العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

هذه هي كركوك

كركوك                       2005

قلعة كركوك

 

تؤكد الكتابات المسمارية في الرقم التي تم العثور عليها في قلعة كركوك عام ۱٩۲٣ أن مدينة كركوك هي في الأصل مدينة أرابخا ,وهي الدولة المستقلة التي ظهرت في الألف الثاني قبل الميلاد. وكانت تقوم على مجرى نهر (خاصة صو).


تقوم مدينة كركوك القديمة (القلعة) فوق مستوطن أثري قديم ورد اسمه في الألواح المستخرجة منه وعددها ٥۱ لوحاً يعود تاريخها إلى منتصف القرن الثاني عشر قبل الميلاد،وقد تم العثور عليها في سفح القلعة صدفة عام ۱٩۲٣. وتقول المصادر أن البابليين سموها (أرابخا) وسمى الأشوريون المستوطن القريب منها (أرافا) والتي حرفت في التاريخ القريب إلى (عرفه).

قلعة كركوك ، هي المدينة القديمة، وهي من أعرق المناطق التي تضم أحياء يسكنها التركمان منذ القدم . تقع في الصوب الكبير من مدينة كركوك شرقي نهر (خاصة جاي). يبلغ ارتفاعها عن مستوى الأرض المجاورة لها حوالي ۱٨م. تنحدر نحو الأسفل تدريجياً، شكلها العام دائري تقريباً. ولها أربعة أبواب. من الأماكن التاريخية الموجودة فيها:

۱. جامع النبي دانيال: معروف بمئذنته المعروفة التي يعود تاريخها إلى أواخر العصر المغولي، ويمتاز بناؤه بالعقادات، والأقواس الجميلة التي تقوم على قاعدة مثمنة.

۲. الجامع الكبير (اولو جامع) ويسمى أيضاً جامع (مريم اَنا) ويعود تاريخه إلى القرن الثالث عشر الميلادي.

٣. القبة الزرقاء (كوك كنبد) بناء مثمن الشكل ذو طراز معماري جميل حيث تتخلله الزخارف الاَجرية النباتية، مطعمة بالقاشاني الملون، ومزينة بشريط من الكتابة في أعلى البناء من الخارج. يستدل منها أن القبة استخدمت في عام ۷٦۲ هـ ، وتضم رفات الأميرة التركمانية بغداي خاتون.

٤. جامع عريان: يعود تاريخه إلى ۱۱٤۲ هـ. يقع وسط القلعة، ويتميز بقبته الكبيرة التي تقوم على أربعة أضلاع متساوية، ترتكز عليها ثمانية أضلاع تعلوها ستة عشر ضلعاً، تشكل قاعدة القبة التي يبلغ ارتفاعها خمسة عشر متراً.

٥. كاتدرائية أم الأحزان: وتسمى أيضاً(الكنيسة الكلدانية) وقد بنيت على أنقاض كاتدرائية قديمة. وهي مشيدة بالحجر والجص. تقوم سقوفها، و أروقتها على أقواس، وأعمدة من المرمر تعتبر بتيجانها الفخمة أية فنية في البناء المعماري. يعود تاريخ بنائها إلى سنة ۱٨٦۲(1).

 وأما بخصوص المسيحيين الذين كانوا يسكنون القلعة، المسيحيين الذين كانوا يسكنون القلعة فهم من أصول تركمانية وليست لهم لغة اخرى. يقيمون بها شعائر الصلاة والعبادة في الكنيسة الخاصة بهم والتي تدعى (قرمزي كيلسه) أي الكنيسة الحمراء، نظراً لوقوعها على تل أحمر. يرتلون صلواتهم باللغة التركمانية من الكتاب المقدس (مدراش)(۲).

  في كتاب (كرد وترك وعرب) لمؤلفه سي. جي. ادموندز (ترجمة جرجيس فتح الله، منشورات جريدة التآخي، ۱٩۷۱) يذكر عن (مسيحيي القلعة) ما يلي:

 (كانت كركوك في أيام الإمبراطورية الساسانية مركزا مشهورا من مراكز النساطرة، وكرسيا لرئيس أساقفة   "بيت كرمي – باجرمي" هذه الطائفة يمثلها اليوم "الحديث في العشرينات" زهاء مائة وخمسين أسرة كلدانية. يسكن معظمها في الأحياء القديمة من التل "يقصد به القلعة" يدير أمورها الدينية مطران يدعى اسطيفان جبري. يتزعم الطائفة ثلاثة من أغنياء تجارهم وملاكهم هم: ميناس غريب، قسطنطين، وتوما هندي)

لهم مقام محترم  في المجتمع المدينة، أولهم عضو في مجلس الإدارة المنتخب، وهو مجلس كان في عهد الترك ذا صلاحيات واسعة (وقد فخرت هذه الطائفة إلى ما قبل الحرب العامة بأقدم بيعة للنصارى، وهي "بيعة الشهداء" التي بنيت في القرن الخامس الميلادي تخليداً لذكر شهداء اضطهاد الملك الساساني يزدجرد الثاني    ٤٣٨- ٤٥۷ م).

 ٦. بوابة طوب قابي: تقع في الجهة الغربية من القلعة، وتطل على نهر خاصة، وهي البوابة الوحيدة المتبقية من البوابات الأربع، ويعود تاريخها إلى أكثر من مائة وخمسين عاماً. تتميز بأقواسها المدببة والنصف دائرية، وقبوها الشبه البيضوي.

۷. البيوت التراثية: تزخر قلعة كركوك بالعديد من الدور التراثية ذات المواصفات النادرة والفريدة. ومن هذه الدور (دار طيفور) التي تمثل الطراز المعماري التركماني القديم. تتكون الدار من ثلاثة دور متداخلة. الأولى ذات أعمدة مرمرية دقيقة، مداخل غرفها، ونوافذها مؤطرة بالمرمر والزخارف. الدار الثانية  تتكون من مجاز وسرداب وكوشك، أما الدار الثالثة والتي تسمى (بيت العروس) فتتكون من ردهة صغيرة (طارمة)، وغرفة مستطيلة الشكل. تتميز هذه الدور بعقودها، وأقبيتها، وزخارفها الجصية، والنباتية، والحيوانية. ولكل دار من دور القلعة التراثية ميزات خاصة نكاد لا نجدها في الدور الأخرى التي اعتادت أن تروي همومها، وسرورها في جلسات سمر تركمانية(۳).

المؤسف هو(القلعة) هدم هذا المعلم الحضاري، التاريخي بحجة حماية وصيانة الآثار، وتشريد سكانها وهدم أحيائها تحت أنظار الرأي العام العالمي الذي أقام الدنيا وأقعدها عند هدم تمثال بوذا في أفغانستان من قبل حكومة طالبان !

