العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

لنفضح إعلام محتلي العراق

 

كمال مجيد

 

تصرف إدارة بوش 425 مليار دولار، كل سنة، علي شراء السلاح للعدوان علي الشعوب الاخري واحتلال أراضيها، وفي السنوات الثلاث الماضية، مثلاً، صرفت اكثر من 210 مليارات لتثبيت إقدامها في العراق. علاوة علي ذلك تصرف هذه الادارة ملايين اخري علي الإعلام بغية خدعنا وتسميم عقول البسطاء. فمثلاً:

1 ـ انها ادعت بانها احتلت العراق لمحاربة الارهاب ولكنها انتهت بارهاب شعبنا عن طريق قتل الالوف من المدنيين وتحطيم مدن كاملة مثل تلعفر والفلوجة امام عدسات التلفزيون. لقد فضح الرئيس الايطالي الجديد السيد رومانو برودي السياسة الامريكية بهذا الخصوص بالقول: ان احتلال العراق قد جعل من الارهاب في العالم خطراً اكبر مما كان عليه . (راجع افتتاحية الغارديان اللندنية ليوم 19/5/2006، ص 40) بينما صرح اللورد كارينغتون، وزير خارجية بريطانيا الاسبق في 21/5/2006 وهو يتكلم حول احتلال العراق علي تلفزيون (بي بي سي): اصبح الامريكان كلهم، وليس بوش وحده، مكروهين في العالم اكثر من الفرنسيين . هذه التصريحات الصادرة من اصدقاء امريكا المزمنين تؤكد علي ان الدعاية الامريكية، علي وفرتها، فشلت في التغطية علي اعمالها.

2 ـ وخلال عملية القتل ادعي الامريكان ان صدام حسين وجلاوزته قتلوا اكثر منهم . لقد اخذ اتباعهم، من العراقيين، يرددون هذه الدعاية دون ان يعترفوا بان المزيد من القتل لا يحرر العراق من المحتلين، بل وان الذين تم قتلهم هم اهلنا في العراق، ولكن ومع استمرار القتل اضطر هؤلاء ان يسكتوا كلياً لانهم ادركوا فظاعة ما يقولون. بل اكثر من هذا نشرت الاذاعة البريطانية (العالمية التابعة لوزارة الخارجية نفسها) نتيجة الاستفتاء الذي اجرته في اكثر من ثلاثين بلداً بما في ذلك العراق والذي اسفر عن الاعتراف الجازم بان الامن في العالم والعراق بعد الاحتلال اتعس مما كان عليه قبله.

3 ـ بعد ان انفضحت جرائم المحتلين الديمقراطية في الفلوجة وسجن ابو غريب، اتخذ اتباع مجلس الحكم والحكومات التي تلته، وسيلة نشر الدعايات الانهزامية، مثل مطالبة الشعب بالاعتراف بالامر الواقع والقبول بالقوة الجبارة لامريكا والتي لا يمكن قهرها من قبل الشعب الضعيف.

الا انهم لم يعترفوا بان الامر الواقع في تطور وتغير مستمرين وان التاريخ عبارة عن علم دراسة التغير المستمر للامر الواقع! والآن هناك واقع جديد، واقع النضال العنيد للمقاومة المتصاعدة من تلعفر وحتي البصرة. لقد ادرك المحتلون هذا الواقع ولهذا قررت حكومات اسبانيا وبولندا واوكرانيا وكوريا الجنوبية والفلبين وهندوراس ومجموعة اخري من بلدان امريكا اللاتينية سحب جيوشها من العراق، بل ذهب رئيس وزراء ايطاليا، رومانو برودي، الي حد الاعتراف امام مجلس الشـــــيوخ لبلاده في 18/5/2006 بـ ان الحرب علي العراق كانت خطأ فظيعاً . وصرح بانه سيقترح اثـــــناء انعقاد البرلمان الجديد علي سحب الجيوش الايطالية من العراق . (راجع اخبار بي بي سي لذلك اليوم.) هذا هو الواقع الجديد وعلي الحكومة العراقية الجديدة الاعتراف به.

