العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

الأكراد: حان الوقت للكف عن التصرف كضحايا

 

نزار آغري/ كاتب كردي

                                                  

تصرف أكراد العراق حتى الآن بوصفهم ضحايا أجبروا على العيش محرومين من حقوقهم، معرضين للقمع والإذلال. وأدت هذا الحال إلى رسوخ صورة الجماعة بوصفها مصدر الأمان. وهو أمرعمل على تهميش الشخصية الفردية الكردية وتذويبها في بوتقة الجماعة.

الشخصية بالتعريف كيان مفرد ذو وجه وملامح واضحة في حين أن الجماعة كتلة هلامية لا سيماء لها. لقد دأب الآخرون على معاملة الأكراد كمجموعة لا مجال للفروقات في صفوفها ولا مكان لوجهات نظر متباينة بين أفرادها. والجماعات السياسية الكردية تصرفت على هذا الأساس فرسمت نفسها ممثلة خالصة لكتلة بشرية تتبع مساراً واحداً لا تحيد عنه.

فضلت الأحزاب الكردية على الدوام التحدث بالجملة فلاحقت العموميات ورفعت الشعارات المجردة تاركة التفاصيل اليومية للناس. حتى الآن كان يتم تبرير ذلك بواقع خضوع المجتمع الكردي للقهر وتعرض الأكراد، مجتمعين، للقمع.

الآن، بعد أن تحرر الأكراد وتمكنوا من الظفر بحقوقهم الأساسية وأفلحوا في نسج علاقة فيديرالية مع الحكومة المركزية، بات من الضروري إعادة الاعتبار لقيم الحرية الفردية وحقوق الإنسان والثقافة والحياة وصار من اللازم الكف عن التصرف كضحايا أبديين. لقد انقضى زمن التعامل مع الايديولوجيات اليقينية وجاء وقت التعامل مع الواقع. السياسة ليست رسالة قومية، بل هي سبيل لإدارة المجتمع. والرئيس ليس زعيماً خالداً بل هو موظف تنتخبه الناس لفترة محددة من الوقت والأكراد ليسوا ملائكة بل هم بشر عاديون يخطأون ويسرقون ويكذبون ويخونون ويقتلون ويتصارعون على المنافع، مثلهم مثل غيرهم من بني البشر.

المكاشفة والعلنية والمحاسبة هي الآليات التي تعين المجتمع المفتوح وتميزه من المجتمع الشمولي المغلق. والوسيلة الوحيدة لمنع تحول المجتمع من حال الانفتاح والحرية إلى حال الانغلاق والاستبداد هي مراقبة المسؤولين وفضح ممارساتهم الخاطئة وجرهم إلى القضاء أياً كانت مناصبهم دون أن ينالوا الحصانة بأقوال كبيرة عن الأمة والوطن والرسالة الخالدة. في ظل هيمنة المقولات العمومية يصير ممكناً إطاحة حرية الأفراد وإخضاعهم لرحمة المتذرعين بتمثيل القضايا الكبيرة للأمة. يصير متاحاً لهؤلاء تعيين ما هو وطني وما هو غير وطني فيقع المخالفون والمعارضون تحت رحمة السلطات إلى ما شاء الله.

ينبغي ألا يتم الانتماء إلى المجتمع الكردي على أساس النجاح في الامتحان القومي أو الولاء الحزبي. الأمر يتعلق بمواطنين أفراد لا بأرقام إيديولوجية. الأفراد ليسوا نسخة واحدة تصنعها آلة. كل فرد يشكل عالماً قائماً بذاته ولا يحق لأحد، تحت أية ذريعة، أن يفرض رؤية واحدة بدعوى أنها النسخة الصحيحة من الرؤية الوطنية أو القومية وأن على الجميع الرضوخ لها.

للفرد الكردي الحق في أن تكون له آراء مخالفة لما هو سائد قومياً وسياسياً وحزبياً. ومن حقه أن يدافع عن تلك الآراء وينشرها بين الناس من دون أي عائق. من حق المواطن الكردي أن يؤمن بفكرة القومية الكردية أو لا يؤمن بها وأن يؤيد قيام دولة كردية أو لا يؤيده وأن يكون مناصراً للاتحاد الفيديرالي مع المركز أو يكون بالعكس داعياً للانفصال. من حقه أن يكون يمينياً أو يسارياً، اشتراكياً أو رأسمالياً، عدمياً أو ملتزماً. المجتمع هو حاصل الأفراد الأحرار وليس كتلة من العناصر المتماثلة.

