قصة...لم يكن في الحسبان
وديع العبيدي

للفنان
جمال إبراهيم مدد
وديع العبيدي قاص وشاعر وناقد.
بكالوريوس علوم اقتصادية/ 1982. شارك في حربي الخليج الأولى والثانية- خطوط أمامية.
غادر العراق في عام 1991. مقيم في النمسا منذ 1993. صدر له: في الشعر وطن الحب/
1988- ما قالته النخلة للعشاق:1990- تأملات قبل السفر/1991- سلطان الكلام/1999-
أغنية الغبار/2000- منفيون من جنة الشيطان/2003- دخول في خبر كان/2004- أغنية
الغبار (بالإنجليزية- ترجمة: جواد وادي)/ 2004- صدفة نجوت (باللغتين الألمانية
والعربية)/2006. في النقد يوسف عزالدين.. شعره وتجديده (دراسة في الشعر العربي الحديث)..
تقديم: د. عبدالله العبادي /1993- القاهرة. جنى الأوراق من أدب عبد الرزاق
(السامرائي).. دراسة وسيرة.. تقديم: د. نوري حمودي القيسي / 1999- هولنده/ لايدن
أنطولوجيا: أحفاد جلجامش (راهنية الشعر العراقي 1980- 2000) / 2003 – النمسا / منشورات ضفاف في
الاقتصاد السياسي (بالألمانية): آثار الحصار الاقتصادي على الشعب
العراقي – معهد العلوم السياسية في جامعة سالزبورغ / النمسا - 1999 مجلات: أسس وأصدر
المجلات الثقافية التالية في النمسا: مجلة الساري )بالعربية والألمانية) / 1998
(حزيران)- فصلية (صدر منها أربعة أعداد).(
ضفاف –بالعربية) فصلية (صدر منها عشرون عدداً).
UFER بالألمانية)
– 1999 (حزيران)–
فصلية ، صدر منها سبعة أعداد.
لم يكن
في الحسبان
يومها أمطرت السماء مطراً
كثيراً.. والناس استبشروا بالمطر بعد سنوات الحرب الطويلة.. لأنها ستغسل المهاد من
آثار الدماء والفؤاد من بقايا الأحقاد ويعود كل شيء كما كان وأحسن.. وفي مواضع
القتال حيث لا يزال جنود ينتظرون الإجراءات الإدارية البطيئة فقد امتلأت الملاجئ
بالمياه وانهار كثير منها على رؤوس المقاتلين وأتلفت أشياء كثيرة تعود لهم من
بينها فرحتهم بوقف الحرب المفاجئ.. وأطلق قسم منهم ساقيه للريح شرقاً أو غرباً من
ضيقهم وعدم وجود من يتولى أمورهم.. ولأننا نقيم عند الحدود الشرقية التي يسمونها
(البوابة) فقد وجدت نفسي قبل غيري في بيت العائلة. لكنني فضلت الذهاب إلى بيت جدي
أولاً قبل زيارة أهلي وأخوتي.. كنت أتقدم نحو أطراف المدينة وقدمي لا تكاد
تحملني.. كلما تقدمت وجدتني أقرب للطيران من المسير من حجم الفرحة.. اعتقدت أن
أهلي سيفرحون بعودتي ويضربون الطبول وموسيقى الأفراح سبعة أيام متواصلة ويعلنون
عطلة رسمية بين الأقارب لعودتي سالماً غانماً كما كانت تقول أمي في أيام دراستي..
كل ذلك انتهى وأنا أدفع دفة الباب الحديدية الزرقاء على النصف ويقع نظري على جدي
وهو جالس في باحة الدار (أي الحوش) أمام الحديقة الصغيرة التي زرعتها ورعيتها في
صغري وأمامه بعض دجاجات جدتي ينقرن الكونكريت تارة وتارة ينثرن تراب الحديقة.. لم
أكن قد رأيت جدي يجلس تلك الجلسة ويضع كفه على فمه مسنداً ذقنه على مفصل إبهامه..
