العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

( قصة قصيرة )

طريق بلا مسافر

 

نجم الدين بيرقدار

 

نجم الدين بيرقدار ، شاعر وكاتب وباحث تركماني ، يكتب نصوصه باللغتين العربية والتركية . من مواليد حي ( المصلى) بكركوك 1952 . عمل حتى عام 1988 بشركة نفط العراق ، أضطر بعده للجوء إلى تركيا ، وقد غادرها عام 1999 إلى الدنمارك ، حيث يقيم حاليا بمدينة ( آروس) . ينشر نصوصه في صحيفة ( توركمن ايلي) ومجلة ( قارداشلق ) و( آلتون كوبري) و ( توركمن بوخزچاسى ).

 

1

 

بين اليقظة و النوم تحسس أميل الفراش الذي بدا غريب عليه ، تقلب يمينا و يسارا فانكرته الرقدة . إنه لم يكن في فراشه الحقيقي هذه المرة . كيف حدث ؟ . أمعن في التفكير فتذكر ما جرى . إن أمه دعته فهرع اليها ملهوفا فجرى ما جرى . في الحقيقة كان يتمنى ان يعود كما كان في سالف الأيام  يقاسم فراش والديه وفي حضن امه حتى ولو كان في الأحلام ، وعندما وجد الفراش أمامه وأمه تدعوه اليه  لم يصدق عيناه فأرتمى عليه بكل القوة، فنام قرير العين . هكذا أصبح الصباح فتفا ئل  بالخير . فتح عيناه على  نهار طازج فوجده يزقزق كالعصفور . مد يده ليلمس قرص الشمس فلسعته حرارتها وأعمته نورها البراق فغطى رأسه باللحاف . بحث تحت ظلمة الغطاء عن أمه ثم تحول إلى إبيه فام يجد لهما من أثر . أنهما يبدو قد أبكرا في النهوض  . فتذكر إنه اليوم موعد زيارة الملك لمدينته . فنفض عنه اللحاف وقام يجري نحو الحمام . سمع صهيل الخيل الهائج في المسا فة الفا صلة فأدرك إنه في الأتجاه الصحيح . حاول بلوغ المغسلة التي تأبى   المطاوعة فأخذ الكرسي وصعد فوقه . فتح الحنفية على أخرها ـ هذا ما أعتاد عليه ـ فأخذ بملئ كفيه الماء وغسل وجهه وفرك أسنانه بالفرشاة ثم زاد عليهما حتى أرتوى . رأى ورم صغير على جبينه ففركه بالماء والصابون حتى زال ثم مسح وجه بالوفطةونزل يجري نحو المطبخ . سمع صوت أمه وهي تدندن بأغنية ، فوقف عند فتحة الباب يستمع  مبهورا بجمال صوتها ولكنها  تنبهت إليه قائلة :ِـ " هل نمت جيدا ؟ " . فهرع إليها وأحتضنها وهو يردد " يعيش الملك . يا . يعيش "                                                                                                          

فردت أمه ضاحكة :- " يعيش الملك . يا . يعيش يعيش " ثم " ولكن حذاري من ألهائي فعلي إحضار الفطور لك ولأ بيك " . فتركها وأتجه نحو ألزريبة .

" إلى أين ؟ " .

" إلى أبي "  .

فوجده في الزريبة يمسح ظهر الفرس الأصيل بالفرشاة الكبيرة وهو يبتسم كالحالم . فوقف عند فتحة الباب ينظر اليه    كالمأخوذ..

" هذا هو الخيل الذي سيجر عربة الملك . ما أجمله " .

" يعيش الملك وعربة الملك . يا . يعيش يعيش " .

" ما أ جمل مقابلة الملك " ثم ركز عينيه في عيني الخيل الذي تراخى عنقه تحت أنامله وهو يمسد عرفه كمن يداعب رأس حبيبته " أنه المهرالذي أهداني اياه الملك . سيفرح به كثيرا . لقد فعل سيد الوالي خيرا عندما أناط لي نقل الملك . ستحمله هذه العربة المباركة . وسيطير به هذا الخيل الأصيل بدءا بمحطة القطار مرورا بطريق المحطة الى فندق كركوك السياحي .

2

تسير العربة ذات الخيل الأصيل وهي تحمل الحوذي وأبنه أميل ، وقد تلونت من الرأس إلى أخمص قدميها وبالوان قوس قزح وندى الزهور . تدق حوافر الخيل على صدر الاسفلت دقات منغمة ، تلمع على حده  شمس الصباح، تجري  وتمر ما بين جموع الناس كيوم الحشر .

" أنت قي المدرسة بين زملاء ك . مع أترابك وعلى جوانب الشارع . بين الناس . حشود محتشدة . وأنا وحيدا متوحدا في ساحة المحطة . أنتظر وتنتظرون  . كلنا نتظر مقدم الملك . لابد أن يأتي .     

