العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

حكاية من ملحمة (ده ده قورقوت )

 

              جلال بولات

 

  جلال بولات من مواليد 1954 بغداد. عمل في جريدة يورد التركمانية 1974-1976  . تخرج من معهد الفنون الجميلة / بغداد 1976-1977 .

 قاص وشاعر تركماني له مجموعة قصصية ( حطام قلب) ورواية بعنوان ( في ظلال النار ) نشرت كاملة وعلى شكل فصول في جريدة ( يورد ) عام 1978 . يهتم بالترجمة من التركية إلى العربية وبالعكس منذ السبعينات، وظهرت ترجماته الصحف والمجلات العراقية . ونشر العديد من الدراسات عن الأدب التركي في المجلات والصحف العراقية .

 يهتم بالمسرح وهو من مؤسسي المسرح التجريبي في كركوك، وله مسرحيات باللغة التركمانية ، وله نصوص مسرحية باللغة العربية فازت إحداها بالجائزة الأولى في مهرجان المسرح التجريبي ببغـداد عام 1984. مثلت العديد من نصوصه على خشبات المسرح في كركوك .

ترجم روايـة ( الأرض حديد ، السماء نحاس ) للكاتب التركي ( يشار كـمال ) ونشرت في جزأين ضمن منشورات دار المأمون للترجمة والنشر – بغداد 1991 .

 

 

المقدمة

    عرفت حكايات ده ده قورقوت في مطلع القرن التاسع عشر لأول مرة حين اكتشفت المخطوطة الأولى للكتاب وعرفت فيما بعد بنسخة درسدن . وقد واظب الكثير من المستشرقين والباحثين على دراسة هذه الحكايات الملحمية التي تصور حياة قـبائل الأوغوز وصراعهم مع الأقوام والممالك المجاورة ، وما زالت تظهر إلى يومنا هذا بعض الدراسات والمراجعات والأبحاث القيمة التي تتخذ من كتاب ده ده قورقوت موضوعاً لها . وباستمرار تتوالى أبحاث جديدة موضوعها الحكايات بسبب الحاجة أولاً ، وبسبب عدم كفاية الدراسات السابقة في إشباع غريزة البحث والاستقصاء لدى المهتمين ثانياً .

   تعد حكايات ده ده قورقوت من أروع الآثار وأكثرها جذباً للأنظار في خزينة الأدب التركي، كما تعتبر معيناً لا ينضب في دراسة اللغة التركية ، إلى جانب أنها كانت سبباً في ظهور أبحاث قيمة تتعلق بمرحلة تاريخية معينة من منظار الحكايات، كان هدفها واضحاً وهو تحديد تاريخ نشأة الحكايات ووضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بحياة صاحب الحكايات ده ده قورقوت .

   نشر كتاب ده ده قورقوت لأول مرة في تركيا عام 1916 من قبل الباحث التركي (كيليسلي رفعت) بالحروف العربية التي كانت مستخدمة آنذاك . وفي سنة 1938 قام الباحث التركي (اورهان شايق كوكياي) بنشر الكتاب للمرة الثانية . ومن الجدير بالذكر أن الكتابين اعتمدا على نسخة منقولة عن النص الأصلي وليس على المخطوطة الأصلية بذاتها .

   ثمة مخطوطتان من كتاب ده ده قورقوت . المخطوطة الأولى هي نسخة درسدن والثانية هي نسخة الفاتيكان . وقد اكتشفت نسخة الفاتيكان في الآونة الأخيرة وعرفت في الأوساط العلمية بعد عام 1950. وبسبب ضعف مخطوطة الفاتيكان واتفاق الآراء على أنها مخطوطة ناقصة تعتمد مخطوطة درسدن كأساس لغالبية الدراسات في العالم التركي .

   مخطوطة كتاب ده ده قورقوت اكتشفت في المكتبة الملكية بدرسدن من قبل الباحث الألماني (فليتشر) ، ولكن مواطنه الباحث (فون دييز) يعتبر بحق أول من استفاد من المخطوطة وقام بنشرها لأول مرة في برلين عام (1811 - 1815) كان دييز يبحث في الأمثال الشعبية وقاده البحث الى دراسة العصر الذي عاشه ده ده قورقوت ، ثم اهتدى الى الكتاب وسلط الضوء بإمعان على شخصية ده ده قورقوت، كما قام بنشر ترجمة حكاية ( تبه كوز) إلى الألمانية، وذهب الى حد مقارنة شخصية المارد ( تبه كوز ) مع العملاق (بوليفموس) في ملحمة الاوديسيا لهوميروس. واعتماداً على طول ومساحة تفاصيل الحكاية لدى ده ده قورقوت  خلص إلى القول بأن الإغريق قد استلهموا هذه الحكاية من الشرق والمقصود هم الترك. وفي ذات الوقت حرص دييز على إخراج نسخة مصورة مطابقة للأصل تماماً من المكتبة الملكية بدرسدن وإيداعها إلى مكتبة برلين لغرض التداول ضمن (بيرستش كاتالوج _ رقم 203 ).

   وفي منتصف القرن التاسع عشر انكب (تيودور نولدكه) على دراسة مخطوطة درسدن وبدأ دراسته باستنساخ المخطوطة، ولكن بسبب تعذر فهمه لبعض النقاط المهمة في المخطوطة تحاشى نشر ما توصل إليه ، وبذلك يعتبر المستشرق الروسي (بارتولد) أول من كتب مقالة مهمة عن ده ده قورقوت ، وترجم حكاية (دلي دومرول) إلى الروسية. ولم يكتفِ بارتولد بهذا وحسب، بل صرح بأنه اطلع على دراسة (نولـدكه) التي لم تكتمل ، وكتب بشكل دوري عن الحكايات المتناقلة عن ده ده قورقوت بين التركمان والقوقاز في ذلك الوقت ، نقلاً عن ( آ. تومانسكي) .

   تومانسكي بدوره نشر مقالة تطرق فيها إلى شخصية ده ده قورقوت مضيفاً إلى معلومات معاصريه ما ذكر في كتاب ( شجره ئ تراكمه) لمؤلفه ( أبو الغازي بهادرخان ) . أما ( ك. اينوسترانتسيف) فقد بحث في شخصية ده ده قورقوت ، إن كانت شخصية حقيقية أم خيالية ؟ وذهب إلى أن ده ده قورقوت ربما هو نفس شخصية ( قورقوت ابن عبدالحميد ) الذي كان أمير قبائل (بوزـ أوق) في أواسط القرن الثاني عشر الميلادي .

   وفي تركيا توالت الدراسات والمقالات التي كتبت بشأن الكتاب وعن حكايات ده ده قورقوت وبالأخص بعد نشره لأول مرة في تركيا عام 1916، إذ كانت هذه البحوث في الغالب تعتمد على النسخة المصوّرة التي أخرجها دييز. أما الأبحاث التي قدمها ( اورهان شايق كوكياي) وفيما بعد ( عبدالقادر إينان ) هي أغنى ما قدم عن المخطوطة وعن شخصية (ده ده قورقوت) .

   قام (اورهان شايق كوكياي)  بنشر الكتاب وأشار في مقدمته إلى كافة المراجع التي كتبت عن ده ده قورقوت وحكاياته . ويعـد المدخل الذي كتبه كمقدمة للكتاب أغنى ما كتب في هذا الشأن في مطلع الخمسينات ، ثم جاءت دراسة ( د. محرم أركين ) كأفضل دراسة أكاديمية شاملة نال عنها شهادة الدكتوراه ، تناول فيها كافة المراجع التاريخية عن المخطوطة وعن شخصية  ده ده قورقوت، وإضافة إلى نشره النسختين ومقارنتهما ، قام بدراسة اللغة المستخدمة في المخطوطة من ناحية الصرف والنحو، وذيـّل بحثه هذا بقاموس خاص بالمفردات المستخدمة لدى ده ده قورقوت.

   وفي عام 1950 عثر على مخطوطة أخرى لكتاب ( ده ده قورقوت) بين المخطوطات التركية القديمة في مكتبة الفاتيكان، واعتبرت هذه المخطوطة ناقصة لأنها تضمنت ست حكايات . أما مخطوطة ( درسدن ) فتحتوي على اثنتي عشرة حكاية . وجد هذه المخطوطة الباحث الإيطالي (اتتوري روسسي ) وقد عرّفها حينئذ بمقالة احتوت على معلومات مقتضبة . ثم قام فيما بعد بمقارنة نسخة الفاتيكان مع مخطوطة درسدن ، ونشر ترجمة كلتا المخطوطتين في كتاب بلغ عدد صفحاته 364 صفحة ومن ضمنها 95 صفحة خصصت للمقدمة .

