العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

الذئب الأزرق أو مظفر الدين كوكبوري ملك أربيل المقدام

 

زكريا جاسم السامرائي

 

 

“كوكبوري بن علي بن كلتكين بن محمد ولقبه مظفر الدين” كلمة كوكبوري اسم تركي معناه باللغة العربية الذئب الأزرق مثلما كان العرب تسمي أبناء لهم عز وفهد وأسد وسرحان كانت مدينة أربيل تابعة لحكم الناصر صلاح الدين تفويضاً من الخلافة العباسية التي ساندها بكل قوة لاستمرارها والقائد البطل صلاح الدين الأيوبي حتى انه أرسل إلى الخلافة العباسية استحقاقها الشرعي بعد معركة حطين الخالدة.

ان القادة الذين يذكرهم التاريخ لابد أنهم يتصفون بصفات خاصة كالعلم والشجاعة والكرم والتصوف والثقافة والدفاع عن أوطانهم ضد الغزاة.

انني اقول بكل فخر واعتزاز بان المجاهد والملك مظفر الدين كوكبوري يتصف بكل هذه الصفات لذلك حفر اسمه على صخر التاريخ بأحرف من نور بقيت تتلألأ في دنيا الإسلام إلى جانب قائده البطل صلاح الدين الأيوبي محرر القدس والى قادة الإسلام والعرب كالظاهر بيبرس البطل الذي دحر المغول وعمر بن الخطاب الذي حرر القدس.

 

شجاعة القائد

 كان هذا القائد الى جانب البطل صلاح الدين الايوبي وفي معركة حطين هاجمت الخيالة الصليبية الثقيلة مما ادى الى زحزحة الجيش الاسلامي وانسحابه مما ادى الى تخلخل بين ارتال الجيش الاسلامي الذي استغله الصليبيون للتقدم الى مركز قيادة صلاح الدين فسارع مظفر الدين وتقي الدين حاكم حماة الى الثبات في موقع القيادة فشن هجوماً عزوماً برتل خيالة المسلمين على الجناح الشمالي للصليبيين مما ادى الى انسحابهم وعدم وصولهم الى مياه بحيرة طبرية وقطع خط انسحابهم وكان هذا الرتل الخيالة من المتطوعين العراقيين وخاصة من فرسان اربيل وتقويت عزائم المسلمين حتى النصر وفتح الله (سبحانه وتعالى) عليهم بسبب اخلاصهم وتضحياتهم فاستعادوا بيت المقدس الشريف من الصليبيين واعجب الناصر صلاح الدين بشجاعته واخلاصه وثباته في الحرب التي خاضها معه ضد الصليبيين فزوج صلاح الدين اخته الصغرى ربيعة بنت ايوب الى هذا الفارس المغوار وارجعه ملكاً على اربيل بعد وفاة اخيه الملك السابق.

 

الوضع الاقتصادي في مملكة اربيل:

زار اربيل كل من الجغرافي العربي ياقوت الحموي ويذكر كان مظفر الدين يقدم المساعدة المستمرة للفقراء المحتاجين وكثير المعونات على الغرباء يسير الاموال الجمة الوافرة لفك اسرى الاسلام من ايدي الكفار.

بفرض الضرائب على اصحاب الاموال حسب الدخول ويساعد المشروعات الكثيرة والمنافع للمقيمين والزائرين ويصف ياقوت الحموي اربيل وقلعتها بانها مدينة كبيرة عريضة طويلة قام بعمارتها وبناء سورها وعمارة اسواقها وقيسيارتها حتى صارت لمدينة اربيل هيبة ومكانه اقتصادية وسوق كبير للبضائع ويستقبل تجارة المنطقة كلها لذلك استعان هذا الملك المظفر بكل الكفاءات العلمية ويذكر “ابن خلكان” وهو من مواليد اربيل وصاحب كتاب “وفيات الاعيان” بان المظفر عين المبارك بن احمد بن المبارك بمنصب يسمى مستوفى الديوان اي مدير الحسابات العام هذا المنصب كان يلي منصب الوزارة ونظراً لكفاءة ابن المبارك ثم عينه المظفر بتولي الوزارة وذلك سنة 629هـ الذي ضبط الامور المالية وشكرت سيرته فيها وبقي في هذا المنصب الى ان مات مظفر الدين.

