|
|
الباحث والكاتب وجدي أنور مردان في ضيافة مجلة ( سومر) : طلبت تراب كركوك لأشمه وأتعطر به د.نصرت مردان
الكاتب الكبير وجدي أنور مردان
وطني ـ محمد الماغوط الكاتب الكبير وجدي أنور مردان ، اسم معروف ومتألق في مجال الصحافة والإعلام من خلال كتاباته التي تتسم بالجرأة في الموقف ، والرصانة في العرض والتحليل، والمصداقية في طرح كل مايتعلق بالشأن العراقي من مواقف وتطورات سياسية . يأبى وجدي أنور مردان في هذا الحوار ، وكما عود قراءه دائما في كتاباته ، الا أن يكون صادقا مع نفسه ومع الآخرين . فهو في جولاته في المساحات الملغومة في بعض أسئلة هذا الحوار المتميز والمثير ، يحدثنا كعادته دائما بمصداقيته وجرأته المعهودتين في كتاباته ومقالاته المنشورة في المواقع الالكترونية، عن الأحداث والتطورات السياسية والاجتماعية التي مر بها الوطن وتوأمه (كركوك) باسلوب سلس ، واضح، ومحدد لايقبل التأويل ، دون أن يفقد رصانته على الإطلاق عند حديثه بمصداقية عالية، وانسيابية متدفقة، عن الزمن الذي يمر به الوطن . وكأنه يقرأ في كتاب مفتوح، مستعيدا الصور، والمشاهد، مقيما الأحداث ، والوقائع في ظل عمق ثقافته الأصيلة ، ذلك لأنه أحد أهم الأقلام الوطنية في الدفاع عن وحدة العراق واستقراره، والاعتزاز بالانتماء إلى ترابه. رغم تردي حالته الصحية ، أبى الكاتب الكبير وجدي أنور مردان الا أن يوفي بوعده وينجز هذا الحوار المثير لمجلة (سومر) ، والذي يتحدث فيه عن الوجع والمعاناة في الوطن الأكبر :العراق، والوطن الأصغر: كركوك . مقيما الوقائع السياسية والاجتماعية بصدق بالغ .
ـ يتابع قراء مجلة
( سومر) كتاباتك ونصوصك المتميزة بشغف كبير . لإزالة فضول الكثيرين هل يمكننا أن نعرف عن كثب من هو وجدي
أنور مردان ؟ وجدي أنور
مردان باختصار هو عاشق كركوك . قبل ان يهيئ حقيبة سفره ، منذ مايقرب أربعة عقود ،
وضع حفنة من تراب كركوك في جفنة دسها بين ثيابه. في الليالي ، بين ناطحات السحاب
او الفنادق الفاخرة كان يشم تلك الحفنة قبل ان ينام، كانت تذكره بالعراق وضلعه الأساس
المعشوقة كركوك. تنفس نسيم كركوك قبل ستة عقود او يزيد قليلا. كلما كان يركض وهو يدفع عجلة إطار قديم, التي
كانت لعبة الأطفال المفضلة في ذلك الوقت، تتسخ يداه ودشداشته بتراب الأزقة
ومياهها، كان يتسرب الى قلبه وعقله حب كركوك. في محلة بريادي أبصر النور وبين أزقتها
كان يشم عبق كركوك وأريجها.. كان مولده فجر يوم نزل في كركوك الثلج حسبما ذكرته له
جدته. وكلما كان ينزل الحالوب او الثلج كان اهله يحتفلون وكان نصيبه من الاحتفال
خمسة حامض حلوات، كان ذلك قبل اكتشاف (النستلة) في كركوك. جارنا المرحوم جميل الشكرجي، كان يصنع شكرات حامض حلو أبو
الديك و ابو الماصولة بطريقة بدائية في داره ، ويبيعها في مدرسة بريادي الابتدائية
للبنين التي كان فراشا فيها، والمرحومة زوجته شكرية فراشة في نفس المدرسة للبنات. كان الدوام
ثلاثة ايام في الاسبوع صباحا للبنين وثلاثة ايام بعد الظهر للبنات وهكذا دواليك.
المرحوم جميل الشكرجي هو الذي اقنع والدي بتسجيلي في المدرسة ولدى التسجيل تبين إنني
احتاج إلى 35 يوما لأكمل السابعة من عمري، ، قام جميل الشكرجي بالمهمة وأضاف 35
يوما الى عمري في دائرة الأحوال المدنية.. مازلت مدينا له وللأستاذ ميخائيل مدرس
الصف الأول الابتدائي الذي علمني الحروف الأبجدية ومن يومها وانا تلميذ ابحث عن
المعرفة. كان أستاذ ميخائيل من المسيحيين التركمان يقطنون في القلعة.أنيق الملبس
دمث الأخلاق ناعم الصوت. من مدرسة
بريادي الابتدائية بدأ مشوار حياتي. ـ ماذا بقي من وجدي أنور مردان
الطالب في مدرسة المركزية الابتدائية ، التي كانت قريبة من الجسر الحجري ( داش
كوبرو) الذي كانت قلعة كركوك تطل عليه ؟ خزين هائل من الذكريات، هذه المدرسة ومديرية شرطة كركوك
سابقا ( لقد هدمت هذه البناية وتحولت الى ساحة مكشوفة لوقوف السيارات ، قبيحة
المنظر كئبية، غدت مصدرا العواصف الترابية، في قلب المدينة) كانت بجانبها والبناية
الملاصقة للمدرسة التي أصبحت في الخمسينات مصرف الرهون، وفي الجانب الأيسر من
مديرية الشرطة متوسطة الغربية للبنين وبجانبها مديرية المعارف ( مديرية التربية). كل هذه الأبنية
كانت جزءاً من تاريخ كركوك القديم يرجع بنائها الى العهد العثماني، استخدمها الجيش
العثماني مستشفا لقواته. في هذه المدرسة، لمست أولى بوادر الصراع بين التركمان والأكراد.
