موسوعة تركمان العراق العراق الجميل ابداعات

   قصة تركمانية معاصرة

 

                                الطيور

                                        قحطان الهرمزي

 

                             

قحطان الهرمزي ،من مواليد كركوك ( قضاء قره تبه ) 1936 . خريج دار المعلمين بكركوك . بدأ بنشر قصصه اعتبارا من عام 1953 .فازت قصته (الموت وسط المدينة ) بالجائزة الأولى للقصة عام 1965 . يعتبر من أوائل شعراء قصيدة النثر في العراق . أصدر ثلاثة دواوين شعرية حتى الآن:

 ـ أيام شديدة البؤس ـ باللغة العربية .

  ـ  نخب العالم المنهار ـ باللغة العربية .

 ـ الخروج من الجنة رغبة ـ باللغة التركمانية .

ـ قصائد صافينازية ـ باللغة العربية

 لم تنحصر نتاجاته في القصة والشعر بل كتب نصوصا مسرحية من أهمها (هنا كركوك ). كما كتب أوبرا بعنوان (أصلي و كرم ) عن قصة الحب التركمانية المعروفة. والجدير بالذكر أن قحطان الهرمزي يعتبر أحد شعراء ( جماعة كركوك ) المعروفة حيث أغنى الأدب التركماني المعاصر بتراكماته الثقافية ،وساهم بتوسيع آفاقها .

 

 

 

                                   الطيور

                                          قحطان الهرمزي

                    (1)

 

هذه الليلة أحس في أعماقي بحزن لا أعرف له سببا ..صحيح إنني إنسان متألم وأشعر بالغربة والضياع في كل لحظات حياتي ..لكن الحزن المتسرب إلى أعماقي في هذه الليلة مختلف عن أحزاني الملازمة لي..وكعادتي دخلت الحانة التي اعتدت السكر فيها ، وجلست في المكان عينه الذي اعتدت الجلوس فيه ..كوني وحيدا لم يجلب انتباه أحد..لأن رواد الحانة اعتادوا على رؤيتي وحيدا ..

وبدأت اشرب وأشرب وأنا أستجوب نفسي وأغرف في طاحونة تأملاتي المتصارعة..ماذا تراه يحدث ؟ قلت ذلك ثم رفعت الكأس أرتشفها بثمالتها وبدفعة واحدة ..نادل الحانة أراد أن ينبهني إلى احمرار عيني من كثرة الشرب .فقلت له : إذا اقتضى الأمر فسوف افعلها ..طلبت كأسا أخرى ،ونظرت حولي..الموائد بدأت تخلو ..والساعة تشير إلى منتصف الليل..مضى يوم أخر إذن..! ..يدي سقطت على المائدة ..هذه الحركة صدرت مني بغير إرادتي ..مثل هذه الحركات اللاإرادية بدأت تبدر مني في الآونة الأخيرة.

في أحد الأيام وعندما كنت أحملق إلى لوحة الدعاية لفلم من الأفلام السينمائية ،اشتقت إلى تقبيل صورة بطلة الفلم المكتنزة الشفتين ..وأحيانا عندما أسير في الشارع ،أتكلم لوحدي بصوت مسموع كأنني أتحدث إلى أحد يسير معي ..وفي الأيام الأخيرة رفع بعض الناس تقريرا عني مفاده ،أن لي تعاطفا مع الطيور المسماة بـ (الكناري) ،وأنني أفتح بيتي لإيوائها ..أفقت من تأملاتي على الصوت الصادر من ارتطام الملعقة بالأرض ،ونظرت إلى الأسفل ..تعلقت عيناي بالأرض وتسمرتا ..جسمي بدأ يرتجف ..أسفل منضدتي رأيت طيرا من طيور الكناري المخنوقة أو المقتولة بسهام مسمومة تجدونها في كل مكان . تأتي نتيجة عدم مسايرة الطيور مع متطلبات الضارة الحديثة المعاصرة..بل أنها وصلت إلى حد أعلنت اعتراضها بشكل فادح على التمدن ووصفته بالآلية ..يجب علينا أن لا نكتفي بإبادتها عن بكرة أبيها فقط بل ردع وتصفية كافة الذين يفتحون أبوابهم لها ويتعاطفون معها .

