العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

قراءة في كتاب …

الترك في مؤلفات الجاحظ ومكانتهم في التاريخ الاسلامي

 

نورالدين موصللو

 

 

اعتمد المؤلف في كتابه اسلوب البحث العلمي الاكاديمي بدلالة استناده على كم هائل من المصادر القيمة والغنية بمعلوماتها متبعا اسلوب التشويق في بحثه عن الحقيقة بامانة واخلاص في سلسلة متصلة من الاراء والطروحات المعقولة والمقبولة بعيدا عن طريقة التزويق اللفظي مانحا القارئ فرصة التعرف على مجريات الوقائع والاحداث بسيل من الروايات الورادة على لسان رواتها المعروفين لدى الباحثين والاختصاصيين بصدق القول والموصوفين بعدم الميل والانحياز واتباع الهوى في كتاباتهم التي نالوا من خلالها ثقة الدارسين والقراء واشتهروا بها ، من هنا احتل الكتاب مكانة مرموقة ومتميزة في الدراسة التي تضمنت فحواها اضواء سلطت على حلقات مهمة كانت شبه ضائعة او غير معروفة لدى المتابع في اوساط المثقفين والناس عامة بالاضافة الى احتوائه على جديد المعلومات التي جاء بها الكاتب بالتحليل والاستنتاج وهو يواجه التلفيق والادعاءات الكاذبة في بعض قنوات بحثه يفندها  بحجج  استقاها من بين نصوص الكتب لعتاة المؤرخين الثقاة.

   طبع هذا الكتاب عام 1972 في بيروت (مطبعة  دار الثقافة) بعد ان نال به مؤلفه (زكريا كتابجى) شهادة الدكتوراه في عام 1967 ، معتمدا على اكثر من مئة مصدر منها (74) مصدرا باللغة العربية لفطاحل المؤرخين والكتاب بينهم المعاصرين والمستشرقين  و(17) كتابا للجاحظ الذي يعد من المعاصرين لتلك الاحداث و(6) مصادر يبحث عن الجاحظ ومؤلفاته واكثر من (10) مصادر اجنبية.

   والكتاب مكون من (315) صفحة من الحجم الكبير ،وقد قسم المؤلف كتابه الى ثلاثة اجزاء كل جزء يحتوي على فصول وابواب وعناوين خاصة ،من هنا ومن خلال اهمية المصادر الموثقة والمعتمدة في الدراسات البحثية التي اعتمد عليها الكاتب شغل الكتاب بمصادره وتحليلات مؤلفه مكانة كبيرة حائز  ثقة القارئ له بعد ان تناول الموضوع من شتى جوانبه بالتحليل والمقارنة والتحقيق بغية الوصول الى نتائج ملموسة لا لبس فيها ولا مواربة لجانب مهم من جوانب تاريخ الترك وان جاء قسم منه بصورة مختصرة.

      بدا الكاتب بمقدمة مطولة باللغة العربية والانكليزية موضحا اهداف الدراسة والخطوط التي سار عليها مستشهدا بالامثلة والشواهد كدليل ثابت يمكن تقديمه في اناء من ذهب للذين يتلاعبون بالفاظ التاريخ ويغيرون احداثه اجحافا ويُكذبون صدق قوله ، ردا لهم ولاولئك الذين يعتبرون انفسهم مفكرين ومتخصصين في التاريخ يستخدمون ممحاة خاصة بهم عند كتابتهم للتاريخ يمحون من المصادر ما لا يناسب اهوائهم بقصد تشويه الحقائق وتزويرها وقد فاتهم ان التاريخ بحوادثه وافعال رجاله لا يمكن ان تمحى من صفحاته او تزال بعوامل خارجية كالتي يسلكها بعض من بعض المندفعين وراء نزاعاتهم المختلفة مستخدمين اقلاما مدادها الحقد والكراهية.

    في الجزء الاول الذي يحتوي على فصلين تناول فيه الكاتب تاريخ الاتراك بايجاز من القرون الاولى الى عهد المعتصم مبينا الموطن الاصلي للاتراك وظهور كلمة الترك وشمولها على الاقوام التركية الذين يعدون من اقدم الامم التي ظهرت في اسيا الوسطى ليلعبوا بعد ذلك دورا هاما ومؤثرا في القارات القديمة (اسيا ،اوروبا ،افريقيا).