 قشلة كركوك

)قشلة كركوك) لها حضور طاغ في حياة المدينة فهي لاتزال في مكانها قي قلب كركوك، تطل بصمت من مكانها على أبناء المدينة. ترد لهم التحية في أناء الليل و أطراف النهار، وتنظر إليهم بعين ملؤها المحبة . كلمة (قشلة) محرفة من كلمة (قشلاق) التركمانية. وهي متكونة من كلمتين (قش - أي الشتاء) و اللاحقة (لاق) تفيد معنى (المكان) و بذلك الكلمة تعني المشتى. إلا انه بمرور الزمن أطلقت هذه التسمية من قبل العثمانيين على كل بناية تضم ثكنة عسكرية.

 بنيت (قشلة كركوك) في سنة ۱٨٦٣ وسط المدينة على ارض مساحتها (۱٥۰۰۰ م۲) واحتلت مساحة البناء (٦۰۰۰ م۲) . شيدت في عهد الوالي العثماني محمد نامق باشا عندما كان واليا على بغداد لتكون مقرا للجيش في كركوك. وهي تمثل قيمة معمارية نادرة في العالم، وفريدة في العراق  بشهادة المختصين في فن المعمار. تتكون واجهتها الأمامية من ايوانين يتوسطهما المدخل الرئيسي الذي يفضي إلى رواق طويل على جانبيه عدة غرف كبيرة ذات أقواس دائرية قائمة على ثمانية أعمدة حجرية اسطوانية محجلة. تسند البناية من الخارج دعامات مستطيلة الشكل تمتد إلى حد النوافذ. وكانت للقشلة خمسة أبوا ب واسعة. لم يبق منها نتيجة الهدم بحجة حماية الآثار إلا بابين. باب المدخل الرئيسي المطل على الشارع العام و بابان على الجهة الجنوبية الغربية أحدهما (باب الخيالة) و الآخر (باب المشاة). تبلغ مساحة فناء القشلة ۲٩۰۰۰ م۲ وهي بطابقيها مستطيلة الشكل مبنية بالحجر و الجص، وتحتوي على ۲٤ قاعة فسيحة إضافة إلى اثنتي عشرة غرفة هيكلها أعمدة و أقواس و قبب تؤدي إلى رواق بديع الطراز ذات أعمدة مربعة في الطابق السفلي، واسطوانية في الطابق العلوي. تمتاز أقواسها بأنها مدببة و متعانقة(٤).

أصبحت القشلة بعد الحرب العالمية الأولى مقرا من المقرات العسكرية للفرقة الثانية (مقر الفرقة الثانية، أمرية موقع كركوك، الانضباط العسكري، الحسابات العسكرية، المستودع الطبي، المحكمة العسكرية، جمعية المحاربين القدماء).

اعتبارا من عام ۱٩٨٦ تم اعتبار مبنى (قشلة كركوك) أثرا تاريخيا هاما يتمثل فيه الفن المعماري الأصيل حيث قامت دائرة الآثار و التراث بصيانتها و الحفاظ على معالمها الفنية. وتم تحويله فيما بعد إلى مركز ثقافي أنشي فيه (متحف كركوك) و (بيت المقام) وجناح خاص سمي باسم (متحف الصمود و التصدي).

 أشار معظم الكتاب إلى أهمية (قشلة كركوك) المعمارية والفنية حيث أشار الأستاذ  خالد الدرة في المجلد ٤٤ من مجلة (سومر) إلى موقعها وتاريخها وطابعها المعماري المتميز مع نشره المخططات و الصور الفوتوغرافية التي توضح البناية من جميع الجوانب. كما يذكر الباحث التركماني المعروف الأستاذ عطا ترزي باشي في  مقال له عن القشلة أيضا إلى وجود جامع قديم داخل القشلة بني عام ۱٩۱۲ بتبرعات الأهالي و هدم بعد الحرب العالمية الأولى. كما تحدث في مقال آخر له نشر باللغة التركمانية في نفس العدد بعنوان (كركوك اسكي قشله سي ـ قشلة كركوك القديمة) أكد فيه إلى وجود  قشلة أخرى كانت  ملاصقة للقشلة الحالية، وكانت تسمى بـ (رديف قشله سي)(٥).

 

سوق القيصرية  

ينشر التاريخ أريجه  فيء آخر من افياء كركوك في الصوب الواقع على حي (المصلى) العريق حيث يقف بشموخ (سوق القيصرية) التراثي الذي يقاسم سكان هذه المدينة الطيبة منذ أكثر من ۱۷۰ عاما حياتهم اليومية.

يقع (سوق القيصرية) على بعد عشرة أمتار إلى الجهة الجنوبية الشرقية من (قلعة كركوك). وقد شيد السوق  كمركز تجاري  لتسهيل عمليات البيع والشراء لسكان القلعة لبعد هذه المنطقة في تلك الفترة عن مركز المدينة آنذاك. وقد استقطب السوق أرباب الحرف المختلفة وزبائنهم. وقد تم إنشاء السوق على مقربة من بوابة (السبع بنات ـ يدي قزلار قابسي) وهي إحدى بوابات قلعة كركوك. شغل دكاكينها: البزازون، العطارون، النساجون، الخفافون، الخياطون، صباغو الأقمشة والغزول و الأصواف و باعة المفروشات.

 يتميز السوق كباقي الأبنية التاريخية والتراثية في كركوك معماريا بأقبيته و أقواسه و عقوده و زخارفه. ومن ابرز خصائص قبة هذا السوق تخفيف القوى الضاغطة على الجدران و بالتالي على أساس البناء. وتعلو سطح القيصرية قبب مسطحة في منتصف كل منها فتحة سقفية لأغراض الإضاءة والتهوية، أما الأقواس التي تزين مداخل السوق و دكاكينه فهي من الجص أو من الرخام المدبب. والقيصرية مثل أية بناية تاريخية وتراثية في كركوك لا تخلو من الزخارف التجميلية ورسوم وأفاريز. أما المداخل فهي مؤطرة بأطر رخامية مزخرفة.

 لا يمتلك الباحث في الفن المعماري لسوق القيصرية إلا أن يقف مبهورا أمام التقسيم الفلكي الرائع الذي اعتمده ذلك الفنان التركماني المجهول في تصميم هذا السوق. فالدكاكين الـ(٣٦۰) الموجودة في السوق يرمز إلى أيام السنة. و الشقق الأثنتي عشر المبنية فوق الدكاكين ترمز إلى عدد اشهر السنة. و ثمة أربعة و عشرون ممرا يرمز إلى عدد ساعات الليل و النهار. كما أن مداخل سوق القيصرية السبعة تدل على عدد أيام الأسبوع. لم يكتف فناننا التركماني المجهول   بذلك بل هداه خياله الخصب إلى أن يجعل أحد المداخل السبعة تستقبل الشمس حين تشرق و آخر يودعها حينما تغيب(٦).

