|
|
بوستر أخير لجليل القيسي نشأت المندوي
نشأت المندوي
لكم يحتاج المرء من خلايا مزيته لصقل بقايا ذهن
مشوش كي يستعيد كل الإحداث
والمرويات عن شخص كان قرب شغاف القلب ومات ؟ ولكم الزمن المثقوب ملعون وهو يحاصرك في زواياه
الميتة ماطرا عليك لثغة النسيان وأنت تريد الإفلات حتى تشعل النار في الرماد لكن
دون جدوى ؟ فللمرء ارض وللذاكرة
فضاء وما بينهما امتد إنسان وانا بين الزمان والمكان أقف شاهدا بلا أوراق فياله من امتحان ؟ (جليل القيسي) ذالك المتربع دوما على قلعة الأدب
و الزهد والانتماء غاب وأنا في غرفتي اجتر ما ترسب في البال من صور مضغوطة ورسوم
مضببه امدها ببطء لعلها تسعفني في إلقاء تحية وداع على نعش ابن مدينتي البار
الغافي قرب شعلة (بابا كركر ) وهما
امام العين صنوان يتحدان في الأفق لأبعد فضاء ولاينطفئان. يبدأ زمان أول مره أراه فيها إلى نهاية الستينات, كان الأكبر من
بين أخوته الأربع (جبار وإبراهيم وحسين) وكان لدخول ( جبار) السجن لخمس سنين بتهمة
سياسية سببا لمجيء (جليل) سوق العصري حيث أنيطت له إدارة محل (جبار) فكان وهو
القادم توا من بلد الناطحات يلج
المحل بأناقته المعهودة متأبطا بضعه كتب وروايات و اغلفة لمجلات أجنبية وبعض
إصدارات مجله (المختار) وينزوي في صوفية القراءة والتأمل. كانت رائحة أمريكا في ذالك الوقت علامة انبهار ودهشة نتداولها
همسا بين شفاهنا نحن الجالسين على رصيف العوز و غرف الممنوعات. وعلى ما اذكر ففي
أحدى الأيام استعصى على آخى التفاهم مع أشخاص أجانب أرادوا شراء بعض المصوغات
الذهبية فرجاني ان استدعي (جليل) لمعالجة الامر وتخليصنا من تلك الورطة وحينما
أنهى( جليل) حديثة مع الأجانب وبعد انصرافهم راح يشرح لنا بفلسفة لاتخلو من أدب منمق مما قال لهم ثم تعرج
الىمقارنه الحياة بين أمريكا والعراق
وبطريقه أستاذ فصيح راح يسبغ علينا اراءه في الدنيا ونظريته حول العالم والدين وكنا نستقبل ما يتفوهه
بشفاه فاغره وعيون مشدودة كطلاب يقفون امام أستاذهم. تركت تلك أللقطة ميزانا شفافا من ابهه وتقدير
لذالك الذي يمتلك مفاتيح ممغنطه ومنطق حذق ويجلس ألان قربنا وهو لايدري إننا ندري. مرة وفي كازينو بابل في شارع الجمهورية بكركوك
كنت و الشاعر التركماني ( فاضل ناصر) ذو الوجه البشوش نتحادث عن ملائكة (جليل
القيسي) واشراقاته على القصة العراقية فهمس (فاضل) في أذني إن (جليل القيسي) سره
انه بصدد إخراج مجموعة قصصية بركانية الهوى متمردة الانتساب وأضاف ستكون قنبلة الموسم وصرخة احتجاج عنوانها
(التراشق بالقناني الفارغة) دونها على الواح من غسق وجنون وحناء تتضمن أورام وبقع طينية خبأها تحت مخدته
الوردية كانت تتناسل بسريه وكتمان
بين زوايا غرفته النصف مضاءة وبين وعيه وان وجود هامش من العطر السياسي المتلون
دفعه لان يخرجها ألان علنا. توقف الزمن برهة بيننا رغم الحذر النابت على
الارصفة في ذالك الوقت وعلت فوق الرفوف حسابات البوصلة السياسية المرتبكة لكني اعتبرت الامر سبق صحفي اودعته
صدري ورحت أتابع حركة الكتب وإصدارات الدور بشغف لعلي أفوز بتلك القناني أو بعض
رذاذها . لم
انس المجموعة ـالمغامرة يوما
رغم الغربة التي اخذتني
بعيدا ومنها سألت الشاعر (فاضل
العزاوي ) ابن المدينه واحد (جماعة كركوك) الأدبية ذات يوم في أمسية ثقافية بديترويت عن سر هذه
المجموعة القصصية و ماذا عن أمرها ؟
نظرني مليا ثم رد هامسا: ـ أنا مثلك انتظر وبقيت كذالك بالانتظار
رغم إن الأمور جاءت عكس ما اشتهي إذ مر زمان طويل مات فيها ( جليل) وسافر ( فاضل ناصر) من الوطن
ملتحفا بعباءة (كركوكلي) ليقيم في أحضان البرد والعلب الخشبية مهربا بضع قصائد
وتراتيل دينية وهو الوديع في الجلسةوالاصغاء بينما تركني (فاضل العزاوي) في صخب
القاعة و سط المحتفلين بالمهرجان الثقافي أراقب بخار سؤالي وهو يمتزج مع دخان
السكائر المتصاعد وذهب إلى منفاه متوشحا
بالمطر المجنون ملتحفا معطفه الشتوي ومعتمرا قبعته الأنيقة وبقيت أنا امام
السؤال تلميذ لايعرف أبجدية الحوار مع الآخرين إلا في الظلمة. لكم كنت أتمنى إن اسأل ( جليل) كي يزيح عني ثقل
السر وأنام بلا قلق أو توجس لكن لا(الفاضلين ) (2) في الأدب أماطا اللثام عنها
ولاانا القابع في ديترويت وجدت ضالتي
فمنذ ان ابرقني الأستاذ ( نوزاد احمد ) حول مقالتي(1) في جريدته قائلا ، إن( جليل القيسي) في طريقة ألان لتركيا يحمل مرض لااظن
علاجه هين أيقنت إن سر المجموعة سيدفن في القبر. لقد تركني (جليل) في المنفى دون إجابة وبقيت انا أتراشق بقنانيه الفارغة
بينما ذهب هو بعيدا هناك حيث الله يكون.
(1): بوستر ثان لجليل القيسي مقاله للكاتب نشرت قبل وفاة جليل
باسبوع (2) الفاضلين : الشاعرين فاضل العزاوي وفاضل ناصر |