  حيث يقــــول في الصفحة (19) من الكتاب (فالأتراك كان لهم تأثير قوي في الامم والشعوب التي دخلت تحت نفوذهم وسيطرتهم من الناحية السياسية والثقافية والاجتماعية ،كما انهم تأثروا بجد واخلاص بالتيارات الدينية والثقافية التي وصلتهم من الخارج) ثم ينتقل الى تعريف مفهوم كلمة الترك وكيفية ظهورها وتعميمها لتشمل كل اقوام الترك اينما كانوا ، فقد عزاهم من ناحية اصلهم وباتفاق المؤرخين المتقدمين الى (ترك بن يافث بن نوح) اعتمادا على ما ورد في التوراة وبما صرح بذلك الطبري ، المسعودي ،ابن الاثير ، وابن الخلدون.

        وان قبائلهم التي لا تعد ولا تحصى الذين جاءوا امتدادا لأولاد يافث كما هو وارد في شجرة الانســــاب في الصفحة (31) من الكتاب ، ثم ينتقل الى مرحلة دخول الاتراك طور التاريخ مثلهم مثل الامم الاخرى التي دخلت التاريخ مع ظهور الكتابة عندهم مؤسسين دولا وامبراطوريات مختلفة ابتداء من اول من اسس دولة حاكمة مســــــــتقلة في التاريخ وهو (اوغوز خان – الفاتح الكبير) الذي يعد اول من وضع قوانين الاتراك ونظام عاداتهم وتقاليدهم واتقنها وسنها الذين جاءوا من بعده ، فاصبح بطلا قوميا خالدا وقد كان له اولاد ثلاثة سكنوا في الشرق وثلاثة سكنوا الغرب وكان لكل منهم اربعة اولاد وهكذا صار لاوغوز خان 24 حفيدا وهم رؤساء القبائل التــــركية التي بدأت تنمو وتتوسع لتصبح لكل قبيلة افخاذا وبطون تحمل اسماء اجدادهم الذين نسبوا اليهم كما يقال في العربية مثلا (بنو خزاعة ، بنو طي، بنو سُليم…الخ) ومع هذه الاسماء التي حوتها كلمة الترك ظهرت التسميات العديدة حسب المكان والزمان والظرف والشهرة مثل (بايندر ، افشار، بيات ، خزر، بجناك، قرقز، توركمن…الخ) حيـث جاء في الصفحة (39) (قبيلة من الترك وهم  التركمانية لهم اثنان وعشرون بطنا لكل بطن منها علامة وسمة يعرف بعضهم بعضا ).

وبعد انقراض دولة اوغوز خان قامت دول وامبراطوريات اخرى من بــعدها منها الـ (هون ، كوك تورك ) موضحا كيف كان صراع الاخير مع السلالات الصينية حتى عام 745م /128هـ حيث دخول العرب طور التاريخ بعد ان جمع الاسلام كلمتهم.

مع الفتوحات الاسلامية وتحرير العراق وبلاد ماوراء النهر وجد العرب انفسهم امام امة ذات شكيمة عظيمة قديمة الا وهي امة الترك ، وهكذا بدا الاحتكاك بين العرب والترك وفُتحت صفحة هامة في تاريخ الاسلام وحياة الاتراك السياسية والاجتماعية والتاريخية في الوقت الذي ليس هناك دليل على احتكاك مباشر سابقا بينهما قبل ان يواجه الطرفان بعضهما الاخر عبر نهر جيحون الا ان انعدام الصلات المباشرة لايعني  جهل العرب بالاتراك بل العكس هناك اقوال عن رجالات العرب تنبئ عن تأثر الاخير العميق بمزايا الاتراك القومية معرفة تامة باخلاقهم وعوائدهم تعبر تعبيرا صادقا عما وقع في نفوس العرب والمسلمين من المهابة والاجلال ببطولة الاتراك حيث يذكر المؤلف ذلك بروايات واحاديث وابيات شعر في الصفحات من (45-53) معتمدا على مشايخ المؤرخين والرواة العرب. ويستمر المؤلف في الحديث عن استلاء العرب على ما وارء النهر كلما اوغلوا في تلك المناطق كان الاحتكاك المباشر مع اقوام الترك سكان تلك المناطق وخصوصا في (خراسان ، بخارى، سمرقند، فرغانة، صغد ، اشروسنة…) وغيرها من مدائن بلاد ما وراء النهر ، وهكذا تستمر الحروب في تلك الاقليم مدة طويلة كان العرب دائما يلقون مقاومة عنيفة من الاتراك مما ولد عندهم الاعجاب والتقدير في فنون قتالهم. وكلما تم تحرير منطقة يعين عليها واليا لادارتها حيث يتحدث المؤلف عن سيرة الولاة ومعاملتهم للشعب ومدى تجاوب الشعب مع اولئك الولاة من الصفحة (75 الى 91) ، حتى نهاية الدولة الاموية وقيام الدولة العباسية  سنة (749م/132هـ) ومعها انتهت الفتوحات الاسلامية في العصر الاموي بعد ان وصلت حدودها في الشرق الى الصين.