مدير المدرسة المرحوم الأستاذ توفيق خادم السجادة كان من الأرومة الكردية ، والأساتذة
حسن فتاح ووحيدالدين بهاء الدين وإسماعيل من محلة (تسعين) من الارومة التركمانية والأستاذ شاؤول
مدرس اللغة الانكليزية مسيحي وغيرهم. الغريب لم يكن بينهم معلما واحدا من الأرومة
العربية. لمست عدم الود بينهم، بالرغم من ان التدريس كان باللغة العربية الا ان الأساتذة
الأكراد كانوا يتعمدون في شرح بعض المواد بعد العربية باللغة الكردية ، والأساتذة
التركمان يفعلون ذلك باللغة التركمانية، علما بان عدد الطلاب الأكراد في المدرسة
لم يكن يتجاوز 30 طالبا من أصل 250 طالبا تركمانيا وعربيا ومسيحيا. في هذه المدرسة استمعت لأول مرة إلى رواية مقتل الإمام الحسين
، حكاها لنا باللغة التركمانية الأستاذ إسماعيل، وعندما شاهدنا الدموع تترقق من
عينيه بكينا أيضا، ولم ندري أكنا نبكي على الشهيد الحسين أم نبكي لبكاء أستاذنا ؟!. خمس سنوات متواصلة كنت أكحل عيناي بداش كوبرو والقلعة،
كان يجري بيننا حوار صامت كل يوم، كنت أخالهما يهمسان في أذني بصوت مبحوح قائلين: إنهم
مصممون على اغتيالنا، فان حدث ذلك فلا تنسانا !. كأنهما يطلبان مني وعداً صامتاً، فكلما كنت انظر إليهما كانت
جزيئات من فؤادي تنطلق لتلتصق بذرات ترابهما وأحجارهما، فلا ادري هل التصق قلبي
بهما ام أنهما تربعا على عرش فؤادي. مازلت حائرا، وأسأل نفسي دائما، ما هو سر اغتيالهما ،
الجواب يؤلمني ويزيدني حيرةً ودهشة. بعد طول التجوال والغربة، في زوايا الأرض
الأربع ، مازال هذان الأثران يؤرقاني، ولكنني اعتقد بأنني وفيت بوعدي على الأقل
بيني وبينهم، ومازلت على العهد. ـ تقول عن كركوك في قصيدة ( سماء الأرجوان) :
كل سماوات الدنيا
تتوشح في الليل بالسواد الا سماء مدينتي
تتلون بدم الشهداء كيف تفسر للقراء اختلاف سماء كركوك ، عن
سماوات المدن الأخرى في العراق أو أي بقعة في العالم ؟ هذه القصيدة وليدة تجربة ومشاهدة حية، لقد كان من حسن
حظي ان ازور اكثر من ثمانين بلدا من بلدان العالم، كنت اخرج في المساء متجولا في
شوارع عواصم و وازقة المدن وبين معالمها، لم يدهشني ناطحات السحاب والطرق العملاقة
والجسور المعلقة ، ولكنني كنت ارفع راسي إلى السماء لأقارن بين سماء تلك المدن
وبين سماء كركوك، كنت اسمع صوتا خافتا يقول لي هذه السماء ليست مثل سماء كركوك، ولا
هذه الجسور مثل طاش كوبرو، ولا الناطحات السحاب مثل القلعة، ربما انه تطرف، وربما
انه نزق، سميه ماشئت، إنني اسميه العشق، فالعاشق أعمى لايرى الا معشوقته وجمالها. فليأخذوا
عيناي وينظروا بهما إلى سماء كركوك، وقلعة كركوك، وجسر كركوك. فهذه القصيدة كانت
خلاصة تجربة حبي لمدينتي. من الحوادث الطريفة والفريدة، كنت شاهد عيان لها، انه
حدث في احد أيام الصيف من العام 1962 بعد غروب الشمس بقليل، ظهر القمر هلالا في
كبد السماء وصادف ان نجمة توسطت بين حافتي الهلال مع الخلفية الحمراء للسماء ( من
انعكاس شعلة باباكركر الخالدة) شكلت لوحة بانورامية شبيه براية تركيا، فجن جنون
الشيوعيين والأكراد؟!!! وقال التركمان : حتى السماء تقر بأن كركوك تركمانية!!! انظروا إلى أي سماء في الدنيا، هل هناك سماء ارجواني؟؟
كلا!! الا في كركوك!! ولا ادري هل مازالت هي هي نفسها، أم أن الأوغاد قد لونوها
بلون الأحزان ؟ وليس لون السماء مختلف فقط، بل والتراب كذلك. فقبل عدة أشهر سافر
احد الأصدقاء الى العراق وقال انه ربما يذهب الى كركوك، سألني إن كنت ارغب بشئ من
كركوك؟ طلبت من ان يجلب لي حفنة من تراب كركوك لأشمه وأتعطر به. وفى الرجل بوعده،
فكانت أغلى وأثمن هدية تلقيتها في حياتي، وضعتها في زجاجة كرستال، أشم من خلاله
عطر الآباء والأجداد. أشم من خلاله أريج أزقة مدينتي، ومع هذا العطر الفواح اسمع أنين
(القوريات)، وضحكات الأطفال وبكاء الأرامل
وآهات الأجساد الممزقة. ـ لقد تم اغتيال القلعة، وهدمت
أحيائها التاريخية.. وقد عاصرت هذا الاغتيال ، وكنت شاهدا على أيام مجزرة كركوك في
14 تموز 1959 .. لماذا يحاولون تدمير كل ماهو جميل في الذاكرة التركمانية ؟ ..
