|
|
بريد
كركوك الذاهب عشقا فاروق مصطفى
نصوص كركوكية
2007
اسم الكتاب / بريد كركوك الذاهب عشقاً الشاعر / فاروق مصطفى التنضيد الطباعي وتصميم الغلاف / مكتب المعين للحاسبات تاريخ ومكان الطبع / كركوك – 2007 لوحة الغلاف الأمامي / الفنان فرج عبو اللوحات الداخلية / الفنان فخري جلال (( لقد كنت في العشرين ولكن لن أسمح لأحد أن يقول بأنه أجمل أعمار الحياة
)) بول نيزان كاتب فرنسي (( أيها الغريب ... يا عابر السبيل إذا مررت بيّ وكنت تريدُ أن تتحدث معي
... فلماذا لا تفعل ؟ أني أيضاً أريدُ أن أتحدث معك )) والت ويتمان صاحب أوراق العشب (( ليس هناك شيء دون طائل وما من أحدٍ يصل في الحياة إلى أي مكان أننا نمشي
وحسب ))
ايزابيل الليندي في كتابها ابنة
الحظ عزيزي فؤاد قادر هذا بعض من كلماتي تأتيك بلا بريق ولا ضجة ولا أضواء ، آمل أن تصغي إلى
حفيف أنفاسها وبكاء ضحكها ودبيب كهولتها وأن تراها بقلبك وإذا أحببتها فأنت تقيتها
وتلبسها رداءً من العزاء فهو مأمولي ومحط مقصدي في هذا الزمن القاحط . فاروق مصطفى
مُفْتتح لجِسدي الشائخ أستيقظُ عند حافات
"جرت ميدان" ، أجدُ مقاهيهاً تَتَسَلْفَنُ بسحائب بيضاء، وأجد نفسي
ملتقطاً نهراً خائفاً من خرائط طفولاتهِ الحصوية . أتكيء على نشيج ٍ يلسعُ ذاكرتي
البلهاء ، أتقدم صَوْبَ مَقطن ٍ يختفي تحت التوتةِ الساخرة . شَجرةٌ لا تشيخْ وَقلب يتعرى ، يتقمصها أيها الصباحُ المدحرجُ في مقامَصِ الرياح في هذه القَدْمةِ المهشمة من يحتفي بِجسَد ٍ يتشظى ؟ يتصعلك قطاف أيامه العرجاء جَرس يَحنُّ وخريف
يَتمسحُ بخاصرةِ " تَعليم تَبة " ، وأَرى التلَّ يهبط وأراهُ يصعدُ
مُفهرساً قبوره البيضاء ، يملؤها في غِرارة ٍ ، يحملها مهرولاً في البساتين
المذبوحةِ بسكاكين النسيان . وأعلمُ أنتَ تذكاري تذوّبُ النهار ، تدحرجُ الأيام لم يبقَ لي إلا أنْ أتأبط الصراخ وألقي بَوحْ قلبي الدفين أيتها المصاطب الشائخة النابحةُ الهزيلة الأعناق جَسد يليق بنسْغ ِ شيخوخته ِ القانطة وأنتِ تفتحين غَسقاً يمرُّ وشتاءٌ يمن كتاباً ذبيحاً تقرؤون فيه مرثيات تُرْكَلُ لأطفالِ الدفلى وغاوياتِ الغمامْ كركوكاي كركوك تخطو من يَميني كركوك تخطو من يساري أتنفسها سرْباً من إناث ٍ يَسرحنَ على تلال ِ جسدي يُخضبْنَ بالحناء مَحْلمَ دِفْلايَ تفتحونَ قلبي يُدَحْرَج منه شاعر جَوّال فقير في طريقهِ يعثر أشجاراً تنادمها أرياح الشتاء يُبعثر الأيام ، أعناب الضباب يتسول حاشية النهار يتسلق أقدامَ الغبار كركوكايَ سأهتدي بنسغكِ البواح وأقولُ لِنزف أبوابك الخشبية إن الحبرَ يُضّببُ الطرقات وقوت يمن على قلبي بالصراخ وأنا أتأبط كهولتي الصغيرة رغفانها المشتية تتصعلكُ قطاف امرأة تقطنُ مَعشبَ غيمةٍ داهشة إلى جان دمو([1])
