|
|
مصطفى جواد..والمثول الأبدي الدكتور صبحي ناظم
في يوم2005/12/27 كان لابد لنا ان نستذكر الذكرى(36) لرحيل عالم العراق الفاضل
ذائع الصيت الدكتور مصطفى جواد إبراهيم، الذي اعتبر بحق علماً من أعلام النهضة
والحضارة والفكر والتاريخ العراقي والعربي والإسلامي والإنساني، والعلامة المعروف
بحدة الذاكرة ودوام المتابعة ومرجع السائلين الذي سحر القلوب وجذب الناس بدماثة
خلقه وخفة ظله وحلو حديثه طيب معشره. ومما يستوجب ذكره في هذا الشأن ان الدول بمؤسساتها ومنظماتها عندما تحيي مثل
هذه الذكريات مقتحمة منجزات علمائها وسيرتهم ومؤلفاتهم ومخطوطاتهم، وما كانوا
عليها من صفات حميدة وأخلاق عالية، وما أضافوه إلى المعرفة والعلم والأدب والفن،
فإنها لا تكرم أولئك فحسب، بل أنها تعلي من شأن نفسها وتأريخها وحضارتها
ومنجزاتها.. فليس منّة من الدولة والقائمين عليها عندما تقيم لهم ندوات ومؤتمرات
وتجمعات. وفي هذه المناسبة يشرفني ان اذكر بعض ذكرياتي مع الدكتور مصطفى جواد، الذي كنت
ـ اسوة بعموم مواطني العراق ـ في
عقد الستينيات أكن له احتراماً خاصاً لكونه احد ابرز العلامات التي أضاءت الثقافة
العراقية في حينه، على الرغم من محدودية تمتعي باهتمام يذكر في شأن اللغة العربية،
فقد انتميت تلميذاً في الكلية العسكرية العراقية مطلع الستينيات وتخرجت ضابطاً
برتبة”ملازم ثانٍ” منتصف عام1964.... ولكن لطف القدر ان صح التعبير، قذفني ضابطاً
في فوج الحرس الجمهوري الوحيد في بغداد خلال عهد الرئيس الراحل المشير الركن عبد السلام
محمد عارف، إذ قضيت فيه سنتين متتاليتين، وقد كان من ضمن إحدى مسؤولياته حماية
مبنى الإذاعة والتلفزيون وسط” الصالحية” ولذلك تواجدت في أروقته لأشهر عديدة
متفرقة في تلكما السنتين، حيث كان المرحوم د.مصطفى جواد يحضر هناك لتسجيل حلقات عن
برنامجه الأسبوعي”قل.. ولا تقل” والذي كان معظم العراقيين يتابعون عن كثب، ليس
بغية إتقان اللغة العربية والإطلاع على مفرداتها الرائعة الأصح، وعباراتها الأفضل،
بل لكون شخص الدكتور مصطفى جواد مقدماً له، طارحاً من خلاله أخطاء دارجة في
المقالات والأدبيات والمؤلفات والكتب، محاولاً جلب الأنظار إليها بأسلوب سلس لم
يرق إليه احد، على الرغم من ان برامج عديدة اخرى كان اساتذة آخرون يقدمونها من
امثال الدكتور صفاء خلوصي والدكتور عناد غزوان “رحمهما الله” تنحو منحىٍ قريباً من”قل.. ولا تقل” فكانت المفردات
المطروحة تلك حديث الشارع العراقي، والعديد من منتديات الفكر والشعر والأدب، ناهيك
عن العديد من المقاهي التي كان من روادها الادباء والشعراء، وكذلك عامة الناس. وفي مبنى الاذاعة والتلفزيون، حيث نقاط السيطرة والتفتيش القائمة في مداخلها
ومخارجها، والقائمة الطويلة من الممنوعات المحيطة بسياجها، وضرورة المراجعات في
اروقة محددة، ووفق استمارات التخويل بالاستمارات الثلاثية دون حك، او شطب او
تعديل، وسبب الحضور لكل شخص، وموافقة ضباط الامن والاستخبارات، كانت واجبة طيلة