لِمَ كل هذا العداء نحو هذه المدينة الوديعة ؟ طالما سألت نفسي هذا السؤال، فلم أتوصل إلى إجابة
شافية، فالدول تتسابق في الاحتفاظ بآثارها التاريخية وترصد للترميمها ملايين
الدولارات. وإذا كان العثمانيون هم اللذين بنوا الجسر الحجري(داش كوبرو) ، فان (قلعة
كركوك) بناها نبوخذنصر والبيوت التي
شيدت عليها كانت من عمل العراقيين. إنني اعتبر ذلك جريمة بحق التاريخ والذاكرة الإنسانية.
(داش كوبرو) هدم في العهد الملكي، وبناية شرطة كركوك في عهد عبد الرحمن عارف ، والقلعة
في عهد النظام السابق، وهذا يعني أن هناك خطة منهجية لإزالة هذه الآثار من كركوك
ولو لا تدخل اليونسكو لهدمت (القشلة) أيضا، والفضل يعود إلى الدكتور مؤيد سعيد
الداميرجي. ليس فقط (داش كوبرو) او القلعة ولكن أثارا كثيرة أخرى
مثل الأبنية التي ذكرتها آنفا، كان مدخل مدينة كركوك من الجنوب ( قولة). لقد كان مدخل
كركوك من الطريق القادم من بغداد ، غابة جميلة ومتداخلة من الأشجار عمرها أكثر من
80 عاما ( زرعها المرحوم نجدت اليعقوبي، رئيس بلدية كركوك في الثلاثينات) ووسط
الشارعين حدائق جميلة أنيقة، ومن سوء حظ هذه المدينة ان الأغبياء هم الذين أداروا شؤونها
منذ أمد بعيد كمتصرفين أو محافظين، فجاء في الثمانينات محافظ غبي، أمر بقطع جميع الأشجار
على جانبي طريق مدخل كركوك، ودرس الحدائق، وبلطها بالاسمنت فأصبحت المدينة صلعاء ،
لا يتنفس الناس فيها الا لفحات الحر القائظ؟!!!! أما بالنسبة لمجزرة كركوك، فأود ان أصحح تاريخ حدوث
المجزرة، لأنني وابن عمتي وجدي طه، شاهدان على ساعة الصفر لانطلاقة الأوباش
لاقتراف جريمتهم النكراء. انها انطلقت في الساعة 6.32 ( الساعة السادسة واثنتان
وثلاثون دقيقة) من مساء يوم 15 تموز 1959. كنت وابن عمتي واقفين مقابل مقهى الشهيد
عثمان جايجي في الثلث الأول من شارع أطلس. بدأت المسيرة تقترب قادما من الجسر
الجديد الذي يربط الصوب الكبير بشارع أطلس. تقدمت المسيرة سيارة للشرطة من نوع بيك
آب جي أم سي خضراء اللون وعليها رشاشة ( فيكرز) وبعدها مجموعة من رجال الدين
المسلمين والمسيحيين ورجال بالزي العربي والكردي والتركماني والآشوري يدا بيد
متكاتفين كرفاق نضال وكفاح. تعقبهم مجموعة كبيرة من المشاركين في المسيرة بالزي
الكردي يحمل غالبيتهم أعلاما ولافتات مثبتة على هراوات غليظة. بعد ان اجتازت سيارة
الشرطة وكردوس رجال الدين مقهى الشهيد عثمان توقف كردوس الأكراد وجلهم يرفعون
لافتات تمجد بالحزب الشيوعي والبارتي. وإذا بمجموعة منهم تهجم على الجالسين في
المقهى، وجلهم من المعلمين والمدرسين التركمان، وعلى سطح المقهى كانت تجلس مجموعة
كبيرة من النساء يزغردن ويصفقن لهذا اليوم السعيد ذكرى الثورة. حدثت مشادة بين
المهاجمين والجالسين في المقهى وتراجع المهاجمون، وفي هذه اللحظة أطلق الشرطي
الواقف على الرشاشة فيكرز، صلية من
الرصاص الى الهواء وفجأةً مزق المشاركون في المسيرة اللافتات واستخدموا العصي (
الهراوات) ضربا بالذين كانوا جالسين في المقهى وكان أول شهيد يسقط في هذه المجزرة
هو عثمان جايجي. قتلوه ثم سحلوا
جثته. قلت لابن عمتي اهرب لقد بدأ القتل. كان دارنا لايبعد
200 مترا عن مكان الحادث، أي من مقهى الشهيد عثمان وقريبا من دار الشهيد نهاد
فخرالدين والشهيدين إحسان وعطا خيرالله، ولكن من سوء الحظ كنت واقفا في الجانب
المعاكس للمقهى . اضطررت إلى التراجع الى الخلف وعبرت السوق العصري الى شارع
المجيدية وهناك التقيت بالأستاذ صلاح نورس وهو يقود مسيرة لشباب وشابات التركمان
وهم بزيهم الجميل وقلت له بان الشيوعيين والأكراد بدأوا يقتلون الناس ويهجمون على
المحلات، فتفرقت المسيرة. بدأ الظلام والرعب يخيم على المدينة رويدا رويدا. عبرت
شارع المجيدية إلى شارع الأوقاف شاهدت الغوغاء، يقتحمون محلات التركمان وينهبون محتوياتها ويضرمون النار فيها. تفاصيل المجزرة دونتها في كتيب كتبتها العام 1960.
