العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

(دوغوش )، أول صحيفة تركمانية معارضة لنظام البعث البائد

 

نصرت مردان

 

 

 

عقب سحب النظام السابق مؤسساته ودوائره من أربيل في 1992 ، تغير منظر في المدينة تماما .فبين ليلة وضحاها احتلت الأحزاب المباني الرسمية ،ورفعت فوقها أعلامها وأعلنتها مقرات عامة لها .

وحدهم التركمان لم يكن لهم وجود في هذا الجو الصاخب ،وكان ذلك يؤلمني حقا ، فقد كنت الأستاذ التركماني الوحيد في جامعة صلاح الدين بعد أن ترك معظم الأساتذة من غير الأكراد عملهم تلبية لنداء النظام السابق  .

فكرت في نفسي مادام كل من هب ودب يستولي على بناية ويعلنها مقرا للحزب الذي ينتمي إليه. . لماذا لا أقوم أنا أيضا باحتلال بناية وكتابة اسم حزب ما يمثل التركمان ، مادام لا يظهر في الأفق حزب يقوم بذلك ، خاصة وان أربيل هي المدينة الثانية التي تضم كثافة سكانية تركمانية! .

في إحدى زيارتي إلى كركوك ، التقيت كالعادة بالدكتور سعدالدين أركيج (رئيس الجبهة التركمانية العراقية حاليا) ، وبدأنا في سيارته نتحدث ونتناقش حول الأوضاع السائدة في أربيل ،وعدم وجود تحرك تركماني في أربيل حتى بعد انسحاب القوات العسكرية منها .  ابتسم الدكتور سعدالدين وأوصاني بالصبر ،مؤكدا أن الحزب الوطني التركماني العراقي سيتصل بي قريبا ، والمطلوب مني الإشراف على إصدار صحيفة الحزب في أربيل .

عدت إلى أربيل وأخذت أنتظر . كانت الأيام تمر ثقيلة كالرصاص ولم يكن أمامي غير الانتظار. في عصر يوم أيام 1992 ، وأنا غارق كالعادة بين الكتب في مكتبي، أبلغتني زوجتي ان ثمة ضيوفا . دخلت الصالة فهب الأخ صباح عزيز والصديق قاسم قازانجي إلى معانقتي بلهفة رغم إنني كنت أراهما لأول مرة ، قدم الأخ صباح نفسه كرئيس للحزب الوطني التركماني في أربيل ، وبأن الخ قاسم هو مسؤول إعلام الحزب . أما البقية الباقية فكانوا من أصدقائي الشعراء بأربيل: أسعد أربيل وحسام حسرت وعدنان القصاب  .

أخبرني الأخ صباح ،أن قيادة الحزب الوطني التركماني العراقي قد كلفته للاتصال بي من أجل قيامي بإصدار صحيفة خاصة بالحزب الذي سيواصل نضاله ضد نظام صدام القمعي من أربيل ( المحمية دوليا) .

انتابني فرح شديد وقلت في نفسي " ها أن الحلم يتحقق . ثم حضر إلينا الدكتور محمد عمر قازانجي ، وكان يسكن في نفس الحي الجامعي الذي كنت أسكنه. وكانت المفاجأة كونه على معرفة قديمة بكل من الأخ صباح عزيز، الذي أمضى عشر سنوات من السجن في معتقل ( أبو غريب) ، وتم الاتفاق على إعداد اجتماع لدراسة الأوضاع وتقييمها وتحديد الإمكانيات لإصدار الصحيفة .

في الاجتماع تم التوصل إلى قرار حول إصدار جريدة شهرية بالنظر لضعف الإمكانيات المالية للحزب على أن يصار إلى إصدارها اسبوعيا عند تحسن الوضع المالي . وتم اختيار اسم ( دوغوش ـ الشروق)  وهو اسم النشرة التي أصدر  منها الأخ قاسم قازانجي عددين بإمكانيات متواضعة عند تواجد الحزب بمنطقة ( شقلاوة) في 1991 .

كانت المهمة الأصعب هي العثور على مطبعة. كانت الفترة تمتاز بالحساسية المفرطة وانتشار القلق بين المواطنين في أربيل ، حيث كانت الشائعات تدور على أن صدام الذي ابتعد عن المدينة عدة كيلومترات ، من الممكن أن يهاجمها مجددا ، وكان الجميع يعيشون هذا الهاجس .

لم يكن أي حزب في تلك الفترة تسيطر على المدينة سيطرة كاملة بل كان هنالك نوعا من الضبابية ، على الرغم من التواجد المحسوس للاتحاد الوطني الكردستاني . وكانت مطبعة ( الجامعة) التي كانت تابعة لرئاسة جامعة صلاح الدين ، ومتخصصة بطبع البحوث العلمية وبعض الكتب المنهجية ، قد أصبحت تحت سيطرة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني ، تحت إشراف صديقي المرحوم الدكتور محمد فاضل القفطان ، الذي كان يمتاز بشخصية مرحة ، لا يمكن لم يراه إلا أن يحبه منذ الوهلة الأولى . كما كنا زملاء نعمل في نفس الكلية ( الإدارة والاقتصاد) .أنا في قسم الإدارة وهو في قسم الاقتصاد .