  كركوك تحتضن التاريخ وتجد فيه ملاذها الآمن. فقد أثبتت التنقيبات و دراسات الآثاريين أن كركوك تضم في حناياها و حنايا اقضيتها ونواحيها (٥٥۰) موقعا ومستوطنا اثريا وما يقرب من هذا العدد من تلال تضم في بطونها آثارا  غير مكتشفة بعد، تنتظر من يرفع عنها ركام الزمن الغابر. وثمة مواقع تراثية في الأحياء الشعبية في مدينة كركوك و أزقتها القديمة، وبيوت ذات طراز معماري فريد، و مرافق تراثية تنتظر بفارغ الصبر يد  الاهتمام و الصيانة و الرعاية لحمايتها من التخريب والهدم لتعيش من جديد، تحت شمس الحياة الساطعة.    

 

 خانات  كركوك

كانت كركوك بحكم موقعها الجغرافي مركزا تجاريا هاما. حيث كانت محط القوافل التجارية التي تقصدها لشراء سلع وبضائع معينة أو بيعها. وكان رئيس هذه القوافل يدعى (كروانجي باشي) وكانت هذه القوافل بحاجة أثناء انتقالها بين المدن بحاجة إلى أماكن للراحة بعد عناء السفر. وكانت هذه المحطات تدعى بالخان. . كانت الخانات القديمة تحمل طابع الفنادق الحالية إضافة إلى طابع المراكز التجارية التي تعقد فيها الصفقات التجارية. كما كانت في الليالي مسرحا للقاء التجار القادمين من بلدان بعيدة حيث يتجاذبون أطراف الحديث عن الحالة الاجتماعية والثقافية لبلدانهم. وكانت جلسات السمر هذه وسيلة لتقارب الثقافات المختلفة بمختلف أبعادها. وكانت الخانات مخصصة للقوال حسب السلعة التي تود بيعها. لذلك اكتسبت خانات كركوك اسمها من تلك السلع فكان هناك (خورما خاني ـ خان التمر، يوغورت خاني ـ خان اللبن، كومور خاني ـ خان الفحم، قاضي خاني ـ خان القاضي،) وقد تجاوز عدد الخانات في كركوك الخمسة عشر خانا أشهرها (بلدية خاني  خان البلدية، كمرك خاني ـ خان الجمارك، أسعد بك خاني، كلباني خاني، كاورلر خاني - خان المسيحيين، جقور خان، ده ده حمدي خاني، أوقاف خاني صادق صراف خاني، سيد عمر خاني، قوريه خاني . ويعتبر (هنديلر خاني - خان الهنود) أشهر تلك الخانات.

يقع هذا الخان في السفح الغربي من قلعة كركوك قرب (بويوك بازار - السوق الكبير) بعد ۱٥ متر من مدخل (قازانجيلر بازاري - سوق الصفافير). يعود تاريخ بنائه إلى عام ۱٨۷٥. وقد أطلق على هذا الخان اسم  (هنديلر خاني - خان الهنود) نظرا إقامة الهنود الذين كانوا يزورون الأماكن والعتبات المقدسة في العراق حيث اعتادوا على الإقامة فيها عند وصولهم إلى مدينة كركوك.

عند الدخول من باب الخان الواقع على الشارع الرئيسي من خلال طاق طويل تواجهنا ردهة فسيحة تؤدي إلى ۱٦ إيوانا مزين حسب الموقع بقبة أو قبتين أو ثلاث. الطابق الأول من الخان مخصص لحفظ البضائع التجارية وتضم حظائر للحيوانات. أما الطابق الثاني منه مخصص لإقامة المسافرين حيث أن هناك سلالم من جهات ثلاث تؤدي إلى تلك الغرف. ويضم هذا الطابق ۱۱ إيوانا يعتليه قبة أو قبتان إضافة إلى ۱٤ غرفة للإقامة(۷).

تم تحويل الخان تحت إشراف وزارة الإعلام إجراء الترميمات عليه في ۱٩٩٨/ إلى سوق عام۱٩٩٩ حيث تم افتتاحه احتفاءا بمرور الذكرى السنوية الأولى لزيارة رئيس النظام لكركوك في ۱/٤/۱٩٩٨ .

المقاهي

كانت للمقاهي زمنها الجميل في كركوك. وكان أشهرها على الإطلاق مقهى (جوت قهوة) الذي كان يتألف من دمج مقهيين لذلك أطلق عليه اسم (جوت قهوة) أي المقهى المزدوج. وكان يرتاده المثقفون والتجار والحرفيون. بينما كان يتوزع الحرفيون وعمال البناء والعمال الذين يعملون بالأجر اليومي في المقاهي الأخرى حيث كانوا يتجمعون فيها. وكان ثمة مقاه في كركوك تنقلب إلى مسرح للحكائيين الذين يروون قصص عنترة ابن شداد، رستم زال، بطال غازي، فضولي، كور اوغلو أو يقرأون قصائد لفضولي البغدادي. كما في مقهى المجيدية أو أحمد آغا. كما كانوا يلعبون فيها الشطرنج والداما والطاولي والورق (كاغد - باباز). كما كانت المقاهي في كركوك  تتحول في أمسيات رمضان إلى محلات للعبة (صيني زرف). وهي لعبة يلعبها التركمان بشكل خاص في ليالي رمضان يوضع (الخرزة) المخبأة تحت أحد الفناجين بين تهليل الحاضرين. وكان سكان الأحياء المختلفة يتبارون في هذه اللعبة كمباراة سكان محلة (القورية) مع محلة (جاي) أو محلة (جقور) أو (زيوة) أو (أوجيلار) أو (بولاغ)أو (بكلر) أو (آخر حسين) أو (صاري كهيه) أو (القورية) أو (بكلر) وغيرها . بل كان الأمر يتجاوز ذلك إلى التباري بين المدن (كركوك) و(أربيل)أو بين أحياء كركوك والمناطق المجاورة من الأقضية والنواحي التابعة لكركوك مثل (تازةخورماتو)، (داقوق) و(طوزخورماتو) حيث يستمر اللعب حتى السحور كانت ثمة تقاليد اجتماعية فلم يكن الشباب يقتربون من المقاهي التي يرتادها الكبار. وكان يتم توزيع القهوة المرة والتمر والجوز والحلوى(٨).