تقدمت وجلاً متردداً.. وأنا لا أعرف ماذا أقول أو أفعل.. لم يحر حراكاً.. ازدادت
وساوسي.. اقتربت أكثر وأنا أتأمله.. عندما صرت قريباً منه قال بصوت هادئ وعميق دون
أن يلتفت.. ها جيت.. ايه جدو.. خلصنه.. قلت بعفوية ودون تفكير.. فنظر نحوي وردّ
بآهة وصوت.. يا ريت!.. اقتربت منه وقبلت رأسه ويده فأحسست بالطمأنينة والهدوء تعود
وتغمر جسدي وروحي كما كانت في الماضي.. كان وجود جدي وهيئته تمنحني فرحاً
واعتداداً أنسى معه كل خوف أو قلق.. ثم مضيت إلى جدتي وقبلت رأسها من فوق العصّابة
كالعادة فسحبت رأسي بين كفيها وغمرتني شفاهها المكرمشة بقبلات متتالية.. ثم سألتني
على الفور.. هل تأكل؟.. لا.. مو جوعان.. بعدين.. لعد أخلّي شاي!.. ايه.. ثم جلست
على الأرض.. كان جدي قد ذهب إلى المجلس البلدي فلم يجد أحداً.. وذهب إلى دار
الصلاة فلم يجد أحداً.. وذهب إلى سوق المدينة فلم يجد أحداً.. عندها أحضر علبة
صفيح فارغة مما يستخدم لدهن الراعي المرسومة على صفحته صورة بدوية حوراء مبتسمة
بالخمار.. صعد عليها وصار يخطب حتى تجمهر حوله السيارة.. وكان ذلك يوم.. لم يسبق
مثله ولم يتكرر.. أصاب الناس وجوم وخوف.. كلما رأوه في طريق انحرفوا عن ملاقاته
كما لو انه جن أو شبح.. وكانوا قبل ذلك يكنون له احتراماً شديداً، وله هيبة عند
الكبير قبل الصغير.. أما جدي فكان قلبه مثل عقله كبيراً.. وكان عبوسه مثل ابتسامته
تفيض رقة ورحمة.. يعرف أن لا حول للناس ولا قوة.. وأنهم يسيرون على آذانهم.. لم
أعرف ماذا كانت تعني تلك العبارة.. قالوا أن جدي يعترض على قرار الحكومة.. وجدي
يحرض الناس على العصيان العام وجدي.. كانت الشائعات تنتشر.. والكلام الخفيف الفارغ
لا يحتاج إلى ريح.. لا أريدك أن تخرج للناس.. وإذا استطعت العودة إلى وحدتك
العسكرية فذلك أفضل.. أفضل لك وأفضل لأهلك.. أعرف أن جدي لا يمزح.. وجدي يحبني
كثيراً.. ولا يحب الكلام الكثير.. نظرت إلى وجه جدتي وهي تنظر مبهوتة وكأن عينيها تقولان.. هذا الرجل جنّ.. هذا
الرجل في عقله مسّ.. ثم نهضت ودخلت المطبخ لتضع حفنة شاي يابس في القوري وتصبّ
عليه ماء ساخن من الكتلي قبل أن تضعه على
طباخ النفط الصغير وتقلل من درجة الحرارة.. جدي لا يمزح.. وأنا لا أستطيع
أن أعصي كلامه.. فما العمل.. هل يكون هذا اليوم بداية التمرد وعصيان كلام جدي..
هذا يعني حرماني منه ومن رؤيته.. يعني غضبه الأبدي عليّ.. لن أكون أفضل من ابنه
البكر الذي منعه من دخول البيت لمجرد أنه أراد الانتقال مع زوجته لبيت الحكومة..
ومنذئذ لم يصل خالي الذي كبر أولاده وتزوجوا إلى ذلك البيت الذي ترعرع فيه.. ولسان
حاله لا يزال يردد أغنية قديمة تتصافق لها أبواب المنزل القديم..
آيرندم
أوزلارنده ن أو شيرن سوزلارنده ن
بي لايدم بيله أولور
إيباردم كَوزلارنده ن /*
كان ذلك قرار جدي وطاعة
أبنائه.. لن أكون ابناً عاقاً في شجرة العائلة.. ولابدّ أن جدي لا يفرط بي ولكنه
يعرف ما لا أعرف.. كانت الأفكار والهواجس تدور بي وأنا أتوسط الباحة وقد جمدت
أعضائي مرة أخرى.. أنقل نظراتي بين جديّ بحيرة ومسكنة.. أرجو كلمة أو ابتسامة خفية
وليحدث بعدها ما يحدث..