متسكعاً عند ضفاف الناصرية أنا هنا أمضغُ الأحلامَ والأوراق وأنت خلف نافذة المساء نترقبُ البريد أنا وأنت نترقبُ البحرَ والنقاء أنا هنا في غرفةٍ تختفي في عباءَة النهار وانت هناك تفترش الأرض والأحذية الثِقال وبينهما هذا الليل ،لا يعرف الانتهاء وكحائرين أمام بوابات الشتاء نحلم أن يندس الدفء إلى قلبينا لننصب للأمطار القادمة مآدب العصافير أيها الأنسان البعيد يا صديقي 1965 جان دمّو يَقْتَعِدُ غَيْمةَ المَقْهى في عروجهِ الأخير لقلعةِ الأدمان والهوى يعثر غَيمة خضابها الأمين كركوك وعشاقها المؤججون يضيعُ في أفيائها أوراقة السرية مدثراً قلبه الهزيل بضبابةٍ أخفاها في عُبّه المثقوب يريق سبابه الزنيم على أوجهِ صحبهِ القانطين هذا السِبابُ الآثم يفصح ولا يتفاصح اللِسان جان يقتعد غيمة المقهى محتسياً قهوة المساء يتعكزَ الغسق الهابط وقمصانه أسْماُلهُ الملوكية يكتب قصيدة القطار في دفاتر تهرّبُ الخمر المَمْسوَسَةُ عن أسطرها الحبر جان دمو يَهبط من موته السَعيد
أراكَ تهبطُ كركوكَ من موتكَ السَعيد ويداك تسوطانِ ضحكاتك المشجرة تكوّمْ أسمالك الملوكية لتحتفي المدينة وتشغف مباهجها المدورة أصابعك تهرأت في رَتْقِ وَجدها وخاطت ضباباتها المتكسرة ولا تليقُ إلا بشجنٍ يُرْكَلُ عند الأرصفة التعبى يا أيها الضائع الأبدي ما زلتَ تفهرس المدينة مقاهيها المؤججة بأحزانها الصغيرة وطرقاتها المغزوة بندامى الغبار ها هي كركوك تنهض في حبك الشتوي تخضب آساك وأنت تقرع نخبكَ الأخير لتسولات أستذكارها الأسيان وتقطف صعلكات غيماتها المدفلة نهر يتأبط مَجراه ويعدو نحو قطار يضيع صوته بين أضلعنا والرياح . مَمادي[2].. الفرشاة
الأمينة مَمادي وفرشاته الأمينة تعانق كركوك الزيت حزنهُ الوحيد عادت الخمرة لم ترتفع كأس في مائدة رَصيفي لأنّ الأشياء يا ممادي تبقّعُ الوجه بالأضداد مَمادي يخضبُ حزنهُ القطار يشجرُ النهار على أهداب ريح في قَدْمتها تعوي عواءَ طويلاً كغناء الشتاء يدس في أضلعي برده الثاقب صائفة 1968
قصيدة وفاء إلى أورخان وَلي ([3]) في قيصريةِ كركوك وتحت سقائفها الماتعة البيضاء رأيته هناك " أورخان " يحممُ غِزلانَ وحدتهِ الشاردة وبصمتهِ الراعف يقيمُ وحشته الهانئة يتقهوى شايةَ الصباح وكركوك أطفال من دفلى وصِياح يتكسر في كرنفالٍ مجففٍ حزين وأنت قلب يدحرجُ ضبابَ آساه في طرقاتِ الخبز ومرايا الماء لا مهربَ ولا عزاء وإنما تخبز وَحدتك النازفة في جرار تتصعلك حفاوة النسيان