4 ـ بعد ان اصيب المحتلون بالانتكاسة قرروا شق الصفوف عن طريق تشكيل جيش جديد لاستخدامه لضرب المقاومة. لقد ذكر بول وود، مراسل (بي بي سي) في بغداد، في 19/5/2006 لقد تم تدريب ضباط الجيش الجديد من قبل البريطانيين وهم من الشيعة في حين كان ضباط الجيش القديم من السنة. سيكون هذا الجيش جاهزا في نهاية هذه السنة لضبط الامن في تسعين بالمئة من العراق . اي انهم يعملون علي تدريب وتسليح جزء من الشعب العراقي لضرب الجزء الاخر في 90% من البلاد في حين يبقي جيشهم في القواعد التي بنوها في 10% الباقية. لقد سبق وركزوا علي تقسيم الشعب الواحد الي اكثرية شيعية واقلية في المثلث السني دون ان يشرحوا ان هذه الاكثرية هي ايضاً محكومة من قبل المحتلين وقد قدمت الوف الضحايا ولهذا انها ايضاً ضد الاحتلال وان المعارك المستمرة في الناصرية والعمارة والبصرة تؤكد علي هذه الحقيقة. اذن هناك ضرورة قصوي لفضح سياسة فرق تسد وذلك للدفاع عن اهل الجنوب ورفض عزلهم عن الشمال عن طريق التركيز علي التقسيم الطائفي. ثم ان الجيش الجديد يتكون من جنود عراقيين من كافة القوميات والطوائف وان توجيه هذا الجيش ضد جزء من الشعب سينتهي بشق وحدته وانتشار الفوضي بين افواجه. هذه الحقيقة تــــؤكد علي عدم نجاح الجيش في قهر المقاومة المتصاعدة وخاصة لان معنويته واطئة بعد ان شاهد فشل القطب الاوحد في العالم في كسر شوكة المقاومة. يدرك قادة الجيش الجديد ان الفشل الامريكي جاء بالرغم من قيام الحكومة الامريكية بصرف اكثر من مئتي مليار دولار علي الحرب المستمرة ويدركون ايضاً بان امريكا شكلت هذا الجيش لا للدفاع عن الوطن من العدوان الخارجي او لطرد المحتلين بل لقتل ابناء الوطن وتثبيت اقدام المحتلين في ارض الرافدين ومن ثم استخدامه كمرتزقة للهجوم علي البلدان الاخري.

يدرك الشعب العراقي حقيقة قيام المحتلين بتفريق الشعب الي السنة والشيعة والأكراد، مستخدمين في ذلك اعوانهم المدربين في المجلس الاعلي والحزبين الكرديين. لقد شرح السيد الزركَاني، ممثل السيد مقتدي الصدر في الخارج، في اجتماع له في لندن وقوف المجلس الاعلي مع المستعمرين الامريكان اثناء معارك مدينة الصدر والنجف بين قوات جيش المهدي والجيش الامريكي عن طريق اتهام مقتدي الصدر وجيشه بـ شق وحدة الطائفة وذلك في الخطابات المتكررة للقبانجي، الممثل الرسمي للمجلس الاعلي. لقد نجح المحتلون الي حد ما في شق الصف العراقي عن طريق الانفجارات الني نفذتها فرق الموت لنيغروبونتي بقيادة الجنرال عدنان ثابت بل الحوا علي ان خروج الجيوش الغازية من العراق سيؤدي الي حرب اهلية . لكن الواقع الدموي الحالي في عموم العراق يؤكد علي ان المحتلين هم الذين جلبوا القتل والاختطاف والجرائم البشعة الي العراق وهم الذين يسيطرون علي ويجهزون الجيش والشرطة ومليشيات الاحزاب بالسلاح والرواتب. فمن الضروري اذن ان يتوحد العراقيون، من السنة والشيعة والاكراد والتركمان والكلدو ـ آشوريين واليزيديين والصابئة، للنضال الموحد لطرد المحتلين وانقاذ البلاد من حوادث القتل اليومي. ان احداث السنوات الثـــــلاث الماضية ثبّتت الواقع الجديد وهو ان المعارك ستستمر، دون توقف ولو للحظة، الي ان تخرج كافة الجيوش الاجنبية من كل العراق. اذن تقع علي الخيرين كالعلماء والادباء والحقوقيين ورجال الدين مسؤولية العمل لتوحيد الشعب وتوجيهه ضد المحتلين الانغلو ـ امريكان بغية طردهم من البلد بسرعة لكي يتخلص شعبنا من القتل والارهاب الاجنبي. ثم ان توحيد الشعب ضروري لكي يتمكن الكل العيش بسلام بعد الاستقلال وانتهاء الحرب.

