|
|
المحامي محمد الحاج عزت (أبو آيدن) سيرة نضالية مشرفة نظام الدين إبراهيم أوغلو
سيرته هو الحاج محمد بن الحاج عزّت بن ولي بن رجب، اشتهر بلقب
مهنة والدهِ تيلجي، واستعملت عائلتهم الألقاب التالية أيضاً (بقال باشي، قلنجي نسبة إلى مهنهم) وهو من عشيرة بيرقدار
العراقيّة التّركمانيّة. وهو سيّاسي ومجاهد تّركماني كبير، بالإضافة إلى كونهِ إعلاميا ومفكّرا وداعية وصاحب عطاء ونضال. انتقل جدّهم الأكبر رجب قلنجي من وإلى الأراضي
العثمانية من مدينة أدنة إلى راوندوز ومنها إلى مركز مدينة كركوك. ولد عام 1928م
في محلّة صاري كهية، الواقعة في منطقة قورية بمدينة كركوك، ونشأ في بيت علمٍ
وجهادٍ وثراءٍ فلا ينقصهم إلاّ الحريّة وعدم الذّل للاستعمار. فوالده الحاج عزّت ولي، كان من أعيان مدينة كركوك ومن المجاهدين
البارزين الذين وقفوا ضد الإنجليز منذ نهاية سقوط الدّولة العُثمانيّة إلى أن
وافاه الأجل عام 1956م، فلاحقه ولاحق أولاده الإنجليز إلى أن تسبّبوا في وفاة أحد
أولادهِ من الذّكور وهو الملازم الأوّل أنور بسبب عدم السّماح له للخروج إلى خارج
العراق للتّداوي في المرض الذي أصابه بعد سقوطهِ من الفرس أثناء أداء واجبهِ
الوطني في الجيش العراقي، والّثاني وهو المحامي محمد الذي تعرض، إلى كافة أنواع الأذى والظّلم من قبل كافة
حكومات العراق حتى اضطر للهجرة إلى تركيا ومن ثمّ إلى هولندا وتوفي هناك على حسرة وكمدا وشوقا إلى
اليوم الذي يرى فيه شعبه
رفاه واستقلال. أنهى تعليمه في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية
بكركوك، ودخل الكليّة عام 1950م وحصل على شهادة ليسانس كلية الحقوق عام 1954م، ثمّ تعيّن وأصبح محامياً معروفا في زمن قصير وقيادياً سياسيّاً تركمانيّاً
شعبيّاً كبيراً لأنّه كان يتّصف بالشّجاعة والنّخوة والشّهامة والنّزاهة، وكذلك
بالعلم والتّفكير والأفق العميق، وكان يعرف كيف يُخاطب شعبه وأعدائه في آنٍ واحد،
وحصل على ثقة وتقدير الشّعب التركماني، وخاصة أهالي كركوك، فانشغل بإرشاد شعبه وتربيتهم على حبّ الله والرّسول
والشّعب والوطن والدّفاع عنهم بكلّ ما لديهِ من قوّة بالمال والجاه والنّفس. وكان
يعرف جيّداً أنّه بدون إعطاء التّضحيات لايمكن الوصول إلى الأهداف المنشودة، لذا
أصبح قدوة حسنة لأجيال كركوك بأدبه وأخلاقه وأفكاره وقيادته الحكيمة للدّفاع عن
عقيدته ووطنه وشعبه دون أن يخاف لومة لائم. ولم تكن سنوات دراسة محمد تمرُّ بهدوء، منذ العهد
الملكي وكان طالباً في الابتدائية إلى أن ترك بلاده ووطنه مراراً وتكراراً، فهاجر
بين المدن العراقية من كركوك وبغداد وناصرية وكوت وأخيراً هاجر إلى تركيا ومنها
إلى هولندا إلى أن وافاه الأجل هناك كما ذكرنا أعلاه. لقد أغتصب أرض أجداده (تركمن إيلي) العرب الذين جلبهم
النّظام الصّدامي البائد من جنوب العراق، ومن الأكراد الذين جاؤوا إليها من إيران
وتركيا وسوريا وحتى من إسرائيل. وكلّها خطط بريطانية وإسرائيلية كما يعلم كلّ مثقف
في العالم في سبيل تمزيق
وإبادة من لا يخضع إلى أوامرهم أيّ كائنٍ كان، فكانوا يعتبرون العراق بلداً بلا