كان المبارك مثقفا وشاعرا مثل المظفر فرفع إلى المظفر شعراً يوضح فيه كيف ان اعتداءً جرى عليه في الظلام وأصابه في ساعده الذي لف عليه مثل القماط قال:

 

يا أيها الملك الذي سطواته

من فعلها يتعجب المريخ

آيات جودك محكم تنزيلها

لاناسخ فيها ولامنسوخ

أشكو إليك وما سمعت بمثلها

شنعاء ذكر حديثها تاريخ

هي ليلة فيها ولدت وشاهدي

فيما ادعيت القمط والتنمريخ

 

وقد أجرى مظفر الدين رواتب خاصة على ذوي العاهات الذين لا يستطيعون ان يقوموا بعمل إذ بنى لهؤلاء بناء خاصا في قلعة أربيل كما خصص بناية من الذين فقدوا نعمة البصر “العميان” وابتلوا بعاهات وكان يزورهم مرتين في الاسبوع كل يوم اثنين وعصر يوم الخميس ويسال عن حالتهم وملبسهم وكان هناك سجل للعوائل المحتاجة وخاصة النساء واللواتي فقدن العائل وصرن ارامل وسكن خاص لهن علاوة على انه خصص بنايه للقطاء ورتب لهم مرضعات وقد بنى مستشفى لعلاج المرض وعين الاطباء والادوية مجاناً وكان المرضى يصرف اليهم الماكل والمشرب والكساء.

وقد بنى دار ضيافة للتجار والمسافرين اذ يقضون اياماً يصرف لهم الماكل والماوى وحتى العلف لدوابهم.

كان مظفر يحب علماء الدين والصوفية فبنى المدارس والصوامع والخانقاه لهم ويذكر ابن خلكان صاحب كتاب وفيات الاعيان ان مولده يوم الخميس بعد صلاة العصر 11 ربيع الاخر سنة 608هـ بمدينة اربيل بمدرسة السلطان الملك المعظم مظفر الدين اذ كان والده معلما في المدرسة المذكورة.

يذكر ابن خلكان ان المظفر هو اول ملك مسلم يقيم احتفالاً بمولد النبي محمد(صلى الله عليه وسلم) ويقول ان الوصف يقصر عن الاحاطة به اذ كان تفد الى اربيل جماعات من بغداد والموصل والجزيرة وسنجار ونصيبين وبلاد العجم وخلق كبير من الفقهاء والشعراء والصوفية والوعاظ والقراء ومازالوا يتواصلون من المحرم الى اوائل شهر ربيع الاول فيأمر الملك المظفر بإقامة دور الخشب او القبب فاذا كان اول صفر زينوا الدور والقبب الفاخرة، وتحدث أجواق من الأغاني وأصحاب الخيال (خيال الظل) يغنون ويرقصون ويومياً ترسل القدور المطبوخة بالطعام فإذا كانت ليلة المولد عمل السماعات واشعل الشموع الكبيرة وهي على ظهر البغل مربوطة عليه وتسير المسيرات حتى الوصول الى (الخانقاه) وتضرب الدفوف والطبول في مدح الرسول والصحابة اجمعين وتوزع ثاني يوم صرر و(بقجة) لكل المشتركين مع منحة مالية فإذا فرغوا من هذا الموسم تجهز كل انسان للعودة الى بلده، فيوقع لكل شخص مالاً من النفقة العامة يوصله إلى أهله. ذكر الزبيدي في كتابه (تاج العروس) ان الملك المظفر كان يستطيبه الغناء والإنشاد في المدائح الدينية التي يتنغم بها اهل التصوف وخاصة في مدح الرسول الأعظم(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه الاكرمين.

كان مظفر الدين يرسل في كل عام عدة آلاف من المسلمين للحج على نفقته ومعهم الحماية اللازمة. وكان يرسل مع رئيس الوفد آلاف الدنانير ينفقها بالحرمين الشريفين على المحتاجين وعلى أبناء السادة الهاشميين.

وله اكبر مكرمة على المسلمين حيث أجرى الماء إلى جبل عرفات ليلة الوقوف بعرفة وانفق أموالا طائلة في عمل صهاريج لجمع ماء المطر في مكة وعرفة.

كانت أهم أمنية لمظفر الدين ان يدفن بعد موته في مكة المكرمة حيث اعد لنفسه قبة في سفح الجبل فلما توفي بمنزله في أربيل عام 630هـ تم نقله الى مكة مع الحجاج بتابوت خاص ولكن لعدم أمان الطريق في تلك السنين رجع الحجاج دون ان يحجوا فرجعوا بجثمانه ودفنوه في مدينة النجف الاشرف بالقرب من روضة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام وكرم الله وجهه).. رحم الله هذا البطل رحمة واسعة، ونرجو من الله ان يجعل مثواه بين الشهداء والصديقين انه سميع مجيب.