   إن أقدم مصدر تاريخي نقل خبراً عن ده ده قورقوت هو كتاب (جامع التواريخ ) لمؤلفه الوزير الايلخاني الطبيب رشيد الدين الهمداني، حيث يورد في الفصل الخاص الموسوم بـ (تاريخي اوغوزي توركان وحكايه تي جهانكيرى) تفاصيل مهمة عن قورقوت كونه عاصر أربعة من أمراء الأوغوز. ففي هذه الأوغوزنامه التي كتبت بالفارسية في مطلع القرن الرابع عشر الميلادي ، تؤكد على أن قورقوت سطع نجمه في عهد ( قايي إينال خان ) الحاكم العاشر في تسلسل ملوك الأوغوز، حيث عمل مستشاراً . ومما يذكر أن قورقوت في حقيقة الأمر كان قد ظهر على مسرح الحكم في عهد الملك (إينال سر ياوكوي) وهذا هو أبو ( قايي اينال خان)، وهو الذي مهّد لإعتلاء الابن عرش أبيه ، وأنه عاش في عهد أربعة حكـّام ، ابتداءً من الحاكم العاشر إلى الحاكم الرابع عشر، وظل محتفظاً بمنصبه كمستشار للملك . ده ده قورقوت هو ابن (قره خوجا ) ينتسب إلى عشيرة البيات ( وهي فرع من الأوغوز) . ويذكر رشيد الدين في كتابه: أن الشخص الذي نقل إليه هذه المعلومة أكد على أن قورقوت كان حكيماً لا يبارى في النظم الجميل والمنطق الرزين ، إضافة إلى أنه كان ولياً وله كرامات ، وأن له حكايات كثيرة . وعلى الرغم من أن ( رشيد الدين ) في كتابه هذا يلزم نفسه على أنه سيدون معلومات أوسع عن حكاياته إلا أنه وللأسف لم يفعل ذلك ، وان قورقوت هو الذي يختار إسماً لابن هذا الحاكم فيسميه (تومان) ، وهو الذي ينتخب (كول أركي) نائباً لتومان، ثم يزوجه من ابنة كول أركي، ويطلق اسم (قانلي ياوكوي) على وليدهما البكر. وباتفاق الآراء مع أمراء الأوغوز يشارك في إبعاد الحاكم تومان من دفة الحكم ، وتنصيب إبنه (قانلي ياوكوي) خلفاً لأبيه. ويؤكد الهمداني أن قورقوت عندما كان يشغل منصب المستشار في عهد ( قايي اينال خان ) يظهر الرسول محمد (ص) ، وان قايي اينال خان يعتنق الإسلام . على أن الرقعة الجغرافية التي تكون بمثابة مسرح لهذه الأحداث هي المنطقة الواقعة إلى غرب بحيرة ( إيسيك ) وشمال نهر ( سرداريا ) .

   ومما يجدر ذكره هو أن الأوصاف المذكورة عن شخصية ده ده قورقوت في هذه الأوغوزنامه التي كتبت بالفارسية عن ( كونه حكيماً وله كرامات ، وأنه كان مستشاراً لدى خانات الأوغوز، وأنه عاش في زمن الرسول (ص) وانتمائه إلى عشيرة البيات ، وصلاحياته في تسمية أولادهم، ونظمه الكلام الجميل ) هي ذاتها الصفات المذكورة في مخطوطة كتاب ده ده قورقوت .

   المؤلف المصري ( أبوبكر ابن آيبـك الدواداري) في كتابه (درر التيجان) الذي أهداه إلى الملك ناصر محمد ابن قلاوون ودون فيه الأحداث التاريخية إلى عام (1310م ) حينما تطرق إلى عام 1229 وحديثه عن جنكيزخان في مقدمته ، عرج على الاوغوزنامه وقام بتدوين معلومات في غاية الأهمية عن حكاية ( تبه كوز) .

   ( يقول ابن آيبك بأن هذا الكتاب يذكر ظهور الاوغوز وبدايتهم الأولى . فيه معلومات أقتبست من كتاب الخان العظيم ( بيتجكي )، إنه كتاب نفيس يتفاخر به قدامى الترك من المغول و القفجاق إلى حد تقديسه ، مثله مثل الأوغوزنامة الموجودة لدى الأوغوزيين ، يتناقل من يد إلى يد ويمثل البداية الأولى لظهورهم . ذكرت فيه أسماء ملوكهم الاوائل ، وان جدهم الأول يدعى (أوغوز) . كما جاء ذكر مارد اسمه ( تبه كوز) وقيل أن هذا كان مخلوقاً بشع الهيئة مخيف المنظر له عين واحدة في وسط جبينه ، وان أمه هي جنية من البحر، لا تؤثر في جسده السيوف ولا الرماح . العرقية التي كان يعتمرها معمولة من جلد ثلاثة عشر خروفاً. ومازالت أجيالهم تتناقل أشكالاً من هذه الحكاية المشهورة ، يحفظها الحكماء و ذوو البصيرة ويروونها وهم يعـزفون على قيثارتهم . هذا المارد الذي ظهر في ديار الأوغوز عاث في ديارهم خراباً ، جرح بعض أمرائهم وقتل العديد من رجالهم ، وفي نهاية الأمر تمكن فارس شجاع كريم المحتد ذائع الصيت بين الترك يدعى (بصاط بن آروز) من قتل هذا المارد.. وفي آخر كلامه يقول : إنما كتبت هذه المقدمة بشكل خاص لمن يقرأ كتابي هذا ليقف على مدى اطلاعي ومعرفتي بأحوال الترك .)

   يبدو أن ابن آيبك قد اطلع في ذلك العهد على نسخة من الأوغوزنامه ، إذ أن حكاية تبه كوز التي يروي عنها موجودة في الكتاب مع اختلاف بسيط ربما هو ناجم عن خلط الكاتب بين شخصية بصاط وبين بيره ك أو كانتورالي .

   المرجع الثالث الذي ذكر فيه اسم ده ده قورقوت وبايندرخان وسالور قازان و تروى فيه بعض الوقائع من كتاب الحكايات هو كتاب (سلجوقـنامه) الذي يتفـق على أنه مكـتوب في القرن الرابع عشر الميلادي في عهد أمير سليمان ابن السلطان العثماني بايزيد. وفي فصل لاحق دونت بعض الأمثال والحكميات جاءت مطابقة مع الحكميات الموجودة في مقدمة كتاب ده ده قورقوت . ومما يلفت النظر في هذا الكتاب هو ذكر أسماء ليست موجودة في كتاب ده ده قورقوت ، من هنا يذهب بعض الدارسين إلى أن كاتب الـ (سلجوقنامه) ربما اطلع على نسخة أوسع وأشمل من كتاب ده ده قورقوت الحالي الذي وصل إلينا عبر المخطوطتين الحاليتين (مخطوطة درسدن والفاتيكان).

   توجد في مكتبة الدولة ببرلين مخطوطة كتاب يحمل عنوان (هذه الرسالة من كلمات اوغوزنامه المشهور بآتالار سوزى) وهو كتاب عن الأمثال الشعبية القديمة تذكر فيه أسماء ذات علاقة بحكايات ( ده ده قورقوت ) وتأريخ تدوين هذا الكتاب يرجع إلى القرن الرابع عشر الميلادي في العهد العثماني ، واغلب الظن أن المعلومات التي دونت في هذا الكتاب جاءت نقلاً عن نسخة أخرى لكتاب الأوغوزنامه .

   (علي يازجي اوغلو) في كتابه (تاريخي آل ـ سلجوق) الذي كتبه وأهداه إلى السلطان مراد الثاني في القرن الرابع عشر الميلادي يدوّن خبراً عن ده ده قورقوت، هو نفسه أو مثلما جاء في كتاب مقدمة ( كتاب ده ده قورقوت ) وهذا لا يخفي أن الكاتب اطلع على نسخة من الكتاب .

   أما المصدر الآخر الذي جاء فيه ذكر ده ده قورقوت هو كتاب (جامع جمين) وهي سلسلة عثمانية كتبها (حسن ابن محمود بياتي التبريزي) نزولاً عند رغبة (السلطان جم) حينما جمعتهما الصدفة وهما في طريقهما إلى الحج . واستناداً إلى نسخة من الأوغوزنامه يدّعي المؤلف أنه كان يحتفظ بها كتب عن خانات الأوغوز، وبالأخص عن الحاكم الثامن عشر ( قره خان) . يقول المؤلف : ان هذا الأمير كان يعتنق الإسلام ، وعندما اعتلى العرش أوفد ده ده قورقوت إلى المدينة المنورة. ويخبرنا المؤلف نقلاً عن الأوغوزنامه التي كانت بحوزته، بأن ده ده قورقوت يرجع من المدينة بصحبة (سلمان الفارسي) الذي توكل إليه مهمة نقل تعاليم الدين الإسلامي إلى قبائل الأوغوز. وبعد ذلك يتحدث المؤلف عن (آي قوتلوغ) ويعرّج على مربيه ( أوركوج ده ده ) إبن ( قورقوت آتا ) فيقول بأنه أرسل ليكون في خدمة الخليفة (عثمان بن عفان) رضي الله عنه، ولكنه حينما يصل إلى بغداد تتردد أخبار عن مقـتل الخليفة، ويفيد أنه بلغ الكعبة وعاد ، وفي طريق العودة شهد النزاع الذي جرى بين الإمام علي ( كرم الله وجهه ) ومعاوية ، وأنه أخذ عهداً من علي ورجع إلى ديار قومه .

   أما ( علي شير نوائي ) فقد دون في كتابه ( نسائم المحبة ) المعطوف على والمترجم من فصل ( نفاهة الأنس ) من كتابه (جامع) دوّن خبراً عن ده ده قورقوت بقوله : ( ده ده قورقوت رجل ذائع الصيت بين الترك ولا حاجة له للشهرة بينهم ، اشتهر بأنه يخبر الناس عن أحداث وقعت قبل حياته مثلما ينبؤهم عن الغيب . ويصفه بأن له حكميات بليغة المعنى وذات شأن كبير. وهذه الأوصاف تنطبق تماماً مع ما جاء في مقدمة مخطوطة ( كتاب ده ده قورقوت ).

   أما (عثمان بايبوردلي) في كتابه ( تاريخي جديدي مرآتي جهان ) الذي كتبه في عهد السلطان مراد الثالث (1574-1595) وفي فصل بايندورخان يدون معلومات مهمة عن كتاب ده ده قورقوت وعن أسماء مشابهة لها صلة وثيقة بشخصيات ده ده قورقوت ، ويؤكد أنه نقلها من كتاب بعنوان (بحر الأنساب) وأن الكتاب الأخير استسقى هذه الأخبار من اوغوزنامه قديمة كتبت من قبل ده ده قورقوت .