بعد فشلنا في العثور على مطبعة ، حيث لم تكن هنالك إلا مطبعة تابعة لنقابة العمال ، وكان قد استولى عليها الحزب الشيوعي العراقي ( آنذاك ) قبل انقسامه إلى عدة أحزاب . فكرت في مفاتحة الدكتور فاضل القفطان ، وكنت معتادا على التنزه معه في شوارع الحي كل مساء . في مساء ،قررت مفاتحته بموضوع طبع الجريدة . سألته إذا كان بالامكان طبع جريدة ناطقة باسم الحزب الوطني التركماني العراقي ، في مطبعة الجامعة التي يشرف عليها .

وقف للحظات محدقا في ظلمة المساء التي كانت تنيرها أضواء عمود الكهرباء. (وللحقيقة والتاريخ وليس مفاخرة)  قال لي بالحرف الواحد :

ـ أصارحك القول وأقسم لك بالله العظيم لو أن رئيس حزبي جلال الطالباني والدكتور مظفر أرسلان قدما لي هذا الطلب لرفضته فورا ، وكنت سأتعلل بعدم وجود فائض من الورق والحبر والبليت ومواد تحميض الصور وغيرها ..وكل ذلك صحيح لأننا نعاني من شحة مواد الطبع التي تأتينا بأسعار غالية عن طريق التهريب من إيران ، أضف إلى ذلك بأنه ليست من مصلحتنا طبع جريدة تركمانية .

كان يبدو انه لم ينه كلامه ، ابتسم وهو يقول لي :

ـ ولكن مادمت أنت في الموضوع فلن أستطيع أن ارفض طلبا لك .. المطبعة في خدمتك .

شكرته كثيرا على موقفه النبيل ، وبدأت بإعداد العدد الأول .

كنا نجتمع اسبوعيا ، وللتاريخ أقول أيضا ، بأنه لم يكن للإخوة أسعد أربيل وحسام حسرت وعدنان القصاب أية مساهمة في الجريدة ، ولم يكتبوا فيها حرفا واحدا باستثناء الأخ عدنان القصاب الذي سلمني عدة مقطوعات من ( الخوريات ) لم تكن من تأليفه لنشرها. وكان الإخوة يمثلون ( نادي الإخاء التركماني ) بأربيل . مؤكدين ان حضورهم  هو حضور معنوي يعكس تأييد النادي للحزب .

وكنت أتفهم وضعهم فهم كانوا لا يريدون التورط والكتابة في الجريدة ، حتى لا تستعمل كوثيقة ضدهم عند دخول قوات صدام الى أربيل كما كان يشاع بشكل متواصل من قبل العامة .

ولا بد لي هنا أن اذكر ان الدكتور محمد عمر قازانجي وقف بقوة معي وكتب في العدد الأول عدة موضوعات . ولن أنسى لهفته لقراءة العدد الأول في اليوم الذي حدد لصدوره ، حيث بقيت في ذلك اليوم في المطبعة من الصباح الباكر وحتى ساعة متأخرة من الليل . وقد أخبرتني زوجتي بأنه حضر عدة مرات إلى بيتي وهو يسألها مازحا : ألم يأت الوليد بعد ؟

لكنه ما لبث ان اضطر للذهاب إلى بغداد بعد صدور العدد الأول ، بسبب خطورة وحساسية الأوضاع في أربيل . وحمد لله ان سلطة النظام البائد لم تنتبه إلى تعاونه معي في إصدار الجريدة؟

كنت أقوم بإعداد ( دوغوش) من الألف إلى الياء  وقد لا حظت ان العبارة التي حرصت على تثبيتها في واجهة الجريدة " دوغوش، جريدة الحزب الوطني التركماني العراقي ، لسان حال مليونين ونصف مليون نسمة من تركمان العراق " يثير الإخوة الأكراد ، حتى ان المرحوم فاضل قفطان عبر عن ذلك مازحا :

ـ ماموستا .. إذا كان عدد التركمان هو مليونين ونصف مليون نسمة ؟ فكم هو عدد سكان الأكراد في العراق إذن؟ " .

رددت عليه بنفس اسلوبه المزاحي :

ـ وماذا في ذلك يا دكتور .. اكتب الرقم الذي تريده عن عدد الأكراد في العراق ..أربعة او خمسة ملايين فلن (نزعل) من ذلك !

وثمة حقيقة أرى نفسي مرغما على ذكرها علي أن أذكرها ، وهو نبل اخلاق المرحوم الدكتور فاضل القفطان ، فهو لم يطالب بتكاليف طبع الجريدة مني، رغم أن الدفع كان يتأخر أحيانا شهرا أو أكثر من تاريخ صدور الجريدة .. فهو لم يكن يعرف أحدا غيري ، ولم يسع إلى مكتب الحزب للمطالبة بحقه عند تأخرنا في الدفع . وكما قلت سابقا ، ان الإمكانيات المالية للحزب الوطني التركماني في بدايات تأسيسه في أربيل كانت ضعيفة للغاية .