اما في الجزء الثاني من الكتاب يتحدث  المؤلف عن الاتراك منذ اوائل الاسلام الى اخر عهد الامويين وعن كيفية استقدام جنود الاتراك الى البصرة في واحدة من موجات الترك القادمة الى العراق والتي سبقتها موجات منذ التاريخ القديم ليكونوا  مع اخوانهم العرب في الدين في جيش واحد تحت راية الاسلام ويساهموا في الفتوحات الاسلامية ونشر راية الاسلام مساهمة ومشاركة فعلية ويلعبوا دورا عسكريا في الجيش الاسلامي يخدمونه بصدق ووفاء حتى اصبحوا حراسا أمناء لخلافاء بني امية ، ويواصل الكاتب في دراسته الحديث عن الاتراك في عصر الخلافة العباسية ابتداء من زمن المنصور الذي قدمهم على العرب حتى آلت اليهم القيادة العسكرية بعد ان نالوا ثقة الخلفاء من بعده بما عُرف عنهم من الاخلاص والولاء والتفاني في خدمة الخليفة رمز الاسلام والمسلمين ومن هؤلاء (شاكر التركي ، المبارك التركي) في عهد المهدي والهادي 

ويسرد في هذا المجال تفاصيل عديدة استقاه من كتب الطبري ، اليعقوبي ، الحموي ، البلاذري … واخرون يمكن العودة اليهم بالرجوع الى صفحات مدوناتهم ، ومع  ظهور بعض الفتن والثورات في العصر العباسي الاول كان عسكر الاتراك وقادتهم الاثر الفاعل والكثير في القضاء عليها والحفاظ على كيان الخلافة ومؤسساتها مما حدا بالخليفة المامون الاعتماد عليهم وينظر اليهم نظرة خاصة معينة ليس هو فحسب بل الامراء والوزراء كانوا ينظرون للاتراك في ذلك العهد (انهم حديثوا العهد بالاسلام وقلوبهم سليمة ، لا يفسد الهواء طبيعتهم وعقولهم وافكارهم وارائهم صافية خالصة ، وبجانب هذه الخصال الحميدة اشتهروا ببطولتهم ونجدتهم وشجاعتهم بين سائر الامم في الدولة الاسلامية ، اذن كان كل شيىء يدعوا الى الاستعانة بالاتراك في امور الدولة خاصة في الجيش) ففي الصفحة (115) بحث هام عن خصائص الاتراك في مجلس المامون الذي ضم الوزراء والقواد وغيرهم من الاشراف وكبار رجال الدولة ، وفي هذه الجلسة احاديث وحوارات دارت حول مزايا وخصائص الاتراك في القتال وتفوقهم على غيرهم مهارة وفنا ، ويستمر الحال على منوال اداء الواجب في الدفاع عن دولة الاسلام ومؤسساتها حتى بدأ دور جديد في عصر المعتصم بعد ان الف جيشا كثيفا من الاتراك لتثبيت دعائم دولته ودليل ذلك في الصفحتين (122- 123) (وهؤلاء الاتراك اثروا تاثيرا بالغا في الشؤون السياسية والاجتماعية في دار الخلافة واستولوا على الجيش اولا وعلى الحكومة ثانيا وخدموا خدمة كبيرة لاينكر قدرها في اخماد نار الفتن التي ظهرت في البلدان الاسلامية والقضاء على الذين قطعوا الطريق ونهبوا اموال الناس وعاثوا في الارض فسادا ، وكان هؤلاء الاتراك دائما رهن اشارة الخليفة يؤيدون سلطانه وينفذون اوامره ويقاومون الاخطار التي تهدد الدولة في الداخل والخارج مثل بابك الخرمي والبيزنطيين الذين وقفوا بالمرصاد للقضاء على الدولة العباسية)

هذا بالاضافة الى ما يذكره المؤلف من اسباب جلب المعتصم واعتماده والخلفاء الذين جاءوا من بعده على الاتراك والاستعانة بهم حيث يمكن الاطلاع على هذه الاسباب في الصفحات من( 122)  الى( 127 ) معتمدا على الحقائق التاريخية الناصعة البياض  لاتشوبها شائبة والتي وردت على لسان المعاصرين او القريبين لتلك الحوادث والذين يوصفون بالحياد وعدم التحيز.

