العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

التركمان في رحم التاريخ والحضارة

 

نور الدين موصللو

 

 

يحاول المتسابقون الوصول إلى خط النهاية وتحقيق الفوز بالتعتيم وإسدال الستار على وجود التركمان بالاتهامات والتلفيقات تارة والتشكيك بهم تارة أخرى بهدف التقليل من شأنهم وحجب دورهم وإنكار كيانهم وهم في هذا مفلسون أمام الرصيد الذي لا ينضب ، ان الذي يملكه التركمان رصيد مزدوج تاريخا وحضارة فهم جزء من أمة الترك فخرا  ، وجزء من العراق اعتزازا وانتماءً ، يجمع تاريخا مشتركا بمصير واحد قلما نجد شعوبا حملت هذه الصفة بما لهم من مصادر غنية غير قابلة للاستهلاك و النفاذ.

    يعلم الجميع بان التركمان هم من القوميات الرئيسية  المكونة للشعب العراقي وتواجدهم مواطنين في ارض الوطن يعود لتاريخ موغل في القدم .حيث كانت ارض الرافدين موطن هجرات أقوام متعددة منها الأقوام السامية من الجزيرة العربية ومنها أقوام من شمال البحر المتوسط من وراء حدود ايران الحالية وبين الأخيرة والتركمان عناصر مشتركة اظهرتها الدراسات الانتروبولوجية والاركولوجية الاخيرة وهي تكشف الخفايا وتدعم الحقائق يوما بعد يوم مضيفا الى ذلك الرصيد رصيدا إضافيا محبطا محاولات الاغتيال المستمرة بحق التركمان وجودا وكيانا وهوية وللحقيقة ودحض الاقاويل التي تتجاهل وجود هذا الشعب ثم تنكر وتتنكر أصالة وعمق تاريخه في العالم وفي ارض العراق خاصة يمكن العودة إلى طيات الكتب التاريخية والمصادر القديمة بعصورها وازمانها لمختلف المؤلفين والكتاب المؤرخين من المختـــصين في أجـزائه ومراحله من العرب والأجانب مستشرقين كانوا أم غربيين للوقوف أمام مدحضات الأكاذيب والأباطيل المغرضة والموجهة المعروفة غاياتها ومقاصدها سلفا.

      لعل افضل سبل مواجهة العلل قوة الحجة وبنائها ودعمها بتقديم القرائن القوية وإسنادها بتلك البديهيات التي لا تحتاج إلى برهان كما لا تحتاج إلى مطلوب إثباته وهنا يكفينا أن نتطلع بشموخ الى رمز الأصالة النابع من الصلب والترائب وهي تأكد مدى قدم أمة الترك بشعوبها واقوامها تلك هي شجرة الأنبياء وبمجرد الوقوف أمامها نقف عند الشجرة  التي استظلت بظلالها سهـــــول وفيافي وبوادي وصحارى والمسطحات المائيةالواسعة التي لا يمكن حصرها ووضع حدود لها وينتـــــشروا منها الى جديد الأراضي والأصقاع مثلهم مثل غيرهم من بناة الحضارة من الأمم ، الا أن أمة الترك يتميزون عن باقي الأمم بتنوع وتعدد حضاراتهم حسب تعدد وتـــــنوع أجناسهم واسمائهم وموطن وجودهم وأقامتهم ، تجمعهم سمات وصفات مشتركة في روح وجوهر تلك الحضارة وبغض النظر عن تعدد تسمياتهم ألا انهم جميعا ينتمون الى سلف واحد مع احتفاظ كل خلف بخصوصياته فهنا في العراق الجلائري والاتابكي والتركماني والبياتي والوندي والسلجوقي وهناك السلجوقي والجلائري إلى جانب الجيجاني والهوني والقفجاقي والتتري والصوغاري والبلغاري والبشتوني والجركس والاذري والخراساني وأسماء لا تعد ولا تحصى من الأقوام والأجناس والفصائل وجميعها ترك.

