|
|
من التراث الشعبي التركماني .. من الأجمل صمانجي قيزي أم الجيوكاندا ؟
زاهد
البياتي ( كاتب وباحث )
مازالت
المخيلة الشعبية التركمانية العراقية تحتفظ بالكثير من الصور والحكايات المثيرة ,
والحوادث النادرة التي تجاوزت أحيانا حدود المعقول إلى عالم من الخيال والأسطورة
مع مرور الأيام , من جراء التحديث الذي يجري عليه عادة وبما يكسبه من الاغناء
الشعبي , بحكم التداول من شخص إلى آخر
ليدفع بها نحو افا ق إنسانية
ورومانسية رحبة , وخاصة في تلك القصص الدرامية الفطرية المتداولة , و التي حملت في طياتها حوادث مأساوية او
اكتنفتها فواصل مؤثرة , فما زال الكثير من شيوخنا وأمهاتنا في كركوك وأربيل يذكرون ويتذكرون , ويتداولون حكاية
رومانسية مؤثرة تحمل اسم ( صمانجي قيزي ) وتعني بالتركمانية ابنة التبان.. تلك
الصورة الجميلة ونظرة صاحبتها الحائرة المحيرة بين الألم والمسرة , بين الحزن
والفرح.. و التي اكتسبت شهرة واسعة في العراق تعادل لربما شهرة صورة موناليزا في أوربا
والتي تشابهها باعتقادنا في النظرة الحائرة المحيرة ولكن تباينها في الجمال
الطبيعي إذ تتفوق جمالية صورة
فاطمة( موناليزا العراقية )على رديفتها الإيطالية (جيوكاندا ) بالجمال
والاشراقة والحضور ! كاظم الجيزاني ( ناقد تشكيلي ) يحاول ان
يقارن بين اللوحتين : الجيوكاندا
التي رسمها الرسام الإيطالي الشهير ليونارد دافنشي بين عامي 1500-1504 تعني بالإيطالية
الشمعة المحترقة بعد ان لاحظ على
المدام ليزا مدى حزنها لأنها زوجت رغم إرادتها من رجل لا تحبه !!! اعتقد هنا نقطة
التشابه بين اللوحتين في النظرة الحزينة المحيرة على خلفية الزواج الذي تعرضن له
رغم إرادتهن ! فاطمة أيضا زوجت من ضابط إنكليزي رغم إرادتها ورحلت إلى إنكلترا سرا
( حسب اغلب الروايات ).. إذن مسحة
الحزن على الوجه المشرق الجميل كانت لربما إحدى ميزات اللوحة التي عشقها جيل او أجيال
من شبابنا كنموذج وأصبحت فتاة أحلام الفقراء والمتعبين من عامة الناس الطيبين
الذين لم تفارق صورة بنت التبان جدران غرفهم وأكواخهم وحقائبهم الخاوية وحتى
محفظاتهم الجلدية في جيوبهم.. ولربما كانت هذه الصورة بلسما لوجعهم الدائم ,
وشفاءا مؤقتا للفقر الذي لازمهم منذ الأزل رغم طوفان نفوطهم وكنوزهم إلى الهامة !