وضعت جدتي أمامنا الشاي
وانسحبت بهدوء.. تناول جدي الاستكان وصبّه في صحن الشاي الصغير ثم كرعه على وجبتين
وأعاد وضع الاستكان في الصحن.. التفت إليّ فاستعدت معنوياتي من جديد وقال.. هل
تشمّ رائحة الأرض.. بعد المطرة.. أجبته بتسرع.. ايه.. رائحة العطن والجيفة التي
تقلب النفس.. بقيت ساكتاً واستكان الشاي في يدي وأردف.. من أجل هذه الأرض كنت
تقاتل.. من أجل هذه الأرض ضيّعت ثمانية سنوات من عمرك.. بدت أفكار جدي غريبة فعلاً هذه المرة.. لم أسمع جدي يتكلم
هكذا.. ولم أخبُرْهُ على علاقة بالسياسة.. فهل صار جدي معارضة آخر وكت.. الحرب
انتهت والناس تعود إلى حياتها العادية وجدي يريد قلب واطيها عاليها.. جدي غير
مضمون هذه المرة ولكن ما العمل.. الأرض جيفة.. هل أثرت عليه الشيخوخة ونسى حبال
الستينيات.. لا يا جدي لا.. لا وقت للعب هذه المرة.. وأنت تقول إنني ضيعت ثمانية
سنوات وأنت ضيعت ثمانين سنة كد وتعب.. فماذا تريد.. لا.. التعضه الحية بيده ايخاف
من جرت الحبل.. واحنه اكتوينا حيل.. حيل يا جدي.. مثل مرجل تغلي الأفكار وتدور
داخل نفسي ولا أقوى على التصريح.. لا أستطيع مجادلة جدي ولا أستطيع عصيانه.. لماذا
لا أتكلم.. أسأله أفضل من عصيانه أو الهروب منه.. نظرت إلى وجه جدتي الكامد..
تشجعت وقلت.. ولكن يا جدي.. نظر إليّ وعلى وجهه الأبيض طفت بشاشة.. فأردفت.. الناس
ما تحبّ الحرب.. كلنه ما نحب الحرب أبني.. مو عاقل اليحبّ الحرب.. هذا هو المنطق..
كنت واثقاً أن جدي يفكر مثلنا ولا يريد بنا الضرر.. استعدت معنوياتي من جديد.. ونسيت للحظة كلامه السابق للعودة
إلى الجبهة.. ليش لعد يكولون.. ضحك.. ضحك حتى انتهت الضحكة وكست وجهه طبقة من
الغضب.. الحرب لعبة.. هذه الحرب بدايتها لعبة.. ونهايتها لعبة.. هذه الحرب ما كان
لها أن تبدأ.. ولكنها طالما بدأت.. والجميع ركضوا لها.. فلن تنتهي.. الحرب لم تنته
يا ابني.. وما تسمعه ويصدقه الناس في الإعلام لعبة.. وأنا أريدك وأريد الناس أكبر
من لعبة.. لكن.. الناس تمشي على أذنهه.. الناس بيت بله.. جهل.. ضعف إيمان.. كان
جدي يتكلم.. وكنت أقتنع بكل كلمة يقولها.. لأول مرة أسمع جدي يتحدث في السياسة..
يحلل وينتقد.. جدي الذي بالكاد تدخل أو تكلّم في أمور عامة منذ أيام الحرس
القومي.. يقول كلام كله صح.. ويفكر صح.. ولا أثر للشيخوخة أو التعب عليه.. ولكن..
ماذا نفعل ونحن جزء من اللعبة.. ماذا نفعل واللعبة أكبر منا يا جدي.. هل هناك أحد
ينقذنا من هذه اللعبة.. رضينا اتضيع اسنين من حياتنا.. انصير لعبة ويضيع كلشي..
نظرت إلى جدي وقد أيقظ في نفسي آلاماً كنت أحسب أنها ستلتئم بانتهاء الحرب فإذا
بها تتجدد وتنزف.. عيناي ترجوان منه كلمة أو ومضة فكر جديدة.. كلمة سحرية تنتشل
حفيده من الضياع والقلق.. وقف جدي وخاطبني بجملته الهادئة وما تتضمنه من تهديد
وتحذير.. إني كتلك.. وبعد ابكيفك.. أروح للصلاة.. تابعت نظراتي ظله المنسحب معه
وبودي أن أمسك بأذياله وأتشبث كالطفل.. خذني معك.. ذهب.. وتركني مع أقداح الشاي
الفارغة وعيون جدتي الحزينة.. مثلي.. لا حول ولا قوة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* مقطع من أغنية تركمانية
قديمة تقول كلماتها : لقد وقع الفراق بيننا.. وحرمت من كلماتهم الجميلة.. لو كنت
أعرف أن الفراق (مؤلم) هكذا.. لقبلتهم من عيونهم.