|
|
وثيقة عثمانية تكشف عن حقيقة مجهولة قلعة كركوك صرح
عثماني
فاضـل بيـات
يتفق الباحثون على ان قلعة
كركوك تعتبر من أقدم أجزاء المدينة، ولكنهم يختلفون بشأن أصلها وزمن إقامتها.
ويتمحور اغلب رواياتهم حول الكوتيين (الألف الثاني قبل الميلاد) والملك الآشوري آشور
ناصر بال الثاني (884-858 ق.م). وتتميز القلعة بموقع استراتيجي في المنطقة ولهذا شهدت
أحداثا كثيرة قبل الإسلام. وحافظت على هذه الميزة بعد انضوائها تحت الحكم الإسلامي.
وعاشت مدينة كركوك أزهى عهودها التاريخية في عهد الدول والإمارات التركمانية التي
تعاقبت على حكم العراق أو الجزء الشمالي من العراق. وعلى
الرغم من وجود رواية تاريخية تشير إلى إعلان حاكم كركوك الخضوع للدولة العثمانية
في عهد السلطان سليم الأول (1512-1520م) وذلك بعد دخول المنطقة الشمالية والغربية
من العراق تحت الحكم العثماني اثر معركة جالديران التي انتصر فيها القوات
العثمانية على القوات الصفوية، إلا ان هذا الإعلان لم يترجم على ارض الواقع، ولم
تنضو مدينة كركوك بشكل فعلي تحت الحكم العثماني إلا بعد حملة السلطان سليمان
القانوني إلى المنطقة، والتي توّجت بفتح بغداد في أواخر سنة 1534م. وجعل
العثمانيون من مدينة كركوك مركز لواء تابع إلى ولاية بغداد حمل اسمها أي
"لواء كركوك" أو "لواء كركوك وداقوق". وشهدت
المدينة هدوءا نسبيا على مرّ تاريخها في العهد العثماني، وإذا استثنينا حملات نادر
شاه عليها(1733، 1743م) فان المؤرخين لم يتطرقوا إليها إلا ما ندر. ومما يتعلق
بالقلعة فإنها لم تحظ الاهتمام المطلوب من لدن الباحثين المحدثين. وهنا ينبغي الإشادة
بالبحث القيم الذي كتبه الأخ نصرت مردان تحت اسم: "قلعة كركوك.. قصة
الاستقواء على المحن والغزاة". ولكن وعلى الرغم من استخدام القلعة مركزا
إداريا وعسكريا طيلة العهد العثماني ولمدة أربعة قرون متواصلة فان الباحثين لم
يشيروا إلى أي عمل قام به العثمانيون تجاه القلعة وكأنهم توارثوها دون ان يضيفوا
عليها أي شيء، أو يضعوا حجرا على حجر فيها. ولذلك أثيرت تساؤلات عديدة حول الموضوع
وبقيت دون إجابة منها: من بنى القلعة الحالية؟ كيف كان وضعها قبل العهد العثماني؟
هل أضاف العثمانيون شيئا إلى القلعة أم لا؟ وما هذه الإضافات؟ أسئلة خاف الكثير من
الباحثين من طرحها خوفا من اتهامهم بالجهل لعدم تمكنهم من الإجابة عليها. ولكن هل
الاعتراف بالجهل في ظل عدم توافر المعلومات المصدرية يُعدّ إثما؟ والحقيقة
ان معظم الجوانب المتعلقة بالعهد العثماني ما زال مجهولا، وبحاجة إلى كشف الحقائق
المتعلقة بها، ولا سيما إذا علمنا ان العثمانيين تركوا خزينا هائلا من الوثائق
التي تسلط الأضواء على هذه الجوانب التي نجهلها... ومن هذه الوثائق وثيقة تتعلق
بقلعة كركوك. وردت هذه الوثيقة وهي حكم
سلطاني في ثنايا احد أعداد دفاتر المهمة (مهمه دفترلرى)، وهذه الدفاتر هي السجلات التي كانت تدوّن فيها القرارات
