العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

(شُعلـة كركوك الأبديـّة)

 

خالد كاكي

كاتب وموسيقي من كركوك

 

 

 

يوم بلغَ بيكاسو خبر مصرع صديقه مصارع الثيران الشهير آنذاك إغناثيو سانتشث مخيّاس في ساحة النزال قال جملة شهيرة رددها بعده كثيرون: (وماذا يريد إغناثيو أكثر من الموت في الساحة التي عاش من أجلها!!).. فهل مات قارئ المقام الكركوكي الشهير عبد الوهاب (هابه) في الساحة التي عاش من أجلها؟

لقد تصفحتُ لأكثر من مرة حياة هذا الملك! ولم أجد أكثر من جواب واحد على سؤالي: أجل.. لقد عاش هذا العاشق الكبير ومات في ساحة الغناء.. ملكاً بلا منازع، ونهراً عارما من المحبة لكل حجر في قلعة كركوك الخالدة ولكل نسمة من ربيع مدينة (آربخا) ذات النيران الأزلية..

كلفتني الكتابة عن العملاق (هابه) كثيراً من الدموع الصادقة.. فهل هو حنين لكركوك أترجمه إلى مقال عن قارئ مقام عشق المدينة؟ أم إنه مقال وفاء لرجل أخلص في حبه للطرب.. الرئة الأخرى لمدينة تبلغ من العمر أكثر من ثلاثة آلاف عام من البقاء على قيد الغناء!

أسموه (عندليب كركوك)... وقد كان عندليب الجميع بلا قفص، وكان قلب المدينة النابض... وكان سحراً يحلق في الأجواء في ليالي الصيف. فكم من مرة أغمضت عيني مستسلماً للنوم وأنا أستمع إلى صوته البهي يضيء ليل المدينة قادما من إحدى الحفلات في قلب كركوك ... وكم من مرة رافق صوته الشجي ذو البريق والرونق كل رحلة في سيارة أجرة أو في حافلة تلهث في عروق المدينة الخالدة...

...

- لماذا أسموه (عندليب كركوك) ؟

- لأنه كان يغني بقلبه!

...

مضت أعوام عديدة على رحيل الملك (هابه)... رحل جسده قبل أكثر من خمسة أعوام ، تلك القامة الغنائية السامقة وحبيب أهل المدينة الأصلاء ولا يزال صوته الفذ ينبض في كل عرق من عروق المدينة.

تُروى عن (هابه) مقولة شهيرة: (حتى الذين لا يحبوني... ستجد في بيوتهم شريطين بصوتي!!) فأي تغلغل هذا في كل بيت من بيوت كركوك العريقة!! وأي عملاق غير (هابه) يجرؤ على قول جملة على هذا القدر من الثقة والإعتداد بالنفس!!

...

للذين لا يعرفون هذا الملك، أروي قليلاً من سيرته.. إنه عبد الوهاب ملا برغش المعروف شعبياً باسم (هابه). قارئ المقام  الشهير ومطرب أهل كركوك الأول خلال أكثر من ثلاثين عاماً. لم يغن حرفاً ولا جملة للدكتاتور المهزوم.. لم يغن إرضاءً لأحد بل غنى للبسطاء وعامة الشعب... كان بوهيمياً أصيلاً، كان فناناً من ماءٍ ونار... كان حبيب أهل مدينة الذهب الأسود... كان عملاقاً تعلم منه الكثيرون من عشاق الغناء.. كان نظيراً ليوسف عمر والقبانجي وشلتاغ وكبار المقام العراقي...لم يكن هابه تركمانياً ولا كردياً ولا أرمنياً ولاكلدانياً ولاعربياً..  بل كان شعلة من نار بابا كركر الأزلية!

...

من أفضل ما أجاده (هابه) في فن الغناء الشعبي الأصيل المعروف بالمقام، أداؤه الفذ والمميز لمقام (بياتي) بإضافاتٍ ستحمل لونه هو، وستحمل بصمته الفارقة. كان (هابه) من أفضل قرّاء مقام البيات، ولعل أول شريط سمعته بصوته يوم كنت طفلاً نهاية عقد السبعينيات كانت (بستة) عراقية تركمانية من مقام (بيات) في شريط مع المطرب (إلهام ملا عبود) وهو يغني (عرقتن أوي أوي أوي ... شرابتن أوي أوي أوي..) ليغني البستة نفسها بعد أكثر من عقد من السنوات مطرب تركيا الشهير إبراهيم طاطليساس كما غنّى أيضاً  (بياز كول قرمزي كول)  وأغان أخرى من كركوك ومن (هابه).

...

لقد كان (هابه) في تواضعه، مثالاً للملك السخي... ومثالاً للنجم الكبير، يدرك مدى لمعانه في سماء الغناء ومدى حب الناس له... فكم من مرة تبرع له الأغنياء في الحفل بالذهب والمال فوزّعه على من حوله كزاهدٍ وصوفي لا يريد من مال الدنيا سوى مكانٍ في قلوب محبيه فكان له ما أراد.

