|
|
حفل تأبين جليل القيسي
شارك الكثير من الأدباء والفنانين في الحفل التأبيني
للأديب جليل القيسي رحمه الله وتعالى الذي أقيم على حدائق معهد الفنون الجميلة
بدعم من الملتقى الثقافي العراقي. وتضمن الحفل قراءة سورة الفاتحة على روح الأديب
الراحل وكلمة إتحاد أدباء كركوك.. ألقاعها الزميل محمد خضر نيابةً عن الزميل رعد
مطشر رئيس إتحاد أدباء كركوك رئيس الملتقى الثقافي العراقي وكلمة الملتقى الثقافي
العراقي التي ألقاها الزميل عرفان صديق نائب رئيس الملتقى الثقافي العراقي وكلمة
ومرثية وسيرة ذكريات للشاعر فاروق مصطفى وقصيدة للشاعر طالب الونداوي وكلمة للشاعر
عباس عسكر وقصيدة للشاعر الدكتور فؤاد حمه قادر ومرثية للقاص سعدي العبد الله ومن
الجدير بالذكر حضور قناتي العراقية والديار
الفضائيتين لتغطية فعاليات الحفل. جليل القيسي المتوحد في عشق كركوك
فاروق مصطفى
عندما التقيت الشاعر الكركوكي الحميم (سركون بولص)
ببغداد عام 1964 تجولنا طويلاً عند شوارعها المبللة بأنداء (دجلة) وسال بنا الحديث
عن الأسماء الأدبية في كركوك أخبرني بأن في مقدمة الوجوه الأدبية هناك جليل القيسي
وهو الأبرز يكتب القصص ويخط المسرحيات، وفي كركوك تجدد اللقاء بيني وبين (جان دمو)
صعدنا إلى مقهى النصر/ المدورة واقتربنا من مائدة كان يجلس عندها القاص يوسف
الحيدري_ توفي عام1993_ والقاص جليل القيسي ومن ذلك اليوم امتدت اللقاءات بيننا
بعد أن تعرفنا على الشاعر صلاح فائق المقيم حالياً في الفلبين والشاعر المتعدد
المواهب مؤيد الراوي_ يعيش حالياً في ألمانيا_ في هذا الوقت وأعني عام 1964، كان
الشاعر فاضل العزاوي معتقلاً في سجن الحلة وقد أطلق سراحه عام 1965 والأستاذ أنور
الغساني في بغداد بعد أن ترك كركوك ليكمل دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة إلا
إنه فصل منها بعد أحداث انقلاب شباط عام1963والأب يوسف سعيد راعي الكنيسة الواقعة
بمحاذاة نادي العمال وجان دمو يزوره دائماً ويحمل إليه أخبار وقصائد الصحب. نلتقي
كثيراً في الليالي عند جليل القيسي في منزله الكائن في محلة شوان حيث تبدأ
القراءات السحرية والتي تستمر إلى ساعات متأخرة من الليل، أما في النهارات
الكركوكية فنجد اللقاء أيضاً في محل في السوق العصرية يعود إلى أحد أشقاء جليل إلا
إنه كان غائباً عنه وحل صديقنا محله، والمحل بمثابة واحة أدبية في المدينة لابد أن
يمر عليها كل أدباء المدينة ومتأدبيها وحتى أدباء بغداد الذين يفدون إلى كركوك
لابد من استراحاتهم في هذه الواحة الوطفاء وجليل دائم الاحتفاء بكل هؤلاء الأصدقاء
يصغي إليهم يصغون إليه، لقد كان يتميز بشغف الحفاوة بكل هؤلاء القاصدين واستمرت
الحال في هذا المحل يشرق ويبتهج بأحلام الأصحاب وكلماتهم المدثرة بجنونات أشواقهم
إلى أن عاد إلى وظيفته في دائرة المنتوجات النفطية عام1968. المرء عندما يتحدث عن
جليل القيسي لابد أن يتحدث عن كركوك فالاثنان انعجنا وتوحدا، لقد أحب مدينته
واستهام بها وكرس العديد من نصوصه لهذه المعشوقة الأزلية وهو يقف بكل جدارة إلى
جانب الأدباء الذين التصقت أسمائهم
بمدنهم التي عاشوا فيها مثل (كفاني) في عشقه للإسكندرية والكاتب (محمد
شكري) الذي عشق مدينته طنجة حتى الثمالة الأخيرة والبصري محمد خضر في إدمانه عشق
البصرة، لقد ألم صديقنا جليلاً رحيل أصدقائه في (جماعة كركوك) إلى أوربا وغيرها من
أصقاع المعمورة حتى إنه صرح في إحدى محاوراته مع الصديق الشاعر (رعد مطشر): (أيه هذه الأوربا العجوز التي احتضنت
الكثير من أبناء مدينتي جحدت قلوبهم أيضاً وجعلت كما قال الروائي الفرنسي الكبير
ستندال من الحب والصداقة شيئاً من الدرجة العاشرة). خطوات جليل القيسي تسمع في كل
شوارع كركوك وكلماته الماتعة ينثرها من فوق (القلعة) وهي تهبط من سفوحها الأليفة
إلى أمواه الخاصة تمتزج معها لتسقي أشجار التوت وكرومها العطشى ثم تعلو مع ألحان
القوريات الشجية لتهوم في فضاءات المدينة تمنحنا بهي العزاء وتهبنا جميل القوت وهي
باقية معنا ومستمرة مع المدينة، إن هذا العشق الشاغف الذي كرسه لكركوك لن يسقط من