الديوانيات(ديوانخانه لر)

كانت المقاهي لا تشبع رغبة الكثيرين في المعرفة في قراءة كتاب أو الاستماع إلى إلقاء شعري. كان أصحاب الديوانيات في كركوك من الوجهاء والميسورين أو آهل العلم والثقافة. وكان أصحابها يمتازون إضافة إلى ما تقدم يمتازون بالسخاء وحب الضيافة. إلى جانب أن الديوانيات كانت باستضافة الغرباء. ومن أشهر الديوانيات في كركوك على الإطلاق ديوانية           عبد القادر أفندي الذي اشتهر بكرمه الحاتمي. ويقال أنه حضر إليه في أحد الأيام اثنين من عمال البناء لقياس ديوانه لأن عمه درويش يود بناء ديوانا على غراره. وهنا  يطلب منهما ما يلي: قولا لدرويش أفندي أن عليه أن يقيس سعة (الصينية) التي أكرم بها ضيوفي بدلا من أن يقيس مساحة ديواني.

ويذكر المؤرخ المعروف محمود الألوسي في كتابه (نشوة الشمول في السفر إلى استامبول)عن كرم أهل كركوك وسخائهم، أن  والي كركوك سمع بوجودنا في التون كوبري ، فأرسل إلينا نجله عبد الرحمن إلينا يدعونا للنزول في ضيافته عند وصولنا إلى كركوك لكننا اعتذرنا لأن عمر بك نفطجي سبقه في دعوتنا، لكننا بأننا سنلبي طلبه بعد وصولنا. حينما وصلنا إلى حيث آبار كركوك ونيرانها الأزلية، حيث استقبلنا مضيفنا على مشارف المدينة , ولم ينقطع سيل المرحبين بنا بعد وصولنا إلى المدينة مما يعبر عن أصالة أهل كركوك وحبهم لعلماء بغداد. ويذكر الألوسي دعوة       سليمان أفندي المفتي الموظف في الأوقاف له، وكيف أنه أكرمهم غاية الإكرام بأطباق من الذهب والفضة  مالذ وطاب من الطعام.

وكانت الديوانيات تستقبل الضيوف الغرباء عن المدينة ، ويقوم عامل في الإسطبل في العناية بالحيوانات.

كانت أبواب الديوانيات في كركوك مفتوحة على مصراعيها طوال أيام رمضان المبارك حتى وقت الإفطار وأداء صلاة التراويح حيث يقوم رجل دين بدور الإمام أثناء الصلاة. ويذكر باقي آغا كدك زادة ، أنه مر في يوم عيد من القلعة إلى (القورية) بـ ٦٣ ديوانا. ومن أهم الديوانيات المعروفة في كركوك: ديوان     عبدالقادر أفندي، المفتي درويش أفندي، حسن أفندي، سيد سليمان أفندي، ديوانية قيردار، الحاج مصطفى والحاج محمود اليعقوبي، عمر آغا وأحمد آغا، خالد بك وخورشيد آغا، الحاج علي دميرجي، علي بك     والحاج حسن آوجي، كمال زاده لر ،  الحاج رضا بيرقدار، بويوك حافظ ملا محمد،    بكرأفندي قايتاوان، نائب سعيد أفندي،  توفيق آغا قوجامان، خادم سجادة، عثمان آغا بيريادي، ملا رضا واعظ، عزيز مردان آغا، عمر آغا ترجيللي، حسن باشا، محمد سعيد آغا، المحامي سيدسلامي أفندي، توفيق آغا قوجامان، ملا صديق ترزي باشي، عبد القادر يحيى بك،   مصطفى سالم عراقي، علي أفندي درويش قزانجي، حاج عارف جلبي، عبد الغني حاج باقي،      عبدالوهاب محمود، عبد الله آغا موصلي زاده،ملا سليمان بزركان، حسن آغا حاجي محمد،      مختار محمود بك توتونجي، خضر لطفي شيخ كمال، سعد الله تركي، حسن ورفيق أفندي، شيخ علي أبوعلوك. كما تم هذه الديوانيات في الصوب الأخر (القورية) : ديوانية عائلة النفطجي، صالح باشا، عمر بك، ناظم بك، حسين بك  ومن عائلة صاري كهيه : عزت باشا، ، خليل بك، عبد الرحمن بك. ومن عائلة الهرمزي:بهاء أفندي، الحاج حبيب آغا، الحاج مصطفى بك، الحاج عاشق أفندي. ومن عائلة أرسلان: صديق بك، الحاج مصطفى بك. ومن عائلة تكريت :علي بك ، إبراهيم بك وقادر بك. ومن عائلة الجلالي : زينل بك، ثابت بك، شيخ كريم، شيخ غني،    محمد راسخ، أحمد آغا يالاوا، طاهر عثمان،       عزت تيلجي، سلمان آغا ، عبد الله آلتون نالبند،    رضا تسينلي. ومن عائلة كتانه : ده ده كتانة،      شيخ قدرت أمين آغا، الحاج علي اوطراقجي،    إبراهيم آغا بوياغجي. إضافة إلى ديوانية       سيداحمد خانقاه، ويوسف كنعان باشا، والحاج زكي بك.

ونظرا لوجود هذا الكم الكبير من الديوانيات فالحاجة للفنادق كانت منتفية(۹).

 

الوجود الثقافي التركماني في كركوك

   تمتد جذور الوجود الثقافي التركماني في كركوك بدءا بالأساطير والحكايات الشعبية وانتهاء بالصحافة والقصة والمسرح. وأحاول هنا وبإيجاز شديد أحاول أن أقف حول بعض تلك الملامح:

الأساطير والقصص الشعبية

 حملت الأمهات التركمانيات والحكائيين التركمان في مقاهي كركوك إلى ذاكرة أبناء المدينة العديد من القصص والحكايات والأساطير في فترات زمنية مختلفة ويمكن تصنيف تلك الحكايات والقصص كما يلي:

۱. الحكايات التاريخية: وتدور هذا النمط من الحكايات حول حادث تاريخي معين مثل: فتح استانبول على يد السلطان محمد الفاتح أو حول انتصار              صلاح الدين الأيوبي على الصليبين أو وصايا      جنكيز خان لأولاده بالتعاون والتآزر إضافة إلى قصص أخرى عن بطولات القادة المسلمين، ويهدف هذا النمط من الحكايات إلى تعزيز مسؤولية الأبناء تجاه أسلافهم وأوطانهم.