   في ذكر أوصاف بايندورخان :

   على حد قول بحر الأنساب بأن (كوك آلب خان) الذي حينما توفي بأجله قام قايدورخان و طورموش خان بتقسيم ملكه إلى إمارتين وصار كل واحد منهما خاناً في مملكته . ثم جاءوا مع أخيهم بايندورخان من خراسان إلى (آني ـ قارس) وشنوا الحرب على كفرة الكرج واحتلوا تفليس . ثم بلغوا دربند ذات الباب وحاصروا الملك (كوستاسك)، قتلوه ثم قطعوا رأسه، وتمكنوا من بسط نفوذهم على دربند. وفي هذا التاريخ صعد (عيسى) عليه السلام إلى السماء، ولم تكن هنالك أية علامة لظهور نبـينا. أولئك لم يكونوا يعرفون أي شئ عن الدين الإسلامي وعن المذاهب ولكنهم كانوا يؤمنون بوحدانية الله .

   ثم يذكر المؤلف أمرائهم وأبطالهم الشجعان ، وأن تعداد جيشهم كان تسعين ألفـاً. وكان مرشدهم الروحي هو ده ده قورقوت . كان الأوغوز في حالة حرب مع كفرة الكرج استمرت أربعين سنة، وكانوا قد فرضوا الخراج على أمراءها. وعندما بعث محمد (ص) نبياً وظهر في مكة يقال أن بايندورخان رآه في المنام وآمن به، فأرسل قازان خان و دوندار بك إليه ليعـلنا إسلام الأوغوز. جاء قازان مع من كان في معيته لمقابلة الرسول وكان جالساً في المسجد، كانوا طوال القامة لم يقصوا شعر روؤسهم وأظافرهم طويلة، عندما رآهم الرسول أوجس في نفسه خيفة وارتد إلى الحائط ، ويقال قد ظهر في الحائط مكان المحراب ، ومنذ ذلك اليوم عرف المحراب.. ثم عرض الرسول  عليهم الإسلام فآمنوا ، ثم أرسل ( سلمان الفارسي) معهم إلى دربند ذات الباب ليعلمهم الصلاة والصيام . بعد ذلك يترك (سلمان الفارسي) ده ده قورقوت شيخاً عليهم . وعندما أرسل  اوزون حسن (وهو أحد أبناء بايندور خان) ملكاً على دويلات العجم رجحت كفة الإسلام في تلك الديار.

   يبدو أن (عثمان بايبوردلي ) قد استشف هذه المعلومات ودونها نقلاً عن نسخة من ( كتاب ده ده قورقوت) هي أكثر شمولاً من المخطوطتين المعروفتين حالياً، ولكنه اشتبه فيما يبدو بأسماء (اوزون حسن) والامير الايلخاني (غازان خان)، وفيما يتعلق بـ (شنبي غازان ) .

   كما جاء ذكر ده ده قورقوت في تدوين المؤرخ العثماني ( روحي أديرنه وي ) في مطلع القرن السابع عشر ، حيث تنبأ ده ده قورقوت بعودة السلطنة إلى قبيلة قـايي . ونقل المؤرخ (منجم باشي) عن (روحي أديرنه وي ) نفس الخبر . ولكن الجانب المثير للانتباه في هذا الصدد هو أن خاصية التنبؤ هذه ، التي هي صفة من صفات ده ده قورقوت إنما كانت وصية من وصايا الملك (أوغوز خان) وقد دوّن هذا في كتاب الـ (سلجوقنامه) أيضاً .

   وفي كتاب ( شجره ئي تراكمه ) الذي كتبه أبو الغازي بهادورخان  بين (1659-1660) يورد المؤلف معلومات واسعة بصدد (قورقوت آتا) بأنه يمثل الراوي التركماني في الأوغوزنامه (التي كتبت بالفارسية) ، وأنه كان رجل دولة قدير ومستشار ذو شأن كبير، طبقاً لما ذكر لدى الهمداني في(جامع التواريخ)، وبالإضافة إلى ذلك دونت بعض التفاصيل عن الشخصيات الموجودة في الحكايات وصراع سالور قازان مع (طويمادوق) ملك ( البيجنه ) ، وأن هذا الملك قد سبى والدة الأمير قازان ، ولكنه يستردها بعد ثلاثة أشهر ويقتلها لأنه يكتشف أنها حاملة. وهنالك تدوين آخر عن سيادة النساء وبعض من صفات (بورلا خاتون) زوجة قازان ، مثلما نجد ذلك مدوناً في مخطوطة كتاب ده ده قورقوت ، كما تذكر أسماء مثل ( أكره ك و سكره ك ).

   يبدو أن النسخة التي اعتمدها (ابو الغازي بهادورخان) نسخة مختلفة عن المخطوطة الموجودة حالياً وتختلف كثيراً عن النسخ التي إطلع عليها من جاء قبله وبعده.

   وفي الكتاب الموسوم بـ ( تاريخى دوست سلطان) دونت اخبار عن ده ده قورقوت بأنه كان يعد من حكماء المجوس ورهبانهم المتمثلين بالباخشية ، وأن الباخشية كانوا يعتبرونه قديساً نبياً. ويروي الكتاب حادثة أشبه بالأسطورة عن اعتناق (اوزبك خان) للدين الإسلامي أثناء مناظرة أمام الملأ بين علماء مسلمين وبين كهنة المجوس ، حيث يبطل سحر السحرة ، وقد سجلت هذه الأبيات :

      الحاكم الخان طلب إليهم أن يسيروا على خطى ده ده قورقوت 

      وقد رأى الكهنة بأم أعينهم كرامته

      وما عليهم إلا أن يلووا رؤوسهم تحت آباطهم

      ويخفضوا له جناح الـذل .

   المؤرخ العثماني (أوليا جلبي) تطرق إلى سيرة ده ده قورقوت في كتابه المشهور( سياحتنامه) وتنحصر المعلومة المدونة هنا بما يتعلق بالقبور التي تنسب إلى ده ده قورقوت . يدون (اوليا جلبي) هذا الحدث الذي رآه في سنة 1647 عن قبـر( قورقوت) في منطقة دربند : ( ضريحه على جبل الأربعين ، أي الرجال الغيبيون الأربعين. كان ثمة أربعين قبراً مهيباً يزار من قبل الناس. وكان مزار السلطان العظيم ده ده خورخوت بينهم ، وان الشيروانيون يعتقدون بعظمة شأنه.)

  وفي سنة 1655 عندما زار (أوليا جلبي) منطقة آخلات والقبور القديمة التي كانت موجودة آنذاك في المنطقة دون في كتابه ما يلي :

( ومن ضمن من كانوا يرقدون في مثواهم الأخير بآخلات قورقوت خان الذي يعد من الأجداد القدامى للعثمانيين ) .

   نود أن نورد هنا تدويناً تاريخياً مهماً من الوثائق الغربية التي تؤكد على ما ذكرناه في أعلاه، بسبب علاقته الوطيدة بهذه المعلومة. وهي شهادة دونت من قبل البروفيسور( آدم اوليريوس ) من جامعة لايبزك ، إذ كان ضمن الوفد الدبلوماسي الذي أرسلته الحكومة الألمانية إلى روسيا و إيران في سنة 1638، وعندما مروا بمدينة (دربند) دقق اوليريوس في القبور التي كانت مترامية في أطراف المدينة وجمع ما كان يتناقله الناس هناك عن أصحاب هذه القبور.

   روى السكان المحليون لـ ( اوليريوس ) عن هذه القبور، كونها شواهد ظلت شاخصة منذ عهد بعيد تشهد على الحروب الطاحنة التي خاضها (kassan) المنسوب إلى عشيرة ( okus ) ضد اللزكـية في فترة ما بعد حياة الرسول، وأن قاسسان توفي بأجله ودفن على ضفة نهر(آجى جاي ) أما زوجته ( بورلاء ) فقد دفنت في قلعة اورمي أي ( اورميا ) . وأنه رآى قبر الإمام (Kurchud) وقـيل له أن هذا كان ولياً من أولياء المسلمين، وأنه كان صحابياً، وقد عمّر ثلاثمائة سنة من بعد وفاة الرسول. وكان لقورخود هذا علاقة حميمة مع قاسسان ، يحضر مجالسه ويعزف على قيثارته ويقرض الشعر لإثارة حماسه وتحريضه لقتال اللزكـية الوثنيين،  وبدعوى إشهار إسلامهم اندست زمرة من اللـزكية بينهم وتمكنوا من قتله .

   نجد أن هنالك ذكريات عن ده ده قورقوت أو حكايات مستمدة من حكايات ده ده قورقوت ما زالت متداولة ومنتشرة في بقاع مختلفة من العالم التركي، وهذا الانتشار يشمل رقعة جغرافية شاسعة لا يقتصر على شرق الأناضول وحسب بل يتعداهما إلى الأناضول برمتها وحوض بحيرة الخـزر وصولاً إلى قرغيزيا وإلى أبعد التجمعات التركية في آسيا . وعلى سبيل المثال يذكر اسم ده ده قورقوت في الملحمة القرغيزية ( ماناس ) ، كما يتردد اسم جبل قاضيلق (KAZILIK) مراراً. اضافة إلى وجود مئات الحكايات الشعبية الشفاهية التي( ثبتت ابتداءً من مطلع القرن العشرين وإلى السبعينات منه ، لدى الشعوب الناطقة بالتركية ، في أذربيجان وأذربيجان الجنوبية وتركمان العراق وتركمانستان واوزبكستان وقرغيزيا وبعض مناطق جورجيا وجنوب شرق اوكرانيا وشبه جزيرة القرم ) والتي تستمد بعض احداثها من حكايات ده ده قورقوت. فمثلاً هنالك روايات يتناقلها التركمان والقوقاز إلى يومنا هذا عن قورقوت آتا ، وبالضبط عن موته أو هربه من الموت . وحسب هذه الروايات أن ده ده قورقوت ظل ردحاً من الزمن في حالة هروب للتملص من أجله المحتوم ، وأينما يصل كان يجد أناساً يحفرون قبراً له ، وفي  نهاية الأمر وبعد أن يبلغ من العمر ثلاثمائة سنة يموت عند أحد تلك القبور. وهنالك رواية اخرى فيما يتعلق بهذه المسألة، وبهدف تحاشي نبش الماضي شاعت بين التركمان مقولة أو مثل شعبي يقول ( لا تنبش في قبر قورقوت ). كما ينقل الينا (وليامينوف زيرنوف) رواية كان قد سمعها من القوقازيين في منطقة حوض نهر سرداريا عن هرب قورقوت من أجله المحتوم .