التي يتخذها "الديوان الهمايوني" الذي كان يعد أرفع مرجع رسمي في الدولة
العثماني ويقابل في الوقت الراهن القصر الجمهوري أو البلاط الملكي. وكان يترأسه
الصدر الأعظم (رئيس الوزراء)، ويضم في عضويته الوزراء وقاضيا العسكر والدفتردار
(المسؤول عن الشؤون المالية) والنيشانجي (حامل ختم السلطان والمسؤول عن وضعه على الأوامر
الصادرة باسم السلطان)، ويقترن قراراته بمصادقة السلطان وتصدر على شكل أحكام /
فرمانات باسم السلطان وتوجه على شكل رسائل إلى مسؤولي الدولة. وجاءت تسمية هذه
السجلات بمهمة دفتري اختصاراً لـ"دفتر الأمور المهمة". ويحتفظ مركز
الأرشيف العثماني في استانبول والتابع إلى رئاسة الوزراء التركية بمعظم هذه الدفاتر
التي يصل عددها إلى أكثر من 370 دفتراً فضلا عن عددين محفوظين في أرشيف طوب قابى سرايي
في استانبول. والوثيقة التي نحن بصددها وردت ضمن دفتر المهمة المرقم 888 والمحفوظ
في أرشيف طوب قابى سرايي. تحليل الوثيقة / الحكم
السلطاني 1- صدر هذا الحكم في عهد
السلطان سليمان القانوني وبالتحديد في يوم الجمعة 25 محرم سنة 959هـ 22 كانون
الثاني/ يناير 1552م أي بعد مرور 18 سنة على انضواء بغداد تحت الحكم العثماني. 2- وُجّه الحكم على شكل
رسالة إلى ناظر الأموال في بغداد جعفر بك الذي كان مسؤولاً عن الأمور المالية
لولاية بغداد وخزينة الولاية. 3- كانت كركوك في هذه الفترة
مركز لواء يتبع ولاية بغداد تتم إدارته كباقي الألوية العثمانية من قبل أمير سنجق
(سنجاق بكى). والمعروف أن أمير السنجق كان يعد أرفع مسؤول إداري وعسكري في اللواء،
وقد استمر استخدام هذه التسمية (أمير السنجق) لغاية صدور قانون الولايات العثماني
في سنة 1869 حيث استعيض عنها بتسمية (متصرف لواء). وقد ورد اسم أمير السنجق في
الحكم بشكل فرخ (فروخ). أما توصيفه بـ"قدوة الأمراء الكرام" فهو توصيف
عام كان يتصف به أمراء السناجق واستخدم من باب التكريم. 4- عرض الحكم رسالة على شكل
تقرير أرسلها أمير سنجق كركوك إلى الديوان السلطاني كشف فيها عن واقع قلعة كركوك
وسعيه إلى تطويرها. ويستدل مما ورد في الرسالة: أ- أن قلعة كركوك ثغر حدودي تطل
على حدود دولة أجنبية وهي الدولة الصفوية التي كانت في حالة حرب ضد الدولة
العثمانية منذ معركة جالديران التي وقعت بين السلطان العثماني سليم الأول وبين
الشاه إسماعيل الصفوي وذلك في سنة 1514م. ب. إن القلعة مبنية من التراب (أي الطين)
وجدرانها متداعية، وينبغي اخذ الحيطة بشأنها. ج. نظراً لأهمية القلعة بالنسبة إلى الوجود
العثماني في المنطقة طلب أمير السنجق من الديوان الهمايوني العمل على بناء القلعة
وليس ترميمها، أو تعديلها. الأمر الذي يدعونا إلى القول انه كان يريد إزالة ما كان
قائماً من الأبنية قبل المباشرة بالبناء أو البناء على أنقاض الأبنية القديمة،
ونظراً لأن البناء القديم كان مبنياً من الطين فلا يمكن الاكتفاء بإزالة ما كان
مبنيا دون الأساس لإعادة البناء بالحجر، فبوشر، وبلا شك، بالبناء بدءاً من الأساس.