۲. قصص الحب والعشق: وتدور هذه القصص حول محور الحب والعشق التي تصور غالبا مكابدات العاشق للفوز بوصال الحبيبة. وأشهر هذه القصص على الإطلاق ملحمة (ارزو وقنبر) التي تمثل علامة مضيئة في تأريخ الأدب الشفاهي التركماني في العراق، وتحتل مكانة متميزة بين الحكايات الشعبية الأخرى. كما أن هذه الملحمة القصصية الخالدة تعتبر مصدرا مهما من مصادر القصة التركمانية والتي نشأ في أفيائها الرحيبة الأجيال التركمانية على مر العصور و القرون. وقد ساهم البحاثة التركماني المعروف الأستاذ            عطا ترزي باشي في حفظ هذه الدرة الأدبية من الضياع والنسيان، بعد أن عاشت قرون طويلة في ذاكرة الأمهات التركمانيات بطبعها في كتاب  محافظا على نصها الأصلي التراثي كما سمعها تروى على لسان إحدى تلك الأمهات وذلك في سنة ۱٩٦٤(۱۰).

ولا ينحصر ثراء التراث القصصي التركماني بهذه الملحمة بل أن  سلسلة من الحكايات الشعبية مثل:  (كرم واصلي) ، (طاهر وزهرة) وملحمة (كور أوغلو) تعكس نظرة التركمان إلى الحب، وتعرفنا بأحوالهم وأنماط حياتهم وتفكيرهم في فترات مختلفة من التاريخ.

٣ـ القصص الدينية: وهي قصص مقتبسة من القرآن الكريم مثل قصة سيدنا يوسف (ع) وقصص عن    صبر أيوب وقصص زكريا وسليمان.

٤ـ القصص التعليمية: وهي قصص ذات أهداف تعليمية وأخلاقية في آن واحد مثل قصة (الصياد والعصفور) وبعض نوادر (ملا نصر الدين) وقصص عن الطنطل (قايش بالدر) وعن طائر العنقاء (زمر عنقا) الذي يمثل الخير ويقابل الجميل بجميل.

وبإيجاز شديد تمتاز القصص الشعبية التركمانية بالمزايا التالية : قصص الحيوان: في العديد من الحكايات الشعبية يقوم الحيوان بالدور الرئيسي، ويقوم ما يقوم به الإنسان. وهنالك حيوانات ترمز إلى الشر مثل الثعبان والوحش والمارد ، فالوحش يتسلط على المدينة ويحجز المياه عنها حتى تقدم له ضحية كل يوم. ويتغير دور الثعبان حسب لونه فإذا كان لونه أبيض فهو يمثل الخير أما الحصان فهو دائما الصديق الوفي للبطل في الملمات والمحن. وتساهم القوى الخارقة الهزيمة بالحيوانات، وتكون النتيجة الطبيعية لذلك وضع التبن أمام الأسد، واللحم أمام الحصان، ويظهر البطل لتصحيح هذا الوضع، ويحفظ الأسد بطبيعة الحال الحصان والأسد هذا الجميل للبطل بإنقاذه في المصاعب التي يتعرض لها.

العناصر الأساسية في الحكايات الشعبية التركمانية:

 يمكن تحديد العناصر والخواص التالية للحكايات الشعبية التركمانية لها سواء كانت حكايات تاريخية أوحكايات عاطفية أو حكايات أسطورية أو دينية أوتعليمية:

۱. الاهتمام بتتابع الحوادث. بحيث لا تعطى نفس الأهمية للتعبير عن عواطف البطل الذي يتم الاهتمام به من خلال الأحداث التي يتعرض لها. حيث تتداخل الأحداث، وتكون هناك سلسلة من الحوادث داخل الحكاية الواحدة. فالبطل مهم بما يقوم به من حوادث تؤدي باستمرار إلى تغيير دائم في أساسيات ومسار الحكاية التي غالبا ما تنتهي رغم المصاعب والأهوال بالنهاية السعيدة. وقد تكون الحوادث متداخلة أو تتألف القصة من حوادث متعددة. وفي الحكايات التركمانية البطل الذي يمثل الخير عموما هو دائما مثال للشهامة والبطولة، والشرير دائما قبيح الهيئة والمنظر.

۲. إثراء الحكايات بالحوادث الغامضة والمفاجآت غير المتوقعة والمعجزات والخوارق لشد اهتمام السامع إليها.

٣. البساطة في السرد. فالشخصيات عادية، والحوادث واضحة، والأسلوب واضح ومفهوم

٤. المعجزات: ترتبط المعجزات في الحكايات التركمانية بالجان والسحر على غرار حكايات الأمم الأخرى(۱۱).

القصة التركمانية المعاصرة

تمتلك القصة التركمانية في تراثها الثقافي الثر عراقة الفن القصصي و أصالته فحكايات (ده ده قورقوت) التي يعود تاريخها إلى القرن الخامس عشر تحتوي على المغامرات الأسطورية عن بطولات التركمان وحروبهم وفروسيتهم كما تتضمن هذه القصص حياتهم البدائية التي محورها الحروب ونزاع سلاطينهم إلى الحكم والسلطة، وتتألف هذه الملحمة  من (۱۲) حكاية. ويقال أن ده ده قورقوت عاش في حياة الرسول (ص)، بينما يذكر البروفيسور (يبنيازار) أنه عاش في القرن الخامس أو الرابع عشر. ورغم أن قصص الملحمة لا تحدد مكانا وزمانا معينين إلا أن هذه القصص التي كتبت باللغة التركمانية تكشف معلومات هامة عن الحياة الاقتصادية والسياسية للتركمان الأوغوز (الغز) ومعتقداتهم الدينية وحياتهم الاجتماعية، والملاحم البطولية لقبيلة الغز (الأوغوز) التركمانية إضافة إلى حكايات (بطال غازي). كما يمكن اعتبار نوادر       (ملا نصر الدين ـ جحا التركي) في الكثير من جوانبها بداية لأصول القصة التركمانية لاحتوائها على العناصر التقليدية للقصة كالأحدوثة والعقدة والحل. كما يجب إن لا يغيب عن اهتمام المهتمين بشؤون القصة اهتمامات الأدباء التركمان، أن ظلت القصة بعيدة عن تلك الاهتمامات بسبب طغيان الشعر على الحياة الأدبية . لذلك لم تتجه جهود الأدباء للاستفادة من تراثهم القصصي و تطوير أساليبها وتقنيتها فترة طويلة من الزمن. ويمكن اعتبار القصص التي نشرت بجريدتي (معارف) و (ايلري) اللتين كانتا تصدران في كركوك باللغة التركمانية في الربع الأول من القرن العشرين نموذجا لبدايات القصة التركمانية. و يمكن اعتبار الأديب فهمي عرب الذي نشر بعض نتاجاته القصصية في تلك الصحيفتين رائدا للقصة التركمانية فلابد من الإشارة أن قصة (بحري مرمره ده مبارزه يي عشق - مبارزة للحب في بحر مرمرة) لمحمود نديم كركوكلي والتي طبعت بمطبعة الآداب في بغداد عام ۱٩۰٩ يعتبر أول نص تركماني مطبوع، وهي قصة حب تنتهي بالانتحار بسبب رفض والد الفتاة زواج الحبيبين. كما أن الصحف الصادرة في تلك الفترة لم تخلو من النصوص القصصية على ندرتها. فقد نشرت صحيفة (معارف) في ۱٩۱٣ قصة (كوزلوك - النظارة) للكاتبة لبيبة كركوكلي. كما نشرت صحيفة (نجمة) في عددين متتاليين قصة   (بلكي كلير - ربما يأتي) لميم رفيق، وقصة (خاير كلمز - لا لن يأتي)(۱۲).