   في بداية الأمر كان الولي قورقوت يعيش في طرف بعيد من العالم ، في يوم ما يرى فيما يرى النائم زمرة من الرجال يحفرون قبراً فيسألهم لمن هذا القبر؟ فيعرف أنهم يحفرون هذا القبر له . وعندما يستيقظ في الصباح يتأكد أن الموت قادم إليه، فيقرر أن يهرب من ملاقاته، ويشد الرحال حتى يصل إلى أقصى طرف من العالم. وهنالك يرى نفس الحلم في منامه فينتقل إلى مكان آخر يكون وسطاً بين الطرفين، ويقال أن ذلك المكان ( أي حوض نهر سرداريا ) هو مركز العالم. وبينما تتكرر رؤيته للحلم هناك أيضاً ، يتأكد أن حياته قد انتهت على اليابسة، فينزع عباءته وينشرها على سطح الماء وسط نهر سرداريا ويجلس عليها. ومما يقال أنه عاش هكذا مائة سنة أخرى جالساً على عباءته فوق الماء . وبعد أن مات هناك حمله المسلمون ودفنوه في الجوار حيث يكون قبره. وقد عرفه القوزاقيون بأنه شاعر وحكيم شعبي ، وهو الذي أوجد (القوبوز و الطنبورة ) وهما نوعان من الآلات الموسيقية الوترية . أما كهنة القوزاق فانهم كانوا يعزفون على آلاتهم الوترية (القوبوز) ويترنمون بشعر يمجد قورقوت ، ويعتبروه شيخهم، وعادةً كانوا يستجيرون به . وهنالك بعض الاستعارات لدى القوزاقيين ، يشبهون عيني الحبيبة مثلاً بالمصابيح التي أوقدها ده ده قورقوت. كما توجد حكاية مشابهة لحكاية ( تبه كوز ) وهي حكاية ( أر توشتوك ) حيث تظهر على صفحة الماء في النهر رئة عائمة ، كلما تلمس تكبر وتكبر حتى يخرج منها مارد عملاق . وفي الملحمة القرغيزية ( ماناس ) يذكر اسم قورقوت، كما يتردد اسم جبل( قازيلـق) مراراً .

   يبدو من التدوينات التي جاءت في المصادر التي ذكرناها هنا على قدر المستطاع وحسب أهميتها من الناحية الأكاديمية ، أنها دونت من أشكال الأوغوزنامات التي كتبت بالفارسية أصلاً وكانت موجودة في عصور مختلفة ، مضاف إليها ما كان يتناقله الأوغوز الرحل عن ماضيهم وأمجاد أبطالهم وشيخهم ده ده قورقوت وبلغتهم الأم ( وهي اللغة التركمانية ) لأن اللغة الرسمية ( أي لغة المكاتبات في الدويلات التي ضهرت قبل العثمانيين ولغة الطبقات الحاكمة ) كانت سائدة في ذلك الحين هي اللغة الفارسية ، بينما كانت لغة الشعب هي التركية أو التركمانية التي كتب بها الشعراء أمثال حاجى بكتاش ولي، يونس أمره و دادال أوغلو. وان أغلب هذه المصادر التي شاركت في رسم ملامح شخصية قورقوت قد اعطت بشكل أو بآخر وصفاً مشتركاً عنه، على أنه فيلسوف شعبي، عالم حكيم شاعر ومغنٍ ظلت ذكراه متوقدة في أذهان أبناء قومه لزمن طويل وفي مختلف العصور. ومن المعروف أن الأوغوز كانوا قبائل رحل ظلت تحتفظ بروح البداوة إلى عصور قريبة، كما احتفظت بمورثها الذي عاشته في موطنها الأول، وظلت متمسكة به في كافة الديار التي ارتحلت إليها في غرب بحيرة الخـزر وشرق الأناضول وأواسطه.ونتيجة للتنوع الذي حصل بسبب الإختلاط الحضاري بين الترك والأغريق والعرب أضفي على هذا الموروث شيئاً من السحر الخلاب نتيجة النقل واسلوبه، اضافة إلى تأثر الآخرين به ومشاركتهم الطوعية في محاولة التقليد أو تلفيق ما يشبه هذا الموروث.

   أما شخصية ده ده قورقوت فقد اكتسبت صفة تأرجحت بين الخيال والواقع، نتيجة لوجود العديد من الآراء التي ادعت بتواجده (بعيشه أو موته) في مكان معين وفي مرحلة معينة من التأريخ ، إلا أنها لم تأخذ درجة القطعية في الصحة وهذا العامل أضفى على هذه الشخصية صفة أسطورية.ونتيجة لهذه الآراء المتضاربة حول حياة أو موت ده ده قورقوت، وعدم وجود أثبات تاريخي بحت يؤكد ذلك فان شخصيته اكتسبت صفة التأرجح هذه . وان المتمعن جيداً في الحكايات التي نسخها الوراق ( سيد أحمد بن حسن بالى ) في سنة 918 هجري (1512-1513م) ونسبها إلى جده (قورقوت) سنجد ده ده قورقوت تارةً راوية في الحكايات ، وتارة بطل في إحدى الحكايات. ومن خلال تحليل الخطاب في بعض الحكايات نجد أن هنالك راوٍ آخر غير الوراق وغير ده ده قورقوت . ومن خلال دراسة لغة المخطوطة يمكننا القول بأن هذه الحكايات هي أول أثر تركماني على درجة بالغة من الأهمية حيث تأثرت بها الكثير من الحكايات الشعبية والملاحم والقصص التي جادت بها مخيلة الشعب في تواريخ لاحقة .

   يشرفني أن اقدم هذه الترجمة الكاملة للمخطوطة الأصلية كعمل أدبي يترجم لأول مرة إلى العربية منذ حوالي ستمائة سنة ، آملاً أن تكون الاستفادة منه جمة .

    والله ولي التوفيق .

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين

 في عهد قريب الى عهد الرسول عليه السلام ظهر رجل من قبيلة البيات يدعى ده ده قورقوت  كان حكيم الأوغوز قاطبة ، ينبىء قومه بأخبار شتى عن الغـيب فـتتحقـق نبؤآته، إذ أن الله عز وجل كان يلهم قلبه. قال الأب ده ده قورقوت:  في آخر الزمان تعود السلطنة إلى قبيلة قاييى (1) ثانية حينئذ لا يجرؤ أحد عـلى أن ينتزعها من أيديهم، أولئك هم نسل بني عـثمان، يدوم سلطانهم مع تعاقب الأيام إلى يوم القيامة . وقد تكهن بما يشبه هذا الكلام أيضاً. كان ( قورقوت آتـا ) يقضي في ما تنشب من نزاعات بين قومه ، ولا يبت أي نفر منهم في أمر ما لم يستشيروه كانوا يصغون إليه ويأخذون بنصائحه ويطيعون أوامره ويعملون بها على أتم وجه.

ومما قاله :

لا تسير الأمور دون ذكر الله

ما لم يعط الرب القدير فالعـبد لا يغـتني

ولا يموت أي إنسان إلاّ بأجل مكتوب،

الميت لن يحيا ، والروح التي تقبض لن تعود ،

لو ملك الشجاع ثروة بقدر جبل شاهق

ومهما جمع وكدس عليها فلا يأكل منها اكثر مما قُسِم له.

لو فاضت الأنهار المتلاقية لما ملأت البحار .

الله لا يحب المتكبر المتفاخر.

الرجل الذي يعتصم بأنفته لن يحظى بأي نفوذ.

إذا اتخذت من ولد غريب ابناً لك

يتخلى عنك حينما يكبر وكأنه لا يعرفك

الرماد لن يكون تلاً، والصهر لن يكون ابناً.

الحمار الأسود لن يكون حصاناً وإن وضعت في رأسه رسناً،

والجارية العبدة وإن ألبستها ثوبا فلن تصير امرأة (2)

مهما تساقطت الثلوج فلا يبقى منها شيء إلى الصيف

أزاهير البر والخضرة اليانعة لن تعمر حتى حلول الخريف

القطن العتيق لن ينفع في نسج  القماش

المرأة العدوة لن تكون صديقة .

ولا تطوى المسافات دون أن يقسو الفارس مع جواده الأدهم

ولا تنعقد له راية النصر ما لم يضرب بسيفه الفولاذي ،

والرجل لا يذيع صيته ما لم يبذل من ماله .

الفتاة لا تأخذ بالنصيحة ما لم تتعلم من أمها .

والفتى لا يكون كريماً إن لم ير الجود في أبيه

الولد خلف أبيه وهو إحدى عينيه

إذا ظهرت فيه إمارات النفوذ فهو العين لبني قومه

ماذا يفعل الفتى إذا مات أبوه ولم يورثه شيئاً

وما نفع الثروة إن كان راس الفتى خاويا

ليحفظك الله يا مولاي من شرور فارغي الرؤوس

وانشد ده ده قور قوت ثانية :

لا يقوى النذل على أن يمتطي الحصان المسرع وهو يجري

إن امتطى أو لم يمتطِ سواء  !