صمانجي قيزي يمكن اعتبارها , بحق فتاة الغلاف لعقود عديدة أي ان بوسترات
صورها الملونة المؤطرة كانت لا تفارق واجهات وجدران الدكاكين والمطاعم والمقاهي
الشعبية وكذلك جدران البيوت سواء في المدن او الأرياف العراقية وخاصة في اربيل
وكركوك و سائر المناطق العراقية الأخرى ,
فيما كانت حكايتها المثيرة لا تفارق الألسن ولم تنقطع من التداول وليومنا
هذا ولكن بدرجة اقل , وخاصة في عقد العشرينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي
وما تلتها من عقود حيث لم نتوصل لتحديد تاريخ الحدث بالذات , وإنما كان هناك تداول
ملموس لمجريات قصة هذه الحسناء
التركمانية الطاغية الجمال و التي اختلط جمال وجهها بدرامية ماساتها فيما انعكست
لربما بشكل ما على الحس الوطني العراقي لتعمق جرحا بليغا في وجدانه الأخلاقي
والقيمي , حين تركت بصماتها الواضحة
على ذوق المجتمع العراقي وعلى حسه الجمالي
.. هذه الصورة الحاضرة عبر
العقود و التي تمثل بحق الجمال الأنثوي العراقي الطبيعي والتي أصبحت نموذجا فريدا
لمقاييس الاختيار وموديلا معياريا لمديات الحسن والرقة والجمال امام أجيال الشباب,
وعلى مدى عقود عديدة , ولعلها أيضا أصبحت فتاة الأحلام لهم ومصدر الهام للكثير من
الشعراء والعاشقين , حينا من الزمن ! فما زالت تلك الصورة عالقة في أذهان الناس,
وحكايتها ما زالت حاضرة بين البعض .. يقول أيوب
جامجي ( صاحب محل زجاج واطارات منذ ربع قرن في كركوك)الذي يحتفظ بصورتها الأصلية
المطبوعة في لندن : عشقت القصة قبل الصورة , منذ سمعتها
متداولة على السن والدي وبعض المعمرين من الاختيارية في قريتي منذ صغري! وبحثت
سنين طويلة عن صورة أصلية لها إلى
ان اشتريتها بمبلغ محترم منذ أكثر من سبع سنوات وقد دفع بها احد الهواة مؤخرا
مبلغا كبيرا من المال دون جدوى لأنني اعتبرها جزءا مهما من حياتي وشخصيتي
الكركوكلية ! وينسب
الكاتب إسماعيل قلعه
لي في بحث له في ( جريدة المصير الأسبوعية التركمانية
الصادرة عن الجبهة التركمانية العراقية في ديالى)اصل الموناليزا العراقية ( صمانجي
قيزي) إلى أسرة تركمانية من مدينة اربيل من الحي السكني القديم
الواقع في أحضان قلعتها التاريخية استنادا إلى روايات موثوقة لأشخاص يعرفونها جيدا
ويرتبطون بعائلتها بصلة القرابة يسكنون محلة قلعة اربيل , عندما يتطرق من خلالها إلى
اصل قصة هذه الفتاة الحسناء مسجلا : ( تنحدر
هذه الفتاة من عائلة تركمانية متعففة الحال ومن اب يعمل تبانا (صمانجي ), وكانوا
يسكنون محلة القلعة التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين , وفي يوم من الأيام وعندما
كانت تقوم بكنس وتنظيف عتبة الدار صادف مرور مجموعة من الضباط الإنكليز! بهر احدهم بجمالها وتسمر بمكانه مصدوما من فرط
جمالها ومعجبا ببياض وجهها ورقتها.. وما هي إلا أيام حتى جاء إلى أهلها مع بعض الوجهاء والمتنفذين في المدينة طالبا
يدها للزواج , وأمام رفض والديها بسبب اختلاف الدين وأسباب أخرى ! استقتل الضابط الإنكليزي
وأعلن استعداده لدخول الدين الإسلامي للاقتران بها ! و بعد عدة محاولات باءت
بالفشل وبعد ضغوط نفسية ومادية وحكومية ! تمت الموافقة
وحسب استحقاقات معينة في تلك المرحلة! تم زواجه منها ( وكانت سابقة اجتماعية مثيرة
للجدل آنذاك في مجتمع لم يعهد ولم يستوعب هذه الحالة ) ! وبعد زواجهما بأشهر غادر الزوجان مدينة
اربيل إلى لندن بعد انتهاء مهام عمل الضابط البريطاني في العراق..). وقيل
بانهما أقاما في لندن بقية عمريهما و عاشا عيشة سعيدة ! وبما إنها اشتاقت لأهلها !