5 ـ ان الخدعه الاعلامية الرئيسية التي استخدمها المحتلون هي كذبة الديمقراطية. انهم ادعوا بان الانتخابات وتشكيل الحكومة الدائمية ستحل مشاكل الشعب وتقضي علي الارهابيين. لكن عملية الانتخابات والاستفتاء علي الدستور حدثت تحت ظل الاحتلال بعد ان فرضوا الاحكام العرفية واعلنوا حالة الطوارئ وغلق الحدود ومنع التجول ومنع السفر واخفوا مراكز التصويت، وكل ذلك خوفاً من هجمات المقاومة التي قاطعت الانتخابات بل استمرت في هجماتها قبل الانتخابات واثناءها وبعدها. والحقيقة التي اقتنع بها الجميع هي ان الديمقراطية الامريكية مضرة، لان الذي حدث هو تشكيل قوائم المرشحين من قبل نفس العملاء الذين دخلوا العراق مع القوات الغازية، اولئك الذين اشتركوا في مجلس الحكم ومن بعد ذلك استلموا طابو مقاعدهم في البرلمان بغية تشكيل حكومة توافق علي محاربة المقاومة (وقد اكد نوري المالكي علي ذلك في اول خطاب له في 20/5/2006) وعلي بقاء القواعد العسكرية الامريكية التي ستستخدم للهجوم علي الشعبين الشقيقين في سورية وايران، بينما اشتد سعيرالقتل الجماعي في كل العراق وكأن شيئاً لم يكن. والشيء الواضح هو ان حكومة نوري المالكي قد تشكلت علي اساس المحاصصة التي تعزز الانشقاق القومي والطائفي ولهذا لم تستطع الاطراف المشاركة فيها الاتفاق علي اسناد وزارتي الدفاع والداخلية لاحد الاطراف. فالمشاركون في الوزارة الجديدة هم من اشد المؤمنين بالتمييز العرقي والطائفي، بل ان الاحزاب التي تعاونت مع المحتلين تكونت اساساً لتعزيز العنصرية والطائفية وخرجت القوائم الانتخابية علي هذا الاساس. ليـــــس هناك شيء مشترك بين هذه الاحزاب سوي الولاء والخضوع للمستعمرين. لهذا بالضبط ستنتهي الوزارة الجديدة دون حل الخلافات المزمنة المنتشرة بين اعضائها قبل الاحتلال بل منذ مؤتمر صلاح الدين سنة 1992. ولهذا ايضاً انها ستفشل في القضاء علي المقاومة المتصاعدة فتفقد عطف اسيادها المحتلين مثلما فقده الدكتور ابراهيم الجعفري.

ومن الجهة الاخري لقد تبين زيف الديمقراطية الأمريكية في ساحة واسعة، أوسع من العراق، بل امتدت الي فلسطين حيث صوتَ الشعب هناك لمنظمة الحماس. وبدل الاعتراف براي الشعب الفلسطيني اعلنت الادارة الامريكية سياسة تجويعه لغرض الانتقام من اعماله البطولية دفاعاً عن اراضيه المغتصبة لاكثر من نصف قرن. لقد اتسعت رقعة الديمقراطية الامريكية لتشمل مصر ايضاً بغية تثبيت حكم الرئيس مبارك الي اجل غير معروف بل قد يكون لتحضير ابنه ليحل محله فيما بعد. ولهذا تم تزييف الانتخابات هناك مما حث الشعب المصري علي النهوض والمطالبة لا بحق التصويت فحسب بل بحق العمل واشباع البطون المليونية الفارغة. اما بوش وكوندوليزا ورامسفيلد فقد قرروا السكوت وكان الامر لا يرتبط بديمقراطيتهم. وفي خضم هذه الحروب الانتخابية في الشرق الاوسط اعلنت هيئة الامم المتحدة في 19/5/2006 علي ضرورة قيام حكومة الولايات المتحدة بغلق منفي غوانتانامو لانه لا يختلف عن المعتقلات التي انشأها هتلر اثناء الحرب العالمية الثانية. ان هذا الاعلان يوجه انظار العالم نحو الجرائم التي ترتكبها الادارة الامريكية تحت شعار نشر الديمقراطية.