وجدير بالذكر ان المعتصم عندما الف جيشا من الاتراك امر بقيد اسمائهم في ديوان الجيش واسقط العرب والفرس منها ثم ادخلهم في جيشه المحارب ، واستطاعوا بشجاعتهم وبطولتهم ان ينالوا تقدير الخليفة وان يصلوا الى القمة في امور الحرب بروحهم العسكرية وارتفاع شانهم حتى صار  اكبر القواد منهم … كالافشين واشناس وايتاخ ووصيف وبغا الكبير وغيرهم كثيرون ، وكان لهم نصيب وافر ودور فاعل في تحقيق الانتصارات ضد الزُط والروم في موقعة عمور ية.

كان المعتصم يعنى باخواله الاتراك عناية خاصة ويخاف من اختلاطهم بالعرب وغيرهم من الامم الاخرى ويفصلهم عن بقية جنده لئلا يتاثروا بهم ،وكان حريصا على استبقائهم على دمائهم الصافية وفطرتهم الاصلية ، وفضلا عن ذلك البس المعتصم اتراكه زيا خاصا لكي يعرفوا به ويميزهم عن بقية جنده.

ولاول مرة في التاريخ في الدولة العباسية انشئت للاتراك مدينة جديدة خاصة بهم سميت (سر من راى ، سامراء) ولما مات المعتصم ولي ابنه الوافق الخلافة سنة 227 هـ حيث سار على نهج ابيه في الاعتماد على الاتراك لاخماد نار الفتن التي ظهرت في ارجاء مملكة الخلافة وكان نخبة قواده من الاتراك الذين خدموه بكل ما في الوفاء والاخلاص من معاني وناولوا منه الجاه والمنصب حتى اسند لاشناس اعمال الجزيرة والشام ومصر والمغرب ، ولقد واجه الواثق ايضا اخطارا داخلية  عديدة في زمنه خاصة في الجزيرة (الحجاز ، المدينة المنورة ، اليمامة ، شمال الجزيرة) وتغلب عليها بقواده الاتراك وجنده.

تستمر صفحات الكتاب برواية متغيرات المواقف وخصوصا في عهد الخليفة المتوكل الذي يمكن تسميته بعصر اضطهاد الخليفة للاتراك ،رغم ان امه كانت تركية الا انه لم يلتفت اليهم ولم يحسن معاملتهم بل اخذ يضغط عليهم ويدبر المؤامرات لقتل كبارائهم واباعادهم عن المناصب التي تمكنوا فيها منذ عهد والده ،بهذا فقد الخليفة صداقة الاتراك ومودتهم الدائمة للبيت العباسي … … وهكذا يستمر المؤلف في سرد الاحداث والوقائع تحليلا ومقارنة في اطروحته حسبما وردت في روايات المصادر التي اعتمد عليهاخلال عهود الخلفاء المنتصر بالله ، المستعين بالله ، المعتز بالله ، والمهتدي بالله … مبينا ضعف سلطة الاتراك وسطوتهم على الدولة العباسية بمرور الايام بعد المهتدي ،ويؤل المؤلف سبب ذلك معتمدا على روايات الطبري ، اليعقوبي ، الى قتل روؤساء الاتراك الذين ذهبوا ضحية الفتن التي سببت اضمحلال الدولة العباسية ، والسبب الثاني فقدان القادة وقحط الرجال بين الاتراك الذين يقومون مقام اسلافهم . ولذلك لانرى بعد عهد المهتدي 265هـ قائدا شجاعا بطلا كالافشين واشناس وايتاخ وباغر ووصيف وبغا والفتح بن خاقان وابراهيم بن عباس الصولي وغيرهم من الاتراك الذين نبغوا في الدولة العباسية بعد المعتصم في الجيش والادارة والحكومة وما زال امر الاتراك يضعف شيئا فشيئا الى ان ظهر الاتراك السلاجقة في طور التاريخ ودخلوا بغداد حتى انقذوا الخليفة من سلطة البويهين.