" كيف كان هو.. وكيف كان أبوه  ؟ " .

 " كنتُ سائس القصر الملكي . كنتُ أرعى خيولهم . كنتُ أراى الملك غازي يمتطي صهوة الجواد الآصيل أو أراه يعلم ابنه على إمتطاء الخيل . كانت أيام الخير . ياليتها دامتْ . لقد ذهب الملك ضحية لحادث السيارة . لعلها كانت حادثة مدبرة . لا أدري . وترك وراءه إمرأة محطمة ( الملكة عالية) وابنا صغيرا ( الملك فيصل ) . لقد رأيتُ الملكة  بأمي عيني.  كأن ماء الحياة قد جفتْ في  عروقها وسرعانما تهاوت في حبائل المرض وماتت مأسوفا على شبابها . وقد تركا وراءهما ولدا يتيما حزينا يرعاه خاله الآمير عبد الإله . لم أتحمل المأساة فتركتُ الخدمة في الآسطبل ورجعتُ ألى كركوك . ومرتْ السنين وكبر الفيصل الصغير وتوج ملكا على البلاد . يا لها من الآيام " .

 

3

نزل أميل من العربة قرب المدرسة وودع أبوه والعربة تسدير إلى الخلف . تمنع الخيل أثناء أستدارة وتململ فأهتزتْ العربة حتى كادتْ أن تنقلب ثم وقفت في المسارالجديد كالآعجوبة ، وسارتْ حتى أختفتْ عن أنظار . وطفق يدخل باب الخارجي للمدرسة ، صعد قافزا الدرجات المعدودة وقبل أ ن يدخل من الباب الداخلي القى نظرة خاطفة للجهة التي أختفت فيها العربة ثم دخل الردهة . رأى بضعة الطلاب مجتمعين عند حانوت المدرسة . الارتباك والحيرة بادية على وجوههم ، فانضم اليهم .

" ما الاخبار ؟ " .

" كالقطران " .

" ما ذا حدث ؟ " .

" لاشيء  "

" كيف ؟ " .

" . . . . . . " .

إنهم يخفون عنك سرا . ما أعظم الصمت الذي تنطق به سحنتهم الكئيبة . ماعدى جنكيزالذي وقف بعيدا ووحيدا . أساله عن السر الذي أخرست ألسنة : ـ " ماذا حدث ياصديقي ؟ " .

" الم تعرف بعد ! " .

" كلا " .

" أستاذ عدنان " .

" ها . ماذا حدث ؟ " .

" تعب قلبه وسقط " .

" لم افهم "

" أزمة قلبية " .

" ماذا ! . أين هو الان " .

" في غرفة  "  

لم يمهله أ ن يكلم كلامه حتى اسرع الى غرفة المعلمين ووقف عند فتحة الباب يلهث متهيجا . إنه مستلقي على الكنبة وقد أحاط  حوله أستاذ سميح وأستاذ عصمت

 لمحه أستاذ عدنان في رقدته ودعاه الى الداخل فدخل .

" لا بأس عليك يأستاذ " .

" الله . . . يسلمك . . . " .

إنه يتكلم بصعوبة ، لابد إنه يتألم .

" ماذا حدث لك يأستاذ ؟ " .

" مأساتنا. . .  كبيرة . . . أميل " .

 تتدخل أستاذ سميح فقطع ا لحديث : " لاتتعب الاستاذ ياأميل " فقطعت صفارة سيارة الاسعاف الاحاديث جميعا فهبوا متأهبين : " لقد جاءوا " .

  دخل  شخصان في الملابس بيضاء الى الغرفة وحملا الاستاذ ووضعاه فوق النقالة التي تجمعت حولها  جموع الطلاب والمعلمين ثم اخذاه في وسط الحزن الدافق الى الخارج .  كانت سيارة الاسعاف تنتظره فركب أستاذ عصمت معه فسارت السيارة  حتى أختفتْ عن ألانظار .

لتي أستعدينا لها قد الغيتْ .. نحن أسفون ‘‘المراسيم ا قالها استاذ سميح ثم اردف “ “ نحن اسفون ياطلاب  

4

وجد نفسه في غفلة من الزمن مابين ازدحام السوق وأزدحام ألافكار . باي حال ترك الاستاذ ، كيف خرج من المدرسة ووصل الى هنا . بدا السوق في حالة خانقة ، ممر طويل وضيق. تدافع مع الناس و بجسمه الصغير في محاولة الوصول الى نهاية الممر . أقحم نفسه في تحمل المشاق من أجل الوصول الى أبيه . عليه ان يعلم بما جرا وبما سيجري . ألمراسيم التي تعبنا عليها قد ألغيتْ ، استاذ عدنان سقط صريعا وفي أخر لحظة ، يأتي الملك أو لايأتي فالامر سيان .

