العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

من المسرح التركماني العراقي المعاصر

(الطوفان) بين مسخ الهوية..وإحياء التاريخ

 

منور ملا حسون

 

      

الفنانان ياووز فائق وحسين علي غالب

في مشهد من مسرحية (الطوفان)

 

 

  كثيرة هي الوقائع والأحداث التي تعد الباعث الأساس لمشاعر تسري من أعماق الكاتب بعد فورانها, لترى النور, عبر توظيف مكثف لحواره الداخلي.

ويستمر هذا الخيط الخفي يربط تفاصيل الأحداث لتتجلى, بين السطور سواء أكانت تلك الأحداث قد سردت عبر رواية أو قصة أو مسرحية ذات علاقة بالواقع السوسيولوجي أو الاقتصادي للإنسان. إذ أن لذلك الواقع سلطته على البنيات الروائية أو المسرحية والتي تعتبر أولا وأخيرا الحقيقة الأساسية للواقع الإنساني. وتلك الواقعية تساعد الكاتب إلى السرد المقنع وولوج شخصياته التي تحرك الحدث دون حواجز.

        و المتابع لمسرحية (الطوفان) عند عرضها أدرك وبيقين أن كاتبها ومخرجها رائد المسرح التركماني الكاتب والمخرج المسرحي ( عصمت نجاتي الهرمزي) لم يشرع بكتابتها إلا بعد أن تيقن من فكرتها وبعد أن اختمرت في ذهنه, ساعدته في ذلك إسهاماته الفاعلة في الأدب المسرحي فهو من ابرز الكتاب والمخرجين المسرحيين الذين افرز تهم الحركة المسرحية التركمانية. ولابد لنا من وقفة تأمل في محطاته الإبداعية المتخمة بالإعمال المسرحية الناجحة.

                                                *************

           بعد أن عاشت الحركة المسرحية في كركوك بين المد والجزر, فمرة تصطدم بجدار صلد وأخرى تجد منفذا لتتنفس من خلالها, بدأ مشواره المسرحي في 1955 فكانت أولى خطواته في عالم المسرح أن قدم مسرحية باللغة الإنكليزية من تأليف الكاتب المسرحي والأديب القاص ( جليل القيسي) الذي يعتبر هو أيضا من ابرز كتاب المسرح في كركوك. ثم توالت أعمال عصمت الهرمزي المسرحية فقدم عدة مسرحيات للمسرحي المعروف ( يوسف العاني ) منها (رأس الشليلة, فلوس الدوة, تؤمر بيك ) امابعد 1958 واصل عطاءه المسرحي في المسرح التركماني إلى 1961 ثم سافر إلى أنقرة لإكمال دراسته في المسرح. وبعد عودته عرضت له عدة مسرحيات على مسرح الهلال الأحمر ونادي الاخاء التركماني في بغداد.

      وبعد أن عاش بين مد الحركة المسرحية وجزرها ولكي لا تصاب خبرته وموهبته بالصدأ قرر العودة إلى أنقرة, واستمرت نشاطاته خارج الوطن أكثر من ثلاثين عاما. إذ كتب واخرج مسرحيات عديدة منها مسرحية ( الغريب) التي عرضت في مدينة بورصة في تركيا والماطا وفي دولة قازاغستان وعلى مسرح ( اويغور دولت تياتروسو) (مسرح الدولة) وقد استمر عرضها في أنقرة أكثر من ثلاثة اشهر ومسرحية ( الرأي العام) واستمر العرض (80) يوما.

        وفي كتابه ( وصلات VUSLAT) دلالات تصوفية استنبطها من أفكار ( جلال الدين الرومي). فقد استطاع صنع العقدة المسرحية فيها من خلال الحبكة والرؤية المتكاملة للتصوف. ولابد أن نذكر هنا بان مدينة ارابخا ( كركوك) التي تحتضن نهر خاصة الغاضب حتى من أحجارها والتي أنجبت ( عصمت الهرمزي) كان لها أيضا شرف إنجاب شقيقه شاعر ألألم الأديب والروائي المعروف ( قحطان الهرمزي) الذي كان لمسرحيته ( بيتمه يه ن كيجه) ( ليلة لا تنتهي) صداها الواسع في 1971 والتي قدمتها فرقة المسرح الفني في كركوك على مسرح نادي الاخاء التركماني في بغداد .

     وعندما التقيت بالأستاذ ( عصمت) يوما قال لي }  لقد كان لكتاب ( حياتي في الفن ) لستانسلافسكي تأثيره البالغ في مسيرتي المسرحية فقد كنت أطالعه بشغف لطريقته الخاصة في المسرح { .