 وعودة إلى تلك الشجرة شجرة الأنبـــياء التي تبين وتؤكد نسب امة الترك وانتسابهم ،ان صورة الشجرة موجودة اصلا سطورا ومواضيع ومخطوطات في العديد من كتب السير وخصوصا سير الأنبياء والرسل منها كتاب (محمد رسول الله) تأليف الاستاذ محمد رضا إضافة الى كتب قصص الأنبياء لمؤلفين عديدين كلها تجسد شجرة الانبياء من سيدنا ادم الى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وما بينهما من الانبياء والرسل والشعوب والاقوام التي بعثوا اليها بروايات متواترة مسندة بثقافة الرواة والمؤرخين لها ، نتوقف عند سيدنا نوح عليه السلام واولاده الثلاثة سام وحام ويافث وضمن احفاد يافث تاتي شعوب الصين والترك وياجوج وماجوج وقصص الاخيرة وردت في القرآن الكريم وتشمل وجود أولئك الشعوب في المفهوم المعاصر في منطقة آسيا الوسطى واسيا الشرقية وجدير بالذكر وكما ورد بان هذه الشجرة ليست من وحي الخيال وانما ظهرت في التداول الاعلامي في بغداد ومازالت وبموافقة وزارة الاعلام وطبعت في التداول الاعلامي وطبعت بمطابع معروفة وقائمة الى الان وهنا تجدر الاشارة الى ان شجرة الترك المعروفة جاءت مطابقة مع شجرة الانبياء بمضمونها التي وضعها (امير خيوه ابوغازي- بهادرخان) بلغة الجغتاي وقد نقلها الى التركية الدكتور(  رضا اوغور) وتوجد نسخ اصلية منها في المتحف الآسيوي في بطرسبرغ وفي قازان وبرلين وبحسب ما جاء فيها تؤكد على :-

  ان الاتراك اقوام وقبائل تجمعها التركية وان نـــــسب الاتراك تصل الى ترك بن يافث بن نوح  وبناءاً على الاساسين يعتبر( ترك ) الجد الاعلى لامة الترك واستنادا على ما ورد اعلاه فان هذه الشعوب ساهمت في بناء الحضارات عبر التاريخ حيث نستطيع القول ان تاريخها وحضارتها جاء من رحم واحد فلا يمكن فصل هذا التاريخ عن تلك الحضارة ولا هذه الحضارة عن ذلك التاريخ فالأمة التي تمــــتلك التاريخ من رحم انجب ابناء ساهموا في البــــناء والتطور والازدهار وصنعوا الامجاد في اقصى المعمورة وادناها فلابد ان تكون لها حضارات وان أمة الترك معروفة عنها الحضارات الــعريقة التي بنتها ورفدت الانسانية بالعلم والعلماء وبالقادة والادباء وبالمفكرين والمثقـفين ولم تبخل في سعيها نحو التطور والتمدن حيث حطت رحالها، وتركمان ( اتراك ) العراق فرع من تلك الشجرة الموريقة اليانعة ساهمفي البناء الحضاري وتمدنه وفي كل الامور الخيرة ووضع   لمسات انامله عليها هنا وهناك هنا في العراق مع من تعايشوا معهم في الوطن من اخوتهم العراقيين بتشــــــــــكيلاتهم القومية والدينية وهناك مع بناة الحضارة اخوانهم في الشجرة . ان الحديث عن التاريخ ليس سفسطة كلامية ولا لعبة تســــــلية لمربع الكلمات المتقاطعة يجب ملائمتها افقيا وعموديا بل هو الهام واستــــلهام دروس وعبر ووجود كيان يشار اليهــــما بالبنان ولا يـــجوز ان ننسب التاريخ لمن نريد لان التاريخ كما هومعروف ليــــس مصنعا لانتاج السلع والبضائع ، فكيف يكون معملا لصناعة السير والأحداث لكي نقول صنع في ….. ؟