عندما وصل الى أخر المشوار وجد الجسر أمامه كالمفاجاة . جسر يربط ضفتي  المدينة  بحبل من الاحلام ، فأجمع  قوته وتخطاه كمن لايهتم بشيئ . فأسرع حتى أصدم بجدار الدهشة فسقط مبهوتا . رفع رأسه على مرمى المشهد الذي بهت له . رأى حشود من الناس تجمعت وتوزعت على جانبي طريق المحطة . ناس تحمل باقات الورد وناس تحمل الاعلام ، فرحين بما ألت وبما تأول عليه الامور  ، كأن جميع أهل المدينة قد هبوا  عن بكرة أبيهم تاركين أشغالهم ومشغولياتهم من أجمل عيون الملك المبجل .

 ولكنه استطاع ان يغالب الصدمة التي أحدثته المفاجاة فقام يجري بأتجاه المحطة . وجد الصعوبة في المرور عبر كتل الناس فأضطر أن ينزل الى الشارع ولكنه اثر  المشي قرب الرصيف . وجد العربات التي تجرها الأحصنة كفكي الكماشة حتى كادت ان تفرمه فرما ولكنه حاذر إنزلاق اليها فنجى . رأى عربة  و قد أنقلبت وتفرق أ حصنتها وغاصت في المياه الآسنة . رأى الحوذي وقد غاص حتى ركبتيه في الطين وهو يبكي ويتوسل ولكن لايهتم به أحد . هذا الإزحام سيبتلعك حتما . مهما أندفعتَ نحو الهدف تبتعد عنه بأميا ل كأنك تبحث عن لاشيئ . الترتيبات والتحضيرات التي طالما تدربنا وأستعدينا لها قد تهاوت في لمح البصر . مراسيم الأستقبال قد ألغيتْ وسقط الاستاذ وضاع ابوك في الزحام البائس . أين هو وأين أنت . أراى باب المحطة كالخيال . أستطيع ان أراى الان بسط تفرش وتمد من باب المحطة نحو الساحة الكبيرة . سيمر الملك عليها وسيصعد العربة . ولكن أين هي العربة وأين أبي ؟ . إنه يبحث عنه كالضائع . أناس ومن مختلف الاعمار تمتلئ وتسد الافق وهي تبتسم كالبهلاء . أنه يجري ويجري وبكل مايستطيع من القوة , يبحث ويدور دائرا حتى تختلط عليه الاشياء ويفقد توازنه ويقع فوق البساط الاحمر . تنفذ رائحة البساط القوية في داخله فيتوه . إنه موكب الملك ، بسحره وجماله ، إنه يتقدم ويتقدم والناس حوله ترقص كالمجانين . يرفع رأسه وينظر . إنه قاب قوسين وأدنى من المحطة . يقوم من مكانه ويجري بكل ما يجد من القوة نحو باب المحطة حتى يصل اليها ويدخل .

5

في المحطة وجد الجنود تملئ المكان ورجال البوليس تتوزع  بأنتظام . سحنتهم توحي بالخطر ، عيونهم تدور في محاجرها من الرهبة أو في عيونهم غشاوة بحيث إنهم لم يروك . تلصص وانسحب بهدوء متسللإ الى حيث العيون التي لا ترى   والاذا ن التي لاتسمع . وقف أمام لوحة الاعلانات وحاول قراءة مابين السطور ولكن الضوء الساطع زغلل عيناه فانسحب بهدوء مبتعدا عنها وجلس في المصطبة القصية . لفت نظره الإمتداد اللانهائي لقبضان الحديدية فتاه مابين القطارات الذاهبة والاتية . أخترق انفاق الجبال التي تغطي قممها الثلوج وسافر مع اللقالق والبجع البيض . مر فوق الانهار الذهبية والمدن المضيئة . بغداد مدينة الملاهي والعاب حيث الشوارع العريضة والحدائق المتأنقة والمكتبات التي تمتلئ بكتب ومجلات الاطفال .

سمع صفير القطار فأنتفض في مكانه وقام . رأى القطار يدخل المحطة فهرع اليه مسرعا ولكن الجنود :

 "  حذارا أيها الفتى " .

" أريد رؤية الملك عن القرب " .

" ممنوع " .

" ارجوك ياعمي " .

" لاتمتحن صبرنا أكثر  ياولد وإلا سنطردك من المحطة " .