شعب، ويستهدفون أن يكون شعبها من غير أهل بلدها كما نعلم من أجل استغلال وسلب
ثرواتها العديدة والثّمينة. وكانت آمال محمد الحاج عزت أن يواصل درب العلم، ولكن الأحداث المبيتة
مع انتهاء الانتداب البريطاني أدّى إلى تسليم البلاد إلى الطّغاة والمنافقين
وأصحاب ثورة 14 تموز ثورة التّخلص من الملكيّة للانتقال إلى الدّكتاتورية
والجبروتية. فلأجل تهدئة الأوضاعِ هناك هاجرَ مرّاتٍ عديدة إلى بغداد بعد أن فقد
أخيه الملازم الأوّل أنور عام 1944م ثمّ والده في الخمسينات، وفي السّتينيّات
هاجرَ هو وعائلته ووالدته الحاجة جميلة وأخته الحاجة فضيلة إلى بغداد وأمّا أخته
الحاجة مديحة فقد بقيت في كركوك، بسبب زواجها من الحاج خليل إبراهيم مدير مال كركوك سابقاً ووجود أطفالٍ
لها في المدارس فصعُبت عليها الهجرة. وعمل محامياً هناك مدة خمس سنوات، وعاد إلى
كركوك وعمل فيها في البداية كاتباً عدلاً ثمّ حاكماً. وكانت تلك الفترة أغنى فترات
العطاء والنّضال في حياته، وقد حجَ إلى بيت الله الحرام وتابع دراسة القرآن والسنّة
والتاريخ الإسلامي وبعض العلوم الأخرى وتابع دراسة الواقع السّياسي وأحداثه من
مراجع عربية وتركمانية موثوقة فأعطى كل ما عنده لشعبهِ الكريم. وحتى في كهولته..
عان المعاناة التي مرّ بها، والميادين التي خاضها، والبلاد التي زارها أو عاش
فيها، معاناة الحسرة إلى الوطن، معاناة ظلم شعبهِ إلى أن وافاه الأجل في هولندا
وتمّ جلب جثمانهِ إلى تركيا ودُفن في إستنبول. نشاطه السّياسي
محمد الحاج عزّت.. سياسي ومفكّر وإعلامي متعدد النشاط،
وداعية جمع بين القول والعمل.. بدأ نشاطه الفكري والسياسي مع بواكير نشأته، وربما
كان للبيئة أثرها في ذلك، فنشاط والده السياسي والسفر والترحال، وكثرة اللقاءات
والاجتماعات، ومكتبة العائلة وتراث الأجداد، والاتصال بعدد من أهل الرأي والفكر،
كل ذلك أثّر في نشأته واتجاهه، ظهر نشاطه في الخمسينيّات –وهو حديث السن- في أجواء
الطلبة في لقاءات ومظاهرات واتصالات مع رجالات العراق وبالأخص قادة مدينة كركوك، ونضج هذا النشاط على صورة
أوسع مع الهجرة إلى بغداد ومرارة اللجوء، وأخذ الصورة الإيمانية مع عام 1959م حين
بدأ نشاطه في الدعوة السّياسيّة والإسلامية لأجل إنقاذ شعبه ووطنه من المنافقين
الطّغاة والمستعمرين.. هذا هو محمد الحاج عزّت.. الداعية والمفكر يدعو الشّعب العراقي وهو في مدينة
كركوك إلى منهاج واضح قائم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.. يدعوهم
إلى الجهاد مع هؤلاء وخاصّة يدعوا الأقربين إليهِ من شعب التركمان، ويدعوهم إلى
التفاهم والتلاقي في ميادين الدعوة.. وأكّد في دعوته هذه : سمو الروح، وتلهّب
العاطفة، والعقل الواعي، والقلب الذكي، والإيمان العميق الراسخ، وشموخ المسلم في
وجه الأعاصير، ورؤية واضحة، يرسم من خلالها الطريق ليكون لاعباً، ويضع على جانبيه
المعالم والصُّوى حتى لا يضل السائرون. وسوف نعرض بعض أعمالهِ ونشاطهِ في أدناه. ولما وقعت نكبة صدّام عام 1969، توقّف كلّ أعماله
السّياسيّة والثّقافية وغير ذلك بسبب الظّلم الكبير الذي لم يُطاق كما يعرفه