            فقد كان الهرمزي على يقين بان الدراسة الأكاديمية لابد منها لتحقيق ما يطمح به في هذا المجال فكان متواصلا مع المنجز الإبداعي المحلي والعالمي. أما في نهاية عام 2003 فقد عاد ثانية ليحتضن وطنه والمبدعين فيه لتحقيق حلمه الذي طالما راوده في الغربة وهو تأسيس فرقة ( المسرح الوطني لتركمان العراق) ليتنفس المسرح التركماني من خلاله عبق الانتعاش المسرحي . وكان الاستهلال بمسرحية ( الطوفان)......

        اختار الهرمزي شخصياته المسرحية في مسرحية (طوفان), بشكل تستحثه إلى أن يتقمصها (هو) أثناء الكتابة, فهو ممثل مسرحي بارع ساعدته موهبته هذه إلى الإتقان في انتقاء تلك الشخصيات, إذن هي سايكولوجية المسرحي المبدع أن يأتي بما تفرزه دواخله بكل ما هو بديع ومتقن.

      منذ الكلمات الأولى التي نطق بها الراويان وهما الشخصيتان المحوريتان في المسرحية اللذان أجادا دورهما وهما المخرج المسرحي المعروف ( حسين علي غالب) والممثل المسرحي المبدع ( ياووز فائق), استطاعا أن يبثا روح الصراع التي تعتبر روح وحرارة المسرحية الناجحة التي تهدف إلى سريان تيار الصراع في نفوس المتلقين . وقد شدت المسرحية انتباههم منذ أول حوار بينهما, والقاعة مظلمة وصوت الرعد يتزامن مع الإضاءة على المسرح :

تيقظ

من أنت..منذ متى ونحن غارقون في النوم

كأن أحدا يريد أن يوقظني

(بدهشة) إننا متشابهان..!!

          كان كل واحد منهما قد فقد ذاكرته, لا يعرفان من هما يحاولان النوم لكنهما لا يستطيعان وكأن شيئا في داخلهما يحرك فيهما الإحساس ليفتشا عن ماهية هويتهما الضائعة. هذا الحوار هو محاولة لشحذ الذاكرة ونفض غبار النسيان.فهو فعل لا إرادي ناتج عن الضغط النفسي. كصرخة احتجاج ضد كل ما هو لا إنساني وضد كل ما يهدر تلك الإنسانية, يحسان كأنهما نكرة أضاعا الهوية التي ألقى التراب عليها ستارا كثيفا دفنت احلامهما في قاع النفس فيحاولان أن يحفرا بأزاميل الذاكرة ثغرة للولوج من خلالها إلى الماضي البعيد. احدهم يطلب من الأخر أن يستيقظ من غفوته كل يسأل الآخر من يكون وكأن الزمن قد توقف فأخذا يشخصان الراهن منه.

        وهكذا تستمر عناصر التشويق والتشوق عبر الصراع الصاعد الذي يجعل المسرحية كاملة وناجحة.وقد رسم المؤلف كل تلك المناخات بدقة وانتقائية حتى تكون اقرب إلى الواقع المعاش وتتجلى امكاناته الحقيقية وموهبته في الخلق والإبداع حين يجعل الراويان يتحاوران حول عمق التاريخ التركماني , فيرسم الخطوط العريضة لا فكاره عبر تصورات هذين الراويين لعمر وجذور ذلك التاريخ كي يتبلور الموقف بشكل واضح في ذهن المتلقي عن طريق السرد ألمشهدي ( الحوار) , حين يتراءى لهما مشهد شجرة ضخمة منتصبة بكل بهاء, قديمة قدم جذورها الراسخة في العمق لكن الأيادي البربرية مزقت أغصانها بوحشية , ولا من مستجيب لصرختها . إلا أن ميثولوجيا جذورهما وتماسكها في الرسوخ أبت إلا أن تبقى متوهجة معافاة. 

        وبما أن للكوميديا أصولها الخاص حينما نستند إلى أصلها السايكولوجي لاسيما أن هذه المسرحية زاخرة بالمواقف التراجيدية للمعاناة المريرة للإنسانية المسحوقة والتي يحس بها المتلقي من خلال شخوصها . ورغم إن التراجيديا وكما قال أرسطو (هي محاكاة لحدث يتميز بالجدية ) إلا أن المسرحية تخللتها مواقف تندرج تحت السخرية من تلك المعاناة , فيظهر فن الكوميديا الأصيل المتسم بإيصال الفكرة إلى الجمهور من خلال تلك المواقف لان الضحك كما ذكر (رينولد ينبور) :

 ( هو نوع من المنطقة الفاصلة بين مجال الإيمان ومجال اليأس , إننا نحافظ على سلامة عقولنا بالسخرية من سخافات الحياة. ويتخذ الضحك طابعا مرا حين يتعرض للجانب اللاعقلاني في مشكلتي الشر والموت).

 وقد أجاد الراويان دورهما ببراعة في المواقف التي تستدعي الحركات الكوميدية المكتنفة بالمرارة والتي يضحك فيها الإنسان ليداري بكاءه.