ومازالت محفوظة في مكان ما في العراق .دونت فيه اسماء المجرمين الحقيقيين الذين
اقترفوا هذه المجزرة الشنيعة، ولماذا حصل ما حصل؟ ولماذا أجل المجرمون عملهم الى
يوم 15 تموز بدلا من يوم 14 تموز حسب ما كان مخطط لها؟. انني لست هنا في صدد نكأ الجراح ، ولكن الحقائق
التاريخية يجب ان تذكر وتدون ، ان أحداث هذه المجزرة اسفين معمد بالدم مغروس في
العلاقات الكردية ـ التركمانية، وانني على يقين بان الحكماء من كلا القوميتين
اللتين تعيشان معا ويتنفسان هواء العراق معا وتربطهما علاقات الدم والقرابة منذ
مئات السنين قادرون على سحب هذا الاسفين من جسد علاقات القوميتين المتآخيتين
ويعملان على فتح صفحة جديدة تغلفها وشائج الأخوة والمحبة والتعاون والتسامح ، لان
الحقد لايولد الا مزيدا من الحقد والكراهية لاتولد الا بحارا من الدماء، وبهذا
الصدد فان القيادة الكردية وقيادة الحزب الشيوعي مطالبة بتقديم الاعتذار للتركمان
ولذوي الشهداء اللذين تم قتل وسحل أبنائهم الأبرياء في شوارع كركوك وعلقوا جثثهم
على أعمدة الكهرباء وجذوع الأشجار، وينبغي على التركمان قبول هذا الاعتذار بعقل
مفتوح ونسيان تراكمات العقود السابقة. فان فعلا هذا فانه ليس من موقع ضعف وانما من
موقع القوة والتاريخ سيذكر لهم هذه الخطوة بحروف من النور، وعفى الله عما سلف . ـ وصفت كركوك في سفرك الرائع (زيارة جديدة
لمدينة كركوك القديمة) التي نشرت في مجلة ( سومر) بالعبارة التالية " انها
لاتتعب من احتضان كل نسمات العراق ، كل شقائق النعمان وكل حدائق الريحان ( ...)
انها المدينة التي عشقتها قبل أن يلد الزمان وقبل أن تولد الأحلام وينظم الشعراء
نشيد الأحزان وقوافي الأشجان " . تبارى النظام السابق في تغيير هويتها وقادت
في سبيل ذلك حملة التعريب ، ومنذ الاحتلال الأمريكي للعراق ، هناك حملة شرسة
لتكريدها .. أين هي كركوك بين التعريب والتكريد ؟ قصدت من العبارة الاولى، بان كركوك كانت دوما حاضنة
حنونة لكل أطياف العراق، فالموظف العربي أو الكردي او ضابط من البصرة او نائب ضابط
من الحلة عندما كان ينقل للعمل في كركوك ، يأتي وهو مملوء حقدا وقيحا ضد ابناء
كركوك ولكنه بعد ان يقضي خدمته فيها ويحال إلى التقاعد لايغادرها. سألت يوما شخصية
عربية موصلية نقل إلى كركوك العام 1971 ، سألته العام 2000 هاقد أحلت على التقاعد
فلماذا لاتعود إلى الموصل وتستقر هناك؟ فأجابني بمنتهى الصراحة قائلا:، وماذا افعل
في الموصل ابنائي ولدوا وكبروا في كركوك وأكملوا دراستهم فيها وتزوجوا من أهل
كركوك وفي البيت غالبا ما نتحدث باللغة التركمانية وعدد من أحفادي تسموا بأسماء
تركمانية!!! إنني أصبحت كركوليا. عجيب أمر
هذه المدينة. ارجو من القراء الكرام العودة إلى الحكاية التي بدأت بها زيارتي
الجديدة الى كركوك وفيها عبر كثيرة. أما بالنسبة لتعريب كركوك.فهناك فرق بين الإستراتيجية
والتكتيك، فالإستراتيجية هدف مركزي، والتكتيك هو كيفية تنفيذ هذه الاستراتيجة. فسياسة
تعريب كركوك، للإنصاف، لم تكن من وضع النظام السابق وإنما إستراتيجية وضعت في
العهد الملكي العام 1921 عندما صوت أهالي مدينة كركوك في الاستفتاء الذي جرى العام
1920 ب(لا) للملكية .طبقت الحكومات التي ترأسها نوري السعيد وغيرهم هذه السياسة
بحكمة وروية، ولكن تكتيك تنفيذ هذه الاستراتيجية في النظام السابق، اختلف عما كان
عليه في العهد الملكي. وقد شرحت ذلك بالتفصيل في ( زيارة جديد لمدينة كركوك
القديمة). فهذه المدينة خضعت للتعريب منذ العام 1921 الى 1958 وجرت محاولات