وهذا يثبت وبشكل قاطع أن العثمانيين أزالوا الأبنية القديمة بما في ذلك جدران
القلعة وبنوها وبكل ملحقاتها من جديد. وهذا يعني أن البناء أو الأبنية التي انتقلتنا
من العهد العثماني كلها عثمانية
بنيت في هذا العهد، أو بالأحرى في بداية العهد العثماني ثم أجريت التعديلات
والترميمات اللازمة عليها تباعاً، بدليل أن قوات نادر شاه عندما حاولت السيطرة على
كركوك في سنة 1743 تصدى المدافعون عن قلعة كركوك لهذه القوات، وتمكنوا من قتل جمع
من أفراد هذه القوات، وأجبروا الآخرين على التقهقر وترك المدينة، الأمر الذي أدى
إلى استشاطة نادر شاه غضباً لهذه الهزيمة، فجهز جيشه وتوجه بنفسه إلى كركوك
وحاصرها، ثم دكها بالمدافع واستباح المدينة وأحرق مبانيها واجبر سكانها على
الاستسلام. (انظر: فاضل بيات: الدولة العثمانية في المجال العربي، بيروت 2007 ص
356). وهذا يعني أن القلعة وجدرانها تعرضت إلى هدم وتخريب من جراء دكها بالمدافع. ولم
يكن بوسع الدولة العثمانية تركها على هذا الوضع. ولهذا يمكن القول إنه لم يمر وقت
طويل حتى أعيد إعمار القلعة من قبل العثمانيين. ولعلنا سنجد الوثائق التي تكشف عن
كيفية إجراء إعادة هذا الإعمار. د-لم تكن الإمكانات
المتوافرة في لواء كركوك كافية لإعادة بناء القلعة في سنة 1552م فأرسل أمير السنجق
إلى الديوان الهمايوني يطلب تخصيص المستلزمات اللازمة لها من نقود وبنائين،
وبالفعل لم يتأخر الديوان في تلبية الطلب فأرسل حكماً/ فرماناً باسم السلطان إلى
ناظر الأموال في بغداد يأمره بتغطية الاحتياجات اللازمة لذلك من خزينة بغداد ومن
خزينتها بالذات، وأرسلت نسخة من الحكم إلى أمير سنجق كركوك، فقام بدوره بالاتصال
بناظر أموال بغداد لتنفيذ أمر السلطان وإرسال المستلزمات المطلوبة إلى كركوك، إلا
أن ناظر الأموال تهاون في تنفيذ الأمر، لسبب لا نعرفه، فكرر أمير سنجق كركوك
اتصاله بالناظر ولأربع مرات متتالية. وعلى الرغم من انه وعد بتنفيذ الأمر، إلا انه
لم يف بوعده، ولم يتقيد بالأمر السلطاني، فنفد صبر أمير السنجق بعد ان انتظر أربعة
أشهر متواصلة، فاضطر إلى مفاتحة الديوان الهمايوني مرة أخرى لإبلاغه بموقف الناظر
وطالب بالاستعجال في إعادة بناء القلعة. 5-وكان الديوان الهمايوني
يقر بأهمية قلعة كركوك في المنطقة ويعتبر إعادة بنائها من أهم المهمات، فأصدر باسم
السلطان الحكم الذي نحن بصدده، وأرسله إلى ناظر الأموال في بغداد لتنفيذ الأمر معتبرا
إياه محل اهتمام السلطان، وأكد عليه إرسال ما يكفي من النقود من خزينة بغداد لتتم
المباشرة ببناء قلعة كركوك وإكمالها قبل حين. كما أمر السلطان تزويد أمير سنجق كركوك بما يحتاجه من
البنائين والنجارين والمستلزمات الأخرى إلى جانب النقود. بقي أن نقول إن أمر السلطان
نفذ بلا شك في هذه المرة، لأنه لو لم ينفذ لبقيت القلعة على حالها ووصلتنا اليوم قلعة
متهدمة مبنية من الطين.. كما أن أمير سنجق كركوك كان حريصاً على إعادة بنائها ثم
أجريت عليها الترميمات اللازمة تباعا على مر العصر العثماني، وإلا لما تمكنت القلعة
من الصمود بعد حوالي قرنين من الزمن متحدية قوات نادر الشاه الغازية.. وربما سنكتشف وثائق أخرى تكشف عن كيفية إجراء عمليات إعادة البناء
ومقدار المبالغ التي صرفت عليها.. ولم يكن هذا الأمر غريباً على الدولة العثمانية
التي تميزت بالحرص على تسجيل كل ما يتعلق بها والمحافظة على وثائقها... والوثيقة
التي نقدم ترجمتها العربية ما هي إلا واحدة من ملايين الوثائق التي يحوزها مركز
الأرشيف العثماني في استانبول.
النسخة الأصلية للوثيقة
العثمانية حول قلعة كركوك
|