العراقيون والعَالم جيّداً. ونما الإرشاد عنده بدلاً من الجهاد السّياسي واستقر
دربه، حتى أصبح بما فيه من جمال وكلمة طيبة عُدّة وسلاحاً في درب الحياة لإنقاذ ما
أمكن إنقاذه بالإرشاد والنّصيحة. وانطلق يُناشد شعبه بعد ذلك وهو يحمل لهم مفهوماً
مجدداً نابعاً من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأصبح له من خلال هذا
المفهوم الإيماني رسالة ومهمة تدفعه إلى بناء حياة الإنسان في الأرض على طهر وأمن
وعزة وجهاد.. سيرة نضالية
1ـ كان كثير الإطّلاع للعلوم ولأخبار العالم السّياسيّة
وكثير الرّحلات والسّفر. لذا رجّح بأن يُكمل كليّة الحقوق أو السّياسية لتحقيق
آمالهِ الوطنية فتحقق أُمنيته في كلية الحقوق فتخرج من جامعة بغداد عام 1954م . 2ـ أراد التعين بعد تخرجهِ من الكليةِ في شركة النّفط
العراقية بكركوك، رُفضَ تعينهُ من قبل الإنكليز بسبب وجود ملاحظات لا يرضاه
الإستعمار بقلم أحمر على ملّفه وملف عائلتهِ، والملف مملوءٌ بعدم حبّهم للإنكليز
وتأييدهم للحكومة
الوطنية المخلصة الشّريفة. 3ـ أصبح عضواً من أعضاء لجنة التّعاون الوطني بكركوك
قبل مجزرة 1959م للدفاع عن حقوق
التّركمان لدى الدّولة، وكان معهُ المحامي تحسين رأفت والمرحوم الرّئيس الأوّل
المتقاعد عطا خيرالله والصّيدلي مجيد حسن، فدافع عن شعبه المظلوم في كافة المحافل
السّياسيّة، دون أن يسكت عن قول الحقّ أمامَ أيّ حاكم جائر سواء كانوا من الإنكليز
أو الشيوعيين أو القوميين أو البعثيين ، وكلّ ذلك مبيّنة في الوثائق الحكوميّة. (أنظر
مذكّرات الطّبقجلي وذكريات المحامي جاسم مخلص ص 129). 4ـ أصدر أول جريدة أدبيّة
إسبوعية بإسم( بشير) صدرت في كركوك باللغتين
العربية والتركمانية بعد إعلان الجمهورية، وكلّف السّيد محمد أمين عصري ليكون صاحب
الجريدة، بينما تولى منصب المسؤول عن
تحرير
الجريدة التي تولى عمل فيها ايضا المحامي عطا ترزى باشى .
وبغية انجاح هذه العملية اشترى مطبعة وحول مكتب عملهِ المحاماة مركزاً
للجريدة، كما إشترى سيارة خصوصية ماركة كدلك وجعلها في خدمة الجريدة. واهتمت
الجريدة بالشؤون الثقافية والاجتماعية، وبالحقوق الثقافية للتركمان.صدر عددها
الأول في 23 أيلول/سبتمبر 1958، وعددها الأخير في 17 آذار/مارس 1959. بالرّغم من الضّغوط والتّهديدات من
الإستعمار الإنكليزي أو من قبل الحكومة الموالية للإنكليز. في 16 مارت 1959
إستدعاه مدير أمن كركوك لاجتماع مهم مع بقية أصحاب الجرائد الأخرى مثل الأفاق وكاورباغي، طالبا منهم بأن يصدروا عدد خاصا للجريدة بثلاث لغات الكردية والتركمانية
والعربية، الا أنه رفض ذلك التّكليف، وكان قد صدر من الجريدة العدد 26، وأجابهم بكل شجاعة "أنّ أمركم هذا يُخالف القانون والدّستور العراقي ولا
يُمكن مخالفة قوانين الدّولة". وبعد ساعات أُلقي القبضُ عليهِ ونُفي إلى
الكوت بحجة أنّ له علاقة مع الإنكليز علماً أنّ مدير الأمن كان على علمٍ في
الموضوع ويعرف الحقائق جيّداً، وبعد ثلاثة أشهر رجع إلى بلدهِ بعفو عام. 5ـ الإنكليز الذين كانوا يحكمون العراق بصورة غير