تكريدها في الاعوام 1958 الى 1963 حيث نزحت
عشرات الآلاف من الأكراد إلى كركوك بعد ثورة 14 تموز وأسكنهم الحزب الشيوعي
والأحزاب الكردية في شمال المدينة مؤقتا ( سكن معظمهم في الأراضي التي كنا نملكها
ثم بنيت لهم مدينة الإسكان ورزكاري) ، تم ترحيل معظمهم بعد 8 شباط 1963، ، ثم عادت
سياسة التعريب للتطبيق المتطرف بعد العام 1968 ووصلت إلى أوجها في نهاية السبعينات
من القرن الماضي عندما أصبح حمزة الزبيدي محافظا لكركوك، فانه لم يطبق سياسة
التعريب في المدينة فحسب بل اقرنها بسياسة التشييع أيضا. فسياسة التعريب الأولى أخذت
مداها وبالنتيجة فشلت، وسياسة التكريد الأولى فشلت وان تركت بعض ذيولها. التطرف يقود دائما الى الفشل، فمثلما فشل التعريب سيفشل
التكريد الجديد. لان التزوير سينكشف لامحال. هل تثمر النخلة إذا زرعت في كركوك،
وقطعا إن شجرة البلوط سوف لن تثمر أيضا. فلكل ارض زرعها وناسها. ـ بين عمليات التعريب السابقة
والتكريد الحالية تغير الطابع الاجتماعي والديموغرافي في كركوك .لماذا هذا الإجحاف
بحق هذه المدينة التي لم يسئ أصحابها التركمان في أي مرحلة من تاريخهم لا إلى العرب ولا إلى الأكراد وكانوا
ولايزالون إلى جانب وحدة العراق
أرضا وشعبا ؟ اجبت على جزء من هذا السؤال في السؤال السابق، يبدوا ان
هناك بعد سيكولوجي في هذا الموضوع. فالتركمان كانوا دوما الأسياد في المدينة لأنهم
أصحابها وملاكها، فكثير من الأكراد النازحين إليها كانوا يعملون في المهن التي لم
يقبل القيام بها لا التركمان ولا العرب . فمثلا لقد كان جميع كناسي البلدية ( مع
احترامنا لجميع المهن وأصحابها) والحمالين في المدينة من النازحين الأكراد. لذا
تولد نوع من الحقد والحسد لدى هؤلاء النازحين ضد التركمان الميسورين، بالرغم من ان
التركمان لم يعاملوهم باحتقار بل بالعكس. ان خصلة
التسامح والانفتاح التي يتمتع بها التركمان جعلهم يتزاوجون مع الاكراد والعرب،،
ولكن بعد 14 تموز 1958 بذرت الأحزاب الكردية والحزب الشيوعي بذرة الحقد وروتها
بماء الحسد لتثمر قيحا اسودا ترجموها في مجزرة تموز 1959 وما زال الحقد ينمو إلى
أن تحول إلى حق سياسي ، تجسد إلى حق تاريخي في الأرض. لقد بات معروفا للعراقيين جميعا، ان الأمريكان وعدوا
الاكراد، قبل الغزو و الاحتلال، بإنشاء دولة مستقلة لهم ،بحجة تصحيح التاريخ، وذلك
بالتنسيق مع إسرائيل. وقد كان من شروط الأكراد ان تكون كركوك عاصمة الدولة الكردية
المقترحة لانها ستكون الشريان الاقتصادي للدولتهم. لقد نشرت وثائق كثيرة بخصوص هذا
الموضوع، ولا يمر يوم الا وتكشف عن وثائق جديدة ومازال الأمريكان والإسرائيليون
على وعدهم، ولكن يبدوا ان هناك عقبة كبيرة أمام تحقيق هذا الوعد. وهذه العقبة هي
جلال الطالباني ومسعود البرزاني. ولا أريد أن ادخل في تفاصيل اكثر من هذا. أما
لماذا هذا الإجحاف بحق التركمان؟ وخاصة بعد الاحتلال ،انني اعتقد انه تنفيذا
لتهديد زلماي خليل زادة لممثل الجبهة التركمانية في مؤتمر صلاح الدين الذي عقد قبل
غزو العراق. لان التركمان لم يوافقوا على تقسيم العراق، فهددهم زلماي خليل زادة
قائلا انكم التركمان ستدفعون ثمنا غاليا على هذا الموقف. ومازال التركمان يدفعون
ثمن موقفهم المشرف هذا، إنهم ربما خسروا قضية، ولكنهم ربحوا التاريخ بشرف قل
نظيره. وللأسباب اجهلها، لم يركز الإعلام التركماني على هذه النقطة سوى مقالة
يتيمة كتبها الأستاذ نصرت مردان على حد علمي. ـ لماذا يعود اليهود إلى كركوك