     وما تتميز به هذه  المسرحية إنها في معظم أحداثها لا تتسم بالتقريرية والمباشرة , وإنما تريد أن تبث الفكرة بأسلوب رمزي (سمبوليك) من خلال إشارات مبثوثة بين المحاور والمتلقي .

        ففي المشاهد الجنائزية ولوحات الجرح والحزن تتلاشى الحوارات , فيبدأ ذهن المتلقي بتشكيل الاستدلالات ليمسك بخيوط أحداثها ليصل إلى جوهر الفكرة الأساسية تلك الفكرة التي تذكرنا بها أيضا فكرة مسرحية ( الوافد ) للكاتب المصري ( ميخائيل رومان )  والتي يتحدث فيها الكاتب عن الإنسانية المطحونة بين عجلات تسحقها وتدوس كرامته وتحاول أن تبث فيها الإحساس بالضآلة .

        وقد حاول المؤلف أن يبث لحظة الوهج المسرحي من خلال خلق حالة التنوير حين يعثر الراويان على صخرة عمرها عمر العصور السحيقة , فيتجلى البعد الرؤيوي حين يبدأن بالتقصي والإبصار ومعاينة تلك الصخرة الطلسمية و ما تخبئها من كنوز ارض ( ارابخا) فيشع جو من الأسطورية الميثولوجية التي توقظ صلتهما بالتاريخ والتراث عن طريق الدلالات الرمزية التي تعمق وتوضح أبعاد الصراع وهما يحاولان استنطاق التاريخ.

        ويبدو واضحا إن (الهرمزي ) قد خضع لمؤثرات أدت الى تحديد طابع اتجاهاته الفكرية وانتقاء الملامح الفنية في هذه المسرحية التي ترتكز  على وعي أدبي وفني وإدراك لأهمية التقنية في البنية المسرحية والتي تتغلغل في ثناياها حد الحركة والكلمة .

         ويبدو إن ذاكرته قد اختزنت الكثير عن المهاد التاريخي لبلده. وقد كان حريصا على رسم الوقائع وراصدا لها بشكل دقيق, فهو من أول المتحمسين والمؤمنين بحقوق أبناء جلدته وبمعاناتهم في العقود المظلمة. وقد فاحتشد الطرف الأول من المسرحية بتفاصيل عن أيام الضياع والبحث عن التاريخ , أما الطرف الثاني فاحتشد بذكريات مقرونة بالموت الذي اقترن هو الآخر بالأحداث والحزن السرمدي للأمهات المفجوعات بأبنائهن في عهد كان الموت يحلق فوق رؤوسهم ليلتهمهم صباح  مساء. أما الطرف الثالث منها فكان الانفتاح نحو مرحلة تاريخية أخرى وهي آفاق نهضوية للإنسان العراقي الجديد لصناعة الحياة ولتشكيل الواقع الجديد الذي يستحق أكثر من وقفة . بهذا استطاع المؤلف أن يلتقط الشخصيات من البيئة التركمانية العراقية وهذه وسيلة أخرى لجذب القارئ والمتلقي ليدخل هذا العالم عبر مشاهد وانتقالات رائعة خلال أحداث مر بها أكثر العراقيين ( وهي الشعور بالخطر وفقدان الأمن والإذلال وحملة الإعدامات) وتجلت تلك في تعرض الشيعة  إلى الاضطهاد والقتل أثناء تأدية مراسيمهم الدينية, ويشتد الصراع ويبلغ ذروته حين تكشف النسوة جثة الشهيد ( حسين دميرجي) الذي استشهد بالتعذيب وبالصعق الكهربائي اثر أدائه دور (تمبل عباس  ـ عباس الكسلان) الذي ينتقد الممارسات الغير المنصفة آنذاك .

          وقد كانت نقطة البداية بين المتحاورين عبر ضمير الخطاب للمفرد وانتهت بالضمير عينه لكن بصيغة الجمع حين خاطب الفرسان بعد أن تكاتفوا حول قضية واحدة بعد قفزات زمنية, فيبدأ سريان روح اليقظة والانفتاح نحو آفاق جديدة..إذن صيغة النظام التسلسلي للمسرحية كانت كالآتي :

(فقدان الهوية القومية -  البحث عن جذور التاريخ – اليقظة والانفتاح)

          بهذا استطاع (الهرمزي) مؤلف ومخرج المسرحية التي عرضت في أنقرة عام 2004, أن يبقي الهاجس الإنساني في ذهن المتلقي حتى بعد خروجه من قاعة العرض , ليبقى ذلك مؤشرا ومحفزا للإثارة والجدل والتداعيات التي أفرزتها المشاهد والحركات المسرحية , وهذا ما يبتغيه كل كاتب ومخرج مسرحي ناجح.    

 

                                ( خاص بموقع موسوعة تركمان العراق)