مباشرة في العهد الجمهوري كانوا يخافون من وطنيتهِ وحبّهِ لقوميتهِ، فهدّدوهُ
بإغلاق جريدة البشير إذا لم ينجز مطلبهم وعندما رفض ، أرسلوا عُملائهم ليطلبوا منه
شراء 100 نسخة لكل عدد،
فرفض ذلك المطلب أيضاً لأنّه كان يعرف أنّه في كلّ أعمالهم تأمر، وأخيراً دبّروا
لهُ خطّة ونفوهُ إلى الكوت وأغلقوا الجريدة كما ذكرناه أعلاه. وكان من بين المنفيين رئيس المحكمة عوني
يوسف وقاسم النفطجي
ونورالدين الواعظ وقائد الفرقة الثّانية ناظم الطّبقجلي بسبب مساندتهِ لتركمان
العراق، حيث كان والد الطّبقجلي من أصل عربي ووالدتهُ من
أصل تركمان سوريا. هذهِ نبذة عن حياة هذه الشّخصيّة الجليلة. 6ـ في أذار 1959 حصلت عملية التّنكيل والإضطهاد ضدّ
التّركمان من قبل الشّيوعيين الأكراد وخاصّةً بعد حركة عبدالوهاب الشّواف. وقد
تمَّ خلال أيام إعتقال ما يقرب من ثلاثة آلاف تُركماني في كركوك شيوخاً وشباباً،
رجالاً ونساءاً بتهمة الطّورانيّة وقد انطلق سراح المعتقلين بعد أشهر ونفي عدد منهم
إلى المحافظات الجنوبية وكان من بينهم المحامي محمد عزت . وبعد أربعة أشهر عاد اثر صدور عفو عام، حدثت مجزرة كركوك الرّهيبة 1959، وفي اليوم
الرابع عشر من تموز 1959 والتي دامت ثلاثة أيّام وكان إسم المحامي محمد مع قائمة
الإعدامات أيضاً فلم يعثروا عليهِ في بلدهِ كركوك، لأنّه أدرك بالموضوع فسافر إلى
بغداد مع صديقهِ وأقاربهِ حسن خلف وعند تهدئة الأمور بعد أيّام قلائل رجع إلى
كركوك ثمّ طلب نقلهُ إلى بغداد وعمل ككاتب عدل في وزارة العدل. 7ـ أصبح شاهداً للدفاع عن الشّهيد الزّعيم الرّكن ناظم
الطّبقجلي قائد الفرقة الثّانية بكركوك في محكمة المهداوي دون أن يخاف على حياتهِ،
ولقد تم إعدام الطبقجلي بعد اتهام عبد الكريم قاسم له بالاشتراك بحركة الشواف
عام 1959 للإطاحة بنظامه. 8ـ
إستمر في جهادهِ
السّياسي والإعلامي عندما نُقل إلى بغداد في السّتينات، حيث أصدر مجلة الأخاء (قارداشلق) بإسم نادي الإخاء التّركماني وأصبح عام 1961م رئيسَ تحريرٍ
للمجلة، وكانت تمرّ العراق في أصعب ظروفها السيّاسي، دون أن يخاف أو يتردّد في
تسلّم هذا المهام القومي. 8ـ أصبح حاكم وقاضي العاصمة بغداد في السّبعينات وحارب
الفسّاد وأغلق كثير من
أماكن الدّعارة ولعب القمار، رغم التهديدات وتكليف الرشاوي المستمرّة له، ولم يلن
أمامهم ولم يتنازل عن قراراتهِ وإجراءاتهِ ولو مرّة . 9ـ أصبح حاكم وقاضي محافظة النّاصريّة وحارب المشاغبين
والنهّابين و لم
يتنازل عن قراراتهِ الجزائيّة أبداً . 10ـ أخيراً أصبح حاكم وقاضي محافظة كركوك، ولم يعط
يوماً قراراً غير عادلٍ، أو قرارات موالٍية للحكم البعثي الظّالم، وأخيراً اختارته الحكومة الصّداميّة من العشر الأوائل من
حكّام العراق بالرّغم من عدم كونهِ بعثيّاً، وقد تكون هذه المكافأة والله أعلم نوعا من اللّعبة السيّاسية للحكومة، قد تكون من
أجل مداهنة الشّعب التّركماني ، أو لأسباب أخرى . 11ـ إهتم بالثّقافة والإعلام لأنّه كان يعرف أنّ طريق
الخلاص من الإستعمار والظلم والتهميش هو التّعلم والتّنور بالدّرجة الأولى، ونرى أنّه أصدر