كانت السلطات القمعية للنظام البعثي رسخت عقلية الحزب الواحد عبر آليات تعسفية في إدارة المجتمع تقوم في هيمنة أجهزة الحزب الواحد التي تملك آلات القمع وتعمل على تفشي قيم الولاء السلطوي والحزبي والعشائري بعيداً عن سوية القانون والعدالة. وورثت الإدارة الذاتية الكردية عن النظام السابق هذه الذهنية، كما ورثت هياكل مؤسسية تتصف بالتفسخ وتسري فيها مفاعيل شاذة من قبيل التحابي والتدخل الشخصي لأصحاب السلطة في حياة الناس من دون احترام للحقوق الفردية. لم يبذل أحد جهداً من أجل تقويض البنيان الهيكلي المريض واستبداله ببنيان سليم يقطع مع الإرث القديم. ومن اليسير أن تتسرب الآليات الموروثة، التي ترسخت عبر السنين وتغلغلت في النفوس، إلى الإدارة الجديدة وتستحكم بسلوكها.

على غرار ما كان سائداً في النظام السابق أخذت الولاءات الحزبية والمحسوبيات الشخصية والعلاقات العشائرية تلعب أكبر الأدوار في فعاليات المجتمع الكردي. وتترسخ يوماً بعد يوم مقولات الأب القائد والحزب الطليعي وضرورات الانصياع للزعامات المسيطرة تحت طائلة الإقصاء من أية مكانة في المجتمع والحرمان من أية فرصة حقيقية للعيش الكريم. وقد ظهرت طبقة من الأتباع والحاشية المرتبطة بدائرة رسم السلطة فأثرت ثراء فاحشاً من نهب المال العام والأعمال غير المشروعة وتوزيع المكافآت.

لقد تم التهرب من الاستحقاقات الفعلية للناس: توفير العمل، تحسين مستوى العيش، تقديم الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وسكن وطبابة، وتوفير مناخ الحرية والتعددية. وفي وقت يستحوذ فيه المسؤولون الحزبيون وأتباعهم على مصادر الثروة ويتقاسمونها في ما بينهم يجري إهمال الحاجات الأساسية للناس ويتركون لحال سبيلهم. ولا يبدد المسؤولون أية فرصة للظهور بمظهر الأبطال القوميين المدافعين عن «قضايا الأمة الكردية». والغاية من إطلاق التعابير الضخمة هي إسكات الناس بإقناعهم أن ثمة ما هو أهم من الماء والخبز، وأن المرحلة خطيرة تتطلب التضحية والصمود. وهكذا يكون المطلوب من الناس تأجيل حاجاتهم والسكوت عن حقوقهم. غير أن الزعماء الحزبيين والمقربين منهم لا يؤجلون شهوتهم إلى تكديس الثروة وتعزيز السلطة وارسال الأموال الطائلة إلى البنوك الأوروبية والأميركية.

تلك كانت العلامة الفارقة التي كانت تميز النظام السابق. والآن تم استبدال طاقم بطاقم آخر. الحركات والأحزاب والشخصيات التي حملت لواء التحرر القومي تحولت إلى أجهزة فاسدة تلتهم الأخضر واليابس وتحول المجتمع إلى بقعة منذورة للنهب والفساد والتشويه.

يتحقق كل ذلك من خلال إزاحة القانون وإشاعة الاعتباط والاحتكام إلى السلطة الفردية للمسيطرين على مقاليد الحكم من زعماء الأحزاب القوية وأقرباءهم وأنصارهم وأتباعهم. فإذا نهض من الناس من أبدى السخط وأفصع عن الاعتراض سلط عليه الضوء كناكر للجميل بحق الزعماء الذين «أفنوا عمرهم في الكفاح من أجل حق الأكراد» وكحليف للأعداء الذين لا يريدون الخير للأمة الكردية.

لقد مر أكثر من عقدين من الزمن على نشوء واقع كردي يتمتع بالاستقلال الكامل ويدير شؤونه الزعماء الأكراد الذين حاربوا الحكومات العراقية السابقة من أجل حق الأكراد في التمتع بالحرية والعيش الكريم. الآن وقد اختفى النظام السابق ما لذي يمنع الأكراد من الانتقال إلى مجتمع عصري تسود فيه الديموقراطية وتحكمه القوانين وتغيب عنه الأساليب الملتوية في التحكم بإرادة الناس وربط مصيرهم بمصير حكام أبديين يستحوذون على كل شيء بمزاعم كان النظام السابق تفنن في نشرها بين الناس؟

واقع أن الاكراد ضحايا قمع خارجي كان حتى الآن ذريعة لطمس الأخطاء في السياسية الكردية وإغماض العين عن الممارسات المنحرفة. الآن لم يعد ثمة سبب لاستمرار الذريعة وإغماض العين.

                                                        جريدة الحياة