العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

سينما في القصر العثماني

 

نصرت مردان

 

 

في بدايات عام ۱٨٩٦ ظهر في أزقة استانبول أوربي يحمل في يده علبة غريبة. وقد بدأ رجال الشرطة السرية بتتبع خطواته، فقد كانوا على قناعة أنه يبغي شرا مع علبته الغريبة تلك.

كان السلطان العثماني عبدالحميد الثاني قابعا في قصر (يلدز) يتابع كل صغيرة وكبيرة في عاصمة الدولة العثمانية. وكان العملاء السريين ينالون عطايا سخية لقاء خدماتهم وتقاريرهم.

كان تجول الرجل الغريب في استانبول قد أثار مخاوف رجال الدولة. وكانت التقارير تنهال على القصر :

" صباح هذا اليوم ركب الرجل المشبوه قاربا ".

" اليوم تجول الغريب مرارا على ضفاف الخليج جيئة وذهابا عدة مرات ".

" الغريب يقوم بحركات غريبة مع علبته التي يحرص على حملها دائما بتوجيهها إلى جهات متعددة"

" نفح الرجل، صاحب المركب بخشيشا جيدا، ثم توجه إلى غرفته في (فندق بيرا بالاس) ".

نعتقد بأنه جاسوس، وهو يخطط لاغتيال الذات السلطانية المعظمة.

كان الرجل هو الكسندر بروميو، وهو المندوب الذي بعثه الأخوان لوميير إلى استانبول. وكانت العلبة الغريبة التي في يده، والتي أثارت فضول الشرطة السرية جهاز (سينوغراف) لتصوير الصور المتحركة.

قبل عام بعد نجاح عرضهم الأول قام الأخوان لوميير، بإرسال مخرجين إلى شتى بقاع العالم لتصوير بعض الأفلام. وكان بروميو في استانبول يقوم بمهمة سبق له القيام بها بمدينة فينسيا في إيطاليا. وحينما كان يذرع مياه خليج استانبول، فأنه كان يتهيأ لإنجاز ثورة في عالم السينما.

في تلك الفترة كان ثمة رجل في استانبول على علم باختراع هذه الآلة العجيبة، وهو المصور (فافيداس أفندي) وكان يخطط للحصول على تلك الآلة المعجزة. وكان في الأساس مغرما بآلات التصوير في الاستديو الذي يملكه، حيث كانت الحسان العثمانيات يقصدنه على خفر.

قبل ذلك التاريخ بنصف قرن كانت استانبول قد تعرفت عرض للصور فوق شاشة بيضاء شفافة، وبحركات ضوئية، كان يتم إيهام المتفرجين بتحرك الرسوم.

قام فافيداس أفندي، بإرسال رسالة إلى الأخوين لوميير للحصول على معلومات تفصيلية حول جهازهم، ولشراء الجهاز. لكن الأخوين لم يردا على رسالته، ولم يرسلا الجهاز له، مفضلين بدلا من ذلك إرسال مندوب عنهم لتصوير بعض المناطق باستانبول، لعلمهم أن ذلك سيكسب شركتهما أرباحا هائلة من الذهب.

كان السلطان الذي كان يرتاب من كل شيء، بحكم حبه للروايات البوليسية، بدأ بالاهتمام جديا بموضوع السيد بروميو وآلته العجيبة. حيث أن السلطان بحكم إعجابه بالروايات البوليسية للكتاب الغربيين، كان يطلب ترجمتها إلى التركية في فترة قصيرة.

غادر بروميو استانبول إلى بقعة أخرى في العالم للقيام بهدف التصوير. وبذلك نجا بجلده خاصة، وأن السلطان العثماني كان في حالة لا يحمد لها من الغضب، ذلك لأن الأنباء التي وصلت له كانت تؤكد أن نجله الأمير برهان الدين، أخذ يعيش قصة حب مع ابنة السفير الأمريكي، ويلتقي معها بصورة سرية، ومن المحتمل انه يبلغها بكل صغيرة وكبيرة في القصر العثماني. وقد زاد من غضبه، حضور والد الفتاة إلى القصر، وقوله للسلطان بصلافة :

" انهما يحبان بعضهما وعلينا أن نرضخ لهذا الحب، وأنا على استعداد للمساهمة بكل مليون ليرة تساهم بها في حفلة الزواج".

ورغم اكتفاء السلطان بالابتسام أمام هذا العرض، إلا أنه في دخيلته اشتاط غضبا، من هذا المارق، الذي لا يكتفي بان يختطف منه قرة عينه بل يطلب مالا أيضا !. . لم يكن هذا ما يقلق السلطان في تلك الفترة بل أن وفاة مربية صغرى كريماته (عائشة) وبكائها المستمر عليها (أريد مربيتي)، وبغية تسلية الأميرة الصغيرة قام (برتراند) مهرج القصر، بإظلام صالة الغرفة ووضع شاشة بيضاء ظهرت عليها بالفرنسية عبارة (وصول القطار إلى محطة جيوتا). هتف المهرج من الخلف بالتركية (سياحة بالقطار) لم يلبث أن ظهر قطار، وهو ينفث دخانا كثيفا. وظهر أشخاص يحملون مظلاتهم قرب القطار. ورغم انهم يشبهون سائر البشر إلا أنهم كانوا يمشون بسرعة، وبطريقة مضحكة، وكأنهم على عجلة في أمرهم. ثم بدأ القطار وهو ينفث الدخان بالحركة. وبدأت المربية الجديدة للأميرة الصغيرة بترديد الأدعية والصلوات من الرعب. وحينما بدا القطار، وكأنه ينطلق نحو الجالسين، وأنه على وشك أن تمزقهم، صرخ الجميع من الرعب.

لم تدم لحظات الرعب هذه إلا دقائق، بينما كان ظل ابتسامة خبيثة يتراقص على شفتي المهرج برتراند. وحينما أشعلت الأضواء، لم ير المتفرجون إلا الشاشة البيضاء.

وقف السلطان على قدميه مفكرا، وهو يرى الارتياح على وجه صغيرته، ترى كيف سيقابل العامة في استانبول اختراع الكفرة هذا ؟وهل سيستغل أعداء الإمبراطورية هذه الآلة ضده شخصيا؟

 قرر السلطان أن يكلف عزت بك بإعداد تقرير عن هذا الموضوع. خاصة وأن الأمة العثمانية بحاجة إلى تسلية جديدة. . وهو يعلم بأن الشعب الذي لا تسلية له، ينشغل معاذ الله بالسياسة. كان السلطان سعيدا لأنه وجد تسلية جديدة لشعبه. لذلك عاد مرتاحا بعض الشيء لغرفته، وهو يستعد لقراءة رواية بوليسية جديدة.