إذا أراد الخسيس أن يضرب بالسيف البتار

فان اعرض فذلك خير له !

من يتجاسر على الشجاع ، فلا فرق بين السيف والسهم والدبوس .

لا ضير في أن تهدم المنازل المظلمة التي لا يمر بها الضيوف !

عـشب البراري الذي لا ترعاه الخـيل إن نبت أو لم ينبت سواء !

أجاج المياه التي لا يردها البشر

إذا صفـت أو لم تصفُ سواء.  

الابن العاق الذي لا يخلد اسم أبيه

ليس جديراً بأن ينـزل من صلب أب،

وإذا وقع في رحم أُم فالأفضل أن لا يولد .

الخير في الفتى اللبيب حين يواصل نسل أبيه .

ما دام الكـذب وجد في هذه الدنيا

إن وجد أو لم يكن موجوداً سواء !

ليعمر الصادقون ثلاثة ثلاثون وعشرة (3)

ليحفظك الحق من أي مكروه ،

ويطيل في عمرك عشرة ثلاثون وعشرة (4)

ويمد ظل حكمك خالدا عـلينا .. يا مولاي !

ثم أضاف ده ده قورقوت قائلاً :

يعرف الأيل أعشاب المراعي التي يسيح فيها،

والأتان يعرف أحراش الأماكن البعيدة .

الإبل تعرف آثار النياسم المختلفة ،

والثعلب يميز روائح سبعة وديان 

والقبّرة تعلم متى إنطلق الركب بالأمس ،

الأم تعرف ممن هو وليدها

والحصان أدرى بمدى قسوة اللجام في السير ،

البغال أدرى بثقل أحمالها،

ولا يعرف زحالف الأرض إلا من وقع فيها .

ألم الرأس الغافل يعانيه الدماغ .

يطوف المغني الممالك حاملاً  قيثارته

وهو الذي ينقلب على الأمراء ويعرف كرامهم و أنذالهم .

ليكن الشعراء من ينشدون ويعزفون في ديارك ومجالسك

وليحفظك الله من بغـتاة الخطوب يا مولاي.

ثم انشد ده ده قورقوت ، ولنسمع ما قاله :

الله في عـليائه فـوقـنا أولى بالتعـظيم والإجلال

وان أنشدت المدائح فرسولنا محمد حبـيب الله بالمديح جدير .

ما أعظم أبو بكر الصديق الذي صلى عن يمين محمد

ما أعظم سورة ( عم ) في بداية آخر الأجزاء.

ما أروع سورة ( يس ) إذا قرأت بتجويد رصين

ما أعظم أشجع الشجعان ( علي)  حين هوى بسيفه البتار.

أولاده أسباط الرسول استشهدوا في رمضاء كربلاء

على يد آل يزيد ،

ما أعظم الحسن والحسين!

ما أعظم علم الله الذي انزل من السماء ورتب في القرآن .

ما أعظم عثمان بن عفان مرشد الفقهاء الذي جمع وحفظ القرآن

وصار العلماء يقضون به ويحتكمون إليه

ما أقدس مكة التي بنيت في أرضٍ منخفضة

طوبى لمن وصلها سالماً وعاد مبتهجاً

وأكمل دينه بصدق .

الجمعة أبهى الأيام المعدودة .

ما أجمل المؤذن حين يكبر على المنارة

والخطبة التي تقرا فيها بهية

طوبى للأمة التي تصغي إليها .

ما أحلى الزوجة عندما تجثو جالسة على الأرض

وللأب وقار إذا إبيض عـذاراه

أحسن الأمهات هن اللائي يرضعن أبناءهن الى حد الإشباع .

ما أجمل الجمل عندما يقترب الى مضارب الديار ويسلك طريقها ،

ما أروع الأخ المحبوب،

ما أجمل مخدع العروس حين يُـنصب حذو الخيام العالية ،

حباله الطويلة جميلة ، وكذلك الفتى الواقف عندها.

ما أعظم الله الذي خلق الكون كله ، ولم يشبهه شيء  .

ليكن العـلي العالي الذي ذكرته عـونا لك يا مولاي.

   يقول الشاعر : النساء أربعة أصناف ، منهن التي تقطع دابر النسل ، ومنهن من تمتهن الشجار . ومنهن التي تكون عماد البيت ومنهن التي تندرج في ادنى الحضـيض، أما التي تكون بمثابة العمد في البيت ، فهي التي تكرم الضيف إذا جاءها من مكان بعيد أو قريب ، تفرش له سماط الطعام ، تطعمه وترويه وإن كان رب البيت غائباً ، وإذا أراد أن ينصرف صرفته كما استقبلته بعز وكرامة هذه هي من نسل عائشة وفاطمة ، وليبارك الله في أولادهن يا مولاي ، ولتكن لك قسمة من أمثالهن . أما تلك التي تقطع دابر النسل فإنها تنهض منذ الصباح الباكر ، وتلتهم كاللص تسعة أرغفة و وعاء لبن خاثر قبل أن تغسل وجهها، ثم تأكل إلى حد التخمة وتضع يمينها على صدرها داعية : سحقا لهذا البيت ! منذ أن تزوجت لم اشبع بطني يوما ، ولم يضحك وجهي قط . وما وجدت خفاً انتعله ولا خرقةً أغطي بها رأسي ، وتقول أيضا : عسى أن يقضي هذا الرجل لأتزوج بآخر غيره ، ليكن طالعي أحسن مما أنا فيه . ليمحق الله أمثالهن وليقطع ضناهن، وليبعدك من أمثالهن يا مولاي . أما وقد جئنا إلى تلك التي لا شغل يشغلها غير الشجار فهي تقوم الضحى من نومها، وتطوف أرجاء الهضبة دون أن تغسل وجهها، وتجزي وقتها إلى الظهر تتلصص هنا وتتسقط الأخبار هناك، تظل تدور هكذا تلاحق القيل والقال وتهتك سير الناس حتى تعود إلى دارها فتجد الكلب النحس والعجل المشاكس قد قلبا عالي البيت سافله حتى تحول إلى ما يشبه قن دجاج أو زريبة جواميس. فتصيح على جارتها : يا زليخة ! يا زبيدة! يا رويدة جان ! يا قيز جان! باشا ! اينا ملك ! قوتلو ملك! أنا لم اذهب لألحق بالموت ، ماذا لو كنتم تعتنون بداري إذ ليس لي مكان آخر أنام فيه غير هذه الزريبة ، ليتها هدمت . ثم تولول قائلة : أين حقوق الله أين حق الجار ؟ أدعو الله يا مولاي ألا يشب أولاد نساء مثلهن . أما تلك المرأة التي تتمرغ في أدنى درك من الحضيض هي إذا جاء إليهم ضيف قدير عابر سبيل وكان زوجها في البيت ، وقال لها : انهضي يا امرأة ! لا نريد خبزاً حارا لأنه لا يدوم ، بل هات لنا طعاماً لنأكل ويأكل عابر السبيل هذا معنا، فلا تستجيب لأمر زوجها ولا تسمع كلامه وإنما تقول : ماذا عساي أن افعل! فلا يوجد دقيق ولا منخل في هذا البيت والجمل الذي حمل الى الطاحونة لم يعد بعد .. ليهدم الله هذا البيت فوق رأسي ، وهي تضرب جنبها بكلتا راحتيها ثم تدير ظهرها إلى زوجها . فأمثال هذه النسوة يتصل نسبهن إلى حمار النبي نوح . ليحفظك الله يا مولاي من معاشرتهن ولا يدخلهن إلى دارك.

حكاية بوغاج خان إبن ديرسه خان

    في يوم ما هب بايندرخان ابن كامغان (5) من مكانه ، واصدر أمراً بأن تنصب خيمته الشامية على وجه البسيطة، وتعلو قبتها الشاهقة إلى عنان السماء ، فبسطت الطنافس في ألف مكان. كان أمير الأمراء  بايندرخان يدعو لإقامة مراسيم الاحتفال مرة كل سنة ، ويدعو إليها جميع أمراء الأوغوز فدعا هذا العام أيضاً إلى الاحتفال و أقام وليمة عامرة ، ذبح من الخيول كل فرس مطهم ، ومن الإبل ذكور الجمال ومن الغنم الكباش، ونصب خيمة بيضاء هنا، وخيمة حمراء هناك وفي مكان آخر خيمة سوداء ، وقال : من لم يخلف ولداً أو بنتاً فادعوه إلى الخيمة السوداء وابسطوا تحته لبادا اسود , وقدموا له شواء من لحم الضأن الأسود . إن أكل فليفعل وان أبى فليرحل عنا ، وقال: من رزق بولد فاسكنوه في الخيمة البيضاء، ومن خلف بنتا فاسكنوه في الخيمة الحمراء. أما من لم يرزق بالأطفال ، ولم يحطه الله تعالى بلطفه فليعلم أننا أيضاً لا نفعل ذلك معه . بدأ  أمراء الأوغوز يحضرون تباعاً حتى اجتمعوا كلهم. وكان بينهم أمير يدعى ديرسه خان لم يرزقه الله بذرية. لنسمع يا مولاي ماذا أنشد الشاعر:

حينما تهب نسائم الفجر العليلة

وتغرد القبرة ذات العرف

عندما يؤذن المؤذن الطويل اللحية

وعندما ترى الأفراس البدوية أعنتها وتصهل،

حين يتبين الخيط الأبيض من الأسود

وتلقي الشمس أشعتها على الجبال ذات السفوح الجميلة

عندما يتصارع الأمراء الشجعان مع الأبطال

   جاء ديرسه خان مبكراً مع أول الصبح في موكب يحيط به أربعون نفـر من رجاله الشجعان حتى وصل إلى ديار بايندرخان، فاستقبل رجال بايندرخان موكبه الأمير وجاءوا به الى الخيمة السوداء، وفرشوا تحته لباداً أسود، ثم قدموا  له شواءً من لحم الضأن الأسود ، وقالوا : تلك هي أوامر بايندرخان أيها الأمير! قال ديرسه خان : ماذا اقترفت يداي حتى غضب بايندرخان عليّ ؟ هل تخلفت عن نصرته بسيفي ؟ أم انه يرتاب في جودي وكرمي ؟ لقد أجلس من هم دوني منزلة في الخيمة البيضاء أو الحمراء . هل أتيت بشائنة كي يأويني في خيمة سوداء ؟ قالوا : كذلك هو الأمر اليوم . وقد أصدره بايندرخان قائلاً : من لم يحطه الله تعالى بلطفه ولم يرزق بالأولاد ، نحن أيضا لا نفعل ذلك معه. فهب ديرسه خان من مكانه واقفاً وقال: انهضوا أيها الرجال لنرحل من فورنا. إنها إهانة كبيرة لي. ولا أدري هل أنا عاقر أم زوجتي . وجاء إلى بيته ، فنادى على زوجته منشداً . لنسمع يا مولاي ماذا قـال :

تعالي يا نصيبي في الدنيا ، وعمود داري

كأنك السرو عندما تتمايل في مشيك

خصلات شعرك تتشابك عند ركبتيك

حاجباك كأنهما قوسان مشدودان

فمك الصغير لا تقتحمه حبة اللوز

يا ذات الخدين الأحمرين كأنهما تفاحتا خريف

يا إمرأتي ، يا عمود داري يا مانحة الضنى ،

أما سمعت بما جرى لنا ؟

   كان أمير الأمراء بايندرخان الشجاع قد أمر رجاله بنصب خيمة بيضاء في مكان ما، وخيمة حمراء في مكان آخر، وخيمة سوداء في مكان بعيد وقال : من خلف ولدا فاسكنوه في الخيمة البيضاء ، ومن خلف بنتا فاسكنوه في الخيمة الحمراء ، أما من كان عاقراً فاسكنوه في الخيمة السوداء وافرشوا له لبادا اسود ، وقدموا له حساءً من لحم خروف اسود . إذا قبل أن يأكل فليفعل وإن أبى فليرحل . فهذا العاقر الذي لعنه الله نحن أيضاً نلعنه. استقبلني مضيفوه وذهبوا بي إلى الخيمة السوداء ، وفرشوا لي لبـاداً اسود، وجاءوني بحساء خروف اسود وقالوا : اعلم أننا لا نرعى من لم يحطه الله بلطفه ولم يرزقه بذرية . ثم قال لزوجته : ما السبب يا امرأة اهو أنا ؟ أم أنت ِ؟ لم لا يرزقنا الله بولد نبيه ؟ ثم أنشد قائلاً :

أ أقوم الساعة إليك يا أيتها الأميرة

وامسك بخناقك ؟

أم أسحقك تحت أعقابي المتينة؟

هل استل سيفي الفولاذي الأصيل

وافصل به رأسك عن جسدك ؟

وأجعلك تدركين كم هي الروح عزيزة

أم أهرق دمك القرمزي على الأرض ؟

كي لا اصب جام غضبي عليك الآن

قولي لي يا سليلة الأمراء ما هو السبب ؟

فأنشدت زوجة ديرسه خان ، لنسمع ماذا  قالت :

لا تغضب مني يا ديرسه خان !

هون عليك ولا تقس في الكلام معي

انهض الآن ومر رجالك

ينصبوا خيمتك الحمراء على وجه الأرض !

وليذبحوا الجياد والأفراس والجمال

ومن الغنم الكباش!

وادع أمراء الداخل والخارج من الأوغوز (6)

ليجتمعوا حولك!

إذا رأيت جائعا فأطعمه

وإذا صادفت مشردا عارياً فاكسهِ

وساعد المديون ليفك دينه .

إجمع تلاً من اللحوم

واحلب من حليب الأفراس ملء بحيرة

أقم وليمة وادع ربك أن يلبي حاجتك

فقد يأتي إلينا رجل دعاؤه مستجاب

فيرزقنا الله بسببه ولداً نبيهاً

   أقام الأمير وليمة عظيمة نزولاً عند رغبة زوجه ، و دعى الله تعالى ليلبي حاجته ونحر الذبائح من الخيل والجمل والكباش حتى جمع جبلا من اللحم، وحلب من حليب الأفراس ما يملأ بحيرة . جمع أمراء قبائل الاوغوز . ثم صار إذا رأى جائعا أطعمه وإذا وجد عرياناً كساه وأخذ يمد يد العون لكل مديون لكي يمكنه من إيفاء دينه . فرفع القوم أيديهم تضرعاً ودعاءً إلى الله سبحانه وتعالى ليلبي حاجة أميرهم، فرزقه الله بولد استجابةً لدعوة داعٍ منهم صادق. حبلت السيدة وبعد مدة معلومة وضعت حملها ، وإذا به مولود ذكر فأودعته إلى بضع مربيات لتنشئته وإخفائه عن الأعين. يقال :( أرجل الحصان قوية ، ولسان الشاعر سلس ) وقيل أيضاً : ( ينمو الغلام ذو الفكين وتمتلئ جنباته ) .عندما بلغ الصبي الخامسة عشرة من عمره ، رحل أبوه إلى ديار بايندرخان ليحضر مجلسه . ومما قيل يا مولاي كان لبايندرخان  ثور وجمل يعدان للقتال مرة في الصيف وأخرى في الخريف. لو نطح هذا الثور صخرة صلدة بقرنيه فتتها وجعلها هباءً منثورا . وكان الملك بايندرخان يخرج بصحبة أمراء الاوغوز للتمتع بمشاهدة فنون القتال. قيل انهم اخرجوا الثور في موسم الصيف وكان مربوطا بسلاسل حديدية يشدها من اليمين ثلاثة رجال ومن الشمال ثلاثة آخرين . وكان ابن الأمير ديرسه خان آنـئذ يلعب لعبة الكعاب (7) مع أترابه ، وهم ثلاثة فتيان من أبناء الأمراء. حينما افلت أصحاب الثور ثورهم وصاحوا بهم اهربوا ، هرب الفتيان الثلاثة ، أما ابن ديرسه خان فقد ظل واقفا في مكانه وسط الساحة المكشوفة وهجم عليه الثور فاستعد الفتى لملاقاته جامعا قبضته، وطوح بها إلى جبين الثور فارتد على دبره ، ثم هجم الثور ثانية فضربه الفتى على جبينه مرة أخرى ، واخذ يتدافع مع الثور على طول الساحة حتى أخرجه إلى ابعد طرف فيها. ظل الفتى يصارع الثور إلى أن بدت على الثور علامات التعب، اخذ ظهره يتعرق وأزبد حلقه وسال رؤاله. استمر الصراع هكذا من دون أن يحسم، لا الفتى ينهزم ولا الثور يصرع حينئذ فكر الفتى وقال في نفسه: كل  خيمة تسند بعمود واحد وتظل منتصبة ، ثم أفلت الثور ومال عن طريقه. فاهتزت قوائم الثور ثم سقط ، فانكب عليه الفتى وذبحه بخنجره .

   جاء أمراء الاوغوز فرحين ، أحاطوا به من كل جانب واثنوا عليه قالوا: ليأتي جدنا ده ده قورقوت ليطلق اسماً على هذا الفتى الشجاع لـكي يعـرف به الى الأبد، وليصحبه إلى أبيه ليمنحه لقب الإمارة وتولـيته .

فأتى جدي ده ده قورقوت وذهب بالفتى إلى أبيه وانشد قائلاً :

أيها الأمير ديرسه خان امنحه لقبا

واخلع عليه الهدايا فانه شجاع وذو فضل

أعطه جوادا بدوياً ذا رقبة طويلة

ليكون له ظهر يركبه فإنه فتىً رشيد

أعطه عشرة خراف من قطيعك

حلالا طيباً فانه فتىً كريم المحتد

وعشرة جمال ذهبية من حظيرة الإبل

لتحمل متاعه فانه شجاع

وأعطه خيمةً ذي قبة ذهبية

ليكون له ظل على الأرض فانه جواد

وأعطه ثوباً مزركش الكتفين

لكي يتأنق فانه فتى رشيد

   وقال : ابنك هذا فتى شجاع أبلى في مصارعة الثور بلاءً حسناً على ساحة بايندرخان العظيمة ، وليكن اسمه ( بوغاج ) لأنه صرع الثور. أنا منحته اسما وليمنحه الله عمراً مديداً . فأغدق عليه أبوه العطايا ثم ولاه أميراً على قـومه. وعندما تولى الحكم نسي حاشية أبيه، فاشتعلت في صدورهم نيران الحقد والكراهية . اتفقوا فيما بينهم وقالوا : إذا أوقعـنا بين الفتى وبين أبيه ربما عمد الأب إلى قتل ابنه . وإذا حصل هذا الأمر زادت مهابتنا وعدنا مكرمين مقربين كما كنا في سابق عهدنا .

