العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

كركوك صمام الأمان لوحدة العراق

 

كلمة الدكتور هاشم الشبيب في مؤتمر واشنطن حول الأوضاع في مدينة كركوك

 

مقدمة

 

استبشرت الغالبية العظمى من العراقيين بحدث اسقاط النظام الدكتاتوري في العراق بعد ان عانت كافة شرائح الشعب العراقي الويلات والمصائب جراء السياسات العدوانية الحمقاء التي مارسها ذلك النظام الشمولي البائس ضد منتسبيه اولا ثم ضد شعبه بكل شرائحه ثانيا واخيرا وليس آخرا ضد جيرانه واشقائه والانسانية جمعاء واكاد اجزم بعدم وجود من يكن لذلك النظام البائس الود او الولاء الا زمرة محدودة جدا من الموالين المستفيدين منه وهؤلاء ايضا من كافة الشرائح العراقية وذلك طبيعي جدا اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان ذلك النظام حكم البلاد فكريا وسلطويا لاكثر من اربعة عقود تصاعدت فيها سيطرته على كل مجريات الامور بشكل مبرمج دقيق مستخدما كل الوسائل والامكانيات والمؤثرات لتحقيق هدف عدواني خطير يتماشى مع فكر شوفيني مشوش بث سمومه في كل الشرائح والمكونات.

 

ومن سوء حظ العراقيين ان الانظمة التي توالت على العراق منذ 14 تموز/ يوليو 1958 كانت من سيء الى اسوأ، حيث تحطمت القيم والاطر والمفاهيم الاجتماعية والسياسية وحتى الدينية في اتجاهات مجهولة المسالك متناقضة الغايات، تغذيها و تحميها سياسات معادية للحريات الفردية وحقوق الانسان بل وكرامته، سياسات تعتبر أن ثمن الانسان -اي انسان- لا يتعدى ثمن اطلاقة مسدس في افضل الحالات او سجن وتعذيب لم يشهد له التاريخ مثيلا في الوحشية واللاانسانية والمبالغة في التفنن فيهما.

 

أما الآن، وبعد سقوط النظام خرج العراقيون من سجن عانوا فيه الويلات والمصائب الى غاب يزخر بالوحوش الكاسرة بكل انواعها واصنافها، ووجدوا أنفسهم في فراغ مخيف وانعدام اي شكل من اشكال السلطة بشكل مطلق بعد أن أمضوا خمسة عقود تحت خيمة دولة شمولية وقبضة حديدية..

 

لا جيش، لا شرطة، لا حكومة، لا قضاء، لا شيء على الاطلاق؛ وهم الشعب الذي اعتاد ان يسيٌر دائما، ناهيك عن شرائحه المهمشة اصلا.

 

في هذه الظروف العجيبة والغريبة، والتي لا تتلائم وعظمة حدث اسقاط النظام الذي جاء اصلا بعد اكثر من عقد من سنين الحصار القاسية، قيل لشعب العراق (انك محرر الان ولك ان تختار ما تشاء من اصناف الحكم و و).

 

وجيء بنغمة جديدة كانت تعزف للعراقيين في الكواليس نغمة الشيعة والسنة والاكراد. ويا عجبي من تلك النغمة، فالسنة والشيعة عرب والاكراد فيهم السنة وفيهم الشيعة فما المقصود اذا من ذلك الشعار الذي الحق بنغمة اخرى تناقض كل مفاهيم الديمقراطية وهي المحاصصة والتوافق.

 

كل ذلك اظهر للعراقيين ان هناك شكوكا حقيقية في التزام البعض بوحدة العراق وبالديقراطية والتعددية وحقوق الانسان. تلك الشكوك توجه لنوايا الدولة العظمى التي يعترف اغلبية العراقيين بالشكر لها لمساعدتهم في التحرر من الحكم المتسلط الدكتاتوري. كذلك توجه الشكوك لبعض الجهات العراقية التي تدعي حرصها على وحدة العراق شفويا بينما تجسد ممارساتها الرغبة الحقيقية في الانفصال وطعن وحدة التراب العراقي، اذ أن تعجيل الانفصال يحرمها مما تتمتع به حاليا من امتيازات محلية، اقليمية و دولية، وسنأتي على تفصيل ذلك.