عندما نستقرئ تفاصيل أيام  سير التركمان وما حفلتها من الأدوار الفاعلة والمؤثرة عبر التاريخ الزاخر أمجادا وبطولات و الخدمات المدنية والعسكرية التي قدموها في سبيل الحفاظ وديمومة الدولة ومؤسساتها اينما كانوا من أجزائها مكانا ومكانة دون إعارة الأهمية لأي جانب يشغلهم من أداء المهام الذي يملي عليهم مسؤولية الإحساس بالواجب. حيث يذكر التاريخ في 223هـ -  837م استصراخ المرأة الهاشمية للمعتصم من ضيم وقسوة البيزنطيين حينما أغاروا عليهم سبوا المال والشرف- التفاصيل  في تاريخ (الطبري) الجزء العاشر  ص227 - فما كان من الخليفة الا ان يعلن النفير العام من قصره ملبيا ندائها وكان ما كان من فتح قلعة عمورية بعد ان جعل على اجنحة ( الخمس) وهي تشكيلة الجيش انذاك القادة ، أشناس وأفشين وبوغا يذودون ويقاتلون الأعداء بسيوف واسنة رماح بجيش من اقوام الترك وقد شغلت هذه الحادثة ومازالت حيزا كبيرا من الدراسات التاريخية ، ناهيك عن تمرد بابك الخرمي الذي اقلق الدولة العباسية ما يزيد على عشرين عاما الى أن تمكن الافشين من القضاء على تلك الحركة المشهورة وقد ذكر الحافظ الذهبي في الصفحة - 383 - من الجزء الاول من كتاب ( العبر في اخبار من غبر) واصفا اياه ( شديد البطش صعب المراس اضر البلاد والعباد وامتدت ايامه نيفا وعشرين سنة ) .. ويضيف … ( فلما وصل الخبر الى بغداد ضج الناس بالتكبير وعمهم الفرح واظهروا السرور وكتبوا الكتب الى الأمصار بالفتح بينما سار الافشين ببابك حتى أتى سر من رأى )

 ان هذه الخدمات الجليلة وغيرها كثيرة كانت بدافع الإخلاص والتفاني من اجل بقاء وديمومة الوطن الكبير الدولة المترامية الأطراف ومركزها بغداد ، عملية التفاخر بأمجاد الأجداد وعظم أعمالهم ليس من باب التباكي وذرف الدموع إلى الماضي الذي من يفتخر اليه ومن كان غنيا نقاضيه بماضينا التليد واما استعانة الخلفاء بالأتراك فلم يكن بمحض صدفة دائما انما جاء بالرغبة الملحة واعتمادا على :-

1 – نجدة الاتراك وبطولاتهم ... ( تاريخ التمدن الاسلامي- الجزء الرابع ص 177 - جرجيس زيدان)

2- ضعف ثقة الخلفاء بالعرب والفرس ... ( التاريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية  - الجزء الثالث ص 119 -  الدكتور احمد شلبي)

3- خوف الخلفاء من ظهور الفتنة بين الجنود واغلبهم من الفرس والعرب ... ( ضحى الاسلام الجزء الاول ص 4 - احمد امين )

4- تحري الخلفاء عن اداة طيعة فاعلة لقمع القلاقل ....  (المصدر السابق) .

بعد هذا القليل من الذكر وهناك ما عداها في بقاع الدولة الكبيرة والدول التي قامت على المعمورة في حاضرة اسيا وافريقيا واوروبا المزيد باسهامات اثارها الشاخصة ليومنا هذا من قبل اولئك الذين انجبهم نفس الرحم وهم ينتمون لتلك الشجرة الخالدة التي سطرت الوطنية والقومية مع قيم الدين بروح واحدة لخليط لا ينفصم عراه .

المصادر والمراجع :

* مطبعة دار الصياد 762 -   4  /6/1989 .

* مطبعة المغرب اوفسيت للطباعة والتصميم 18-1998 .

* مقــــدمة في تاريخ الحضارات القديمة ،ج1طه باقر.

* حضارة بلاد وادي الرافدين ، اصالتها وتاثيرها في بلدان الشرق الادنى القديم .

* تاريخ ابن خلدون  ،ج1ابن خلدون- د . فاضل عبد الواحد علي .

* طبائع الحيوان(أبواب في الصين الترك والهند) شرف الزمان طاهر المروزي .

* محمد رسول الله - محمد رضا .