ساعات النهار وبعضاً من ساعات اول الليل وينبغي تطبيقها بحق كل من يروم الدخول الى
المبنى، سواءًَ كان مواطناً متواضعاً او استاذاً كبيراًِ، او علماً من اعلام
البلد، وحتى من كان بمنصب مدير عام في الدولة العراقية، ولا يستثنى من ذلك سوى
الوزراء واصحاب الدرجات الخاصة شريطة الاخبار المسبق بوصولهم. الا انني رأيت ان شخوصاً عديدة لا يمكن ان يعاملوا كالاخرين، ويتعرضون لتفتيش
الجنود، ويظلوا جالسين في قاعة الاستعلامات عشرات الدقائق قبل ان (يتكرم) عليهم
ضابط صف من قوة الحماية او احد منتسبي امن الاذاعة والتلفزيون ليسمح لهم باجتياز
باب الدخول الى المبنى.. لذلك كنت قد اوعزت الى”نائب العريف رشيد مجيد” آمر حرس
الباب النظامي، انه عندما يشاهد احداً من اولئك الشخوص ومن بينهم د. مصطفى جواد
فعليه ان يستقبلهم ويفتح لهم الباب الرئيس ويوصلهم بنفسه الى غرفة ضابط قوة
الحماية العسكرية. ويبدو ان الدكتور مصطفى جواد قد راقه تصرفي هذا، فيما تعددت مرات اكرامي له
وجلوسي الى جنبه من دون ان ابقى جالساً وراء منضدة المكتب، فقامت بيننا علاقة ود..
وكان عندما يتحدث الي بلغة تركمانية لا تشوبه شائبة، مستخدماً عبارة” ولدي صبحي،
“يايورم صبحي” فانه يكرر كونه من ناحية “قرة تبة” في حين كان العديد من المذيعين
والمذيعات ومقدمي البرامج والمقدمات يحضرون الينا ليطرحوا تساؤلات واستفسارات
لغوية وتاريخية او عامة، مع التركيز على المفردات التي طرحها الدكتور مصطفى جواد
في الحلقات الاخيرة من برنامجه الرائع.. ولكنها لم تكن تخلو كعادة العراقيين من
محاولات المزاح واللطائف والطرائف...فكان بعضهم يتمنى لو يتعرف على ما يمكن اطلاقه
على”الحذاء المثقوب في اسفله.. والبنطال المفتوك في جزئه الخلفي، .. ولوثة العقل
من جراء العشق.. والبرتقالة التي اصاب البياض بقعة صغيرة في اعلاها.. والتفاحة
التي يتشبث بها بعض الغصن.. وشربت الحاج زبالة البايت ليومين متتاليين”. وما الى ذلك من قضايا لاتأتي على بال.. حتى ان صديقي المذيع الشاب”رشدي عبد
الصاحب” وبحضور اخي الكبير” سعاد الهرمزي” رحمهما الله سأله عن المفردة اللغوية
المرادفة لـ”قرقرة البطن عند الجوع” فأجاب د. مصطفى جواد، بعد ان اغمض عينيه
كعادته واستغرق في التفكير هنيهات”إي نعم.. انها ضرطة غير مستوية”. وفي الحين الذي لا أبتغي من سرد هذا الحديث البسيط سوى الاستدلال على ما كان
الدكتور مصطفى جواد يتمتع به من حلو الحديث وروح الدعابة وحضور البداهة وخفة الظل،
فإنني لا أنسى كم تالمت عند سماعي خبر وفاته عن نعي المجمع العلمي العراقي له، اذ
كنت مرابطاً على الجبهة السورية الاسرائيلية في اليوم الثامن من شهر كانون الاول
عام1969، وبعد يوم واحد من وداعه لهذه الدنيا الفانية.. رحمه الله العلي القدير
على روح فقيدنا، داعين اياه ان يسكنه فسيح جناته، ويمّن عليه من شآبيب رحمته في
وقت نتشرف نحن التركمان العراقيين جميعاً بانتمائنا الى وطن ينتمي اليه مصطفى جواد
ابراهيم، ولنا عظيم الشرف ان ينتمي الينا والى قومنا. |