فرجع الى مكانه خائبا وأنتظر نزول الملك ،  لعله يراه . نزل في ا لبدء  مسافرون عاديون ثم تلاه الحمالون  والاحمال التي فوق الاكتاف والعربات اليدوية . أنتظر وطا ل إنتظاره ولم يظهر الملك . أحدث له مكروه ! . تململ في مكانه وحاول القيام ولكنه تذكرتحذيرات الجند فلبد في مكانه لا يريم أية حركة . بمرور زمن لاحظ أختفاء الجنود من حواليه ثم خلو المحطة من البشر فتثاقلت جفون عينيه وأنطفأت الاضواء . رأى في الافق عربات القطار وبالوان قوس قزح تطقطق مقتربة من المحطة . وقف القطار وأنفتح الباب الوردي ونزل مرافقو الملك ثم تلاه الملك . زمجر الطبل ، غنى المزمار ورقص الجنود . 

االملك يسير بكل هيبة وجلالة وكما وصفه أبي:  وسيم ، متواضع وبشوش . إنه يسير على وقع الموسيقى . يتدفق الاف البشر نحو المحطة ويطوقون الملك . تمتلئ المحطة وتفيض . الكل يرقص ويغني قائلين :

" يعيش الملك . يا . يعيش يعيش " . . . .

" أصح وقم ياولد " .  أنتبه الى شيخ عجوز يهزه من صدره  ‘‘  " ماذا تفعل هنا ؟ أليس لك أحد  ؟ " .

فانتفض قائما : " كنت . كنت  أنتظر الملك "

" هكذا وحدك " .   

" نعم . لقد سمحوا لي بذلك "

" من هم ؟ "

" الجنود الذين كانوا يملآون المكان( ثم نظرالى حواليه) اه..  ولكنهم أختفوا فجأة . أين ذهبوا ؟ " .

" لإن الملك لم يأني . ولن ..  " .

  " لماذا ياعمي ؟ ".

" أسمع يابني . كنت أنا أيضا مثلك أنتظر مقدم الملك . أنت لاتعرفني . أنا بستاني المحطة . لقد عاهدت الله  على أن أقدم للمك باقة من الزهور عند نزوله من القطار . لقد أبكرت قي الحظور هذا الصباح من أجل أجمع له أحسن ماعندي من الزهور . وأنتظرته ولكنه لم يأتي . لقد جاء قطار الملك بدون الملك " .

" لماذا يا عمي ؟ " .

"  وقدعلمنا أنه قد حدث امر جلل في مدينة بغداد هذا الصباح . أو بالاحرى أنه قد قتل في المذبحة " .

" ما معنى المذبحة ؟ " .

" قتل جماعي " .

" لمن ! " .

" للملك وجميع عائلته " .

" ماذا ! الملك وجميع عائلته قد قتلوا ! ولكن لماذا . أنه لم يفعل أي سوء ياعمي لماذا يقتل هو وجميع عائلته ! "

" لاأدري . . . لاأدري " .

‘‘ ماذا سيحدث ؟ ‘‘ .

‘‘ الخراب ... الخراب ‘‘ .

 رأى الشيخ العجوز ينشج بالبكاء ثم يتهاوي على الارض . رأى كتفيه تهتزان بشدة من أثر البكاء . كان هذا اول مرة يرأى فيها شيخ ينهار،  وهذا ما أفزعه . وقف قرب رأس الشيخ برهة من الزمن وفزعه يكبر ويكبر حتى ضاق فتركه ثم جرى مبتعدا عنه . وقف عند باب المحطة والقى عليه النظرة الاخيرة ثم خرج . أخذ يجري ويجري وبلا  وعي حتى أدركه التعب ووقف ينظر الى حواليه . وجد الغبارالكثيف يغمر الكون . فقد إحساسه بالزمان والمكان فتاه . رجع الى الوراء متقهقرا وحسب عدد خطواته ثم وقف ينظر . وجد عربة أبيه أمامه كأنها تنتظره . تراجع الى الخلف مبهوتا ثم طفق يقترب منها كالمسحور . الرمال تتساقط والافق قد احمّر متربا . تخطى خطوات حذرة  ولمسها لمس الواجف فوجد الغبار المتراكم عليها عندئذ صاح كمن أتاه الفرج : " لقد أتيت اليك يأبي " ثم قفز على العربة .

" من أميل ! " صدر صوت ما من رجل يجلس في مقود العربة كالتمثال وقد غمرته الرمال  من كل جانب . حاول أميل أن ينفض النراب من على أبيه : " ماذا حدث لك ياأبي ؟ " .

" لن يأتي الملك . لقد حدث له حادث جلل. أليس كذلك ؟ " .

كأنه عالم بما حدث...  وكأن الرياح والغبار قد مسحت من الشارع الجموع المحتشدة  وزرعت أمواج من الرمال .

" إنه لا يستاهل هذه النهاية المفجعة " .

" . . . . . . . . . . " .

" أصدقني القول ياأميل "

ولم يعد له إلا أن يحكي,  فحكى قصة المذبحة  بينما السماء  تمطر رمالا حمر .