ألقيت بنفسي خارج الحانة ..الظلام مخيم على كل مكان ..هل يستطيع إنسان سكير مثلي أن يجد سبيلا في مثل هذا الظلام ؟ وبدأت أمشي بغير هدى في شوارع طويلة ..ولكن إلى أين ؟ ذلك ما يحيرني ..الطير مخنوق تحت منضدتي في الحانة .بدا مشهده الفجيع يغزوني ككابوس مزعج ..ولم أستطع بأي شكل من الأشكال أن أتجاوزه ..ونظرت إلى السماء الملبدة بغيوم قاتمة ..وتمتمت في سري ،ما أصعب السير تحت سماء بلا غيوم !

عاشقان جلسا يتحدثان بخفوت:

ـ نهاية مؤلمة .

ـ إنها نهاية العشاق .

ـ أهي عاشقة طيور الكناري؟

ـ بجنون .

ـ هل يولد العشق تحت ظلال الرعب ؟

ـ العشق يولد رغم كل شيء.

اقترب شاب من زميله وهمس في أذنه :

ـ قلبي سيقطعونه.

ـ لم ؟

ـ استوطن فيه حبا رهيفا لطيور الكناري.

شعرت بالدوار..عيوني لم تعد تتفتح ..غبت عن نفسي وسقطت على الأرض..بعد مدة أفقت فإذا بي أرى ثلاثة رجال ..أ<سامهم غليظة ..ووجوههم متجهمة ..أمسكوا بذراعي ورفعوني ..فتشوا كل أنحاء جسمي بصورة دقيقة ..وعندما أردت أن افهم من هم هؤلاء الرجال ..تبين لي أنه لا حق لي بالسؤال ..أجبروني على ركوب سيارة كانت بصحبتهم ،وحالما ركبت أغلقوا عيني بخرقة سوداء ،وبدأوا ينهالون علي ضربا من كل جانب إلى أن فقدت الوعي ..

فتحت عيني في مكان مخيف جدا ..وكان في مواجهتي رجلا يجلس على منضدة له نظرات غريبة .ثم شاهدت الرجال الثلاثة حولي ..الرجل الجالس على المنضدة قال لي :

ـ إذا أجبت على أسئلتي بصورة صحيحة فسوف أمنحك الحرية وبعكسها فالموت ينتظرك .

 

 

ـ تفضل يا سيدي واسأل .

أخرج الرجل ورقة من ملف كان أمامه ،وبدأ يقرأ :

المتهم الذي أمامكم دخل مكتبة وسأل عن كتاب يبحث عن طيور الكناري ..وقبل ثمانية أشهر تولى إمامة جماعة المصلين في الجامع . وبعد انتهاء مراسيم الصلاة خاطب المصلين في الجامع بصوت مرتفع غاضب قائلا: هل تستوي الكناري والصقور ؟ وقبل سبعة أشهر كتب في إحدى الجرائد الممنوعة : القانون يحمي المواطن ولا يذله ..وقبل خمسة اشهر رأيناه يغني وهو يمشي في الشارع أغنية تحوي هذه الكلمات : الحب ـ الحرية ـ العدالة . وقبل شهرين رأيناه يضحك في أحد المقاهي بملء شدقيه..وفي الليلة الماضية أثناء القبض عليه ،كان يردد: ما اقبح الظلام ! وبما أن هذه التصرفات والكلمات التي تفوه بها منافية لقوانين مملكتنا ،لذا نطلب التخلص منه ومن طيشه .

اقترب مني أحد الرجال الثلاثة وقال:

ـ هيا تكلم .

كنت أرتجف بصورة واضحة ..الخوف بدأ يطوقني ويتحكم في..ولكني في داخل هذا الخوف ،أحسست بشجاعة وقلت في نفسي ،ليكن ما يكون،وبدأت أتكلم :

ـ لكني لا أعرف من أنتم أيها السادة ؟

ـ من نكون ؟! ذلك ما لاحق لك في معرفته أيها الأحمق ..ليس لدينا الوقت لنضيعه معك .أجب:هل ارتكبت هذه الجرائم أم لا ؟

ـ لم أرتكب أية جريمة .

ـ هل نحن نكذب ؟

ـ لم اقل ذلك .