 

العراق بلد التآخي والسلام الاجتماعي

 

تميز العراق عبر تاريخه الطويل، وخاصة بعد حمله الهوية العربية الاسلامية بالتمتع بالسلام الاجتماعي والتعايش السلمي بين مكوناته الكثيرة على اختلاف مشاربها وانتماءاتها.

 

ولم يتعرض السلم الاجتماعي العام للخطر حتى في حالات الانقلابات العسكرية التي حدثت خلال القرن الماضي، والتي ادت الى تغييرات كبيرة على الوضع السياسي..

 

وكانت تلك التغيرات تستهدف دوما بشكل علني او ضمني الحفاظ على سلامة النسيج العراقي الاجتماعي، ولم يجرؤ اي منها على المعاداة العلنية لاي من المكونات، وان كان بعضها قد استهدف ذلك في مرحلة ما الا انه فشل في تحقيق ذلك وبقي النسيج العام موحدا صلبا.

 

ان النسيج الاجتماعي المتناسق والصلب الذي امتلكه ومازال يمتلكه العراق لم تمزقه الظروف او العوامل المتداخلة الخارجية والداخلية، وهو قائم وقوي.

 

ان هناك رغبة حقيقية لدى كل المكونات الاساسية للنسيج العراقي -دون اي استثناء- للحفاظ على وحدته وصيانته والدفاع عنه، ومما يدعم ذلك اننا نرى ان المواطن العادي غير المسيس والذي يمثل الغالبية العظمى يتمسك بوحدة ذلك النسيج اكثر من السياسي الذي تدفعه اهدافه المصلحية الذاتية او الحزبية او العائلية الضيقة الى سلوك طرق وانتهاج وسائل او رفع شعارات تضر بتلك الوحدة و تهدد بتمزقها.

 

كركوكنا اليوم ايتها السيدات وايها السادة هي ذلك الرمز العظيم للتآخي والمحبة والتآلف الذي امتلكه ويمتلكه العراق في الماضي والحاضر. لقد حافظت كركوك وجسدت وحدة هذه البلاد منذ اقدم العصور، حيث ضمت البابليين والاشورين والساسانيين واليهود والمسيحيين والمسلمين... التركمان والعرب والاكراد ...الشيعة والسنة.. الكلدو آشوريين والشبك والازيديين.. وهذا التواجد جاء نتيجة لتفاعل انساني يمتد الى القدم، ولم يكن ابدا بسبب اكتشاف البترول في كركوك لان (بابا كوركور) كما يسميها الكركوكيون او (النار الابدية) سبقت الجميع ووحدتهم بل وصهرتهم مع بعضهم البعض ولم تكن ملك اي منهم دون غيره.

 

في الوقت نفسه، لا ننكر ان بعض التغييرات الديموغرافية قد جرت فعلاً في كركوك بعد اكتشاف البترول وازدهار الصناعة النفطية فيها، مما شجع سكان الاطراف من مختلف القوميات الى النزوح اليها -ومن بينهم الاخوة الاكراد-، الا ان النسيج الاجتماعي الكركوكي ظل موحدا وبقيت سمة كركوك تركمانية كردية عربية كلدوآشورية.

 

هذا الكيان العراقي يمثل نموذج العراق -كل العراق-، ومن الخطأ الجسيم محاولة تسليم مقاديرها ومستقبلها بيد مكون واحد منطلقين من ظرف سياسي غير طبيعي اطلاقا يعيشه العراق ورمزه المسالم كركوك.. ظرف انعدم فيه الامن والامان وانهار الاقتصاد وانعدمت السلطة القوية.