ولم يخلو الأمر عند إصدار ( دوغوش ) في أربيل من طفيليين وأميين ، كانوا يرون الجريدة بأنها (جافة) لانصرافها إلى الشؤون السياسية وتحليل أحداثها وتحديد موقف تركماني إزاءها ، وخلوها من الصفحة الرياضية والكلمات المتقاطعة . فكان جوابي لهم " هذه أول جريدة سياسية للتركمان ، نطرح من خلالها مواقفنا وتاريخنا ونضالنا وتضحياتنا وتراثنا كأمة عريقة . . أما إذا كنتم تبحثون عن الرياضة والكلمات المتقاطعة وحل الألغاز فدونكم والمكتبات .. ابحثوا فيها عما يسليكم ، أما في ( دوغوش ) التي نصدرها بإمكانيات مالية ضعيفة فلا مكان لهذا الترف !

  عند طبع الجريدة ، التي كانت تطبع 3000 نسخة، كنت أقضي أياما والى ساعات متأخرة في المطبعة بعد أخذ إجازة من الكلية ( لأسباب مرضية ) .هناك رأيت الكمبيوتر لأول مرة ، وجلست مع الموظفة المختصة بالكتابة على الكمبيوتر أقرأ لها المقالات في الجريدة التي كانت تصدر باللغتين العربية والتركمانية، لتقوم بكتابتها . وشاهدت خلال هذه الفترة كيف ان الكتابات تظهر بعد تحميضها كالصورة تماما ، كما تابعت عملية التصميم من ألفها إلى يائها . وقد ساقتني الصدفة السعيدة للتعرف على إنسان رائع خلقا وخلقا هو الأخ عبدالقادر علي مردان ، الذي عمل كمصمم في جريدة ( الجمهورية ) ببغداد قبل انتقاله إلى أربيل . وقد تطورت أواصر الصداقة والاحترام المتبادل بيننا . حيث علمت أنه نجل المطرب الكردي المعروف علي مردان ، الذي بدأ حياته الغنائية بالغناء في كركوك مع أساطين الغناء التركماني ومنهم رشيد كوله رضا . حيث ان له اسطوانات باللغة التركمانية ومنها اغنيتيه المعروفتين ( ليلانلي قزى ) و ( آمان عشه ) . وقد ترك كركوك متوجها إلى بغداد عقب تأسيس القسم الكردي بإذاعة بغداد واختياره رئيسا للقسم المذكور .

وقد ذكر الأخ عبدالقادر ، أن والده ظل يحتفظ بالود والحب تجاه التركمان حتى أواخر حياته ، وانه أوصى بأن يدفن بقرية ( ليلان) التركمانية مسقط رأسه .

حرصت منذ العدد الأول أن تكون الجريدة معبرة عن تطلعات وأماني الشعب التركماني ، وعن موقفه من التطورات السياسية ونظرته المتآخية إلى جميع القوميات في العراق .

بعد فترة انقطع كل من كان معنا من حضور الاجتماعات الخاصة بالجريدة ، وخاصة بعد أن تم تعيين الأخ جمال شان مسؤولا للأعلام . لكنني ظللت وبعناد حريصا على الاستمرار في إصدار جريدة ( دوغوش)، أسهر تحت ضوء الفانوس حتى ساعات الفجر لإعداد صفحاتها .

في نيسان 1993 تم اختياري مندوبا عن الحزب مع 30 زميلا للمشاركة في المؤتمر الأول بأنقرة ، بعد انتهاء المؤتمر لم اعد إلى العراق ، وكنت قد أخبرت الحزب بذلك مسبقا . ظللت في عملي بمكتب الحزب بأنقرة مستمرا في إصدار ( دوغوش ) . وكم كان استغرابي كبيرا حينما فوجئت بأحد قيادي الحزب يطلب مني رفع عبارة ( لسان حال مليونين ونصف مليون نسمة من تركمان العراق ) بحجة ان جهات حزبية كردية أبلغته انزعاجها من هذا الشعار ! فاضطررت مرغما إلى حذفه .

لم انقطع عن الجريدة إلا بعد انتقالي للإقامة مع أفراد أسرتي في معسكر ( سيلوبي ) للاجئين العراقيين .حيث تحملت ظروفا معيشية قاسية للغاية لمدة عام كامل قبل قيام الحكومة السويسرية بمنحي حق اللجوء .

بعد وصولي إلى سويسرا ، انقطعت كل صلتي مع الحزب الوطني التركماني العراق ، فلم يتصلوا بي ، وبدوري لم أتصل قط بأحد منهم . لكن اهتمامي بالقضية التركمانية ظلت متوقدة ولا تزال،  دون أن يعني ذلك ارتباطي بأي حزب من الأحزاب الموجودة في الساحة العراقية .

أشعر الآن بسعادة مشوبة بالمرارة عندما أتصفح في أرشيفي أعداد جريدة ( دوغوش ) التي منحتها وقتي وجهدي وإخلاصي .ولا أخفيكم بأنني أشعر بالرضا عن نفسي ، فلقد حرصت أن أكون متوازنا في كتاباتي كما في حياتي الخاصة .