لوركا عندما أسمعُ القيثارة يالوركا تسقط الأنهار والأشجار في البكاء وأسمع – غرناطة – الوجد يأكلها تأتيني وتقذف الأزقة الأندلسية في طرقات السحاب تغزلني روائح الناس الأسبان تغزل بضع كلماتٍ عن قافلة الغجر الصغار عن الموت الجاثم عن صُلْبان أطفالٍ تشوهت وجوههم وإذ أرشف القهوة ، أقاسم الخبز طيور الصباح أرى الفجر خيوله تعدو بالسياط يُلهبُ ظهرُ الجنوب يُغْتال الغناء والقرنفل والفلامنكو في غرناطة الأندلسية ماذا يقول
النهر للأطفال يا (لوركا) ؟ ماذا يقول النهرُ للأطفال يا لوركا . أسبانيا شمسٌ متروكة في الساحل المائت تهجرها العصافير في النهارات من يمنح الأطفال في حيفا ؟ سلة من القمح ، حفنة من الزبيب ووجهك نهر تدعوه المياه للرحيل إلى مدنٍ ينادمها النعاس يبقى النهر حالماً بغابة الأشجار الربيعية أسبانيا : برتقالة ووجه وقيثارة وجد وحائط في ليل أعتم تُصلبُ إليه ، وعيناك شرار وقدماك على عنق الجلاد × × × × من نوافذ القاطرة البعيدة عانق الورد القيثارة وعدا ثور هائج وأحرقت كتب وأغاني كان الملعب خالياً ، وكانت على أرضه بقايا دماء للسلم الخشبي بين الشارع والحانة توهجت أكف وقامت عيون غسلَ الباب صياح وجه لوركا شرار أمطر الوجه فوق السطوح المواربة 1973
هل
تذكر صمتَ غرناطة يا بابلو نيرودا ؟([4]) تغني أيها الصديق تأتي معنا الأشجار وحزم المناديل البيضاء والسنونوات الخائفات وإذ يبلى قلب يتدحرج ألف قلب على الحجر تصبحُ في الأهداب المشمسة كنا معاً أيها الصديق ، هل تذكر غرناطة الحزينة؟ كان فيها المطر ، كان البكاء في الشرفات التي تقلص فيها الورد في أسبانيا ، آه تذكرُ مظلاتنا البيضاء ، نشرناها ، سْرنا في المطرِ سقط الواحد منا يميناً يا بابلو لم تتغير في عيوننا رُقعة الورد رأس أسبانيا ينشجُ في الثلج والزيتون المائت في بوابات غرناطة الحزينة الثور والمصارع قد يسقطان كانت رقعة الورد يغمرها الثلج يا بابلو : تذكر مظلاتنا المنشورة في نشيج الرياح وغرناطة الصامته والفقراء يعدون تحت المطر 13/11/ 1973
مَدائن الأميرة الجزائرية – ف – يَداكِ باسمتان تُعشب بينهما مَدائنُ تتذكر عُرْيَها القديمْ وتنهض أقوات تجتاز حفاوة الخبز وأعلم أن الجسورَ تمضي إلى دَفءِ نهديكِ المغناجين تهرول الحانات وأبناؤها المدججون بِسُكرِْ نهارك العتيق أميري فؤادك النضاح آسى يخط بأرصفة الياسمين مصاطب تستعطي خرائب الساعاتِ وزئبق لهوها الأسير مصطبة تمضي وأخرى تقيت أظلالَ هواكِ وأنا أتسكع اِستجداءه الدفين
