|
|
الم اقل لك!.... الم اقل لك!
عبدالسلام الملا ياسين
في ليلة
الشتاء تلك، تطلعت بعيني نحو القمر وهو يلاعب الغيوم التي اثقلها حملها، يُسرج
بصمت قطعة من كبد السماء، فتلاحقه الغيوم بتثاقل لتواري سؤته خلف عبائاتها
الكحلية، فيقفز بمرح الى مكان اخر، فتلاحقه الغيوم مرة اخرى..... هناك
صليت بخشوع لأفروديت، علّها تدلني على معشوقتي التي سلبت مني منذ عقود، وفجأة
أزاحت افروديت عباءة غيمة كانت مفروشة بدقة على مغرب الأفق، وتطلعت بعينيها
الناعستين نحوي بأستغراب، ثم أخرجت من تحت جلبابها لفافة بردي غطت مابين المشرق
والمغرب، نظرت فيها بتأني، ثم قالت: ـ ايها
المسلوب حبيبته، اذهب الى مرضعة اسلافك، فدواءك عندها..... ثم راحت
تغيب خلف الغيوم من جديد، فصرخت اليها مستدركآ: ـ ومن هي
مرضعة اسلافي ياسيدة الحب؟ فدوى
قهقهتها كالرعد في ارجاء السماء، وهي تردد: ـ أيها
الشقي، أنها أم السماء، أنها أم اوغوزخان! ـ واين
اجد ام اوغوزخان يا افروديت؟ لم يكن
هناك غير قهقهات تداخلت مع الرعود ثم تلاشت في الجهات الاربعة....... فتشت بين
كتبي الالف ومئتين، ولم اجد ما يدلني على أم السماء، تذكرت فجأة ذلك الصندوق
الصغير المرمي في زرزمين البيت مع سيوف واسراج خيول لم ترى النور منذ ثمانين عامآ.
كانت احدى عجائز القبيلة قد صنعته من بقايا جهاز عرسها الذي لم تهنأ به قط، ووضعت
فيه منديلآ حاكته من ظفائرها التي لم يلمسها رجل طوال عمرها المديد....... هكذا
روت لنا جدتي يومآ حكاية ذلك الصندوق، فضحكنا وقهقهنا لكلامها، حتى أضطرت هي
الاخرى على الضحك معنا...... ولم يفكر احد منا ان يفتح الصندوق منذ ذلك اليوم! اوووووه.........
لقد صدقت جدتي والله، هو ذا المنديل ملفوف بعناية داخل الصندوق! "مرضعة
الاسلاف هناك، ترعى الشياه عند منابع النهر العظيم" أهذا كل
ما هنالك؟ اوَ يستحق هذا الكلام المقتضب أن يحافظ عليه من الحر والبرد كل تلك
القرون! هكذا تفكرت في نفسي وأنا أقرء ما كتب على المنديل. قبلت يدا
امي التي لم أرها منذ سبع سنين، واستأذنتها للرحيل الى حيث لا أعلم...... وما أن
نويت الى حيث ترعى ام السماء شياهها، حتى وقف البرق قبالتي وبلا دعوة، وبدء يثير
الغبار بحافره....... أمتطيته وأرخيت لجامه الى حيث ترعى أم السماء شياهها. هناك عند
منابع النهر العظيم وجدت خيمة قد حيكت من نور القمر وطرزت بخيوط الشمس، كانت ام
اوغوخان تجلس هناك على باب الخيمة وعليها جلباب من ماء رقراق، كانت منشغلة تضرب
بكف ذئب* تحتفظ به منذ الازل على ضرع شاة لها قد نضب حليبها..... أستنكرت منها
ذلك، فشدت ملامح وجهها المرتمي عند ذقنيها من تكدس السنين وقالت: ـ هون
عليك، أنما أضرب شيطانآ قبض على
الضرع لا يتركه. فقلت
لها: ـ يا أم
السماء، يامرضعة الاسلاف.... ما لي وللضرع والشاة وكف الذئب! أنما جئت لأسئل عن
ياقوتتي التي سلبت مني منذ عقود. فأجابت
والاشجار تخضّر من هدير صوتها: ـ يا
بني.... أن ياقوتتك التي هربها اللصوص الى الصحاري، قد حملت الى حيث الجبال، وما
لك سبيل اليها بغير هذا الكف، تضرب به حتى يحل عنها المارد اللعين. انحنيت
لمرضعة الاسلاف وغادرتها وانا اسف على ما فوتُّ من زمن في البحث عنها والكلام
اليها، وحملت ذلك الكف في الخرج مكرهآ، أذ كيف يرفض المرء وصية مرضعة الاسلاف! طفتُ
الصحاري فلم أجد فيها غير اطلال واكوام من الاماني وءدت منذ قرون، وكلما اوغلت
هناك خلف شعاع ياقوتتي المهربة، كان الطريق يفضي بي الى حيث الجبال، وأم اوغوزخان
تتطلع اليّ بين الفينة والاخرى وتردد: ـ الم
اقل لك!........ الم اقل لك! كان
الشعاع يزداد وضوحآ فرسخآ بعد فرسخ، وما ان حط البرق بقوائمه عن اطراف الجبال، حتى
سمعت صراخآ صاعدآ الى السماء كدخان كثيف، أنهم اللصوص يدنسون ياقوتتي الحبيبة،
يراهنون عليها وهم يقامرون بالنرد مع شياطين الجن والانس. صرخت
اليهم مستغيثآ، ايها الاحبة أتركوا لي ياقوتتي انها كل ما املك...... ايها الاحبة
أطلقوا سراح محبوبتي، فصغارها يموتون من الحسرة....... ايها الاحبة لا تقامروا بما
لا تملكون...... ايها الاحبة .......ايها الاحبة...... التف
اللصوص حولي جميعآ، كسروا اضلاعي، قلعوا اسناني، نتفوا الشعر من راسي ووجهي حتى
غابت ملامحي، وانا ما زلت اصرخ: ايها الاحبة ....... ايها الاحبة........ ثم
تركوني مرتميآ كفطيسة على قارعة الطريق، وذهبوا ليختصبوا ياقوتتي...... هناك تذكرت
كف الذئب، فأخرجته من الخرج ورميتهم به، فصاروا في الحال كعامود ملح جعلته الرياح
هباءآ منثورا...... حملت
ياقوتتي الى حيث يجب ان تكون، وأم اوغوزخان تتطلع اليّ بين الفينة والاخرى وتردد: ـ الم
اقل لك!........ الم اقل لك! * مازال
الكثيرين من مربي الاغنام من التركمان يحتفظون بكف ذئب (الكف اليمنى) في بيوتهم،
يعالجون به ضرع الشاة التي تتيبس او ينضب حليبها.
خاص بالموسوعة التركمانية |