|
|
- قصة
قصيرة موعد مع البيك عبدالسلام الملا ياسين
أختلس
النظر يمينآ وشمالآ وهو يتفحص متنيه، هزهما هزآ خفيفآ ليتأكد من أن بدلته الزيتوني
الجديدة تظهر متنيه بالارتفاع المطلوب، ثم تلمس قراب مسدسه عند خاصرته اليمنى وهز
القراب دافعآ اياه الى الامام كي يتأكد من بروزه تمامآ للناظر، ثم امتشق سكارة من
علبة سكائره ماركة سومر (سن طويل) كما تسمى شعبيآ، وبدء ينفث دخانها وهو متكأ على
بونيد التيوتا لاندكروز التابعة للفرقة الحزبية. أه، هل
هذا حلم ام حقيقة؟ تسائل مع نفسه وهو ينتظر بفارغ الصبر رفيقه الجديد، الذي جاء في
معايشة حزبية من محافظة الأنبار الى كركوك. أحقآ أنه سيجلس أمامي اليوم..... خمسة
عشر سنة وانا أنتظر هذا اليوم، واي يوم! أنه اليوم الذي سيجلس فيه البيك ك ك ك
التركماني ذليلآ أمامي أنا، أنا الذي أفنى أبي حياته وهو يحضر القهوة له صباح
مساء..... هذا الـ أبن الـ..... اليوم سأجعله يدفع الثمن باهضآ. رمى
السكارة من يده وداس عليها بحنق شديد وهو ينظر في الساعة، أوه ه ه رفيق صالح، أكل
هذا الوقت لكي تلبس بدلتك الزيتوني! ثم عادت به ذاكرته الى مساء أمس، حيث قضى معظم
الليل وهو يتفكر فيما سيقوله ويفعله مع هذا البيك الوغد الذي يبخس حقوق الفلاحين
البسطاء..... ساصرخ في وجهه، ساقول له أنت لا تساوي درهمآ، أنت مجرد بعوضة، أنت لا
أصل ولا فصل، أنت..... أنت...... أنت..... أحس
بحنجرته تتحشرج وقد تيبست من جراء الكلمات التي تغلي في صدره كمرجل عتيق، فأستجمع
قواه في رئتيه، وشفط ما فيهما الى فمه وبصق على الارض بطريقة مزرية، ثم داس على
بصاقه بالحذاء البوت ودعسها دعسآ قويآ. ثم أمتشط
سكارة جديدة، وعاد ليتكأ ثانية على بونيد السيارة وهو ينفث الدخان على عجل..... لن
أعطي هذا الذي يسمي نفسه بالبيك فرصة لكي يدافع عن نفسه، لن ارحمه حتى ولو ذكرني
بتلك السوالف السخيفة، بأنه اعطى الامان لأبي حين كان مطلوبآ لخلافات عشائرية
واسكنه عنده منذ ذلك الوقت، لن أرحمه حتى وأن ذكرني بدفعه مصاريف دراستي في بغداد
لعدة سنوات........ كل هذا لن ينفعه، لأنه أهان أبي واهان سلالتنا العريقة حين جعل
ابي قهوجيآ عنده كل تلك السنين.......... كان
مسترسلآ في تلك الخيالات، حتى أنتبه الى صوت رفيقه: ـ صباح
الخير رفيق نزار. ـ صباح
الخيرات رفيق صالح. ـ متأسف
جدآ على التأخير، ولكن كما تعرف فأنني بقيت سهرانآ مع الرفاق حتى منتصف الليل بعد
أن فارقتنا انت مبكرآ. ـ هل نستيطع
المغادرة الان، فمدير الناحية ينتظرنا بلا شك، ومعه هذا البيك الوغد. ـ أن لم
يكن لديك شيء أخر نستيطع المغادرة. أستعجل
الخطى الى داخل السيارة وشغل المحرك وهو يردد مع نفسه: واي شيء لدي غير ان اتشمت
بالبيك يارفيقي العزيز. كان
يتمنى ان تتحول التيوتا لاندكروز الى طائرة ميك روسية، كي يصل الى هناك مثل البرق،
فهو لا يريد لهذا الغضب الجارف أن يهدء قبل أن يلقي به كقنبلة عنقودية على راس
البيك، بحيث أنه (البيك) يتعرض للأنفجار مع كل حركة، مع كل رمشة يقدم عليها. كان
رفيقه ينظر في وجهه، وقد شد أنتباهه تشنج ملامحه........ ـ خير
أنشاء الله رفيق نزار، اشوفك مشغول؟ ـ لا لا
أبدآ، كل شي تمام. ـ أنت
تعرف هذا البيك من قبل. ـ منهو؟
البيك؟ أمنين أعرفة قابل، هذا واحد تركماني واني رجال أعربي. ـ لا مو
هاي المسألة رفيقي، يعني قصدي أنتو من نفس المنطقة، فأكيد اكو معرفة سابقة. ـ لا لا،