فقد استعان الزوج بأحد اشهر الرسامين الإنكليز ليرسمها (بورتريت ) فاندهش الرسام أيضا
بهذا الجمال الصارخ فأنتجت فرشاته هذه اللوحة الفنية الرائعة ..فأرسلها الزوج من
باب الوفاء إلى أسرتها للتخفيف عنهم من وطاة فراقها ! فكان ان انتشرت الصورة بشكل
سريع بعد ان قامت شركة طباعية بريطانية بطبعها وتوزيعها على نطاق واسع لتزدان
بها بيوت قلعة اربيل على اعتبارها
(بنت المحلة ) ومن باب الافتخار او الفضول لتنتشر الصورة على نطاق واسع في المدن
العراقية الأخرى و في سائر أنحاء العراق كما انتشرت قصة رحيلها إلى إنكلترا و
لكن بروايات عديدة وبتفاصيل مغايرة
ومحورة ! نسبت أيضا الى عدة أقوام ومناطق ! حيث ذهب البعض بأنها
عربية من السماوة فيما ذكر البعض الآخر بأنها من مدينة الحلة او من البصرة او
العمارة او غيرها من مدن الجنوب وحملت لقب ( بنت المعيدي ) وهكذا ولربما هناك
روايات اخرى لم تطرق سمعنا ! فيما ينسبها البعض في أحيانا إلى المناطق الكردية و
يسمونها ( كجي كافروش ) وهذا المصطلح هو ترجمة حرفية ل ( ابنة التبان ) العربية و
(صمانجي قيزي ) التركمانية وجدير ذكره ان المقصود هنا ابنة عامل او بائع التبن (
كمهنة) وهي ليست منسوبة على الأغلب لأسرة آل ( صمانجي التركمانية المعروفة في
كركوك ) ... و نعتقد بان تعدد الألقاب والنسب او الانتماء يعود سببه إلى عاطفية الشعب العراقي والشفافية التي
يتسم بها حين امتزجت جمالية الصورة بدرامية قصة (صمانجي قيزي ) وفقدان البطلة
بالتالي بشكلها الدرامي المثير للعاطفة الإنسانية!!! كما يقول الباحث نجاة كوثر (رئيس تحرير
جريدة تركمن ايلي ) الكركوكلية مؤكدا بان بطلة القصة وصاحبة الصورة تركمانية
وقصتها الحقيقية ما زالت حاضرة في ذاكرة شيوخنا وعجائزنا , والذين يروونها
بحذافيرها عن ظهر قلب رغم مرور عدة
عقود ... فيما يؤيد السيد محمد مهدي بيات (
كاتب وباحث في الأدب التركماني
) فكرة انتماء الموناليزا
العراقية إلى محلة القلعة في اربيل ..فيما يعتبر الروايات التي أثارت وتثير
الحفيظة وتجرح مشاعر العراقيين والتي مفادها قيام الضابط الإنكليزي بخطفها
بعد الغدر بابيها او زوجها والذهاب بها ( وهي في حالة تخدير ) إلى إنكلترا !!! بعيدة عن الواقع ! وحسب وجهة نظره
يرى بان رواية زواجها في اربيل اقرب
الى الحقيقة مستشهدا بوجود أغنية تركمانية تندرج ضمن قائمة الأغاني التراثية لرائد
الأغنية التركمانية في اربيل محمد احمد اربيللي عن ( صمانجي قيزي ) وهذه الأغنية
مسجلة في دار الإذاعة العراقية منذ الستينيات من القرن الماضي و التي يقول في
مطلعها ( صمانجي قيزي ... اون دورت ياشينده ) أي ابنة التبان ذات الأربعة عشر عاما
... ويقول أيوب جامجي ( عاشق موناليزا العراق
) كل الذي أريد قوله عن تعلقي بهذه
الصورة كونها تعبر بصدق عن الجمال العراقي الطبيعي البريء و كذلك لانحدارها من أسرة
متعففة ! وقصة تزويجها من ضابط بريطاني بقوة النفوذ وسطوة السلطة او تأثير المال
ومن ثم سرقتها او تهريبها بطريقة ما ( كما تقول بعض الروايات ) إلى بريطانيا هي المأساة
بعينها ! وكلما انظر إلى الصورة يقفز سؤال أزلي الى ذهني : لماذا يستحوذ المستعمر
او المحتل على كل شيء جميل وثمين في بلادنا ...لماذا ؟ ! مهما قيل في موناليزا العراق ومهما روي
عنها , تبقى لوحتها ونظرتها العميقة تحكي الحقيقة مع الزمن , وحتما ستترك انطباعات
وأحاسيس مختلفة على ناظريها حالها حال لوحة الموناليزا العالمية ونظرتها المحيرة
.. وستبقى الموناليزا التركمانية هي الأجمل في نظرنا لأنها موناليزا عراقية بحسنها
الفطري ووجها الصبوح وهي الأجمل دائما من تلك الموناليزا العجوز الكئيبة الجيوكاندا! في نظرنا على الأقل وستبقى تحكي الوجع
العراقي الأزلي مع الزمن ....
|