 

ما الذي يجري في كركوك الان

 

بعد سقوط النظام الدكتاتوري الشمولي والانهيار الكامل للسلطة في العراق، تقدمت اعداد كبيرة من البشمركة الكردية باتجاه كركوك واحتلتها. ولم يكن هناك اي وجود عسكري اصلا للسلطة المنهارة، ولم يكن للكركوكيين أي ميليشيات أو منظمات مسلحة تدافع عنهم، فكانت المدينة فريسة سهلة بيد الميليشيات القادمة من خارج كركوك، والتي كانت تستهدف رسم مستقبل جديد للمدينة التي سبق وأن عانت كسواها من مدن العراق الويلات والمصائب ابان الحكم الشمولي الدكتاتوري، ولا أبالغ عندما أقول أنها عانت أكثر من غيرها للاسباب التالية:

 

 

1 - استهدفت سلطات البعث الصدامية المواطنين التركمان وهم الاكثرية في كركوك قبل عام 1957، وانتهجت سياسة تعريب عنصرية فاستقدمت آلاف العوائل العربية المسحوقة اقتصاديا بغية تغيير البنية الديموغرافية للمنطقة باغراءات مختلفة.

 

2 - مارست السلطة شتى الضغوط الامنية والاقتصادية والوظيفية ضد التركمان والاكراد من اهالي المنطقة.

 

3 - اجبرت آلاف الاكراد غير المولودين في كركوك الى العودة الى مناطقهم الاصلية.

 

4 - علقت الحقوق الثقافية للتركمان في اواخر السبعينات واهملتها في الثمانينات.

 

5 - اعدمت العشرات من وجوه و قيادات الجماهير التركمانية لاسباب سياسية.

 

 

اما اليوم، فتفيد التقارير الموثقة الواردة من هناك، ان المدينة تعيش ظروفا غير طبيعية مطلقا، كما ان انفراد الاخوة الاكراد في السيطرة على كل مقدرات وشؤون كركوك يجعلها -كما وصفتها تقارير دولية محترمة وموضوعية- بانها برميل بارود قابل للانفجار.

 

ان الحديث عن تطبيع لاوضاع كركوك ضرب من الخيال في الظروف الراهنة للاسباب التالية:

 

اولا- ان النزوح القومي المنظم لتغيير ديمغرافية المنطقة جاء باجراء احادي حيث تم اصدار 320 بطاقة تموينية للقادمين من الاخوة الاكراد خلال الفترة من 9/4/2004 ولغاية 9/9/2006 بدون ضوابط اصولية ودونما الرجوع الى الاحصاءات الرسمية والتي مازال قسم منها مصون محفوظ بالرغم من حملة التخريب المؤسفة التي تعرضت لها مراكز التوثيق العراقية المختلفة.

 

ويكفي ان اشير هنا الى ان الاخوة الاكراد يسيطرون على كافة الدوائر والمؤسسات الحكومية التي تعمل هناك بدون التنسيق مع المركز، معتبرين كركوك جزءا من اقليم كردستان العراق الذي لم يأخذ شكله القانوني الرسمي النهائي الى يومنا هذا.

 

وفي ظل غياب السلطة المركزية عن كل ما يجري هناك على يد السلطات المحلية، يتم منح اي فرد كردي وثيقة تثبت انتمائه الكركوكي عندما يصدقها المختار ويوقعها شاهدان، والثلاثة من الاخوة الاكراد.

 

 

كل ذلك، دونما الرجوع الى اية سجلات احصائية او الرجوع الى الثوابت التاريخية.

 

وواقع الحال يشير الى ان القائمين بهذا التغيير الديموغرافي انما يطبعون الاوضاع في كركوك بالصورة التي يرغبون بها هم وحدهم ولاغراض سياسية تعمل على تمزيق العراق.

 

ان ذلك لن يكون في صالح اي طرف، اذ أن الوضع الامني غير مستتب، والمواطن يعيش تحت الوعيد والترهيب والتهجير القسري، غير قادر عن التعبير عن رأيه بادراك وامن وحرية.

 

ثانيا- ان العراق يمر بظروف بالغة التعقيد والخطورة، والحرص الحقيقي على وحدة العراق وتجربته الديمقراطية التعددية يستوجب تجنب المواجهات التي تذكيها الافكار القومية الشوفينية التي عانى منها اهلنا في كركوك اكثر من غيرهم.

 

وعلى الذين تعرضوا لسياسة التغيير الديمغرافي بالقسر والاكراه ان لا يمارسوه تحت اي مبرر اوحجة، ولابد لهم من احترام الحقائق التاريخية الجغرافية والسكانية للمنطقة.