على الرغم من صدور جريدة (الآفاق) في ۱٩٥٤ وجريدة (كركوك) ۱٩۲٦ ـ ۱٩۷۲، وجريدة (بشير) في ۱٩٥٨ إلا أن القصة التركمانية لم تعش صحوتها الحقيقية إلا بصدور مجلة (قارداشلق - الإخاء) في بغداد ۱٩٦۱ حيث بدأت النصوص القصصية (الخطوات الأولى، ۱٩۷٥، دفتر الذكريات ۱٩٨٣، حكاياتهم، ۱٩٨٤).

ساهمت مجلة (الإخاء) في ظهور عدد من لا بأس به من الكتاب اكتفوا بنشر نصوص قصصية دون أن يفكروا بجمعها في كتاب لانعدام دور النشر المتخصصة، وضعف الإمكانيات المادية. وقد برزت على صفحات (الإخاء) نصوص محمد خورشيد داقوقلي، رشيد كاظم الذي يعتبر أول من بدأ بمشروع كتابة عمل روائي (عدالة الرب) إلا انه لم يكمل مشروعه الروائي الهام. كما نشر الدكتور عثمان شنكول عددا لاباس به من القصص في ۱٩٦٣- ۱٩۷۷. و مادمنا بصدد الحديث عن القصة التركمانية لايفوتنا التنويه بأن           علي معروف اوغلو هو أول قاص تركماني طبع مجموعته القصصية (اولايلار قونوشيور- حوادث ناطقة) في ۱٩٦٣ والتي ضمت سبع قصص امتازت بسلاسة الأسلوب و تطور التقنية القصصية، وعلى الرغم من إعلان الكاتب أن الجزء الثاني من كتابه سيصدر تحت عنوان (وحوش المدينة) عن مجزرة كركوك. ورغم نشره سبع صفحات منها إلا انه لم ينفذ مشروعه. وقد ذكر بعد سنوات طويلة في رسالة خاصة بعث بها في رسالة خاصة بعثها إلى القاص والشاعر محمد عمر قازانجي، إن السبب يعود إلى قلة عدد المهتمين بالقصة أحال دون إكمال مشروعه الروائي.

كما ساهمت مجلة (الإخاء) إلى ظهور موهبة قصصية مهمة كان من الممكن أن تحتل مكانة مرموقة في عالم القصة إلا إنها آلت إلى الصمت فيما بعد و أعني بها القاص صباح حسن نجم حيث توقف عن الكتابة بعد أن نشر ثمانية نصوص قصصية، امتازت بجدة موضوعاتها وأسلوبها المتميز. و هي كفيلة بوضعه في عداد كتاب القصة المتميزين.

كما تتطلب الموضوعية منا الإشارة إلى جهود القاص مولود طه قاياجي و نصوصه المنشورة في مجلة (الإخاء) و التي جمعها فيما بعد في كتابه المخطوط (سيلك جهره لر - وجوه شاحبة) لم يتمكن من طبعه حتى الآن ، كما تميز قصص موسى زكي مصطفى بأسلوبه القصصي المشوق.

مرت القصة التركمانية بفترة ركود بعد توقف اغلب الكتاب المنوه عنهم أعلاه عن نشر نصوصهم القصصية استمرت حتى عام ۱٩٨۰ حيث تبعت هذه الفترة صحوة حقيقية تجلت في زيادة عدد القصص المنشورة كما ونوعا في جريدة (يورد - الوطن) الأسبوعية فظهر جيل قصصي جديد يعي أهمية القصة، و يتمكن من التعامل معها أسلوبا و تقنية و موضوعا

أن القصة التركمانية تعتبر بما بلغته من مستوى يدعو إلى التفاؤل. وهي تعمل رغم كل المصاعب للوصول إلى النقطة المضيئة التي بلغتها القصة المعاصرة عامة(۱۳).

إن كتاب القصة التركمانية قحطان الهرمزي،      صبحية خليل زكي، مولود طه قاياجي، حمزة حمامجي اوغلو، عصمت ئوزجان، نصرت مردان، يشار كمال بياتلي، محمد عمر قازانجي،  كمال سليمان بياتلي، متين عبد الله كركوكلي،       جلال بولات، سلمى ابلا وغيرهم يؤسسون اليوم بكل عزيمة صرح القصة التركمانية المعاصرة في العراق.

القصة التركمانية اليوم تسابق الزمن وتختصر المسافات بينها و بين قصص الأمم الأخرى

لتكون جديرة بالانتماء إلى ثقافتها المعاصرة، وجديرة بحمل هويتها الوطنية. 

 

الشعر التركماني

يواصل تركمان العراق عطاءهم الثر في كافة المجالات الثقافية والأدبية، لتأسيس ثقافة إنسانية معاصرة وأصيلة قائمة على تراثهم الشعري والثقافي الموروث والمتواصل منذ قرون عديدة على هدى أسلافهم الذين خدموا الثقافة والأدب والفكر الإنساني.

إلا ان ما يدعو إلى الاسف حقاً هو عدم إيصال مساهماتهم في الفكر والثقافة على مر العصور إلى المثقف العراقي خاصة والمثقف العربي عامة بالشكل المطلوب، رغم كونهم جزءاً لا يتجزأ من تاريخ العراق وشعبه.

    يعتبر الشاعر عماد الدين نسيمي (۱٣۷۰- ۱٤۱۷) المولود بمنطقة - نسيم - بضواحي بغداد، المؤسس الحقيقي للشعر التركماني ومن أكبر الشعراء في تاريخ أدب الشعوب الناطقة بالتركية إلى جانب كونه شخصية بارزة في الفكر الإسلامي وخاصة في الدول الناطقة بالتركية. كما تكشف قصائده التي كتبها باللهجة التركمانية (وهو أول شاعر يكتب قصائده بها في القرن الرابع عشر) إطلاعه الموسوعي على معارف عصره. ويعتبر نسيمي في الوقت ذاته داعية وشخصية قيادية في المذهب(الحروفي).