...

أدى المطرب (هابه) كل مقامات الغناء بإجادة قل نظيرها... لديّ أشرطة بصوته وهو يقرأ مقام الـ(بياتي) من درجة سي! (مثلاً في مقابلة غنائية قديمة مع مشكو ويشار)  وهذا – بالنسبة لمن لديهم إلمام بالسلالم الموسيقية والمقامات- أشبه بالمعجزة! أصوات قليلة في الطبيعة بإمكانها أن تؤدي مقام بياتي من درجة سي. الذي يفعله (هابه) في أداء المقام سواء أكان سلم البياتي أو الرست أو الحجاز، وبدون دراية موسيقية نظرية، يفوق كل التوقعات. وجلّ ما يتألق أثناء (المقابلات) لدى تحدّيه صوت قارئ مقام آخر... فيبذل أقصى طاقته ويرتقي إلى درجات عالية جداً في سلالم المقام. و(المقابلات) إصطلاحاً، هو تواجد أكثر من قارئ مقام في  حفلة موسيقية واحدة. وهم جميعاً، سواء أكانوا إثنين أو أكثر، مدعوون إلى ساحة المبارزة الغنائية، وهذه سمة بارزة من أصول المقام العراقي وخاصة مقامات و"أصول" (التقاليد الموسيقية) لدى أهل كركوك.  إذ يبدأ أحدهم بتحرير الجملة الأولى من المقام وفيما بعد يجاريه الآخرون من أساتذه الغناء في أداء المقام نفسه بالدرجة نفسها وفي أغلب الأحيان جواباً شعرياً على ما أتى به الأول من (خويرات – وهو قالب شعري تركماني) أو إطلاق جملة غنائية جديدة كجبهة للتحدي.. وقد كان (هابه) منذ شبابه سيّد هذه المنازلات ومنها اكتسب شهرته الغنائية في كركوك وأربيل والموصل وديالى وبغداد. لقد كان (هابه) (ديل بازاً) وترجمته إلى العربية، إنه (كان رجلاً لَسِناً) ، لا يقوى على مقارعته أحد... وكان ذكياً وبارعاً في التأليف الفوري في المواقف التي يحتاج فيها إلى إبتكار جملة، كلامية أو مقامية، موسيقية. كذلك إبتكر (هابه) (لازماته) الخاصة ولم يردد ما ردده أو ألفه قبله آخرون من تلك اللازمات إلا قليلاً من الأصيل منها. وهذه الإضافات مادة تراثية مهمة جداً ينبغي أن تُدرس وتوثق لصالح الغنى المعرفي والموسيقي لبلاد ما بين النهرين.

...

إن موسوعة تراثية هائلة مثل (هابه) لن تتكرر كثيراً. كان يحفظ الآلاف من الوصلات المقامية والأبيات الشعرية والـ(خويرات) وهو نمط من الشعر القائم على الجناس بالتركمانية، وكان قاموساً حياً لتراث مدينة بأكملها. لحسن الحظ أنه عاش في زمن التسجيلات الصوتية والمرئية فقد كانت كل حفلاته تقريباً مسجلة منذ بداياته، واليوم قد يكون من غير الممكن إحصاء عددها بدقة، ولكنها مقاربةً تتجاوز الألفي شريط صوتي!

إن أهمية هذا الرقم من التسجيلات بأتي من أن قارئ المقام أو مغني التراث الفطري والمتعلم بعصامية مثل (هابه) يغني في كل مرةٍ من المرات بشكل مختلف تماماً عن السابقات، الأمر شبيه بالإرتجال الموسيقي على آلة ما وهو ما يسمى بـ (التقسيم). فالمطرب الناشئ على السليقة والفطرة والنابع أداؤه من صميم العشق للغناء فحسب، لا يرتقي منصة الغناء بعد سابق تحضير للحفلة، بل تنطلق حنجرته إعتماداً على عناصر مهمة تزيد من تألقه في الأداء أو تقلل منه، حسب (طقس) الحفل إن صح التعبير. من تلك العناصر المهمة، وجود جمع من المستمعين ومحبي الغناء (الجمهور) ومدى تفاعلهم واحتفائهم بقارئ المقام. وقد كان هذا الأمر سبباً أساسياً من أسباب رفض (هابه) تسجيلات الأستوديو،  كان يراوده شعور الطائر السجين في قفص، فرفض على مدى أكثر من ثلاثين عاماً أغلب العروض لتسجيلات الأستوديو – باستثناء بعض التسجيلات النادرة منها حفلته في تركيا -.

لقد كان الجمهور الذي يحضر حفلاته، مرآةً يرى فيها الفنان نفسه.   

...

عاش الملك (هابه) حياة عريضة، وزرع نجمَهُ في سماء كركوك إلى الأبد... فخَلد في ذاكرة المدينة بينما صوته ينبض في عروق حجارة قلعتها الصامتة.

 

   مدريد  2006

khalidkaki@yahoo.es