   كانوا أربعين رجلاً فانقسموا إلى فريقين ، كل فريق عشرون رجلاً ، ذهب كل فـريق إلى جهة . جاء فريق منهم إلى ديرسه خان بخبر مفاده : لقد ظهر ابنك على حقيقته ، فتى ناكر النعمة غادراً ، إذ جمع حوله أربعون رجلاً وبات يغير على المناطق القصية من ديار الاوغوز ويعيث فيها خراباً. أينما صادف فتاة جميلة سباها . شجّ وجوه الشيوخ ونتف شعور النساء من أبناء جلدتنا . لطخ الشلالات ذات المياه الرائقة ، ودنس الجبال الشاهقة المنيعة ، ولا بد أن الخبر سيبلغ مسمع أمير الأمراء بايندرخان . فإذا قالوا له :  هذا  الذي يعيث في الأرض فساداً هو ابن ديرسه خان، حينئذ سيكون الموت افضل لك من الحياة. سيرسل بايندرخان بطلبك ويعاقبك اشد العقاب . ولد كهذا بم ينفعك ؟ لا يختلف الأمر سواء كان حيا أم ميتا ..اقتله! . قال ديرسه خان : إليّ به لكي اقتله!  حينما قال ذلك ظهر الفريق الثاني من الأنذال وجاءوا إليه بفرية جديدة قالوا : ابنك هذا ولد عاق حقاً. لقد ذهب يوما إلى الصيد على الجبل دون استئذان برغم انك موجود ، فاصطاد فرائس وقنص طيور كثيرة (8) ثم ذهب إلى أمه وبعد أن شرب اعتق أنواع الخمور اتفقا على أن يوقعا بك  سيشيع الخبر على الجبال العارية الممتدة وسيطرق سمع أمير الأمراء بايندرخان. سيقول له الناس انه ابن ديرسه خان هو الذي يعيث في ديارنا خراباً ، ثم يستدعونك للمثول بين يديه ويطلبون إنزال أقصى العقوبات عليك. بم ينفعك ولد كهذا ؟ اقتله! . قال ديرسه خان : آتوني به كي اقتله ، فأنا في غنىً عنه ! فقال حراسه : كيف نأتيك به ؟ وهو لا يثق بنا ولا يصغي لكلامنا . قم الآن من مكانك واجمع رجالك الشجعان كما كنت تفعل فيما مضى من الأيام ، واذهب إليه ليطمئن إليك وأقنعه بمعسول الكلام ليخرج معك في رحلة صيد لمطاردة الفرائس واصطياد الطيور، هناك  توجه سهمك إليه وتقتله. إن لم تقتله بهذه الطريقة فلن تستطيع التخلص منه بغـيرها .

حينما تهب نسائم الفجر العليلة

وتغرد القبرة ذات العرف

عندما ترى الجياد البدوية أصحابها وتحمحم

حين يرفع المؤذن الغريب الملتحي الأذان

عندما يتبين الخيط الأبيض من الأسود

وتتزين عروس الاوغوز الأصيلة

وحين تلقى الشمس نورها على الجبال ذات السفوح الصخرية الجميلة

وحينما يتصارع الأبطال الشجعان .

   هب ديرسه خان ونهض من مكانه في الصباح الباكر، واصطحب ابنه وخرجا إلى الصيد يتبعهما أربعون فارساً. طاردا الفرائس ورميا الطيور بالسهام حتى جاء بضعة أنفار من أولئك الأنذال إلى الفتى وقالوا له : يقول أبوك ليطارد ولدي الأيائل وليمر بها من أمامي قبل أن يصرعها ، لكي أرى كيف يصول بحصانه وكيف يضرب بالسيف وكيف يوجه نباله لتقر به عيني وتكتمل فرحتى! كان الفتى غضاً لا يعرف ما يبيت له الأنذال ، كان يطارد الأيل يماحكه ويجيء به ليمر أمام أبيه ولسان حاله يقول : لير أبي فنوني في الفروسية ويفخر بي ويشاهد لعبي بالسيف ليفرح، وينظر إلى رمية سهامي لتقر عينه! جاء فريق من الأنذال الى الأمير ديرسه خان وقالوا : ارأيت الولد ، انه يطارد الأيل ويأتي به عمداً  ليمر به من أمامك ، من دون كل هذه البرية الشاسعة، عسى أن يصيبك سهم طائش ليدعي بقـوله ، إنما كنت ارمي الأيل فأصبت أبي  سهواً . اقتله قبل أن يقتـلك !. وبينما كان الفتى يطارد الأيل وهو منهمك في غدوٍ و رواح أمام أبيه تناول ديرسه خان قوسه الشديدة ثم وقف على ركاب جواده، سحب قوسه بأحكام ورمى سهمه فأصاب ابنه بين عظمتي اللوح في ظهره. سالت دماء الفتى غزيرة حتى امتلأ عبه ثم احتضن رقبة جواده ومن هناك سقط على الأرض. بدا  ديرسه خان  وكأنه يهم بأن يهرع الى الفتى نادماً على فعلته ، ولكن المحيطين  به اعترضوا طريقه وأداروا وجهة الفرس فاضطر الأمير إلى أن يقوده باتجاه المعسكر. أما زوجة دير سه خان فقد هيأت الأضاحي من الخيول والكباش قولاً منها : هذه اول رحلة صيد يخرج إليها ولدي، وقالت: أمراء الآوغوز لا تكون رحلات صيدهم بلا عناء وبلا دماء . عليّ أن أهئ لهم الطعام و أسباب الراحة، فنهضت من فورها وتلفعت على نحو حسن وذهبت لاستقبال زوجها ديرسه خان ، هي ووصيفاها الأربعين . هناك رفعت نقابها ونظرت الى زوجها ، ثم طافت بناظريها يمينا وشمالاً علها تلمح ابنها فلم تجد له أثراً. تملكتها الدهشة ثم أوجست خيفة أخذت تحز شغاف قلبها. بعد ذلك اغرورقت عيناها بالدموع فخاطبت زوجها منشدة . لنسمع يا مولاي ماذا كانت تقول :

يا نصيبي من الدنيا ، ويا عمود داري !

يا صهر أبي الأمير

المحبوب لدى والدتي الأميرة

يا ديرسه خان الذي فتحت عيني على محيـاه ،

وتولهت به وعشقته منذ صباي !

نهضت مبكرا وخرجت إلى البرية

امتطيت صهوة جوادك القوقازي ذي العرف الأسود الجميل

وذهبت للصيد على الجبل ذي السفح الجميل

ذهبت وعدت فردا فأين ثنيـك ؟ أين ولـدي؟

أين الصبي الذي وجدته في أيامي السوداء ؟

ليت عيناي تقلعـان يا ديرسه خان

فانهما ترمشان بسوء

ليقطع العصب الذي رضع منه ابنك

فانه ينبض منذراً  بسوء .

اخذ بدني يخدر كأنما لدغتني حية صفراء ،

لما غاب ابني الوحيد عن ناظري

نذرت وعاهدت الدراويش ذي الجبب السوداء

متى أرى جائعا أطعمه ، أو عارياً أكسوه

جمعت لحما بعلو التل ،

وحلبت من حليب الأفراس ملء بحيرة

وأرسلت إلى الوديان البور ماءً

وبعد عناء وتضرع رزقت بولد

فاخبرني يا ديرسه خان ماذا جرى لابني الوحيد

قل لي إن كنت قد طيرته عبر الجبال الشاهقة !

أو أغرقته في المياه الهادرة ، المتلاطمة !

قل لي إن كنت جعلته طعما للأسود والنمور !

أم تركته أسيراً في أيدي الكفار ذوي الغفارات السود !

لأذهب إلى أبي الأمير

وأتي بجيش جرار ، وخزائن ثمينة

واهجم على ديار الملاحدة المتوحشين

لن أتخلى عن ابني الوحيد

حتى اثخن بالجراح أو اسقط عن جوادي

وامسح دمائي بأذيال ثوبي

حتى اسقط على الأرض ويقطع جسدي 

اخبرني يا ديرسه خان عن ابنك الوحيد

اخبرني الساعة  فداؤك رأسي !

قالت ذلك وأجهشت بالبكاء .

  مهما تضرعت زوجته فلم يحر ديرسه خان جوابا ، فتقدم رجل من الأنذال الأربعون إليها وقال : ابنك سليم معافى ما زال في الصيد ، غداً  في الصباح الباكر سيأتيك أينما كان لا تخافي ولا تقلقي، أما الأمير الشيخ فقد افرط في شرب الخمر ولا يستطيع أن يجيب. عادت زوجة ديرسه خان أدراجها ولكنها لم تستطع الانتظار الى الغد فركبت ظهر جوادها البدوي واصطحبت جواريها الأربعين وانطلقت للبحث عن ابنها . جاءت الى سفح جبل قازيليك (9) الشاهق الذي لا تذوب ثلوجه في الشتاء ولا في الصيف ، طافت أولى المرتفعات ثم أخذت تصعد إلى السنن الصخرية الشاهقة وما راعها إلا أن رأت أسرابا من العقبان والغربان تحوم في فضاء واد سحيقٍ ، يهبط بعضها إلى بطن الوادي ثم يطير عالياً، والبعض الآخر في صعود ونزول . قادت زوجة ديرسه خان جوادها البدوي مسرعة إلى ذلك الاتجاه.

    أما ما كان من أمر الفتى يا مولاي ، فقد كان ممدداً على الأرض مضرجاً بدمائه والعقبان التي أغرتها رائحة الدم كانت على وشك الانقضاض على الجسد المسجى لولا كلبان من كلاب الصيد كان الفتى يملكهما ، كانا يذودان عنه. حينما سقط الفتى هناك أول مرة وانفض الآخرون عنه جاءه ( الخضر) ذو الجواد الأشهب ومسح على جرحه ثلاثاً وقال : لا تخف يا بني ليست لك ميتة بهذا الجرح . فأزهار هذا الجبل وحليب أمك هي المرهم الشافي لجرحك. قالها وغاب. بلغت الأم الموقع الذي فيه ابنها ، فوجدته ثمة مضرجاً بدمائه . صاحت بأعلى صوت تناشده . لنسمع يا مولاي ماذا أنشدت:

افتح عينيك السوداوين لئلا تذهبا في غفوةٍ طويلة

لملم شتات نفسك وتمالك جوارحك

فالروح التي حباك الله بها عادت

بعد أن رفرفت فوقك ونظرت إليك من عل

إن كانت روحك قد عادت إليك يا بني

فاخبرني أفديك بروحي البائسة يا ولدي!