ـ إذن ماذا تقول ؟

اقتربت من الرجل الجالس على المنضدة وقلت :
  ـ إذا أردت أن تفهم الحقيقة ،إذن اسمع ما أقوله :

بما إنني لا أعرف القراءة والكتابة لذا لم أدخل في حياتي أية مكتبة كانت .. أنا إنسان هائم على وجهي في الشوارع هي ليست لي..أما عن صلاة الجمعة ، فأنا أشهر سكير في هذه المدينة . وليست هنالك حانة لا تعرفني .كما أنه ليس هنالك جامع يعرف عني شيئا أو كنيسة ترددت عليها ..أجل أعرف ماذا يجري في الحانات ..ولكني لا أعرف مكان عبادة ،ولا ما يجري فيه..صوتي كريه ،مبحوح ،لذلك لا أجرؤ على الغناء . هل يستطيع  إنسان مهموم مثلي الضحك بملء شدقيه ؟

وقبل أن أنهي كلامي ضربني أحد الرجال الثلاثة بآلة حديدية على رأسي ..بدأت الدماء تسيل من رأسي إلى كافة أطراف جسمي..أظلمت الدنيا أمام عيني وتمتمت :  الموت هو الذي يريدونه لي..وهل هناك أسهل من الموت ..

الشخص الذي ضربني بدأ يصرخ في وجهي:

ـ ولماذا اختارت طيور الكناري بيتك لتبني أعشاشها فيه ؟

ـ انه حب متبادل ..حب موروث.

بدأ النزيف يهد قواي ..وقعت على الأرض . ومن خلال نظراتي التي بدأت تضعف وتضعف ،وجدت في السقف عواميد حديدية للصلب ..اثنان من الرجال أغلقوا عيني مرة أخرى بقماش أسود ثم ربطوني في أحد الأعمدة الحديدية المتدلية من السقف ،وبدأوا يشبعونني ضربا ..أدوات التعذيب التي مارسوها ضدي كانت متعددة . عرفت ذلك عندما كانت تلسعني من كل جهة حتى بدأ جسمي يتخدر، وإحساسي يضعف ثم لم أعد أشعر بشيء .

 

 

                            ( 2 )

 

قالت لي : أودع هذا الطير أمانة لديك ..ما أجملها من وديعة ..ومنعتني حشرجة من الكلام الكثير الذي كنت أريد أن أقوله لها ..انه ليل طويل ،والنجوم حجبت وجوهها عني..وحيد أنا الآن ..لحظاتي تخلت عني.. لحظات أطول من أية مسافة بين الفراق واللقاء..ابتسمت في وجهي بحنان..لابتسامتها شان آخر في شغاف قلبي.

وديعتها لدي كانت تملأ كل جوانحي .أفضيت إليها مرة أخرى بما يجيش في أعماقي:أيها الطير ،نظراتك من نظرات حبيبتي ،وأنفاسك من أنفاسها .. قل لي ماذا تريد أن أفعل من أجلك ..فتحرك منقاره ،وارتفع صدره ثم انخفض وقال : أريد الحرية ..دعني طليق الجناح لأطير ..فطار عصفوري في أعالي السماء ،وعلى الأشجار،والهضاب والجبال ،وغنى هنا وهناك للخضرة والأشجار ،والهضاب المليئة بالورود ،وللسفوح ،وللرعاة ،ولي في متاهات عشقي..لم تدم السعادة طويلا ..جاءت اللحظة المشؤومة ..كان طيري فيها فريسة لصقر جارح اختطفه في أحد انطلاقاته وأسره في كهف أحد الجبال العاصية المرتفعة البعيدة عن العالم .

اتصلت بجميع طيور العالم ..وعرضت لها قصة طيري ..جميعها تجاوبت معي لأني وإياها تجمعنا صفة مشتركة ..أنا أحب المرافيء والمواني ،والمحطات التي أمر منها دون توقف ..فالتوقف عن السفر يقتلني ،وهي تحب قمم الجبال وأهالي الأشجار لأنها تفتح أمامها متاهات أخرى تتيه فيها .

الطيور كلها تدخلت لصالح طيري دلى الصقر ..وحدث ذات مساء أن استلمت برقية من الصقر يخبرني فيها أن أحضر مساء غد لاستلام طيري الوحيد..حل المساء الموعود ،وانتظرت أمام الكهف ..مضت مدة من الزمن لا أذكر أمدها ..بعدها سمعت صوتا مخيفا ينبعث من داخل الكهف رمى خلاله الصقر طيري الوديع جثة هامدة.

نظرت إلى طيري بإمعان..وجدت أحد جناحيه مقطوعا والآخر مكسورا . وكانت أثار نهش لحيوان مسعور في عدة أماكن من جسمه . وبدأت أبكي .