حينما وضع الشاعر التركماني الكبير               محمد فضولي البغدادي (۱٤٤٨  ۱٥٥٦) توقيعه على الشعر التركماني، قبل أن يوارى الثرى في كربلاء على مقربة من  قبر الإمام الحسين، لم يكن يدري أنه يضع بذرة مباركة في تربة الشعر التركماني العراقي وفضائه. وكان هو بدوره قد ورث الوهج الشعري من الشاعر التركماني العظيم عماد الدين نسيمي (۱٣۷۰ -۱٤۱۷م) الذي ولد في بغداد، وقتل بسبب معتقداته الحروفية في حلب.

 ورث التركمان يرثوا وصالهم مع الشعر، بل من جديهم الخالدين نسيمي و فضولي اللذين يعتبران أعظم رواد الشعر التركماني ليس في وطنهم العراق فحسب بل في شعر مل الدول الناطقة بالتركية . فهم بالأصالة عراقيون يعيشون في العراق منذ عشرات القرون(14).

 لقد ظل الشعراء التركمان وعلى مر العصور أوفياء للأسلوب الكلاسيكي الذي انتهجه هذين الشاعرين. فبرز في القرن الثامن عشر الشاعر نورس قديم، وفي القرن التاسع عشر الشاعر صافي عبد الله، بل إن تأثير هذه المدرسة (الديوان) استشرى إلى عصرنا الراهن واضعا بصماته وأنفاسه في نصوص: خضر لطفي،هجري ده ده، أسعد نائب، رشيد عاكف الهرمزي،  محمد صادق. ورغم التقليدية التي تمتاز بها تلك النصوص إلا أن الانتماء إلى الوطن كان هما مشتركا وتأكيدا للذات. كما في هذا النص للشاعر هجري ده ده (۱٨۷۷ ۲٩٥((15):

وطني فردوس، والغربة جحيم

لن أبيع فردوسي بنيران الجحيم

أباهى بلغتي الدنى

لن أغير ردائي بألف رداء من الأطلس الزاهي

كل (قوريات) عندي مثل أنغام داود

كل قافية فيه بمثابة كوكب عشتار.

      كلمة (قوريات) الواردة في النص أو (خوريات) كما تسمى أحيانا نمط شعري مؤلف من أربع اشطر و سبعة مقاطع صوتية وفق حساب التهجي، موزون و مقفى، ويتسم بالوحدة العضوية، و يعالج موضوعات حياتية. يولع بقوله معظم التركمان الشاعر منهم و الأمي. وهو نمط خاص بالتركمان في العراق ينكبون عليه تأليفا وإنشادا من خلال مقامات مختلفة.

 للشعر التركماني أوزانه الخاصة و التي تطلق عليه اسم أوزان (الهجا) وهي العروض القومية للتركمان والتي استبدلت بأوزان العروض العربية بعد دخول التركمان الإسلام. لكنها استعادت مكانتها مع الزمن. والمعروف أن (مسلة اورخون) وكتاب (ديوان لغات الترك) لمحمود الكشغري اعتمدا على هذا الوزن. وثمة قائمة طويلة من الشعراء الذين يعالجون مواضيع تقليدية ومعاصرة في نصوصهم الشعرية اعتمادا على هذا الوزن و منها : عز الدين عبدي بياتلي،     مصطفى كمال أحمد، علي معروف اوغلو،   محمد عزت خطاط ، حسام حسرت، فاروق كوبرلو، مصطفى ضياء ، صلاح نورس، رضا جولاق اوغلو، سيف الدين بير اوجي.

في قصيدة (وأسفاه) يخط توفيق جلال اورخان (۱٩۰٥- ۱٩٨۱، أربيل) الطابع التقليدي لبعض نصوص هذا التيار:

افتح صفحات من دفتر العمر

ما أتعسني. . أشفق على ذاتي

لا بيت يأويني

ما دمت قادرا على المسير

لتكن القصور لكم

لا تهتموا بظمئي

استمروا في تناول الشمبانيا

لتكن هذه الحياة لكم

تكفيني الدموع في المآقي

اشربوا هنيئا مريئا في هذا العالم

فقط قولوا لنا الوداع

حينما نكون على حافة الموت !

وفي ذات الغاية الشعرية يحدد سعيد بسيم دميرجي (۱٩۰۲ ـ ۱٩٥٦ كركوك) همه في نصه الشعري:

اقبل الخريف، فتساقطت أوراقي

سقطت الحرائق على أغصاني

من غضبي صرت بركانا

احرق لهيبي كل مكان

ليته أحرقك أنت

أيها الوحش. . !

 و مثلما هو الأمر بالنسبة لأية حركة شعرية، فان صراعا في الشعر التركماني أيضا بين الشعراء الذين يصوغون قصائدهم بالقوالب التقليدية، وشعراء يؤمنون بالحداثة والمعاصرة. وقد تمكن شعراء الحداثة والجدة في الشعر التركماني من صنع و إعداد الأسس لثورة الحداثة، ورسم القصيدة الجديدة، وخلق كيانه المتميز، وقاموا ردود الفعل حول القصيدة التركمانية الجديدة. وتمكنوا بذلك من المحافظة على مسيرتها وإغناء تجربتها الإبداعية. كما تمكنوا من رفد القصيدة التركمانية الحديثة بدماء جديدة وتغذيتها بالاتجاهات المعاصرة. وبذلك فان هذه التجارب فان هذه التجارب أخذت تحمل روح الحداثة بعد أن أمتلك أكثر شعرائها وعيا فكريا وفنيا ناضجا، نتيجة اطلاعهم على الحركة الشعرية العراقية و العربية و العالمية عن كثب. ومن شعراء هذه المرحلة:

 نسرين أربيل، قحطان الهرمزي، محمد عمر قازانجي، عصمت اوزجان، نصرت مردان، رمزي جاووش اوغلو، مصطفى ضياء، حمزة حمامجي اوغلو، إسماعيل إبراهيم وغيرهم .

 يعتبر الشعر ضيفا دائم الحضور في معظم البيوت التركمانية وهو كائن ليس بغريب الأنامل والهامة والمظهر عنها ، فكل تركماني معتاد على حضوره ووجوده وليس من المبالغة القول أن هناك فردا في العائلة التركمانية يتعامل مع الشعر (خاصة الخوريات) حسب رؤاه و ذائقته الشعرية.

 واليوم ، فالشعر التركماني ينمو و يؤسس وجوده ، ويسعى للتفرد صوتا و فعلا ووجودا.