أوّل جريدة تركمانيّة باللّغة التّركمانيّة عام1958 م بإسم جريدة البشير ورأسمال
الجريدة كان من عندهِ، ثمّ أصبح محرّر مجلة الإخاء في عام 1961م كما ذكرنا أعلاه
وعضو في هيئة نادي الأخاء التركماني وكان معهم الزّعيم عبدالله عبدالرّحمن
وعبدالقادر سُليمان ووحيدالدين بهاءالدّين والدّكتور مردان علي وحبيب الهرمزلي
وعباس الونداوي والدّكتور جمال مصطفى والسّيد عرفان وغيرهم. 12ـ وبهذا يمكن القول أنّه كان رائد الإعلام التركماني
لأنّه أوّل من أصدر الجريدة باللّغة التّركمانيّة، ولكن الحظ لم يُساعده أن يكون
رائد للأدب التّركماني لأنّه صرف كلّ أوقاته من أجل الدّفاع عن حقوق الشّعب
التركماني، والإهتمام بأمورهم ولم يتسنَ له فرصة الكتابة، ولكنّه ربّىَ أجيالاً من
الشباب كما ذكرنا بأفعاله وسلوكه وأفكاره. حالته الإجتماعية
تزوّج من فتاة تركمانية من أحد عوائل قضاء كفري بنت
عبدالحكيم رزي أوغلو الكاتب والأديب التركماني المشهور، وأنجب منها أيدن وبنتان
أيفر ودنيز. وفي السّبعينات حجَّ بيت الله الحرام. كان ذكيّاً ومجتهداً وطّيب الأخلاق في حياتهِ المدرسيّة
والعمليّة والسّياسيّة، أخذ كافة مقوّمات حياتهِ من والدهِ وعائلتهِ. مهما نذكر من
حالهِ لا نستطيع الإفاء هنا كلّهُ ولكنّنا يُمكن القول أنّ القائد أو الرّئيس
النّاجح سواءاً كان في حياتهِ السياسية أو القوميّة أو العقائدية أو غير ذلك يجب
عليهِ أن يتصّف بثلاث صفات على الأقل وهي : 1ـ الدّراية والعلم. 2ـ الشّجاعة وعدم
الخوف. 3ـ الإيمان والأخلاق الحسنة 4ـ ومال يأمن رزقه ورزق عائلتهِ دون الإعتماد
على راتب الدّولة. وكان يتّصف
الحاكم محمد الحاج عزت رحمه
الله بهذه الصّفات جميعاً كما ذكرنا سابقاً، حيث كان إيمانه بالله تعالى وأخلاقه
العالية بلا حدود لأنّه كان ابن عالم جليل وصاحب طريقة تصوفيّة وهي النّقشبنديّة
وإبن عائلة غنيّة وصاحب مبدأ وسياسة فواصل ناضلهُ ضدّ الإنكليز والخونة الموجودين
في كركوك من المتطّرفين الشّيوعيين والقوميين المتطرّفين. مثل هؤلاء القياديون يستحقون كلّ الاحترام والتّقدير
لأنهم عُلماءنا وعُظمائنا، وهؤلاء أكبر من أن يفيه مقال حقه ،لأنّهم يضحّون بأنفسهم فداءاً للوطن وللشعب
المظلوم، ولأنّهم كانوا يربّون أجيالاً عظاماً مثلهم، لإسعاد شعبهم وتخلّصهم من
ظلم وإستغلال الإستعمار وأعوان الإستعمار من المنافقين والخونة، ويُمكن إعطاء بعض
الأمثلة على الشّخصيّات من المناضلين أو المجاهدين في التّاريخ الإسلامي والّذين
كانوا يتحلّون بالصّفات القيادية والمبيّنة أعلاه ولكنّه لم يكتبوا ولا كتاباً ولا
مقالةً، فمثلاً نأخذ شخصيّات الخلفاء الأربعة الرّاشدون وخالد بن الوليد وعمر بن
العاص وعمر بن عبدالعزيز ومحمد الفاتح وعمر المختار وغيرهم كثيرون، وهؤلاء وإنْ
تفاوتت عندهم درجات الإيمان والعدالة والشّجاعة والصّبر ونحوه، فهم لم يؤلّفوا
كتاباً بإستثناء الإمام علي (رض) كان مؤلّفاً بجانب قيادته الحكيمة، ولم يستشهد
أكثرهم في الحرب. وسبب ذكري لهذه الأمثلة، لأنّ هناك مَنْ يتصّور أنّ من صفات