ذاكرتها وإنما سيبقى معها يمنحها الألفة الدافقة والسلام النبيل مادامت الكرة
الأرضية مستمرة في دورانها السرمدي. رحيل فارس الأدب
أشرف داغلي
مهداة إلى روح الفقيد الأستاذ الكبير (جليل القيسي) همومي يا ليلى.. من كثرة الهجر.. أسهر طول الليالي.. إلى الفجر.. كم بيتاً بنينا.. من أحرف العشق..؟ وهبنا للعشاق بلا أجر.. نودع كل صبحٍ وعشيٍّ قرة أعينٍ.. في حفرة القبر.. كفكفي يا ليلى.. دمعكِ ليوم.. فيه الدمع أغلى.. من حبة الدُّرّ.. وما في الموت من عجبٍ.. لكل حيٍّ معه موعد.. أبان موعدك يا فارس..؟ كشمس.. غبت عن دنيانا.. قبل أوان الغروب.. عندما نادى المنادي.. هلموا.. قد حان الموعد.. تقدمت نحو قافلة الأحباء.. بلا وجل.. وفتحت جناحيك كطائر الليل بلا حس.. عبرت البحار.. كالفرسان دون لمس.. كان لموتك دويُّ.. كرصاصة في طيات الفؤاد.. بالأمس.. كنت حديث نفسك.. فأصبحت حديث كل نفس.. بدرٌ كنت في سماء الأدب.. يا خير من ودع الخلان بلا همس.. هزّ رحيلك الجوارح.. بين آهات الإنس.. كنت لعشاقك خير جليس زفتك الملائكة في ليلة.. كأنها ليلة عرس.. رحل فارس الأدب.. كبسمة من شدق الأُنس.. تاركاً لمن بعده.. المسير نحو الشمس.. أوعدت تربة الأمل.. وطرقات الطفولة.. وربوع الصبا.. ومنتدى الأدب الرفيع.. تركت قلوباً حيارى.. ونفوساً سكارى.. وسجوماً لا تنضب.. ودعت لياليك والسهر.. يا شمعة الوداد في السمر.. هجرتنا.. ولم تصبر حتى السحر.. لننهي قصة مدينة.. أهلها قد هجر.. فالتهجر الجموع.. فالتتفجر الدموع.. لفارس السلام.. وداعاً.. يا راكب خيل النجاة.. يا طائراً بأجنحة الملاك.. يا قدوة الكتاب.. ويا صدر الأباء.. يا قمراً قد أفل.. في غياهب الليل.. دونك.. باتت ليالينا حسوما.. توّجك الله برحمته.. في العليين.. وأقعدك فوق منبر الصدّيقين.. يا فارس الأدب الأصيل.. رحيل آخر نوارس اربخا حميد الجاف كل ابن أنثى وأن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء
محمولة.. نعم هذه هي سنة الحياة ولا حياة إلا لواهب الحياة. هكذا رحل آخر نوارس
القصة والرواية عن عالمنا وكأنه لم يكن بالأمس حياً بيننا هكذا رحل هذا الروائي
والقاص الكبير وترك فراغاً في عالم الرواية والقصة التي كان فارسها المجلي في
مغمارها. ولد جليل القيسي عام 1937في كركوك المدينة الخالدة التي تنام على ضفتي
خاصتها والتي تمر تحت قدمي القلعة الشحاء التي مرت بها زحوف القراءة على مر العصور
وعاش في أكنافها عمره الطويل بحلوه ومره ودرس في مدارسها حتى أكمل الدراسة
المتوسطة وكان منذ نعومة أظافره يعشق الأدب وكتابة القصص والرواية مع مجموعة من الشباب
المثقف المولع بالأدب أمثال المرحوم يوسف الحيدري وسركون بولص وسواهم منهم من غادر
الحياة ومنهم من فارق ترك العراق مهاجراً في عالم الغربة طلباً للرزق ولم يبق منهم
سوى القيسي يضيع في وحدته يحيي ذكرياته بألم وحزن شديدين حتى كانت نهايته بذلك
الداء الوبيل الذي لا يرحم لقد قام الأديب الكبير
جبرا إبراهيم جبرا بتعيينه في شركة النفط في كركوك وخلال تلك الفترة كتب أولى
رواياته باللغة الإنكليزية وكان ذلك عام1952 وقد مثل في مسرحية (فلوس الدوة) لأول
مرة وآخر مرة والمسرحية من إخراج المخرج المسرحي الأستاذ علي السعيدي والمسرحية
كما هو معروف من تأليف الأستاذ يوسف العاني وفي عام 1960ترك العراق مهاجراً إلى
أمريكا ولكنه لم يتمكن من العيش فيها فعاد في نفس العام إلى الوطن ليواصل إنتاجه
الأدبي في ربوع كركوك الجميلة والخلابة.. ترك عدداً كبيراً من المؤلفات في القصة
والرواية منها مسرحية عاد غيفارا افتحوا الأبواب، ستة مسرحيات، وداعاً أيها
الشعراء، من خلال موشور الذاكرة ومجموعات قصصية رمزية تبحث في تاريخ العراق وكركوك
القديمة وقد أحيل على التقاعد بعد وصوله السن التقاعدية وأنهمك في كتابة رواياته
وقد كان القيسي أحد أركان الثقافة في كركوك منذ الستينات بعد أن رحل الجميع أمثال
يوسف الحيدري وسركون بولص وغيرهم من الأعمدة الأدب وكان آخر من شد الرحال من نوارس
اربخا إلى أكثر بهجة وسلام بعيداً عن هذا العالم الذي يمور بالمناقضات. |