؟ سؤال أثرته في مقال يحمل نفس العنوان. هل حقا يسعى اليهود للعودة إلى كركوك ؟ لقيت هذه المقالة انتشارا واسعا وتناقلتها عشرات
المواقع الالكترونية والصحف لأهمية المعلومات التي وردت فيها. نعم اليهود يعملون
بكل جدية للعودة إلى كركوك خاصة والى شمال العراق أي إقليم كردستان عامة ، ليجنوا أخيرا
ثمار دعمهم ومساندتهم للأكراد طيلة عشرات السنين، والجائزة هي نفط كركوك، اليهود
حرموا في السابق من امتيازات نفط كركوك. وكانت كركوك دوما في تخطيتهم الاستراتيجي
منذ بدأت العلاقات الكردية الإسرائيلية في بداية الستينات من القرن الماضي. ولتأكيد ماذهبنا إليه نذكر شهادة وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي
آفي ديختر والتي وردت في محاضرة ألقاها يوم 4\
أيلول، سبتمبر 2008 ، في معهد أبحاث الأمن القومي الاسرائيلى . اورد نصها
الدكتور محمد سيف الدولة في مقاله (المشروع الصهيوني في العراق ): والتى كان اهم ما جاء فيها : (( الآن فى العراق دولة كردية فعلا , هذه الدولة
تتمتع بكل مقومات الدولة أرض شعب وسلطة وجيش واقتصاد ريعي نفطي واعد , هذه الدولة
تتطلع إلى أن تكون حدودها ليست داخل منطقة كردستان , بل شمال العراق بأكمله .
مدينة كركوك في المرحلة الأولى ثم الموصل وربما إلى محافظة صلاح الدين ، إلى
جانب جلولاء وخانقين. ... أن استمرار الوضع الحالي في العراق ودعم
الأكراد في شمال العراق ككيان سياسي قائم بذاته , يعطى ضمانات قوية ومهمة للأمن القومي
الإسرائيلي على المدى المنظور على الأقل . نحن نعمل على تطوير شراكة أمنية وإستراتيجية
مع القيادة الكردية .... تحليلنا النهائي أن العراق يجب أن يبقى مجزأ
ومنقسما ومعزولا داخليا بعيدا عن البيئة الإقليمية , هذا هو خيارنا الاستراتيجي .
ومن أجل تحقيقه سنواظب على استخدام الخيارات التي تكرس هذا الوضع , دولة كردية فى
العراق تهيمن على مصادر إنتاج النفط فى كركوك وكردستان . هناك إلتزام من
القيادة الكردية بإعادة تشغيل خط النفط من كركوك إلى خط IPC سابقا عبر
الأردن وقد جرت مفاوضات أولية مع الأردن وتم التوصل الى اتفاق مع القيادة
الكردية , وإذا ما تراجع الأردن فهناك البديل التركي أي مد خط كركوك ومناطق
الإنتاج الأخرى في كردستان تتم إلى تركيا وإسرائيل. فهدف عودة اليهود الى كركوك، هو اولا النفط. ثانيا دعم الأكراد
في خلق دولة كردية ضمن مخططهم
الاستراتيجي في تقسيم العراق. وباعتقادنا انه إذا ما قامت الدولة الكردية فان إسرائيل
ستسيطر على جميع الأنشطة والمرافق الاقتصادية والعسكرية والأمنية فيها. ولهذا
السبب انهم ركزوا على مدينة كركوك منذ الغزو العام 2003 وأسسوا شركات بأسماء وهمية
لشراء العقارات والأراضي .. ـ ماهي قراءتك للمشهد العراقي بعد الاحتلال
الأمريكي في نيسان 2003 ؟ وكيف السبيل للخلاص من الوجع اليومي الذي يعاني منه
العراقيون عامة ؟ المشهد العراقي اليوم لايحكمه إي منطق، ومرشح لمزيد من
التدهور و السوء، لان دورة العنف لم تكتمل بعد. السياسيون واللاعبون الاساسيون في
الساحة بمختلف الأطياف العراقية تنقصهم الشرعية وكلهم يعرف ذلك في قرارة نفسه، ان
شرعيتهم مقتبسة من الاحتلال نفسه وبما ان الاحتلال باطل بجميع الأعراف والقوانين
فان شرعيتهم باطلة أيضا، وإذا ادعوا بأنهم انتخبوا من الشعب العام 2005 فقد تبين
كذب ذلك وخطله .الكل يعلم بان الانتخابات كانت مزورة وان مقاعد البرلمان كانت
موزعة سلفا وفق المحاصصة الطائفية حسب اعتراف المشهداني رئيس مجلس النواب السابق.
