|
|
أغرب اتهام في العالم :تهمة التبوغ التركية ! إلى روح المرحوم الأستاذ إحسان
شفيق دميرداغ
د. محمد
عمر قازانجي
البروفيسور
إحسان شفيق دميرداغ ما دمت تركمانياً فممنوع عليك كل ما هو تركي من بضاعة وثقافة فإذا ما أقدمت
على اقتناء قميص تريديه او ثلاجة تضعها في زاوية من مطبخك، او زبدة تتناولها في
الصباح مع أطفالك من دون ان تنتبه إنها صنعت في تركيا، وعلم بها النظام، اتهمك على
الفور بالعنصرية والترويج للبضاعة التركية، وتشجيع تجارتها وتقوية عملتها، التي ربما استفادت منها بشراء
طائرات حربية لضرب المتمردين في أراضيها لتوفير مزيد من الاستقرار لمواطنيها، او
استغلت هذه الطائرات لمهاجمة العراق يوماً، بهذه العقلية المقيتة كان النظام
السابق يتعامل مع التركمان، فما أكثر ما اتهم مواطنون بسطاء أبرياء بمثل هذه التهم
الغريبة، وتم زجهم في المعتقلات والسجون قضوا فيها أجمل أيام حياتهم، ناهيك عن
مثقفين وكتاب كانت التهمة الموجهة إليهم، إنهم يقرأون الكتب الصادرة في تركيا، او
الكتب التي تتحدث عن تركيا، تاريخها وثقافتها وآدابها، رغم ان هذه الكتب كانت تدخل
العراق بموافقة الجهات المسؤولة عن الرقابة على المطبوعات، و التي لم تمارس مهامها
النبيلة (؟) يوماً على أية مطبوعة، بما فيها تلك التي كانت تطبع على حساب
الصهيونية وتروج لأفكارها مثلما مارستها على المطبوعات الصادرة باللغة التركية، او
المطبوعات التي تتناول القضايا التركية. لعل البعض يجد في هذا السلوك أمرا بديهيا،
لنظام اعتمد القهر وسيلة لتهميش جميع فئات الشعب العراقي، ومنهاجاً للصهر القومي
للقضاء على القوميات وفي مقدمتهم التركمان منذ استلامه السلطة سيرا باتجاه تحقيق
رسالته الخالدة في امة عربية واحدة.. أكثر التهم غرابة غير ان اشد التهم غرابة، وأكثرها إثارة للدهشة تلك التي وجهت إلى الأستاذ
الجليل الدكتور إحسان شفيق دميرداغ، الذي وافاه الأجل قبل أيام اثر مرض عضال ،لم
يجد في الوطن الجريح من علاج يسكنه بعض الوقت فراح يبحث عنها هنا وهناك حتى وافته
المنية في سوريا وهو في طريقه إلى لبنان في موعد مع طبيب. كان المرحوم قد حصل على شهادة الدكتوراه من إحدى الجامعات الأمريكية فعاد منها
ليخدم الوطن مخلصاً أستاذا في جامعة السليمانية ومن ثم في جامعة صلاح الدين في
اختصاص الفايروسات النباتية، ولا سيما تلك الفايروسات التي تصيب التبوغ وتسبب في
تلفها وبالتالي في خسارة اقتصادية هائلة فتخرج على يده عدد غير قليل من الملاكات
الطبية التي توزعت في الجامعات العربية والعربية ليضطلعوا بمهام التدريس والبحث
العلمي على خطى أستاذهم الفاضل. فوجئ المرحوم ذات يوم بأمر نقله إلى جامعة القادسية الفتية حينها، فشعر ان هذا
النقل ليس إلا نفياً له إلى خارج حدود منطقته، وإبعادا إلى حيث لا يستطيع التواصل
مع أهله ومحبيه وأبناء قوميته، لكنه كان مجبراً للرضوخ لهذا الأمر، لاسيما وان
النظام في ذلك الوقت كان في أوج بطشه ،وان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
كانت مناطة إلى وزير يتعامل مع كناسي الشوارع ومنظفي الأزقة حتى وقت قريب، ألا وهو
سمير الشيخلي، فلم يكن مراجعته والاستفسار عن أسباب هذا النقل المفاجئ أمرا هيناً،
لا لعدم شجاعة المرحوم او جرأته وإنما خشية ان يصدر من الوزير ما يهدر كرامته، او
يجرحها بما عرف عنه من تعامل فض مع أساتذة الجامعة واستخدامه اشد الألفاظ قذارة مع
من حوله، حتى قيل انه خطب رؤساء الجامعات ذات مرة بالقول: “او ليس حرام عليكم ان تجلسوا
في هذا الجو المريح وتتمتعوا بهذا التبريد، وجنودنا يقاتلون في جبهات القتال” فأمر
بانطفاء مكيفات الهواء وإغلاق النوافذ في صالة اجتماع مجلس الوزارة ،التي عادة ما
يحضر جميع رؤساء الجامعات وذلك نقلاً عن الدكتور غني شالي رئيس جامعة صلاح الدين
في حينه، من هنا فضل المرحوم إرجاء التحدي عن أسباب نقله إلى ان جيء بوزير آخر هو
همام عبد الخالق فطلب مقابلته فكان له ذلك. وبانت الحقيقة حين طلب الوزير ملف المرحوم وبدأ بتصفحه وتوضيح ما يقرأه بين
سطور التقارير المكتوبة عليه: انك يا دكتور إحسان متهم بممارسات عنصرية فجميع الدراسات التي أجريتها إلى الآن
تخص (التبوغ التركية) والفايروسات التي تصيبها، ثم يستدرك الوزير
الموقف، ويرفع رأسه إلى المرحوم مستوضحاً: " ما علاقة هذه بتلك.. اقصد ما علاقة الدراسات التي أجريتها بالممارسات
العنصرية.. ما علاقة الفايروسات بها..؟ " فيجيب المرحوم بهدوءه المعهود: " ربما لأنني تركماني وتلك تبوغ تركمانية.. اقصد تركية.." يتذكر الوزير على الفور بفعل
اختصاصه، ان التبوغ التركية صنف من التبوغ العالمية، شأنها شأن التبوغ الفرجينية
الشائعة، فيشعر بمدى الغبن الذي لحق بالمرحوم ويأمر بإصدار نقله إلى بغداد، و
تحديداً إلى الجامعة المستنصرية، وبرغبة من المرحوم، فيعود إلى بغداد ليزاول نشاطه
التدريسي والبحثي في كلية العلوم بجهد متميز هذه المرة أيضا، ويبرز بين زملائه كما
في كل مرة، ويصبح عميداً للكلية بعد الاحتلال، لكن اصابته بمرض عضال يحول دون
استمراره في الوظيفة فيحيل نفسه على التقاعد ليتفرغ لمرضه باحثاً عن علاج . رحمك الله يا استاذنا الجليل وأسكنك
فسيح جناته، وألهمنا على فقدانك الصبر والسلوان...! |