يسقط الثلج بباب القَنْطرة وَجْهُ " ليسلي " في الماء في القصب في قارة من الدمع ، في أصوات الفقراء جاءنا المساءَ ولم يأتِ القطار الصوتَ يندى والعُبّار سقط الثلج بباب القنطرة × × × عرفناك في فنادق القلب في الغرف أبوابها : زينب ، فضيلة ووردة الزهراء في عيونهنّ أبحرتِ ، خطوتِ فجراً من التعبِ أنتظرناكِ بباب القنطرة × × × صَديقتي أتْعبني التَجْوال تجارتي كاسدة في حوانيتِ لغاتِ القَلْب وقسنطينة([5])
تمضي مدناً بلا موائد ونحن ننحني ، نغدو عكاكيز الرياح لنِتكئ قليلاً على الجسر وغناء يُهدّئ أذنيْ بابِ القنطرة([6]) كلهم جاؤوا رؤوسهم دارت ، عيونهم قامت في البَهْوِ الحزين بروائح الأسفار القديمة كم ثرثروا ياليسلي([7]) عن الصيف ، عن الثلاشي عن خبزنا المغموس في العرقِ عن أشجار " باب الواد " عن أصواتِ باب القنطرة × × × يسقط الثلج ببابِ القنطرة يأتينا وجهكِ مفروشاً بالدمعِ يهدينا باقة أورادٍ أسبانية يبكينا في حوانيت القلب مُبتل هو صوتكِ بأحزان باب القنطرة
شتاء الجزائر
1973
إلى العم والت ويتمان أحرفك المعطاءة ، أحرفك المعشبة كلماتك البيضاء في الود في الأعشاب ، في معزة الحيوان يا صديق الأغاني تعشق كلّ الأطفال تفرش الأعشاب تهديها لأقمصة التراب كل الضفاف في بلادِ الماء تعرفك الغرباء سخنوا قهوتهم بأنتظار قدومك الأنهار والأشجار وأفضية الطيور تدرك أنك أنت العم " ويتمان " حانَ الوقت أن نقول اِحلقْ شعرَك أيها النوم إنّ قطعاناً من الأجنحةِ تِرفُ في مَمالك الأياب نسْمح لهذا الحلم أن يتحفى ونحن نراقص القرنفل والقيثار والصغار والماشية نراقص الغرباء([8]) إلى لحية عبد
المجيد لطفي يقيناً يعشب هذا الصوت أجراس أنتظار ينث حَنيناً بدفءِ الخريف يُماشي جروحاً ، يُجاري بِصَدْرِ الحروف بقايا هتافٍ قديم يلبس النهرُ مودة الضفاف إني أودك أيها الشيخ تَعب المساء وها هي الطيور تأوي إلى لحيتك السمحة البَيضاء تبحث عن بقايا أثمار مغموسة بأرجوانة الفؤاد والأمطار وأرى الحلاج يمشي وراءه النهر أنت تضحك لأنك تُصلَب أنت تُصلب لأنك تضحك " أقتلوني يا ثقاتي إن في القتل حياتي " قتلوكَ ، قمت ، مشيتَ ، سَعى النهر وراءكَ وها أنت الأن تصعد في الأرضين ،
تنزل في السماوات ، تلقي غيمة في باب العراق وتمضي ، لكن صوتك في الغيابِ باب
تونس في القلب تسقط تونس في القلب فكيف لا تسقط أنت أيها القلب ؟ وكيف لا تسقط أنتَ من الجسد ؟ وكيف لا تتعرى الأشجار ؟ لأنك هناك . لأنك في المدينة الهناك بطاقتان 1 – بطاقة إلى بغداد قالَ في
السفر تنسى الألام ، في السفر تصبحُ روحك سفينة ذات أشرعةٍ بيضاء وقلبك مائدةً
للشعراء والأغراب . قال : في السفر تفتح للفقراء طرقات في المرايا وتستعيدُ طفولتك
المتسَكعة في المدينة المشتعلة نيرانها من الأزل وقال : " السفر يعري الروح
" قلت يا بغداد كلّ فصلٍ بفصلٍ أصحاب وَأنتِ صاحبتي والنهر والحمام على