العراق في مخاض رهيب ولكنني مؤمن بأنه سيخرج من هذا المخاض العسير موحدا مستقلا
حرا لان العراقيين سئموا من ان يحكمهم اللصوص. ففي الوقت الذي كان عنق العراقي يتطاول إلى السماء عندما يقول: إنني
عراقي . الآن وبفضل هؤلاء العملاء يستحي العراقي أن يقول إنني عراقي. ولكن
المستقبل للعراق الحر المستقل الشامخ وأما هؤلاء فهم زبد البحر. ـ تحدثت في ( زيارة جديدة
لمدينة كركوك القديمة ) التي اعتمدت فيها على خزين ذاكرتك في الكتابة عن مدينتك عن
شخصيات شعبية عن ( قاله كناس) و( بهية اوز الآن) و، (ده للي خليل) وعن كتاتيب
المدينة وأحيائها وحماماتها وشوارعها وعن المسيحيين التركمان في القلعة والأثوريين
والأرمن وقشلة كركوك والعم آرتين الأرمني ، واليهود الذين كانوا يتكلمون
التركمانية في محلة ( بريادي) ، والخال حسقيل ( خياط مواعين البورسلين ـ الفرفوري
ـ ) باسلوب قصصي شيق ، هل تفكر بتطوير كل هذا الزخم الجميل من الأشخاص وعبق
الأحياء والحواري التركمانية في كركوك بكتابة السيرة الذاتية لهذه المدينة التي
تكاثر حولها مزيفو التاريخ ؟ والله أستاذ نصرت هذه أمنية من أمنياتي، وارغب في
تحقيقه اليوم قبل غد. ولكن المشكلة الحقيقية إن لدي أكثر من أربعين مجلدا سجلت
فيها ملاحظاتي، ومشاهداتي، وزياراتي وقسم لاباس بها عن مدينة كركوك. كلما كنت ازور
العراق كنت ازور الأهل والأصدقاء والأحبة في كركوك، كنت احرص على ان أتجول مشيا
على الأقدام في المناطق والأزقة التي نشأت فيها ، أقارن بين الزيارتين ماذا تهدم
وماذا بنيت ومن مات ومن مازال حيا. كنت أسجل ذلك باختصار. ولكن الاحتلال اللعين
حرمنا من استنشاق نسمة العراق وأريج كركوك. هذا المشروع إنشاء الله سأعمل على انجازه، إذا بقي في العمر بقية. ـ لماذا لم يستطع الإعلام
التركماني خلق رأي عام عراقي وعربي مع قضيته رغم تمحور خطابه
السياسي حول وحدة العراق أرضا وشعبا ؟ انك تعمل في حقل الإعلام منذ فترة طويلة، وكما تعلم إن الإعلام
ليس فقط إصدار عدد من الصحف والمجلات وإنشاء محطة تلفزيون أو فضائية. هذه أدوات
وسائل الإعلام أما الإعلام بحد ذاته فهو علم، وفن، و تخطيط لتحقيق هدف معين، فالإعلام
غير القائم على إستراتيجية واضحة ومحددة يتحول كما يقولون إلى ( سوق الهرج) أو
بالتركماني ( قارلر بازاري). فان قام كل من هب ودب بإصدار جريدة او مجلة دون وضع الهدف
من إنشاء هذه الصحيفة أو تلك المجلة يختلط الحابل بالنابل. أول صحيفة باللغة التركمانية صدرت قبل حوالي المئة عام
فهل تطورت؟. هل كل من كتب مقالا وظهر ناقدا في الفضائيات يعتبر إعلاميا؟ كلا
فهؤلاء هم روافد الإعلام . التركمان لم يحسنوا طرح قضيتهم على الرأي العام العراقي،
ولا على الرأي العام العربي او العالمي، لاأدري هل ان ذلك بسبب النقص في وضوح
الرؤيا للقضية أم أنه بسبب النقص في
الكوادر الكفوءة أم بسبب تشرذم الفعاليات السياسية التركمانية وعدم تجانس أفكار
قياداتها ؟. هناك فرق
كبير بين قضية شعب وحقه الغير القابل للتصرف وكيفية الدفاع عنها. القضية ينبغي أن
تكون لها إستراتيجية ثابتة واضحة المعالم متفق عليها من جميع الأحزاب. أما طرق
الدفاع عنها فيخضع للاجتهاد مع صون الهدف الأسمى. لااريد أن أقول بان السياسيين التركمان مازالوا هواة
غير محترفين، ولكن يبدوا أنهم لم يستفيدوا من تجارب الآخرين. أنني أتألم كثيرا، عندما اقرأ في الصحف العالمية او بعض
الوثائق الحديثة، اختفاء اسم التركمان عن الساحة العراقية ومعادلاتها. عندما
يعددون القوميات في العراق وكأنه لاوجود لهذه القومية التي هي القومية الثالثة في
العراق رسميا، وبالمقابل نجد أسماء أطياف لاتزيد عددهم عن عشرات الآلاف. أن تغييب القومية الثالثة من الساحة العراقية محنة
حقيقية. فما هو السبب؟؟ السبب برأي المتواضع هو تشرذم التركمان أنفسهم. إن تعدد الأحزاب وكثرتها وخاصة بين قومية تعد أقلية،
لايعتبر دليلا على قوتها بل على ضعفها. إنني لم أتدخل ، ولم أعط رأيا بالسياسة
التي تنتهجها الأحزاب التركمانية. ولم اطلع تفصيليا على دساتير الأحزاب التركمانية
أو نظمها الداخلية, أنني اعتقد أن هناك نقاط جمع والتقاء بين هذه الأحزاب أكثر من
