وتامل بعدهما يتكلم باسلوب مناسب للعبارات القادمة : ) اترى ان امواج ذاكرتي الشاسعة تتكسر على ساحل ملايين الافكار السوداء التي توازيان لها … ( مستدركا ) جدي … اجل            جدي … كان صيادا ماهرا في البحر وقد ترك لي قاربا هو خير ما ورثته منه من مرحلة حياته الاولى كصياد سمك … اما عن مرحلة حياته كراعي ابل في الصحراء فقد ترك على وجه الارض احفادا تقيحت جراحاتهم تحت وابل من سياط الى امرة سياط … احفادا انتقلوا من امرة سيّاط … احيانا كان السياط داخليا واخرى خارجيا ومن ثم داخليا وخارجيا معا في حالات كثيرة اخرى … تعاويذ … ادعية …     خرافات … نبش الماضي … سوارة … متهراة … سدارة متهرئة عفونة عقلية كادت تؤدي بي الى الجنون … وقبل ان اجنّ تجرات ان ارفض … فرفضت … وها انذا في طريقي الى استخدام قاربه الذي اورثه لي وهو صائد سمك للابحار نحو الارض الموعودة ( بصوت مغاير لكل اصواته وبعمق : ) نحو الارض الموعودة … نحو الجزيرة التي هنالك في البعيد … القائمة لوحدها وسط هدوء البحر … الجزيرة التي لايكسر فيها احد عظامك … الجزيرة

123

 
التي تستطيع ان تغني فيها اغنيتك المفضلة وتقرا فيها كتابك المفضل ( باسلوب مختلف ) قاربي الموروث … قاربي في البحر … ماذا انتظر ؟           ( بشيء من الحزن ) :

124

 
       انا لا اعرف التجديف في البحر لكوني عشت في الصحراء بحكم مهنة جدي الثانية لذا فانا الان في انتظار الذي سياتي ، والذي وعدني بتجديف قاربي ومصاحبتي نحو الجزيرة الموعودة ( بشيء من     الامل ) اكد لي انه سياتي … اجل انه سياتي ( مرة اخرى يغوص في تاملاته ثم يتكلم وكأنه مخدور او محور وبشيء من الهلوسة الهادئة ) : كان يجب ان اقول لطبيب المصحة العقلية : اجراؤك بحق حبيبتي … عروستي التي لم تزف بعد … عروستي بفستانها الابيض ابدا لن تزف لي … تلك العروسة التي محت ابهام المرض نضارة وجهها … انها جوهرتي … انها محبوبتي … بل انها امبراطورتي التي يتساوى تحت ظلالها الناس … الناس الذين لم يعودوا يرون حاجة الى كهنة يتكلمون باسمهم … الجميع يحب الجميع ولايجوع أي واحد منهم … إنهم في احضان ظلالها في مدينتهم المفضلة … والله يكون في داخلهم … كان علي ان اقول للطبيب : الاجراء الذي تتخذه بحق امبراطورتي العروسة بالحقنة القاتلة … اتخذ اجراءك هذا ضد الارواح الشريرة … الشرموجع … الاحباط مرير … الخيبة طريق تؤدي الى الانعزال والعبودية … العبودية لاتطاق … كان عليّ ان اصر على كلامي هذا … كما اصر على تكراره الان …  وكان علي ان اقول له ايضا : إتخذ اجراءك ضد الذي يسمي حبا كراهيته للناس ،وكرما شهوته للتدمير … ضد الذي يخافه جنوده اكثر مما يخافون الاعداء … وكان علي ان اقول مضيفا على ما قلت : العنف غير عادل ، واي حياة حين يكون هناك اناس ينهالون عليك بالضرب حتى يحطموا عظامك … ؟! أي حياة حين يكون هناك اغنياء ورهبان وعساكر متحدين ضد الفقراء . والعشاق والعزل … اتريد بلادا حرة ؟ اذن اطرد الاغنياء والرهبان  وسترى انك لاتحتاج الى عساكر …          ( يهتف فجاءة ) اطلقوا سراح عروستى   ( يغمره مرة اخرى هذيان موجع ويتكلم بعبارات غير واضحة