 

ثالثا- على الجميع الترفع عن سياسة الشحن العاطفي للجماهير، مما يؤدي الى المواجهة والاصطدام وعامل ضغط سلبي على الحكومة المركزية التي هي في امس الحاجة الى الدعم والمساندة.

 

رابعا- لم يسجل التاريخ نجاح اية عملية تطهير عرقي بالرغم من كل الوسائل المبتكرة لتحقيق ذلك.

 

اتمنى ان تضع القيادات السياسية ذلك نصب عينيها، فلقد عمل النظام الدكتاتوري البائد على تهجير التركمان والكرد والعرب، وغير اسماء الشوارع والساحات العامة والمؤسسات والمدارس والمستشفيات بل وحتى المقابر والحمامات لكنه عجز عن تغيير العقول والقلوب، والتاريخ يمهل ولا يهمل.

 

خلاصة و مقترحات

 

1 - العمل على تخفيف الضغط عن كركوك والمحافظة عليها رمزا للوحدة والتلاحم القومي والديني، لان التغيير الديمغرافي القسري سيكون حتما سببا جديا في خلق صدام قومي، وهذا ما لا يتمناه اي عراقي.

 

2 - تأجيل الاستفتاء حول كركوك لعدم توفر الظروف الموضوعية، وخطورة اجرائه في ظل انعدام الامن والامان وعدم وجود سلطة محلية متوازنة.

 

3 - اعادة النظر بالوثائق الثبوتية والسجلات المستحدثة لتثبيت الحقوق المدنية بشكل موضوعي وقانوني.

 

4 - الاستعانة بالامم المتحدة ومنظماتها المختلفة للاشراف على الاجراءات الخاصة بتثبيت الوثائق المطلوبة.

 

5 - باعتبارها الجهة الاساسية المعنية بالمستقبل العراقي، فالولايات المتحدة الامريكية مطالبة بتقديم الدعم لضبط الاوضاع في كركوك وتجاوز حالة الضبابية والتسيب، واتخاذ الاجراءات الضرورية لحماية الكركوكيين والحفاظ على حياتهم و ممتلكاتهم.

 

6 - الاسراع باعادة تقاسم كافة مكونات كركوك السلطة العادلة في كركوك استنادا الى المعلومات الموثقة قبل انهيار السلطة العراقية في 9/4/2003، والاستعانة بالمنظمات الدولية ودول الجوار، واخص منها الجارة تركيا التي ساهمت بشكل كبير في مساعدة الاخوة الاكراد في مواجهة بطش السلطة الصدامية بعد حرب الخليج الاولى، إلى درجة أن أحد القادة الأكراد المرموقين قد اقترح أيام الحماية الدولية للجيب الآمن في الشمال اقترح أن يصار إلى شكل ما من الإتحاد بين المنطقة المذكورة والجارة تركيا.

 

7 - دعوة القيادات الكردية العراقية المؤمنة بوحدة العراق للوقوف في وجه التجييش العاطفي لدى الجماهير الكردية، ولطرح فكر التآخي والتسامح في ظل عراق ديمقراطي تعددي فدرالي لا يسمح بسيطرة مكون على اخر ولا يكرر ممارسات النظام الدكتاتوري السابق.

 

8 - اعتبار كركوك -في ظل ظروف طبيعية شرعية- فدرالية مستقلة ضمن الوطن العراقي، وعدم السماح بتغيير بنيتها وديمغرافيتها لتبقى كما كانت أبداً هدفاً استراتيجياً لحماية وصون وحدة العراق لأن غير ذلك سيجعلها هدفاً استراتيجياً يستهدف طعن وحدة العراق وتهديد مستقبل المدينة.

 

9 - وأخيراً وليس آخراً، أود أن أشير إلى اتفاقية لوزان الشهيرة التي أكدت على بقاء مكونات ولاية الموصل (حالياً الموصل وكركوك والسليمانية) ضمن أرض الدولة العراقية، وأن لا يسمح بتجزئتها مطلقاً.

 

أشكر لكم حسن الإصغاء...