6 ـ قبل أيام نشرت الصحافة تصريحات مسعود البارزاني التي توحي بفتح العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل مع أحداث قنصلية لها في المنطقة الكردية. ليس هذا بشيء غريب، فمع انتصار ثورة تموز 1958 والقضاء علي حلف بغداد، أقدمت الحكومات المشتركة في هذا الحلف علي تسليح الحزب الديمقراطي الكردي (لاحظ ان الحزب كان يحمل هذا الاسم منذ تاسيسه سنة 1946 وتم تبديل كلمة الكردي بالكردستاني بعد سنة 1960) للقضاء علي حكومة عبد الكريم قاسم. وبدأ الحزب حركته المسلحة بالتركيز علي نشر الدعاية الشوفينية معتمداً في ذلك علي التبرعات المليونية السخية التي قبضها من شاه ايران واسرائيل والحكومات الغربية. فيقول هنري كيسنجر في كتابه Years of Renewal في الصفحات 584 ـ 592: ان المساعدات السرية الامريكية للحزب الكردي قد ارتفعت في آذار (مارس) 1973 الي 9 ملايين دولارفي السنة من الولايات المتحدة و75 مليوناً من إيران ومبالغ اخري من إسرائيل وبريطانيا وحول الأسلحة السوفييتية التي استولت عليها اسرائيل في الحرب سنة 1973 وارسلتها الي البارزاني، يقول كيسنجر: لقد تم نقل ما قيمته 28 مليون دولار من المعدات السوفييتية الي ان انتهت الأسلحة السوفييتية التي تلائم القتال في التضاريس الجبلية الكردية .. فالذي تربي علي صدقات إسرائيل وأمريكا مضطر الي العمل لمصلحتهما.

لا نبوح سراً اذا ذكرنا بان الدعاية الشوفينية التي بثها الحزبان الكرديان قد أثرت الي حد بعيد علي شعبنا الكردي الذي تصور بأنه سيتحرر ويتنفس الصعداء بعد ان ينعزل عن العرب. إلا انه اكتشف بتجاربه المريرة منذ 1991 بان قادة الحزبين لا يختلفون عن سكنة المنطقة الخضراء في الاهتمام بجيوبهم. فبعد ان بني جلال ومسعود قصورهما وقصور اقربائهما واتباعهما وبعد ان انقطعت الكهرباء والماء الصافي واخذ الشعب الكردي ينتظر الساعات الطويلة للحصول علي بنزين السيارات، ادرك زيف ادعاءات الحزبين المملوءة بالحقد القومي فقرر النهوض والقيام يالمظاهرات بل الاصطدامات مع قوات الحزبين في عقرة ورحيم آواه وكلار بل في حلبجة الجريحة. والشيء الداعي إلى التفاؤل هو ظهور طبقة واعية من الأكراد، من أمثال كتّاب هاولاتي وآوينه، التي أخذت ترشد الشعب الكردي الجريح ضد المستعمرين وأعوانهم في قيادة الحزبين. ان لنا الثقة الكاملة باتحاد هذا الشعب مع باقي القوميات العراقية لطرد المحتلين الانغلو ـ أمريكان وأعوانهم من كل العراق.

                                                 عضو الهيئة الإدارية للهيئة العراقية للإعلام والثقافة الوطنية

                                                                

                                                                  2006/05/30 / القدس العربي