125

 
المعاني : إنها قوة غير عادلة ولا عاطفة لها … فهي تختفي وراء جبابرة يتعاملون بالقسوة ويتعاطون القتل والابادة الجماعية … تلك القوة لها حسابات لا يستطيع عقلي ان يغض النظر عنها او           استساغتها … لابأس … فليس من الضروري ان يعي عقل الانسان … وخاصة ان دور العقل اصبح مشكوكا في تحليل الامور … لكني ارى خارجا عن عقلي انه كلما كان الانسان اكثر قسوة كلما كان اقرب الى تلك القوة … ولكي تنال رضاها عليك العمل بغشامة القوة نفسها … ( يتقدم من الجمهور وينحني لهم ) .

126

 
       رغم ذلك فسوف لا انقاد الى مرضاة تلك القوة وسوف اكافح بالتمسك الرحمي بانسانيتي وادعو الى الرحمة والعدل واصرخ محتجا على موت الاطفال ( ثم يردد عبارات اكثر غموضا ) هذه الحقيقة دقيقة جدا لان اكتشافها تم باللمس والمشاهدة روحا وجسدا ، وتبا للمقابر الجماعية في البوصنة ( وبعد ان يدور داخل المشهد دورانا غير طبيعيا وياتي بحركات فيها هلوسة وهذيان وشرود ولكن بهدوء مرعب واكثر دويا من الصخب … ثم يقف ليقول : )

127

 
       لست ادري هل يمكنني بهذا الحوار القصير ان استعرض بكل ما يعتمل في جوانبي واعماقي … فمشنقة هذه اللحظات الماتمية تشعرني بماساة رهيبة حبذا لو استطيع استعراض خفاياها امامكم … ( ثم بلهجة رومانسية : ) عندما اشتاق الى شم زهرة … ترى هل هي ايضا تشتاق الى ان تكون موضوعا للشم ؟! ام ان اشتياقي هو من طرف واحد ؟ هل انا الزهرة ؟ ام الزهرة انا ؟ هل انا المتشوق المشوق ام الزهرة هي المشوقة المتشوقة ؟ ويخطرني هنا حلم ذلك الشاعر الصيني الذي روى : " حلمت ليلة امس اني فراشة ، وها انذا الان لا اعرف ما اذا كنت انسانا حلم امس انه فراشة ، او فراشة تحلم الان انها انسان … " ياللدهشة … ما هذا الحب الذي غزاني الان بغتة … حب لابعْدَ يقابله … وهو البعد الذي ينبع من ذاتي ولايقابله من الطرف الاخر أي      تجاوب … فانا احب الجميع وافرش دربي بقضية غير قابلة لتجزاة و اتوهم ان الجميع يحبونني      ايضا … لكنه داخل هذه الفرضية ارى ان لا احد يحبني … يالبؤسي … يالتعاستي … اذ اراني وحيدا في العالم ولا احد فيه يحبني … يالبؤسي … يالتعاستي … اذ اراني وحيدا في العالم ولا احد فيه يحبني … لا احد يشاركني شعوري ، لا احد يحترق معي … وعندما تستعر عاطفتي اتخيلني اهرب امام غزاة جاءوا ليزعجوا مملكة نفسي . ( طرق على الباب –  يتنصت ) هل الذي سياتي قد اتى ؟  ( يهرع الى الباب فيفتحه … خائبا يرجع ليقول ) آه … الريح هي التي كانت تطرق بابي … إنه لم يأت      بعد … إنه سوف ياتي … سوف ياتي ( ثم يعود الى الجمهور ) .