نقاط التباعد والاختلاف. من هذا
المنطلق اقترح ان يعقد مؤتمر عام لجميع الأحزاب التركمانية، العلمانية والإسلامية،
وبالسرعة الممكنة، ، لحل جميع الإشكالات والاختلافات فيما بينها على شرط أن يبدأ
المؤتمر ببحث نقاط التلاقي والاتفاق
بينها أولا. وعند اعتمادها ينتقل المؤتمر إلى بحث نقاط التباعد والاختلاف. إنني على ثقة بان جل نقاط الاختلاف غير جوهرية، وبعد
ذلك يضع المؤتمر إستراتيجية عامة تخدم المصلحة العليا للتركمان في إطار المصلحة
العليا للعراق الموحد الحر المستقل. ـ سؤال أخير، ماهو
تصوركم لمستقبل كركوك؟ وهل هناك مخرج من هذا المأزق؟ هناك ثلاثة عوامل مهمة أزمت موضوع كركوك. الأول وعد
المحتلين الأمريكان للأكراد بتصحيح التاريخ
بمنحهم الاستقلال، وشرط الأكراد في ان تكون كركوك عاصمتهم. والثاني
الدستور، والثالث إقحام الأمم المتحدة لإيجاد حل لها، تحت وصف المناطق المتنازع
عليها. أبجدية السياسة تقول أن السياسات غير ثابتة، أي أن
المتغيرات على الأرض تتحكم فيها تعديلا وتحويرا أو تخليا. والوعود السياسية أيضا
خاضعة لمثل هذه المعادلة. فكما وضعت المقاومة العراقية المحتلين الأمريكان في
زاوية حرجة أسقطت معظم مشاريعهم التي خططوها للعراق والمنطقة وأجبرتهم على حزم حقائبهم للفرار من العراق،
فان وحدة الشعب العراقي وتمسكه بوحدة التراب العراقي والدفاع عنه سيسقط مثل هذا
الوعد المشؤوم. لقد علمت مؤخرا أن الأمريكان اجروا استطلاعا للرأي في إقليم
كردستان العراق، فتبين أن 94% من الأكراد لايريدون الانفصال عن العراق!!! أما الدستور، فقصته محزنة جدا، لقد نقل لي احد أعضاء
لجنة كتابة الدستور شخصيا، وأكد ما قاله عدد من الشخصيات التي كانت قريبة من
كتابته، بان الأمريكان قدموا للجنة ورقة باللغة الانكليزية، وقالوا لها : هذا هو
الدستور ترجموها إلى العربية ومخولين بإضافة بعض العبارات اللفظية ( وضع بعض
البهارات عليه). فهذا الدستور مصمم لتقسيم العراق، وهو قنبلة موقوته. وهو باطل لأنه
من وضع المحتل. كركوك محافظة عراقية، ولكل عراقي مصلحة حقيقية في أي
محافظة من محافظات العراق، لذلك من صميم واجب العراقيين وحقهم المشروع أن يشاركوا
في حسم هذا الموضوع. يمكن الخروج من هذا المأزق لو قام التركمان والعرب في كركوك
بشن حملة منسقة داخليا وخارجيا والطلب بالاحتكام على إجراء استفتاء عام يشترك فيها
العراقيون كافة من البصرة إلى زاخو يطرح عليهم سؤالا واحدا ( هل توافق على ضم محافظة كركوك لإقليم كردستان أم
لا ؟ ) ، والنتيجة هي التي تقرر. وليصوت جميع الأكراد بالضد. ولكن المشكلة هي أن الأحزاب
الشيعية الفاعلة على الساحة العراقية مشتركة في لعبة التقسيم وإنها ضعيفة أمام قوة
الأكراد وهيمنتهم على المجريات السياسية في العراق بمباركة المحتلين لايستطيعون الإقدام
على مثل هذه الخطوة. أما الأمم المتحدة، فقد عملت وتعاملت مع هذه المنظمة لأكثر
من عشرين عاما. وهي منظمة تسيطر عليها مافيا من كبار الموظفين الدوليين من ذوي
الرواتب والمخصصات العالية. هدف هؤلاء ليس حل الأزمات وإنما تعقيد الأزمات كي
تستمر، ليستفيدوا من ورائها. هل تتصور بأن عشرات من البنود ( القضايا) مازالت
مدرجة على جدول أعمال مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عشرات السنين!!
. على سبيل المثال بند العدوان الثلاثي على مصر العام 1956، وتهديد عبد الكريم
قاسم للكويت، والحرب الكورية عام 1952 مازالت مدرجة على جدول أعمال مجلس الأمن.
تصور!! الأمم
المتحدة لم تحل في تاريخها الطويل الا قضية واحدة فقط وهي: تقسيم فلسطين وإقامة
دولة إسرائيل ! . فممثل الأمين
العام للأمم المتحدة سواء كان حجة الله ديمستورا أو غيره فانه لن يحل قضية كركوك وإنما
يعقدها. فالحل والخروج من هذا المأزق هو بيد الشعب العراقي كافة. ستبقى
كركوك عراقية، مدينة مفتوحة لكل أطياف العراق فأهلا بهم في مدينتهم ذات الخصوصية
التركمانية وسيجدون التركمان إخوانهم، يستقبلونهم بنفس التسامح والحب والألفة،
ويعلمون أولادهم اللغة التركمانية الجميلة ، وربما يعلمونهم كيف يغنون (القوريات)
أيضا. |