والإصرار على كتابة الشعر بلغة قومية صافية ، خالية من التعقيد والغموض المفتعل والتقليد الفج ، يمنح للأصوات الشعرية الحياة والانفتاح على آفاق رحبة جديرة بالانتماء للأصوات الشعرية المسكونة بهاجس الدفاع عن وجودها الحياتي و الشعري معا وهو بذلك يجعلها جديرة باهتمام القارئ العربي عبر حضورها الإبداعي في حياتنا الأدبية الراهنة.      

 المعاصرة و الحداثة في الشعر التركماني تشكلان الخيط المشترك الذي يجمع بين النماذج التي تم اختيارها ولاتعتبر هذه النصوص الشعرية المختارة أفضل ما كتبه هؤلاء الشعراء لكن الاختيار يأتي من عن اعتبار هذه القصائد الأكثر دلالة و شمولية في تجربة كل شعراء. 

إن الشعر التركماني المعاصر كقضية شعر يأخذ مداه مع القصائد الإبداعية لشعراء مبدعين أيضا. وليس صدفة إن جهود الشعراء التركمان المعاصرين هي محاولات مخلصة لتلخيص تطور الشعر التركماني المعاصر وهي في الوقت نفسه ، محاولة مخلصة لرفع حالة الحصار والصمت عنه ، وهي في الوقت نفسه تؤكد المسافة الطيبة المنجزة شعريا في التجربة الشعرية التركمانية.

  إن الشاعر التركماني الذي ينطلق من وعي محدد، يحاول أن يطرح قضية يجند في سبيلها جميع العناصر المتاحة. القصيدة التركمانية مثل أية قصيدة في العالم تحمل دلالاتها ومعناها في تأكيد الحداثة والإدراك باعتبارها دليلا على أصالة الذات الشعرية. وهي أيضا تكشف عن مواقف ورؤى ومبادئ يؤمن بها الشاعر. وبذلك، فالنص الشعري يصبح حجة على الشاعر، وكاشفا عن نواياه و دليلا على مقصده.

الشعر التركماني ولد من خلال المعاناة. وبالمعاناة اخذ ينمو وينضج معانقا التجارب الإنسانية الثرة. وهي معاناة تجلب مضامينها باستمرار من خلال قدرته على اكتناز معان إنسانية ناضجة، موجها أنظاره إلى حافات العالم الأربع.

 ورغم صدور بيان شعري عن جماعة (شفق) الشعرية عام ۱٩٩۰. من قبل الشعراء:

 عصمت اوزجان، محمد عمر قازانجي ونصرت مردان ، فان شعراء هذا التيار الشعري التي دشنوا آراءهم الشعرية بضرورة عدم الانزلاق في متاهات التجريب إلى متاهات بعيدة بل حرصوا على الارتباط عدم الانزلاق في متاهات التجريب إلى متاهات بعيدة بل حرصوا على الارتباط بنسغ الشعر وروحه الحقيقية وإذا كانت الصحراء بالنسبة للبدوي العربي بشكل خاص، ليست مجرد مهاد، يولد ويعيش وينام ويموت فيها، بل هي حقيقة تسكن جسده، كما تسكن فكره ويحمل صحراءه في داخله، فان الإنسان يحمل (الخوريات) في ذاته أينما رحل كهوية خاصة، مؤكدا في الوقت نفسه اعتزازه بالشعر والشعراء أينما كانوا، مواصلا ارتباطه بالشعر معطيا له في منزله، وضمن أسرته مكانة أثيرة للشعر ونصوصه(16).

اليوم لا يزال الشعراء التركمان، ينشدون الشعر مثلما كانوا قبل مئات الأعوام، وسيظلون كذلك إلى أن تقوم الساعة.

سلاما أيها الشعراء أينما كنتم.

 

 

 

مصادر البحث

۱- قلعة كركوك، عبد العزيز سمين، جريدة صوت التأميم، العدد ۷ـ٨، ۱٩٩٨

۲- تراث ومعتقدات المسيحيون التركمان (باللغة التركمانية)، بطرس فرج هندي، العدد الرابع، مجلة صوت الاتحاد، بغداد، ۱٩۷۲

٣ - اغتيال قلعة كركوك، نصرت مردان، مجلة قارداشلق ـ الإخاء، العدد ٥، استانبول، ۲۰۰۰.

٤- قشلة كركوك، مقابلة مع مدير مشروع صيانة القشلة، مجلة قارداشلق ـ الإخاء، عدد حزيران، بغداد، ۱٩٩۰.

٥ - نفس المصدر.

٦ -القشلة التراثية في كركوك، عطا ترزي باشي، مجلة قارداشلق - الإخاء،عدد أيلول، بغداد، ۱٩٨٩.

۷- برنامج (مراسلو الجزيرة)، لقاء مع عبد العزيز سمين، تلفزيون الجزيرة، ۲۰۰۰

٨- خان الهنود (باللغة التركمانية، عبد العزيز سمين، جريدة (يورد ـ الوطن)، ۲۰۰۰

٩- الحياة الاجتماعية في كركوك (باللغة التركمانية)، شاكر صابر الضابط، مطبعة الزمان، بغداد، ۱٩٦۲

۱۰- نفس المصدر.

 11- فنون الأدب الشعبي التركماني، د.إبراهيم الداقوقي، مطبعة الزمان، بغداد، ۱٩٦۲

۱۲- حكاية ارزي وقنبر على ضوء المنهج المورفولوجي، دراسة وترجمة د. محمد مردان، مخطوطة.

۱٣- القصة التركمانية - أحاديث ونماذج (باللغة التركمانية)، د. محمد عمر قازانجي، مديرية الثقافة التركمانية، بغداد، ۱٩٩٤.

14- إطلالة على المسرح التركماني، نصرت مردان، مجلة قارداشلق - الإخاء، العدد أيلول، استانبول، ۲۰۰۰

 

 

15- بدايات الشعر التركماني العراقي  في أرض الرافدين، نصرت مردان، جريدة الزمان، العدد: ٥۷٦ فـــــي ۲٣ /٥ /۲۰۰۰

16- لا تقطفوا هذا القرنفل، نصرت مردان ـ صالح جاووش أوغلو، مجلة (عشتار)، العدد:۲٣ تموز، استراليا.

 

ملاحظة

مجلة قارداشلق - الإخاء، صدرت من قبل نادي الإخاء التركماني ببغداد باللغتين العربية والتركمانية في مايس ۱٩٦۱. توقفت عن الصدور في ۱٩٩۰ بعد أن ساهمت في تطوير الأدب التركماني في العراق مساهمة إيجابية. وتعتبر مجلة قارداشلق التي صدر عددها الأول في ۱٩٩٩من قبل (وقف كركوك) باستانبول امتدادا لها.