128

 
       لا استطيع هضم تعالي انسان على انسان … من الذي منح الحق للانسان المتعالي ان يقيسني حسب السرير الذي اعده لتقليمي اذا كنت اطول من السرير قص من رجلي لاكون بطول سريره … وإن كنت اقصر من السرير سحب اعضائي ومدّها لأمتدّ وأملأ السرير بكامله … من الذي منحه هذا الحق ؟ … الا ترى انه ليس من العدل ان يموت الصومالي والافريقي والفلسطيني من الجوع … ويرمي في الطرف الاخر من العالم الفائض من الطعام الى البحر ؟ عذرا .. معذرة من استاذ جامعي في مصر بكي لما ساله ابنه الصغير ما طعم العنب يا ابي ؟ هنالك طروحات كثيرة تطرح نفسها امام عدالة السماء والارض … ولما فاضت الطموحات اكثر مما ينبغي وجدت نفسي مرة اهتف : لماذا اعيش انا في خوف دائم وارتعد رعبا كلما دقّ بابي  بينا انت تنام في فراش وثير قرير العين .. ؟ من قال ان تعيش في وطن الجنة يغمرك الاطمئنان وانا اتخبط محتارا في وادي صحراوي ابحث عن ظل شجرة احمي نفس من اللهب الشمسي فلا اجده ؟ ما ذنب الاطفال التركمان تفزعهم في كل حين اجساد ابائهم المتدلية في اصفاع كثيرة من المعالم ؟ بينما اطفال الاخرين يمرحون في الحدائق العامة والمتنزهات ويتجولون فرحين في حدائق للحيوانات .. اليس كل الاطفال اطفال كوكب واحد ؟      ( برهة صمت ) مرة تمنيت ان اكون حيوانا من حيوانات حدائقهم لعلي استرعي انتباه من يعطف علي اسوة عطفهم على حيواناتهم .. أي تمني مريع هذا      التمني !!  انا الانسان  المتمني ان يكون حيوانا ؟!!

129

 
اترى أأنا حيوان اصلا ؟ والا فاية صفة في تدل على انني بشر ؟! ويحدث كثيرا انني ارى نفسي حيوانا لاإنتماء له لجنس ما واحاول ان اقنع نفسي انني اعيش بين مجموعة لا تسمية لها بعد !! ثم استدرك .. كلا فالحيوانات لها نظام خاص بها ولها اخلاقية تخصها فمثلا منها ما لاياكل جثث ولكننا نحن ناكل جثث ضحيانا ونقضم حتى عظامها ( يصرخ ) : اذن هل انا احط من الحيوان ؟ ( ثم يهدأ قليلا : ) آه من هذه الغشاوة .. لم اعد افرق هل انا انسان ام     حيوان ؟ ( ثم يتحدث كمن يروي قصة ) مرة كنت ذبابة تعلقت بوجه سيدة جميلة ، فطردتني بيديها البضتين الناعمتين فوقفت على كومة فضلات رفضتني هي الاخرى .. انهم … انهم لايقبلونني حتى خرقة لتجفيف مخارجهم اثناء تغوطهم .. اسوق دليلا على كلامي : كان سيدي عطوفا على ولم يؤذني بالسوط ابدا .. وكان لاحترامه الشديد لي يستخدمني بمثابة خرقة لتجفيف مخرجه عندما كان المرحاض علىالطراز القديم .. ولما شاع طراز دورة المياه الحديثة انتفت حاجته اليّ فصرفني بلطف مستغنيا عن

130

 
خدماتي .. وقفت في شارع يرناده السادة فلم اجد احدا يلتفت اليّ … واخيرا اضطررت الى الاقتراب من احدهم وقلت له بتودد وخضوع : انا خرقة مجربة وابحث عن عمل … نظر السيد الي باشفاق وقال       لي : ولى زمن الخرق ياولدي  … ( ثم يغير لهجته واسلوبه وكل ما فيه وكأنه تحول الى انسان اخر ) :