القباب هَديلُ أحبابي والعاشق من المِعشوق يستجدي الحب وأنت في كتبي وأنتِ في
الجهاتِ كلها تخطين لُغةَ العِشْقِ لأِسفارِ البْحرِ وَنوارسِهِ البيضاء . 2 – بطاقة إلى قُسَنطْينة أيتها
الأميرة المدثرةُ بطفولَتهِاِ الأبدية ، هاهو الشِتاءُ يَرمي قبعَتهُ البيضاء تحت
قدميكِ وأنتِ تصعدين في الأشياء تعطين للسفرِ هُتافه وتنزلين في قلبي مدينة لا
تعرف النوم ، ويعلن وجهي أن نواقيسه تقرع دقاتها على خريطة الأنسياب راسمة الأشياءَ
في الأشياء وأنتِ تلتفين حول عنقي راميةً على تلالِ جسدي أمتلاء الحلم وضحكات
الغناء أيا قسنطينة: الشتاء ينثرُ وروده البيضاء وأنت تتحولين إلى وجوه أحبابي
القدامى، تتحولين إلى شوارع في مدنٍ بعيدة كنت أحبها وأتلمسها من خلال أكف الحلم
وأنفاسِ البحر ([9]). 23-11-1969
مُــــدن 1 – اِستانبول يخرج القطار بالصافرة الذهبية يلولبُ الأزقة العرجاء يعلب البحرَ وطيوره الصيفية في علب صغيرة محملةٍ بالأصوات بأصوات الأعشاب بأعشاب المدائن بمدائن الآلهة كانَ القطار أستانبول معنا ، عارية نشوى تشعل الولائم الصغيرة لليلنا القادم العتيق 2 – بُخارست بخارست في المساء أوان من القرنفل ، سِلال من المطر ويُستلُّ الخنجر الفضي آه إنه يخترق القلب آه و " غابريللا " خطىً من الدفقِ ووجه يضيع في أسجية الضباب إنه يدمي أيتها القيثارة الغجرية أنتِ الممزقة أعشاب الصدر ولكن " غابريللا " نافذة في القطار آه هو الذي أنتشى بالنبيذ إنه الوهم يروم وأنا أروم الأجراس النازفة شهوتها الزانية 3 – براغ أقدام السيدة " براغ " تتدلى من شرفات الكبرياء عيون السيدة " براغ " رفيف أجنحة الأساطير الزرقاء سيدتي : هو قلبي مُلقىً : حقيبة ملأى بحزن الأستذكار والتين الجفيف وأحلام الأصدقاء الراحلين لا يمكنني التوهم أنت السيدة صاحبة الأزهار الأزهار المسترسلة الشعر 4 – وارشو رُبما لم تكن للأقمار أيدٍ تَنثْرُ الضوء للأسماك ربما لم تكن للغمائم أعين تزرع الظلّ للعصافير ربما لم تكن للصيف أعشاب تهدي الخبز للمساء لكن صديقتي وارشو تفتحت منزلاً للقرنفل والأطفال وعندها تذكرتُ البحر والأغاني الأندلسية وذلك المجرى من النوارس البيضاء والأرغفة القائلة على وسادةِ النهار 5 – قسنطينة قسنطينة في الخَريف معاطف ألوانٍ مظلات في المطر وتستحي يداك ، ترجفان تعول فيهما النزوات وخبز يمن عليهما جنوناً سعيد إذا زرعتَ الحناجر بأصبحة من الأطفال وحقائب ملأى بأتعابِ السفار فأنك تغلي بالعَدْوِ تهبط في الشوارع المضُببة فرحانَ بالأجراسِ المهمومةِ بالتَصْهالِ يداك تشمانِ أوجهاً لا مرئية تحتفي بشوارع المطر .
