|
|
نوستالوجيا الرسام ، بورتريت
فطري للرسامة الجميلة لهيب جدو صدرالدين أمين
الفنان التشكيلي صدرالدين أمين بعاطفة قوية جياشة تفيض حبا وألفة , وبأحاسيس
إنسانية متلظية عالية , تأخذنا الرسامة ( لهيب جدو ) إلى
عوالمها الفنطازية لتحكي لنا من خلال ريشتها وترسم ألف حكاية وحكاية كشهرزاد ، منذ
تلك اللحظة التي ألهمتها أمها التي كانت تنسج بصبر وروية وحب سجادة وضعت فيها كل
ورود وازاهير حديقتهم البغدادية ، ولتبقى تلك السجادة النادرة ملهمة لهيب ترافقها
وهي المرتحلة دوما منذ ان شاءت الأقدار أثناء الحرب العالمية الثانية لان تهاجر
العائلة كطيور جريحة عشها الأول أرمينيا ولتعشش من جديد في مدينة تلعفر العراقية,
ولن يدوم ويستقر بهم الحال ليختاروا وجهتهم هذه المرة الى كركوك التي ستترك لاحقا
وحتى اليوم أثرها الاعمق في نفس الطفلة الرسامة لهيب وخاصة قلعتها تلك التي كانت
مزارا لملوك بابل وسومر وأشور الذين كانوا يأتون إليها في مواسم الجفاف لإقامة
الصلوات والتوسل من اله الرعد والأمطار لان يمنح بركاته ويروي عطش مدنهم تلك المدن
التي ستروي لنا الرسامة لهيب حكاياتها بشجن تركماني إنساني أصيل لتقول للعالم ان
جذوري متأصلة في تراب القلعة وأزقتها وأبوابها وماءها
وهواءها إلى درجة إنها تتمنى ان تكون قطعة صغيرة من
الحجر في عمق زاوية من القلعة كما تقول الأغنية التركمانية التي تتغنى بالقلعة
والتي نسجتها ونقشتها لهيب على لوحاتها بريشتها المغموسة بألوان دموعها لتعلن
حنينها الأبدي إلى هناك مثل ذلك الحنين الذي اجبر الشاعر الأسباني رافائيل البرتي
المنفي أيام حكم فرانكو ان يتغنى في
قصيدة له :( ليتني أكون زهرة في مراعي وطني وتأكلني بقرة ) . لتذكرنا ونحن نتأمل لوحاتها بحكاية ابن القلعة البار
المغني علي قلعه لي , التي تروي القلعة روايته قائلة ، انه بعد ان أمر دكتاتور العراق بتهجير القلعة من ساكنيها وثم
تخريبها وتدميرها لكي يدشن له قصرا لن يكتمل أبدا ، كان هذا المغني الجميل يأتي
يوميا ويجلس على ضفة نهر (خاصة صو) ويتأمل ما تبقى من خرائب القلعة ، التي كانت
يحرسها رجال الدكتاتور ويبدأ بالغناء والذي كان عبارة عن نشيج روحي عميق ممزوجا
بدموعه التي لا تنتهي إلا بمسحة من منديل طرزته أمه بزهور حديقتها وهذا المنديل
أشبه بسجادة أم لهيب وكلاهما تميمتين سترافقان المغني والرسامة أبدا ، وقد تحول
نشيج هذا المغني إلى طقس أسطوري فتأتي نساء
القلعة الحزينات لمشاركته نشيجه وبشكل يومي وكطقس مقدس
وكانت أشبه ما تكون بعزاء الآلهة والملوك وهي تتوسل كبير الآلهة لسقوط المطر و
التي هي دموع المغني والرسامة ونساء القلعة . تلك هي حكاية لهيب أيضا و التي لن تكتمل، بعد ان يقرر الأب
الذهاب والرحيل هذه المرة إلى بغداد وليشدوا الرحال من هناك إلى بيروت ، وهناك
تقترن لهيب بزوج عربي لتأخذ وجهتها إلى نيويورك لتستقر بعدها في ولاية تكساس التي