131

 
       القارب ينتظرني في البحر وقد اعددت حقيبة سفري وارتديت الاجود من ملابس ( علما انه لم يحدث أي تبديل في ملبسه ) … سدارتي لن اصحبها معي .. كل ما يتعلق بالماضي من ايامي سيبقى هنا .. مجلدات الكتب بتعاويذها وادعيتها … حضارتي التي بيني وبينها الان مسافة طويلة نحو الوراء وفراغ هائل لا استطيع اجتياز الطفرات الشاسعة للوصل الى ريشة لحية او الوقوف على شيء من الحرف        ( حتى ) … فأنا راحل الى امام وقد اتخذت الاستعداد الكافي لتحقيق هذا الرحيل ( بصمت قليلا ) يكفيني ان ياتي ليقول لي : القارب جاهز حتى انطلق الى جزيرتي التي تناديني بهمستها الرقيقة ونسيمها الناعم في كافة المواسم .. واعدة اياي بتحقيق ما اصبو اليه وما احلم به .. إنه سياتي .. ولم يبق الا ان ياتي وانا في انتظاره تمر امامي مشاهد اشاحة الوجوه وتحول الاعناق عني والالتفاتات المعاكسة  ابتداءً من سيدي إنتهاء بابخس عبد .. ما اقبح   العبيد .. لولاهم لما كان هنالك اسياد .. ان تسليتهم الوحيدة هي التفرج على ما يدور بابتسامة جامدة .. وكما انه لو لم نكن هنالك الحاد لم تكن نحتاج الى الدين .. كذلك لو لم يكن هنالك اسياد لما كان هنالك عبيد … قال لي احد العبيد : بمرور الزمن استانست لعبودتي .. وبدات التذ بوقع السياط على ظهري ، ولاجله قتلت سبارتكوس عندما اراد تحريري .. اما عبد اخر فقد عبر عن علاقة العبيد بالاسياد بهذه العبارات التي انفعلت لها ايما انفعال … العبد قال : ".. قطُّ انا بين مجموعة قطط

يجمعنا امر واحد

هو الخوف من كلب

عندما يسكر ، يحب الهلوسة ،

ودفن القطط احياءً … "

132

 
       ( يصرخ بعد انتهاء  العبارة الاخيرة ) :  تبا        للعبودية .. وتبا للاستعلاء .. وتباً لي ايضاً .. انا الذي كنت اردد طويلا .. لولا الغني لما كان هنالك فقر .. لأجله طرد المسيح التجار من الكنيسة ..       ( دق على الباب … يهرب كالمصعوق نحو الباب .. يفتح الباب … يدخل شاب في مثل عمره بوجه كالح فيساله بدهشة : )

الشاب 1 : هل انتهى الامر . هل القارب جاهز ؟!

الشاب2 : ( يتوسط المسرح ) ضاعت فرصتك .. ضاعت فرصتك ( باسف واسى ) .

الشاب 1 : ( مصعوقا اكثر  من قبل ) كيف ؟ كيف ؟!

الشاب2 : لسنوات طويلة خلتْ انحسر الماء الى مسافة      بعيدة ، وظل قاربك الموروث على اليابسة التي تحولت الى صحراء .

الشاب 1 : ( مبهوتا ) ماذا تقول ؟ الى صحراء … وكيف ؟!

133

 
الشاب2 : جدك لم يستطيع تقدير الامور ولم يتفهم التغييرات التي تطرا على الكرة الارضية في كل حول .. فابقى قاربه حيث هو … وعندما تحول البحر الى صحراء بفعل العوامل الطبيعية تاكل قاربك تحت وخز رمال الصحراء الحارة الحارقة فامتلا ارضية وجوانب القارب بالثقوب بحيث لم يعد الان صالحا للابحار .

الشاب 1 : ويعني اننا لانستطيع الابحار الى جزيرتنا الموعودة !!

الشاب 2 : ( ينسحب من المسرح دون ان يقول شيئا ويخرج من الباب الجانبي الذي دخل منه ويبقى الشاب لوحده على المسرح كما كان قبل قليل ) .