لماذا تسيل مياهك الساقطة يا جبل قازيليك

لتجف إذاً !

لتتيبس أعشابك يا جبل قبل أن تنبت !

لتتحول ضباؤك القافزة إلى أحجار!

لا أدري يا بني هل صادفك أسد أم نمر ؟

أين كان القدر يخبىء لنا كل هذا ؟

أن كان في بدنك شيء من رمقٍ فأجبني ! 

لتفدك روحي البائسة يا ولدي !

   تناهى إليه صوت أمه كأنه آت من بعيد ففتح عينيه المغمضتين وتفرس في وجهها وقال . لنسمع يا مولاي ماذا قال :

تعالي يا سيدة النساء ، يا من رضعت حليبها النقي !

يا أمي القديرة ذات الجديلة البيضاء (10)

لا تتهمي المياه الساقطة

فمياه جبل قازيليك لا ذنب لها

لا تتهمي الضباء المتقافزة

فجبل قازيليك لا ذنب له

لا تعنفي اسوده و نموره

فجبل  قازيليك  لا ذنب له

إن كان لابد أن تتهمي وتلومي أحداً

فأفعلي ذلك مع أبي فهو المذنب .

   ثم قال الفتى: لا تحزني يا أماه فأنا لن أموت بهذا الجرح . لقد جاءني الخضر ممتطيا جواده الأشهب ومسح على جرحي ثلاثاً ، وقال ميتتك ليست بهذا الجرح . وعلاجك هو مرهم يعمل من أزهار الجبل وحليب أمك. هرعت الجواري لما سمعـنه ، لجمع أزهار الجبل . أما والدته فقد أخذت تعـصر ثديها مرة فلم يدر ولو قطرة واحدة . عاودت الكرة ثانية فلم يدر، وفي الثالثة ضربت ثديها بغيظٍ وعصرته بشدة ، تدفقت بأثره خلطة من لبنٍ ودم . مزجن الخلطة مع رحيق أزهار الجبل ووضعنه على جرح الفتى ثم حملنه على الحصان وجئن به إلى البيت سراً . سلمنه إلى الحكماء بعيداً عن عيون ديرسه خان . كما يقال يا مولاي ( إن أرجل الحصان قوية ولسان الشاعر سلس ) تماثل الفتى للشفاء في أربعين يوم واستعاد كامل قواه، وصار قادراً على ركوب الخيل ، والمبارزة بالسيف والخروج إلى الصيد أما ديرسه خان فلم يكن يدري بما جرى لأبنه وكان يظن إنه في عداد الأموات .

   سمع الأنذال بالخبر وتشاوروا فيما بينهم : ماذا نفعل ؟ إذا شاهد ديرسه خان ابنه سيقتلـنا عن بكرة أبينا . تعالوا نأسر ديرسه خان ، نربط كلتا يديه خلف ظهره، ونلف حبلا من شعر الماعز حول رقبته ونقتاده معنا رهينة إلى ديار الملاحدة . امسكوا به وشدوا وثاقه ولفوا حبلا حول رقبته ثم انهالوا عليه يضربونه حتى أضرج بدنه ، ثم اقتادوه  راجلاً وهم ركوب على خيولهم ، واتجهوا إلى ديار الملاحدة البعيدة .

   لم يكن أمراء الاوغوز على علم بوقوع ديرسه خان في الأسر. حينما سمعت زوجته بخـبر وقوعه في الأسر جاءت الى ولدها وخاطبته وجها لوجه . لنسمع يا مولاي ماذا قالت :

هل سمعت ما حدث يا بني ؟

الصخور الصماء لم تتزلزل ولكن الأرض ثقبت،

تكالب الأعداء على أبيك بينما لا يوجد عدو في ديارنا.

أصحاب أبيك الأنذال أخذوه أسيراً

شدوا يديه خلف ظهره

لفوا حول رقبته حبلا اسود

اقتادوه راجلا وهم على صهوات الخيول

ذهبوا به إلى ديار الملاحدة البعيدة

انهض الآن يا ولدي الأمير

واذهب مع فتيانك الشجعان لإنقاذ أبيك

هيا امض يا ولدي

إن كان أبوك قد أساء إليك فلا تسء أنت إليه

   لبى الفتى نداء أمه بحزم واخذ سيفه الفولاذي الأصيل وقوسه الشديد ذي المقبض الأبيض وحمل كنانة النبال الذهبية على كتفه. امتطى جواده البدوي ومعه رجاله الأربعون وانطلق للبحث عن اثر أبيه . فلحق ( بوغاج خان) بالأنذال وكانوا قد عسكروا في مكان ما  وشربوا أعتى الخمور فقال قائل منهم عندما شاهده : الرأي أن نمسك بذلك الفارس وهو في غفلة من أمره لكي نبيعه مع أسيرنا هذا في بلاد الملاحدة . قال ديرسه خان: الأمان يا رفاقي الأربعين! استحلفكم بالله الذي لا شك في وحدانيته ان تحلوا وثاقي، وتعطوني  قيثارتي لأبعد هذا الشاب عن طريقكم. دعوه يذهب في حال سبيله ، ولكم ما شئتم تقتلوني أم تذهبوا بي حياً حيث تشاوؤن . فكوا قيوده وناولوه قيثارته وهو لا يدري أن هذا الشاب هو ابنه . وقف هنالك واخذ في الإنشاد . لنسمع يا مولاي ماذا انشد :

تلك الجياد البدوية ذات الرقاب الطويلة ، الذاهبة هي لي

ان كان لك فيها جواد أيها الباسل

فخذه وعد من حيث أتيت من دون قتال !

آلاف الخراف التي نهبت من مراعيها ، هي خرافي

إن كانت لك فيها نعجة سمينة خذها وعد من حيث أتيت من دون قتال !

الجمال الذهبية المسروقة من حظائرها هي جمالي

إن كان لك فيها جمل محمل بكل متاعه

خذه وعد من حيث أتيت من دون قتال

إن كانت الخيام ذات القبب الذهبية نهبت فهي خيامي

إن كنت تملك فيها غرفة واحدة

خذها وعد من حيث أتيت من دون قتال !

البدور ذات العيون الشهل اللائي سبين فهن عرائسي

إن كانت محبوبتك بينهن أيها الشجاع

أعطيك إياها ، خذها وارحل من دون قتال !

إن كان ثمة شيوخ ذوي لحى بيضاء !

يؤخذون عنوة فهم مثلي أنا

إن كان لك أب ذو لحية بيضاء هنا

فأنقذه وعد من حيث أتيت من دون قتال

أما إن كنت جئت من اجلي فلا تأسف لحالي

أنا من قتل ابنه فعد أدراجك أيها المقدام !

هنا انطلق الفتى مخاطبا أباه لنسمع يا مولاي ماذا قال :

الجياد البدوية ذات الرقاب الطويلة

إن كانت ذاهبة فهي لك ،

ولكن لي فيها ما أركبه ، ولن ادعه للأنذال !

الجمال الذهبية المسروقة من حظائرها هي لك

ولي فيها جمل احمله متاعي ولن ادعه للأنذال !

آلاف الخراف التي نهبت من مراعيها هي لك

لي فيها خروف سمين لن ادعه للأنذال !

إذا قدر للبدور الحسان أن يسبين فهن منك

لي بينهن محبوبة ، لن ادعها للأنذال !

الخيام ذات القبب الذهبية التي نهبت هي لك

ولي فيها غرفة واحدة، لن ادعها للأنذال !

إذا وقع الشيوخ ذوي اللحى البيضاء في الأسر

لي بينهم رجل فقد رجاحة عقله

وأضاع حكمته وهو أبي ، فلن ادعه للأنذال !

   فأومأ الفتى إلى رجاله فانطلقوا جميعا بجيادهم واجتمعوا حوله ، ثم أغاروا على الأنذال. نشبت معركة حامية الوطيس بينه وبين الأنذال ، قتل الكثير منهم ووقع من تبقى منهم في الأسر. وهكذا أنقـذ الفتى أباه واستعاده . هنا أدرك ديرسه خان مدى أصالة ابنه . أما أمير الأمراء (بايندرخان) فقد خلع عليه الهدايا وأمر بتوليته ، ثم جاء جدي ( ده ده قورقوت ) لينشد ويقرض الشعر، فروى هذه الحكاية ونظم أشعارها قال :

أولئك الرجال جاءوا إلى هذا العالم و رحلوا

حطوا الرحال مثل قافلة ثم رحلوا

عاجلتهم المنية وأخفتهم الأرض

وظلت هذه الدنيا الفانية مثلما هي …

عندما يحل الأجل الموعود ليكن لك فيه متنفس

وليباركك الله في دولتك المزدهرة

وليكن الرب الذي عظمته في ثنائي خير ناصر لك

ادع الله يا مولاي

ألا تزلزل جبالك الشاهقة الراسية

ألا تقطع شجرتك العظيمة الوارفة الظلال

ألا تنضب مياهك الرائعة التي تجري كسيل هادر

ألا تتكسر قوادم جناحيك الواسعين

وألا يتعثر جوادك الأشهب حين الكر !

ألا ينثلم سيفك الفولاذي العظيم عندما يشتد الطعان

وألا يلتوي رمحك عندما يحمي وطيسها

وان تكون الجنة مكانا لأمك ذات الظفيرة البيضاء

وليسكن الله أباك فسيح جناته

ليظل مصباحك الذي أوقده الحق مضيئاً أبداً ،

وألا يجعلك الله في حاجة إلى الأنذال  يا مولاي .