ها أنت في الثلاثين ها انت في الثلاثين تدحرج العمر في مماشِ منسية ها أنت في الثلاثين تستمرئ النوم في قبلاتِ تَجف على أسرة الخوف ها أنت في الثلاثين أدعوك يا قلبُ أنت واقفاً ترمي إلى الريح قبعتك وتمضي تحملُ النهرَ ينطفئ في جيبك يُعربدُ الخوف يُفتحّ للنار أعشاب صدرك أنا في الثلاثين ولكن قولي أنت أيتها الأمطار هل تعرفين معنى الثلاثين ؟
أترك مخي وأمضي على المائدة قَنانٍ ٍ من السم الأبيض ومواء أرفع مُخي من الرأس أغسله بالماء والمسحوق وأعصاب منتصف الليل لا يعود المخ جديداً هزته شهوة نابليون دحرجته الأرجل للموت الجاثم في أروقة التاريخ لونته دماء أحرار كومونة باريس أيها المخ ماذا تروم مني ؟ حسبك لغة الكهرباء ونشيج أورفيوس اِسكرْ بالزمن الملقى هنا حقيبة ورؤى تنهشها كوابيس الأحجار ماذا تروم أيها العجين الزئبقي ؟ -
فقدتُ أسناني في وليمة البرد عَلقني على مشَجب في مَلْحمةٍ عتيقة وأتركْ جزاراً يعابثي أعلقك أمضي بلا مُخً ولا كمشة أستذكار
إلى صلاح فائق 1 – تساءَل الصغَار عن غيبة الفارس الحزين عن جرحه الليلي عن صدره المغطى بالشعر والغيوم عن صوتهِ الذي كم هَزّ الأصدقاء بذكرى الخبزِ ورائحة التراب 2 – وأنت يا صديق في شوارع المدينة المتعبة تطردك الأمطار والهموم من غرفةٍ إلى مقهى صغير من ليلةٍ إلى نهار قصير اِلقِ بكلمتين كيف هو الخبز والصليب ؟ كيف هو الركض في شوارع المدينة المتعبة ؟ 3 – في المقهى كم ثرثرَ الأصدقاء قالوا غبتَ عنا قلتُ غابت الضحكة فلتضحك من أجلنا حتى الدموع فلنضحك لأننا لا نملك البكاء لأننا ما عدنا نعرف ما الضحك وما البكاء ؟ 1966
طرُقات التدحرج المشمس في طرقات ضائعة والبكاء اللاهبُ عبر النهر والحنين والمجيء والرواح بين المدنَ المقطوعة الأنفاس أبواب مقفلة وأزمان سنركض في ساعاتها الزرقاء سنركض في محطاتها التي غطت نوافذها الرمال أما الأجراس ، أما الأجساد وروائح الأغتراب تحرق الأنسياب فهي مزاميرُ أيا منا الجدباء آه أيتها الطرقات التي لا تريد الأنتهاء 25 / تشرين الثاني / 1966
عروش الأمكنة في ذاكرة فاروق مصطفى بقلم
/ محمد خضر الحمداني مَن لا
يعرف جماعة كركوك الأدبية ولم يقرأ عنها فهو أمي ولا يعرف شيئاً عن أدب وثقافة
كركوك ، ومن لا يعرف الأديب (( فاروق مصطفى )) لا يعرف أي شيء عن أدب وثقافة كركوك
خلال النصف الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين – فالأديب فاروق
مصطفى بروحه الشابة التي يحسدها عليه الشباب أنفسهم ما زال يواصل تربعه على أدب
السيرة الكركوكية المكانية المحدثة في ذاكرتهِ المتخمة بأستحداثات مرئية في أحرف
كلماتهِ وأسطر كتاباته ، فهو الذي تعرفه (كركوك) بأزقتها المضيئة بالحب ومقاهيها
المترعة بروائح القهوة والشاي التي ما زال يزورها ويوزع نفسه بين مقهى شاكر عند
رأس الجسر ومقهى آخر في شارع بابا كركر يواجه سينما الحمراء التي أختفت مع أفلامها
مثلما أزيلت كل دور العرض السينمائية في المدينة بعد أن عرفها وعرفته وهو فتى يافع
تحمله أقدامه ليقطع المسافات مشياً بين جرت ميدان وتعليم تبه ليتجه بعدها صوب