هذا ولم يقتصر دور الاتراك في الدور العباسي على الرجال فحسب بل كان لنسائهم دور مباشر وبارز كونهن امهات للخلفاء العباسيين شاركن في تدبير امور الدولة مع الخلفاء والوزراء والامراء وخدمن خدمة كبيرة لاينكر دورها في التاريخ وتاكيد ذلك جاء في مصادر التاريخ الموثوقة لدى السيوطي والمسعودي وابن حزم والخطيب البغدادي والقاضي الرشيد بن الزبير … واذا جمعنا عهود فترة الخلفاء الذين كانت امهاتهم من الاتراك فهي تتجاوز (150) عاما ،  ذلك دليل لادليل بعده على نفوذ الاتراك في الدولة العباسية ثم يذكر المؤلف اسماء ومواقف بعض من اولئك النساء والسيدات اللائي كن زوجات وامهات الخلفاء العباسيين ومنهن (مراجل ، السيدة الشجاع ، قطر الندى ، جيجك خاتون ، زمرد  … الخ)

اما في الجزء الثالث والاخير المعنون (الجاحظ والاتراك ) حيث يذكر المؤلف نبذة عن حياة (ابو عثمان عمرو بن يحيى بن محبوب الكيناني الليثي الملقب بالجاحظ – لجحوظ عينيه من حدقتهما الواسعتين- المولود في البصرة) .

وتلقفه العلم والثقافة خلال مراحل حياته على ايدي اساتذة وشيوخ كبار في مختلف مجالات العلم والادب وكان مولعا  بالقراءة  فلهذا  نجده قد اخذ  من الثقافة اليونانية وحذق  بالثقافة  الفارسية بالاضافة الى الثاقفة التركية  التي تعمق بها  وبلغ  الى حد  لم يبلغه احد ممن كان في عصره  حتى كان مسموع  الكلام في هذا الباب مؤلفا  رسالة مستقلة  في موضوع الترك تعطي لنا فكرة كافية عن سعة صدر الجاحظ وتبحره بثقافة الاتراك واستيقائها من منابعها الاصلية وخصوصا بعد انتقاله الى بغداد حيث امكنه التعرف برجال الدين وعلماء اللغة واهل الكلام الذين لمعوا في سماء بغداد ولازم مجالس الادباء والشعراء واتصل بالكبار من رجال البلاط الوزراء منهم والامراء واكتسب صداقتهم ووجد عندهم على ما قال هو نفسه  ما لم يجد عند مشايخه الذين اخذ عنهم الشعر والادب حتى حذقهما والكتابة .

واستفاد الجاحظ بقدومه الى بغداد عاصمة الخلافة العباسية من ناحيتين:-

اولا: اتصل بالاتراك الذين شغلوا مناصب مهمة والحساسة في الدولة العباسية واحرزوا مكانة عالية في دولة والجيش واختلاطه بأدبائهم ووزرائهم ورجال الدولة  مثل ابي يعقوب الخريمي وابراهيم بن العباس الصولي والفتح بن خاقان وغيرهم من مشاهير الاتراك ،وقد انتهز الجاحظ الفرص التي سنحت له حينما كان في بغداد للتقرب اليهم حتى صار من صميم اصدقائهم .

ثانيا: وجد الجاحظ جوا مساعدا للتوسع في ثقافة التركي  والتعمق فيها وخاصة اذا ما عرفنا ان بغداد كانت في ذاك العصر غاصة بالاتراك ، وبهذا امكن للجاحظ ان يسمع قصصهم ومناقبهم حينا من الاتراك  وحينا من الرجال الذين حاربوا الاتراك اثناء فتح بلادهم ، وكذلك تهيأت له فرصة جمع محاسنهم وفضائلهم في رسالة بأسلوبه الخاص اثرا خالدا على مر الزمان حيث ينقله المؤلف مقتبسات من الجاحظ من صفحة 190 الى صفحة 214 ، تلك الروايات الذي تتحدث عن علاقات الجاحظ بكبار الاتراك بما حوتها ظروفها من الحكايات والروايات والمواقف المختلفة وخصوصا منها في بلاط الخلافة ومجالس الوزراء والامراء تلك الروايات التي تضمنتها اشهر الكتب التي اعتمد مؤلفوها على روايات الجاحظ امثال المبرد – ابن خلكان- الياقوت الحموي- ابن حزم …الخ .