القائد الوطني التأليف والكتابة أو الشّهادة العِلمية. وفي عصرنا الحاضر والجميع
يعرف أنّه ينقص الشّعب التركماني القيادي والسّياسي المحنك كالأمثلة التي بنتها
أمّا العُلماء والأدباء والمهندسون والأطباء عندنا كثيرون فعلينا الآن تربية رجال
عُظماء. هجرتهِ إلى تركيا وهولندا
لقد أحب أهلهُ وأمتهُ ووطنهُ، وارتبط منذ
صباه ببلدته ووطنه ودينه.. وحب الوطن من الإيمان، والحنين إليه وهما من صفات
المسلم الملتزم بإسلامه، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول عن مكة: (والله إنك لخير
أرض الله وأحبُّ أرض الله إلي، ولولا أني أُخرجت منها ما خرجت). وعاصر المؤامرات المتتابعة والأحداث الساسية، ولا يترك حادثة أصابت العراق إلا وعاشت في
وجدانه وامتزجت بدمائه وأنفاسه منذ هجرته يحسّ تمزق أبناء وطنه ويسمع أنين شكواهم
ولا يرى عملاً جاداً ولا مغيثاً ولا معيناً، ولهذا نجده يناشدهم الكف عن الدموع
والسعي إلى الجهاد، ويستثير هممهم. ويمضي مفكّرنا في إحساسهِ يصوّر الواقع المؤلم وطريق
الخلاص.. ويذكر أن السبب الأصيل لهذا الواقع هو إعراضنا عن الله، ولذلك فقد أصابنا
الذل والهوان، وأصبحنا نعيش على فتات موائد الأعداء نطلب منهم حقوقنا ونفرح ونتيه
للحقير من العطايا ننالها منهم.. وهجوم بعد هجوم، ومجازر بعد مجازر، من قبل الطّغاة
على الشّعب العراقي الأبي وبالأخص الشّعب التركماني المظلوم، ولعلها ابتدأت بعد
سقوط الدّولة العثمانية وبالأخص بعد الحرب العراقيّة الإيرانيّة وحرب الكويت، ثمّ
الحصار الأقتصادي من قبل الأمم المتحدة. لقد وفاه الأجل عام 2000م ولم يرَ الهجوم الأمريكي
وحلفائهِ على العراق. ولم يرَ أيضاً ما جرى لوطنهِ وشعبهِ وخاصةً لشعب التركمان، ولو رأى لأزداد
آلامه وحسراته على شعبه المظلوم وخاصّة بما يجري للشّعب التّركماني. ومن خلال ظلمة
المأساة وسواد الفاجعة، التي حلّت بالعراق حيث وقعت مجازر رهيبة فاقت مجازر العهد
البائد.. حياة والدهِ الاجتماعية والسّياسيّة
الحاج عزّت بن الحاج ولي بن رجب كان من شرفاء أهل كركوك
ومن العُلماء الصّالحين ومن أصحاب الطريقة النّقشبنديّة وصاحب ثراء وغِنى كما
ذكرنا، وولد له بتنان وولدان. لقد عاصر الحكم العثماني والملكي، وعاش أحداث الحرب
العالمية الثانية، فمضت عليهِ السنين مليئة بالأحداث الجسام، وقدّم أبناء العراق
كثيراً من التضحيات في معارك غير متكافئة ضد قوى عالمية عام 1914م، ثمّ حلّت ثورة
العشرين المباركة عام 1920م، وذاقوا وأبناء وطنه طعم التشرد واللجوء، وإستقال
والده من وظيفتهِ وكان يشغل مدير البريد والبرق والهاتف في قضاء راوندوز، واضطر أن
يرجع ويعيش في بلده كركوك، وينتظر اليوم الذي تبدأ فيه جولة الحق وينتصر فيه جنود
الإيمان وتعلو كلمة الله. لقد إشتغل في مهنة والد والده أي جدّه الحاج ولي والتي
كان معروفاً أيضاً بكفاحهِ ضدّ الإستعمار، وأنه وقفَ ضدّ الإستعمار عندما كان يعمل
في البريد والبرق والهاتف في راوندوز. وبد تولّى نفس المنصب بعد والدهِ خطى نفس
خطى والده في إستمرار النّضال والكافح ضدّ الإستعمار الغربي ثمّ إنتقل هذا الكفاح