القورية مرتحلاً مع زوادتهِ التي تحوي كتاباً مجلة أو جريدة نحو سينما العلمين أو
سينما أطلس ، ثم بدأت المقاهي تُغريهِ فعشقها فأمسى من مريديها كمقاهي : المجيدية
والمدورة ومقهى جليل ومقهى المحطة ومقهى شاكر وغيرها من المقاهي التي تتربع على
عرش ذاكرته . أما
البداية في المدارس التي أنخرط فيها وتعلم أبجدية الكتابة فقد كان المبتدأ في
مدرسة القورية الأبتدائية ثم أكمل التعليم الأبتدائي في مدرسة المنصور الأبتدائية
وبعدها ليشد الرحال إلى المتوسطة الشرقية حيث كان هناك أستاذه في اللغة العربية
الأديب محمد صابر محمود وفي أعدادية كركوك وبين عامي 1961- 1963 كان تلميذاً للأستاذ
محسن عبد الحميد الذي نال الدكتوراه فيما بعد وهو يعد أحد فطاحل اللغة العربية
والشريعة الأسلامية وبعد أن أكمل الأعدادية حمل حقائبه صوب عاصمة الرشيد بغداد
لينضمّ إلى جامعة بغداد / كلية الأداب / قسم اللغة العربية حيث كان ينتظر أنتهاء
محاضراتهِ ليبدأ رحلاته المكوكية متنقلاً بقطاراته بين محطات المقاهي تارة يبحث عن
رواد الزهاوي أو صعاليك الشعر في مقهى البرازيلية وربما يلقي همومه في مقهى "
حسن عجمي " ومن هنا حمل في ذاكرته المكانية زماناً ذهبياً بِعشراتِ الأسماء
والأصدقاء الذين أصبحوا في الوقت الحاضر من ألمع الأدباء والشعراء الذين غيروا وجه
الثقافة العراقية ولم تعد تكفيه مقاهي كركوك وبغداد وأربيل والموصل والسليمانية
فطار محلقاً إلى بلاد المغرب العربي ليقيم في الجزائر حيث ثمّ أيفاده إلى هناك في
بعثةٍ تدريسية عام 1968 وقضى في تلك البلاد ما يقارب ستة أعوام وهناك أدمن السياحة
في البلدان المطلة على البحر المتوسط بعد أنَ عَرفَ بلدانه الجنوبية عَبر البحر
شمالاً إلى الأندلس عَلّهُ يلتقى بـ (( عبد الرحمان الداخل )) أو يشاهد شعراء بني
الأحمر في أورقه قصر الحمراء في غرناطة الشامخة ومنها إلى مدريد ثم ركب القطار
الهادر نحو سهوب أوربا إلى بلاد الجيك حيث كان الدينار العراقي في قوته وبهائه
أمام العملات الأخرى. ثم عادت به الأيام من جديد إلى مدارس كركوك لينضم إلى
أبنائها فدرّس في الأعداديات : الثورة – كركوك ثم الحكمة إلى أن تقاعد في زمن صعب
وذلك في العام الذي يحمل رقم 1998 ذكرى جماعة كركوك فاروق أبن
مصطفى كان دائم التواصل مع جماعة كركوك منذ أن كانوا يفترشون المقاهي والحدائق
والمكتبات إلى أن غادروا المدينة والبلاد دون أمل بالعودة . القاص جليل القيسي
حملته نوارس كركوك وطارَ معها في فضاء مدينة " أرابخا " المدينة الفاضلة
التي كتب عنها وتاه عشرات السنين فيها وأخيراً حلقَ نحوها . أما شاعر الصعاليك
(جان دمو) فهو الذي سرق الكأس من (زيوس) ثم تبعثرت روحه مع الكأس المترعة حيث
قطرات روحه التي لم ترتو خمراً. أما فاضل
العزاوي فما زال يتواصل مع كركوك من خلال فاروق مصطفى في كل الأستذكارات الكركوكية
. ويوسف الحيدري الذي قتلته غيلة أظافر الحصار المعوز ثم تحولت روحه نحو ( ميديا )
أبنته في جنون القصة وهناك يحلق في عالميْ الشعر والترجمة ابن كركوك ( سركون بولص
) وهو واحد من أخطر الأسماء في الشعر العربي والعالمي الحديث ، وما زال هناك مع