ومع حديث المؤلف عن فضائل الاتراك المقتطفة من كتب الجاحظ والبالغة اكثر من (200) كتابا متفق عليه في الوان شتى من المعرفة في حقول الادب والفلسفة والدين والاجتماع والاخلاق  الى جانب التاريخ والسياسة ، وان من مزايا مؤلفات الجاحظ وملاحظاته الدقيقة بخصائص الاجناس والاقوام وتعليلها بالظروف الطبيعية والاجتماعية فهو من الكتاب الذين آبو الانزواء في برجهم العاجي فبرز الى ميدان العمل لاصلاح احوال المجتمع ومؤسسات الخلافة الادارية بالاشتراك مع اولي الامور امثال الفتح بن خاقان  والحقيقة ان الجاحظ  كان من المتحمسين لاقامة الاتراك ركنا قويا بين اركان جند الخلافة في عصر المعتصم وقد كتب كتابا  يبين فيه مناقب الاتراك التي تتعلق  بالبطولة والشجاعة والنجدة والفروسية والحروب والمقاتلة ليقدمه الى الخليفة تأييدا لرايه وتقوية لعزمه مع تعبئة الراي العام حول  الموضوع كما يفعل  الصحفيون في زماننا هذا ، لا انه لم يفلح في تقديمه للخليفة لأسباب يطول شرحها هنا ويمكن معرفتها من صفحة (218 ) من الكتاب،  ومع طروحات  الجاحظ في ذكره فضائل  الاتراك لم يهمل مزايا سائر  الاجناد حتى يمّكن للقارئ  الحكم فيما قرأ.

ثم نجد في نفس الجزء بابا خصصه المؤلف تحت عنوان (مزايا الاتراك في مؤلفات الجاحظ ) من صفحة (228-248) بعد ان ذكر (39) مزية من مزاياهم معتمدا على كتب ورسائل الجاحظ مشيرا الى اسمائها واجزائها وصفحاتها .

وفي اخر ابواب الكتاب نجد الجاحظ لم ينسى في مؤلفاته ذكر بلاد التركستان ومدنهم الخاصة مدينة مدينة لنرى ما تميزت به مواطن الاتراك و مراكزهم بالنسبة الى سائر الممالك الاسلامية ، حيث يقول مؤلف الكتاب بذلك ما يلي (معنى تركستان …. البلاد التي يعيش فيها الاتراك وقد خصصت في اصطلاح الجغرافيين والمؤرخين بالمناطق الواسعة التي تعيش فيها الشعوب التركية وتحدها سيبيريا شمالا ، ارول وبحر الخزر غربا، منغوليا والصين شرقا، ايران وافغانستان وكشمير وتبت جنوبا. وقد استعمل العرب كلمة اخرى ترادف تركستان وهي – ما وراء النهر- ولما سقطت دولة الفرس وبلغت حدود الاسلام في الشرق الى نهر سيحون الذي يقطن  الاتراك وراءه منذ قرون وكان هذا النهر حدا طبيعيا بين هذين العنصرين وكثيرا ما عنوا بـ – نهر جيحون – لا غير ، انظر مثلا قول عمررضي الله عنه – فلا تجوزون النهر- وقولهم – جاوز فلان النهر – و اول من قطع النهر- وكما ورد في طبر والبلاغ.

ومع فتح تلك البلاد ،  طائفة كبيرة من فحول العلماء والمؤرخين والمفسرين والمحدثين والمتصوفين والفلاسفة والحكماء والفقهاء والادباء من سكان تلك البلاد وهؤلاء خدموا الاسلام لانتشار نوره وازدهار حضارته ، وألفوا من الكتب والتصانيف في شتى العلوم وفنون – في الفقه والحديث والاصول والكلام والمعاني والتاريخ والصرف والنحو والادب باللغة العربية – ما لا يعد ولا يحصى وكانت سمرقند وبخارى والشاش وكيماك وفرغانة وغيرها من مدن تركستان كما ذكر الجاحظ في مؤلفاته تعد كعبة المعرفة والعلوم ينزل العلماء والادباء اليها من اقاصي البلدان الاسلامية فيأخذون حظهم من العلم والمعرفة وقد اسهب  الجغرافيون كالحموي والاسطخري الكلام عن تركستان).

ومع الصفحات الاخيرة نقرأ عن رجالات الاتراك في مؤلفات الجاحظ متحدثا عن اصلهم ونسبهم ودورهم حسب مواقع الوظائف التي شغلوها وخدموا بها دولة الخلافة الاسلامية في العصر العباسي وبالخصوص الى اواسط القرن الثالث الهجري حيث كان موضوع الكتاب .