العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

عطا ترزي باشي وكركوك

 

وحيد الدين بهاءالدين

 

أستاذ الأجيال التركمانية عطا ترزي باشي

 

من خلال متابعة مسيرة عطا ترزي باشي في ساحة الثقافة التركمانية على وجه عام ولاسيما التاريخ والجغرافية، الفن والتراث الشعبي، الأدب والعمران، ثبت لنا تركيزه المستديم على مدينة كركوك طوال ستين عاماً.

ماذا تقول لكاتب ناهض يبدأ مشواره الأدبي والعلمي في صحف عراقية منذ أواسط الأربعينيات الغابرات بمقالات ليست عاطفية ووصفية كما يفعل المراهقون الناشئون من أمثاله، بل بمقالات واقعية وانطباعية عن مدينة كركوك كـ”جسر كركوك” حالة المدارس في كركوك.. الى نواب كركوك الاكارم، عمارات المعارف في كركوك..

شركة النفط تزود المدينة بالنفط وما الى ذلك..

ماذا تعني هذه البداية وهي ذات صبغة صحفية..

إنما عطا ترزي باشي مضى بهذه البداية لا يتوقف، متدرجا باهتماماته، موغلا في كتابه، مفنياً شبابه فكهولته فشيخوخته من اجل خدمة مدينته وقوميته ناهيك ببلده العراق بما كان بوسعه من إرادة وطاقة حتى الراهن من عهدنا وقد جاد فيه علينا الأجزاء الأخيرة الجديدة من موسوعة “شعراء كركوك” و”كتاب” التاريخ الشعري للعمارات والمؤسسات بكركوك.. في حين كانت بين تلك البداية وهذا الراهن أشياء وأشياء..

اجل ماذا تعني هذه البداية الجادة، تساؤلنا مشروع؟ هل هي مجرد مصادفة فرضت وجودها؟ او هي قناعة ذاتية بدوافعها؟

او هي من قبيل “تشبع اللاحق بما هو سائق” كما يقول القدماء؟

او ان هناك ما ليس بشيء من هذا او ذاك او ذلك؟ مهما يكن من شيء من هذا او ذاك او ذلك؟

مهما يكن من شيء فالرأي عندي أن عطا ترزي باشي أصيل أصالة كركوك كيانا ووجداناً زماناً ومكاناً.. واقعاً وطابعاً، كركوك هذه الحاضرة التاريخية هي موطنة وموطن آبائه منبع إلهامه ومعبود ه الذي يعشقه على الفطرة بصدق وعمق فلا يعرف له بديلاً، وعنه نكوصاً، انه على غرار ما يسوقه الشاعر القديم ابن الرومي:

وطني اليت ان لا أبيعه

وان لا أرى غيري له الدهر مالكا

 

وانه على غرار كذلك ما يقوله الشاعر الحديث مصطفى صادق الرافعي:

بلادي هواها في لساني وفي دمي

بمجدها قلبي ويدعو لها فمي

 

إذا أدركنا ان كركوك كانت وما انفكت تشغل مساحة هائلة ولا أقول مطلقة في فكر عطا ترزي باشي وتشكل من إنتاجه المحور الأساسي الذي يدور حوله، فقد اتضح لنا ان بعضا من موضوعاته مثل مقالته “القبانجي وأحكام مقام اللامي” قد أثار هنا وهناك أصداء وردوداً، دافعها أما موضوعي مرحب به، او شخصي مردود عليه، ذلك انه اثبت فيه بالتدليل والتوثيق ان مقام اللامي ليس من ابتكارات الفنان محمد القبانجي كما ادعى على وجه القطع... الإخاء (190/كانون الثاني1988).. كذلك مثل مقالته التي أنا بشأنها هذا الذي اعرضه، رغبت إلى عطا ترزي باشي ان يكتب لصحيفة،”كركوك” هذه التي كنت أحررها وحدي آنذاك موضوعا كالموضوعات التي سبق ان نشرها في أواخر الأربعينيات السابقات كما ألمحت إليه، وذلك عن ما “تحقق وما لم يتحقق” من إصلاحات بكركوك.

إذ كثف عطا ترزي باشي في مقالته، كركوك1390/16 تموز 1954 بالإيجاب على ما تحقق وبالسلب على مالم يتحقق ناهيك بمقترحات منه يمكن الاخذ بها لانها في صالح المدينة وتطوير احوالها عمرانيا واجتماعياً بعد قليل وفي زيارة عابرة لرئيس البلدية المغفور له شامل اليعقوبي وجدته يطلب مني تفادي نشر مثل هذه المقالات في صحيفة “كركوك” التي تصدرها جهة رسمية في البلدية، لئن امتثلت لطلبة انما كنت متعجبا مشفقاً.. على ان في عملي بهذه الصحيفة التي جعلتها بإرادتي ثماني صفحات وكانت أربعا، نشرت لعطا ترزي باشي ثمانية وعشرين موضوعا باللغتين التركية والعربية، هكذا كنا.

 

مشيناها خطى كتبت علينا

ومن كتبت عليه خطى مشاها

 

عبر المد الشيوعي الذي اخذ يرتفع في العراق بعد ما يسمى ثورة تموز1958 وبالذات بعد تمرد الشواف، سيق عطا ترزي باشي إلى المعتقل. حقدا وعدواناً لا لشيء إلا لأنه تركماني ملتزم ومحام محترم وصحفي مسؤول يعالج عبر صحفية “البشير” التي يتولى أمرها قضايا قومه التركمان من حيث السياسة والثقافة، معالجة ايجابية قوامها العرض والتحقيق والتحليل، فإذا هو يلقى على جلاوزة النظام القائم آنذاك وقد اتهم وغيره من التركمان بما ليس فيهم، بتهمة جاهزة هي التآمر والتخاذل والخيانة، نعم يلقى هناك الإساءة والإهانة ولا تسل عن التعذيب.. لكنه ظل صامداً لا يتزحزح عنيدا لا يساوم.. شجاعاً لا يستسلم حتى أطلق وقد تعاظم صلابة و”جلادة”.

ان النظام السابق من خلال حكمه الذي عرّته الحقائق الدامغة المرة وأزالت الوثائق المضبوطة الغطاء عن استبداده واستعباده كان ينظر إلى التركمان لسبب او لآخر بعين الريبة والازدراء ويحول من دون اثبات وجودهم ونيل حقوقهم ثم يضطرهم بكل الطرائق المخالفة للثوابت والشرائع..

في ظل هذا النظام وعطا ترزي باشي يمارس على جاري عادته مهنة المحاماة بكركوك، وكان رئيس غرفتها طويلا، ويزاول في الوقت عينه عمله الثقافي الجامع بين المتعة الذاتية، والخدمة العامة، بينما كان كذلك فإذا مديرية امن كركوك تستدعيه ذات يوم على حين غرة لشأن يعنيها.

هناك بدأوا يحاورونه في قضايا مختلفة من هنا وهناك، واخذوا يحاصرونه طوراً ويستفزونه طورا آخر، عبر الأسئلة المحرجة الموجهة إليه من دون قدرة على إلصاق تهمة معينة به بغية الوصول إلى ما يريدون استنتاجه او التحقق منه او التوقف عنده ثم الخروج من كل ذلك إلى نتيجة مقنعة وموثقة للإيقاع به والالتفاف عليه وإدانته ولو كان بريئاً براءة الذئب من دم ابن يعقوب، حتى إذا خاب رجاؤهم وبطلت حجتهم وسقط رهانهم ساقوا إليه اعتذاراً واخلوا سبيله، هكذا كان وهكذا هو الآن..