فاروق مصطفى آخرون من جماعة كركوك: أنور الغساني ، صلاح فائق مؤيد الراوي والأب
يوسف سعيد ، الكل متواصل في مخيلتهِ المكانية المشبعة بالذكريات التي تركوها على
أطلال القلعة ثم حلقت في الفضاء وأسقطت غيماتها السمحاء ، أغرقت محطة قطار كركوك
وأيقظت أرواح الراقدين في مقبرة (سيد علاوي ) والمصلى وتعليم تبه وتهوم أستذكاراته
عن حمامات كركوك تلك الأمكنة الصالحة لتجليات الروح وأشراقات الخيال في ذلك الزمان
الجميل الذي كانت القلوب تترك أبوابها مفتوحة حتى تسع الجميع . خاتمة
ما اِختفى
الأدباء وانتهى زمن الشعراء ، وهرَبَ المثقفون وطارت الكتب بعد أن أُحرقت المكتبات
في محاكم التفتيش عن أقراص C D السي دي ، لكن الأديب والشاعر والناقد
المولود في العام الذي يحمل رقم 1946 مع أول سنة سلام في دنيا الصراعات والحروب
الكونية ظلّ الوحيد المتواصل مع جميع الثقافات الكركوكية ، والكل يعرفه في المدينة
وكل الثقافات العربية والكردية والتركمانية تضع أسمه في المقدمة مع أدباء وشعراء
القوميات المتآخية . وقد كانت للأديب فاروق رحلة طويلة في عالم الأدب مع أول قصيدة
نشرها عام 1961 وآخر مقالة نقدية له ما زالت تنتظر النشر ففي كلّ أسبوع دراسة
نقدية وكل موسم له كتاب صادر لكي يتواصل في زمن أصبح الإبداع فيه عملة نادرة . خارج
المتن بدأ حياته
مرتدياً ( قمصان الغيوم المتدلية )([10])
ثمَ تعلمَ المشيَ راكضاً على (أرصفة الدفلى ) لكي يحلق بذكرياته مع ( أستذكارات
جماعة كركوك ) الذين كانوا معه حيث أرسلَ (لجيدِ كركوك باقة من أزهار الخباز )
تحمل عبق الحب مع (هديل الغمام بين يدي جماعة كركوك ) ليبحث هناك عن أمكنة الذاكرة
في (مدينة نسيت نفسها في غيمة ) وهي تبحث عن مبدعها وصانع أسطورتها الأديب المثابر
فاروق مصطفى. من مؤلفات فاروق مصطفى الأدبية ـــــــــــــــــــــــ 1- قمصان الغيوم المتدلية مجموعة
شعرية 2003 2- أرصفة الدفلى مجموعة
شعرية2004 3- جماعة كركوك / الأستذكارات الناقصة 2005 4- ولجيدِ كركوك باقة من أزهار الخباز. ذاكرة المكان 2005 5- طريق الدِفلى إلى كركوك مجموعة
شعرية 2006 6- هديل الغمام بين يَدَيْ كركوك.
ذاكرة المكان 2006 7- تسكعات الفقير الكركوكي وأيامه المنهزمة. ذاكرة المكان 2007 (1)
جان دمو / المتسكع الأبدي وجوال الشعر الذي لا يهدأ أحد أبرز وجوه جماعة كركوك
والحالم بكتابة نصوص سوف تقوض كل بنى الأدب تسكع طويلاً في مدن : كركوك، بغداد ،
الناصرية – بيروت ، عمان ثم هاجر إلى بلاد أستراليا وأغمض عينيه هناك الأغماضة
الأخيرة وكان ذلك في عام 2003 (1) مَمادي / محمد جلال الرسام الكركوكي الذي تغرب في أوربا – أستقر فترة في
السويد ثم في إيطاليا وبالتحديد بمدينة البندقية (1) أورخان ولي / شاعر من
تركيا نشر أولى قصائدهِ عام 1936 وتوفى عام 1950 وهو في السادسة والثلاثين من عمره
. (1) بابلو نيرودا / شاعر من تشيلي في أمريكا الجنوبية ولد عام 1904 ، وهو يجمع
في فنهِ الشعري بين الغنائية والدرامية ، ومن أشهر دواوينه : " أسبانيا في القلب " و " فليستيقظ الحطاب " و " النشيد
العام " وخصته الأكاديمية السويدية بجائزة نوبل للآداب لعام 1971 . |
||||