ما أعرفة ولا شايفة قبل. أحس ان
رفيقه قد اصطاده في لحظة ضعف، فأحب أن يغير الموضوع كي لا يجلب انتباهه الى مسألة
البيك. ـ رفيق
صالح أنت قلت لي أنك دليمي. ـ نعم ـ والله
والنعم....... راح أتشوف أبن عمك المشهداني أشراح ايسوي بهدا البيك التركماني
اليوم. ـ هي
المسألة ما يرنادلهة عركة رفيقي، أحنة عدنة كم شكوى من الفلاحين، وراح نتفاهم مع
الرجال. ـ لا لا
يارفيقي، أنت ما تعرف هذا البيك، هذا فد فواحد حقير ما يرحم أحد، أوشايف نفسه
شوفه، هذولة التركمان مثل السبرنك اذا ما اتخليهم جوه البسطال يطفرون على وجهك
ويجرحونك. ـ يعني
رفيق نزار أنت تعرف هذا البيك! ـ لا لا
بس اني أعطيك نظرة عامة. تبآ
للساني، لقد أصطادني رفيق صالح مرة أخرى! قال في نفسه، ثم انشرحت سرائره، وهو يرى
بناية الناحية بارزة أمامه.......... فردد في قرارته: ـ اليوم
يومك يانزار. نزل من
السيارة واغلق بابها بقوة، ثم أختلس النظر يمينآ وشمالآ وهو يتفحص متنيه من جديد،
هزهما هزآ خفيفآ ليتأكد من أن بدلته الزيتوني الجديدة تظهر متنيه بالارتفاع
المطلوب، وتلمس قراب مسدسه عند خاصرته اليمنى وهز القراب دافعآ اياه الى الامام كي
يتأكد من بروزه تمامآ للناظر، ثم امتشق سكارة من علبة السكائر. كان رفيقه الاخر
ينظر اليه بأستغراب، فبادره: ـ تفضل
رفيق نزار. ـ لا
العفو تفضل رفيقي. احس
بتخاذل كبير صار يغزو كيانه وهو يقترب من مكتب مدير الناحية، فعمد خلال تلك
الثواني الى تذكر كل ما كان يحمله من حقد على البيك طوال خمسة عشرة سنة، وما أن
وصل باب المكتب حتى كانت عيناه تطفر بالشرر، ولكنه لم يجرء على فتح الباب، فنظر في
عيني رفيقه الاخر وقال: ـ تفضل
رفيق صالح. دفع صالح
الباب ودخل، ثم دخل هو وراءه، ولكن ماهذا! أين البيك؟ هذا الجبان لم يحضر خوفآ من
لقائي، تفكر في نفسه. ـ تفضلوا
يارفاق. بادرهم
مدير الناحية. ـ اهلآ
وسهلآ بكم، اوصيلكم على شاي. فبادره
بصوت متشنج: ـ اين
هذا البيك يا استاذ؟ فبادره
مدير الناحية بسؤال ايضآ: ـ من
منكما يدعى الرفيق نزار؟ ـ أنا
الرفيق نزار. ـ في
الحقيقة البيك كان موجودآ عندي قبل قليل، وقد سالني عن الاشخاص الذين يريدون مسائلته
في قضية الفلاحين، فعندما قرات له أسميكما كما وردني في كتاب الفرقة الحزبية، تنهد
البيك طويلآ، ثم طلب مني ورقة وقلم، وكتب على الورقة تنازلآ عن اراضيه للفلاحين
ووقع عليها.... تفضلوا هذه هي الورقة. نظر
الرفيق صالح في وجه رفيقه نزار وقال: ـ هذا
خبر جيد، اذن المشكلة انحلت، والرجل أعطى أكثر من المطلوب. فأكمل
مدير الناحية: ـ في
الحقيقة انني استغربت من تصرف البيك، فانا أعلم ماذا تعني له الارض، فهي كل
مايملك، لذا سألته، لماذا يتنازل عن الارض في حين أن المطلوب منه هو أرضاء بعض
الفلاحين! فأجابني وهو يغادر مكتبي: ـ أنا
أتنازل عن أرضي، سويداء قلبي، فقط كي لا أجلس وجهآ لوجه مع هذا المدعو نزار. بعد
سماعه الجملة الاخيرة، أحس الرفيق نزار أنه لا يساوي درهمآ، أنه مجرد بعوضة، أنه
كمن لا أصل له ولا فصل........ فأنفجر وهو يشتم ويسب ويتوعد البيك، حتى أضطر
الرفيق صالح على أخراجه من مكتب مدير الناحية، وقبل أن يغادر المكتب، التفت صالح
تجاه المدير وقال مبتسمآ: ـ والله
ياأستاذ هذا البيك التركماني اصيل وراضع حليب طاهر. خاص بالموسوعة التركمانية |