أنجبت احد أهم الفنانين الأحياء في العالم الفنان الأمريكي: روبرت روشنبيرغ . و
منذ أكثر من ربع قرن مع زوجها
وابنتيها الجميلتين التي ستصبح الكبيرة وهي نادية كموديل لها لتلبسها الفساتين
المطرزة تلك التي كانت تطرزها الأمهات التركمانيات كي تلبسها البنات وهذا ما نشاهدها في اغلب لوحاتها ولتبدا من
جديد بخلق عالم آخر لها عالم سحري تخصها وحدها عالمها الافتراضي التي تجمع بين عالمين
متناقضتين هما عدمين , الشرق والغرب
, القديم والجديد , الحرية والعبودية ,
الماضي والحاضر , تكساس وكركوك , تحاول لهيب ان تجمع كل
هذه التناقضات بانسجام فني وهذه مهمة أشبه بالمستحلية وهي نفس الهدف الذي كان يرنو
إليه الشاعر الألماني غوته إلى ان يئس فقال عبارته المشهورة ( الشرق شرق , والغرب
غرب , ومن المحال ان يلتقيا ) ..لكن خيال الرسامة لهيب وطموحاتها اللانهائية ترفض
هذه المقولة والرؤية معا فهي لا تجد كلمة مستحيل في قاموسها الكبير واعني حياتها
منذ ان عرفت نفسها لتصنع مملكتها الساحرة ولترفع عليها رايتها التي صنعتها بنفسها
من ذكرياتها وتكتب عليها شعارها الأوحد ( الاختيار , الجمال , الأمل) , وهكذا
اختارت لهيب طريقها ووجدت ما كانت تبحث عنها بعد طول عناء من الترحال فهي التي قضت
نصف حياتها في الشرق والنصف الآخر في الغرب كما تقول فهي شرقية خالصة من جهة
ذكرياتها وحنينها إلى جذورها وعشها الأول وغربية من جهة أفكارها الليبرالية الحرة
، فهي مؤمنة بان الحرية تصنع كل شئ لذلك. فهي حزينة جدا لأوضاع المرأة الشرقية
وخصوصا التركمانية، التي تعيش تحت نير النظام البطرياركي لا تتمتع ولو بجزء ضئيل
من الحرية. وبهذا ستبقى هامشية كما كانت من قبل وللأسف وهذا ما جعل من لهيب ان
تصرخ عاليا للمطالبة بحقوقهن وذلك من خلال سلسلة أعمالها التي أعطت فيها حيزا
كبيرا للمراة ورسمتها بكافة الأوضاع تطغى عليها الجانب الحسي الايروتيكي بشكل مثير
دون ان تقلل من قيمتها وشانها بل أرادت ان تمنحها كيانها وحريتها وجمالها ومكانتها
وبجرأة وشجاعة نادرتين عرت المرأة من كل شئ إلا روحها الوثابة وأرادت ان تقول
للرجل ان المرأة هي كل شئ . وبهذا فهي تذكرنا بأعمال وشخصية الفنانة المكسيكية
فريدة كاهلو، أسلوبا وجرأة في كثير
من أعمالها والتي نفذتها باسلوب فطري مما يجعلنا ان نطلق عليها بأنها تلميذة ذكية
في مدرسة الفن الفطري التي تزعمها الأب الحقيقي لها الرسام الفرنسي هنري روسو
. إلا ان لهيبا استطاعت ان تضع
توقيعها الخاص عليها وذلك بإضافة لمسات فنية معاصرة وحديثة عليه فهي الآن بنت
القرن الحادي والعشرين والعالم الحديث ، وهذا ما نراه في بناء اللوحة وتوزيع الكتل
والأشكال فهي بهذا استفادت من دراستها المعمارية وهي معمارية بامتياز رغم أنها لم
تحقق حلم والدها بان تصبح مهندسة معمارية كما كان يتمنى ، فهي اختارت الرسم والفن
لأنها كانت تشعر بأنها خلقت لهذا وستبدع في هذا المجال الذي هو عالم الرسم الكبير وكانت فعلا كذلك ,