الشاب1 : ( يقع مغشيا على الارض ، ثم ينهض مصاحبا التاشيرات الضوئية إنطفاء وإضاءة لمرات متعددة ، وعند وقوفه على قدميه يبدو وكانه اصيب بمرض كـ ( انفصام الشخصية ) مثلا .. ولاندري اهو الذي يتكلم ام شخصه الثاني ، علما ان نبرة كلامه تكون واضحة ولكنها في الوقت نفسه تبدو وكانها صادرة من شخصية عدمية : )

134

 
اجل  تباً لي ايضا .. انا الاغنية التي انتحرت في صخب العدم ، انا الذي لا اعرف من انا ؟ هل انا حقيقة ام خيال ؟ مزيف ام عظيم ؟ فاجر ام عفيف ؟ مثمر ام عقيم ؟ لست ادري هل انا الان اعاني من مرض واحد ؟ ام من مجموعة امراض تفشت في كل حنايا وجودي ؟! روحي عدمية .. اشعر بجفاف  صحراوي كقاربي .. اشعر بسوداوية افريقية وانا ابحر الان منتصف الليل ولكن ليس نحو صباح مشرق جميل كعادة العبور .. إذ يكون من الليل الى النهار … فالأشراق مرورا من خيبة الى اخرى .. من احباط الى اخر تحول في غور اغواري الى ظلام … هذا الظلام قهرني الى حد لم اعد في وضع يسمح لي الاحساس بوجود ضياء حتى ولو كان هذا الضياء في حالة اشراقه حقيقية لذا اجدني سائرا من منتصف الليل الى لحظات احلك ظلاما يباركني فيها نضوب النجوم والاقمار ولا اخلاقية الغيوم القطميرية       الالوان .. لقد اعتدت الامر واصبحتْ لدي قناعة كافية باءن النجوم والاقمار في الليل ، والشمس في النهار لا تشع للبؤساء … اما الغيوم .. غيوم ايامنا هذه فلا تمطر الا في حقول الاغنياء … وإذ تعاتبها تجيبك ، واين هي حقول الفقراء حتى نمطر عليها ؟! وإذ اقول انا سائر من منتصف الليل الى لحظات احلك ظلاما .. استطيع ان اقول ايضا : ان الفجر المظلم هو في انتظاري صباح غد ، وحينذاك اكون انا ايضا ظلاما .. ترعة غادرتها المياه .. وكما قلت روحا عدمية .. كلمة الروح هنا تقودني الى توهماتي حتى كنت ادعي باءن لي روحا … روحا ندية ، ريانة ، ولما ادركت بطلان حقيقة كوني انسانا كنت يوما ما لم تعد حينئذ صفاراتي الانذارية الذاتية بحاجة الى تنبيهي الى الخطر الهائل من غارات الاخطار القادمة ، فلقد عرفت المخاطر بانواعها واستقرتْ نفسي على حياة مقهورة لا نأمة احساسية فيها ولا لغة تسود غير لغة الظلام  ، ومن الممكن جدا ان كلماتي نضبت ايضا وان البُكم هو حقيقيتي الكبرى ، وقد يكون بكمي هو التعبير الامثل عن معاناتي وانحداراتي وهاويتي ووادي سقوطي الفجيع في احضان ظلامي الرحمي .. ولكي ابرهن لكم على انه ليس الوهم هو الذي يقودني الى هذا الظن فيكفي ان اقول : إن الوهم نفسه تخلي عني فلم اعد اتوهم باءن الارصفة والشوارع والجبال والوديان وقلعة كركوك كانت لي يوما ما . ( اثناء نطقه بالعبارة الاخيرة ينهار رويدا رويدا واثناء الانهيار وقبل السقوط التام على الارض ينادي باعلى صوته : )

جزيرتي في انتظاري .. من منكم يعيرني قاربا ؟!

( يسقط على الارض ويتكوم متكورا ) .

 

ستار

 

 

 

( الممثلون … )

الشاب 1 .

 

 

138

 
الشاب 2 .



(1) الاسطورة مقتبسة بتصرف .