إلى أبناءهم وخاصّة المحامي محمد. وكان الحاج عزّت عالماً جليلاً اشتهر بين الناس بصفته
العلمية والتّصوفيّة وصارت تلك الصفات تسري إلى إبنيهِ محمد وأنور وبنتيه مديحة
وفضيلة. كان والد وجد محمد من كبار التّجار في منطقة قورية
رحمهم الله تعالى بالإضافة إلى ذلك لقد مرَّ والده الحاج عزّت
بحادثة سياسية عندما كان يُناضل ويكافح من أجل الإسلام وحماية الخليفة الإسلامية
العثمانيّة وكان مديراً للبريد والبرق والهاتف وهذه الوظيفة كما نعرف أنّه من
الوظائف الحسّاسة في حالة الحروب لإيصال البرقيّات السّرية إلى الجهات المعنية،
ومنها إلى مقر سلطان المسلمين، فلو لم تكن بيد المخلصين لأصبح منبع الخيانة وكشف
الأسرار العسكريّة، وقاوم الحاج عزّت بكلّ ما في وسعه جواسيس الإستعمار الإنكليزي
والرّوسي بكافة الأساليب وخاصّةً في منع إعطاء أو كشف الرّسائل والبرقيّات لهؤلاء
الجواسيس والتي كانت تصل أو تُرسل من وإلى الحكومة العثمانيّة، بالرّغم من الضّغوط
الشّديدة عليهم وخاصّة من قبل قائمقام القضاء في راوندوز، وحتى أنّه هاجم مقرّ
القائماقامية مع موظفيهِ وتشاجروا معهم وأخيراً استقال من وظيفته عندما إحتلّ
الإستعمار الإنكليزي العراق 1917م ثمّ وافاه الأجل في الخمسينات، وتابع النّضال من
بعد وفاته إبنهُ أنور الذي كان الملازم الأوّل في الجيش العراقي سلك طريق والديهِ
المتقيّان الوطنيّان، وكان يّحبّ وطنه وشعبه البائس المظلوم مثل والده الذي ساعدَ الشّعب الترّكماني بكلّ إمكانياته
المعنويّة والماديّة، سواء بحكم وظيفته أو بظروفه الماديّة لأنّه كان غنيّاً، لقد مرّض
ولم يقبل الإنكليز سّفره إلى خارج الوطن للتداوي بسبب إفتراء وإخبار
أحد أصدقائهِ المقرّبين له إلى السّفارة البريطانية بأنّه على عِلاقة مع السّفارة
التركية وتوفي عام 1944م. ثمَّ حمل هذهِ الرّاية من بعدهِ أخوه الأصغر محمد الذي
نحن بصددهِ. الختام
وبإختصار يمكن القول عنه أيضاً أنّه من أحد المُنتسبين
إلى قائمة المَنسيّين بأي سبب كان
سواء بسبب الغربة وإبتعاده عن بلدهِ أو بسبب إنشغال النّاس بالحروب المتواصلة في
العراق وأسباب أخرى. ولكنّني أُعاتب الباحثين والصّحفيين والأعلاميين
والسّياسيين ونحوهم في عدم ذكر مثل هذه الشّخصيات البارزة في مناطق تركمن إيلي،
بين حين وأخر بالمناسبات الخاصة أو الإحتفالات. وأخر ما أريدُ قولهُ على المواطنيين التّركمان الغيارى
أنْ يقرؤا حياة مثل هذهِ الشّخصّيات من العُلماء والمفكّرين والحُكماء والسّياسيين
الصّالحين منهم، وأن لا يتكلّموا عليهم بسبب بعض الخلافات الرّوتينيّة البسيطة في
الرّأي و أن لايحسدوا مهنهم ومناصبهم اوعدم كونهم من جماعتهم أو غير ذلك وأن
يذكروهم في الخير ويُحبّوهم في الله، لأنّ الإمام علي (رض) يقول (من علّمني حرفاً
صرت له عبداً (ملكني عبداً)، فلنحترم عُلماءنا ونوحد صفوفنا لنكون قدوة حسنة وقوّة
لغيرنا وإذا فعلنا ذلك وافتخرنا بأجدادنا فسوف نحترم أنفسنا، ويحترموننا الشّعوب
أيضاً، وأخر دعوانا أن الحمد لله
ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على
نبيهِ وألهِ أجمعين. |