والسؤال المهم الذي نريد ان نسال بها الرسامة لهيب لماذا اختارت الرسم ولم تختر
المعمار فجوابها ستأتي بالتأكيد لاني أريد ان أقول كل شئ وامنح هذا الكون والعالم
جمالا وإشراقا وأملا متجددا دوما. إذن هذه هي رسالة لهيب الفنية والإنسانية معا التي تنادي
بها وتصرخ عاليا من خلال لوحاتها المتوهجة تلك التي تذكرنا ببهجة وزركشة ملابس
النساء التركمانيات ذات الألوان البراقة الحارة والوحشية في مصطلحات الفن الشائكة
تلك التي كانت ولازالت تبقى حية في ذاكرة لهيب ولذا ستعيد رسم تلك الفساتين مئات
المرات وفي كل مرة تخبرنا بقصة جديدة أبطالها هم مفرداتها الأربعة التي نجدها في
اغلب لوحاتها واقصد الطائر والسجاد بساطها السحري وثم قلعة كركوك وأخيرا المرأة ,
أمنا جميعا والتي لا تخلو أية لوحة من لوحات
لهيب منها، في حين أنها أهملت النصف الآخر من المرأة ،
واعني به الرجل الذي لم تخط وترسم ريشة لهيب هيئته حتى في لوحة يتيمة واحدة . أما
لماذا لم ترسم الرجل فاعتقد إنها الوحيدة التي بامكانها الإجابة على هذا السؤال في
حين نجدها تغوص عميقا في سيكولوجية بني جنسها , يبدو لي إضافة إلى ذكريات طفولتها
فان شغلها الشاغل هي المرأة وكل ما تشغل وتحيط بعوالم وحيوات النساء. ففي هذا
الجانب تذكرنا بالرسامة الإنكليزية جيني سافيل التي رسمت مئات اللوحات لنساء
بدينات عاريات لكن نساء لهيب تقترب أكثر من نساء فريدة كاهلو خاصة في الجانب
النرجسي منها فكاهلو رسمت نفسها في عشرات اللوحات وهكذا فعلت لهيب أيضا لكن لهيب
لم تكن نرجسية بل أرادت من خلال رسم نفسها ، وهي المرأة التركمانية الجميلة في
عشرات اللوحات باعتبارها مرآة لنساء العالم اجمع وخصوصا المرأة التركمانية كما تصر
هي ومنذ ان وطئت قدماها ارض الأحلام أمريكا منفاها الجديد، لتروي لنا من بعيد حكاية
المرأة ، حكايتها التي صاغتها المنافي بعمق وهذه من ايجابيات المنافي كما يقول
الكاتب الألماني من اصل أفغاني عزام زرياب: ( ان من
يعيش في المنفى يغدو بامكانه ان يحيا جذوره وخلفيات تكوينه الثقافي بوعي وينظر
إليها بموضوعية أكثر ) ، وهذا ما لا يستطيعه المبدع وهو في بلده الأصل بشكل كامل
خاصة بلدان الشرق الأوسط
.
التي تعيش خارج الحرية ولازالت تلك البلاد تصر على حذف
كلمة الحرية من معاجمها وهذا ما ترفضه لهيب التي تحررت من كل القيود وأصبحت حرا
كطائر النسر الذهبي الأمريكي الذي يحلق عاليا بجناحيه العريضين ( رسمت لهيب هذا
الطائر في عدد من لوحاتها ) , و رغم عذابها بأنها خسرت الوطن الأم، لكن تبقى
الحرية أجمل من كل شئ وأمل وحلم كل إنسان وخصوصا المبدع منه.. فالإنسان الغير حر،
إنسان غير كامل كما يقول الكاتب الأمريكي ارنست همنغواي وهذا ما تصر عليه في مجمل
لوحاتها ، شهرزاد الرسم التركماني الفنانة المبدعة لهيب جدو .
بينسلفانيا – الولايات المتحدة
( خاص بموقع
موسوعة تركمان العراق )
|