العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

عميد الثقافة التركمانية في العراق عطا ترزي باشي ، أشعل شمعة في الظلام

 

د. نصرت مردان

 

 

 

(ليست مهمتي أن أجلس وأتأمل مضيعاً الوقت للتفكير في أفكار لم تكن من الفكر، وللتفكير في أحلام لم يتم الحلم بها).

                                                                                                                                             بوب ديلان         

 

 

لا نبالغ إذا قلنا أن دور عميد الثقافة التركمانية الأستاذ عطا ترزي باشي هو الأكثر بريقاً وعمقاً وتجدداً بين جهود الكتاب التركمان المعاصرين الذين ينتمون إلى أجيال ثقافية مختلفة ، والذين أشادوا  دائما بدوره المتميز كباحث أصيل ومقتدر في تعريفه وتأكيده على عراقة الهوية الثقافية لتركمان العراق.

ان أهمية ترزي باشي لاتتميز فقط في مجال إعادته الحياة للثقافة التركمانية وتوثيق تراثها في مراحل تاريخية شتى، بل تكمن في قدرته  على إدارة منجزه الثقافي بمهارة. حيث لايتعلق الحديث عنه في هذا المجال بالمحتوى الفكري لإنجاز ترزي باشي المتفرد، ولكنه ينصب على عملية إيجاد المناخ الثقافي  لتسويق منجزه الثقافي ، في  مجتمع لم تصل فيه الحركة الثقافية إلى مستوى  الطموح كجزء فعال في وعي الدولة والمواطن.

 

لقد امتلك عميد الثقافة التركمانية عطا ترزي باشي القدرة على القناعة واليقين  وفي وقت مبكر للغاية من حياته التي نذرها تماما لإحياء الهوية الثقافية لتركمان العراق من خلال توثيق عطاءات روادها ومراحلها والمسافة التي بلغتها. وهو لايزال ومنذ عقود طويلة على نفس إيمانه مواصلا مسيرته التنويرية المباركة في تعريف التركمان بأصالة مدينتهم التاريخية كركوك، وعظمة تاريخهم من جهة ، وفتح كل الدهاليز المغلقة أمام المثقف العراقي والعربي للتعرف على الهوية الثقافية والوطنية والاجتماعية لإخوانهم التركمان ، وقد أكدت  التطورات السياسية التي مرت بالعراق مصداقية وفاعلية وأهمية وضرورة هذا النهج الإعلامي  وخاصة خلال السنوات الأخيرة التي عقبت سقوط النظام السابق. 

من ناحية أخرى وبشكل غير مباشر فان ترزي باشي وفي  جميع مراحل حياته كان على علم بأن لعبة المثقف - الدولة تفترض حتمية تنازل المثقف عن بعض مواقفه أو كلها حسب قواعد هذه اللعبة  .لذلك لم يقترب ترزي باشي  وفي كل المراحل السياسية التي مرت وتمر بالعراق من هذه المعادلة مفضلا أن يتفرغ وينجز بمفرده مشروعه الثقافي ،  وقد تمثل ذلك في طبع جميع مؤلفاته على نفقته الخاصة منذ أكثر من نصف قرن وحتى الآن ، مبديا الحرص في الوقت نفسه على عدم الانزلاق إلى نقاط صدام مع الآخرين بحيث يمكن أن تقوض دوره التنويري في المجتمع التركماني . وهو ماسمح  بنشوء ظاهرة (عطا ترزي باشي) في الثقافة التركمانية ، واستمرارها وصعودها دون انقطاع طوال  المراحل السياسية التي مرت بالعراق .

وهذه الظاهرة  تعني وتدعو  إلى عدم التقليل من شأن الثقافة والمثقفين، أو إهمال في رعاية حقول الإبداع؛ لأن التهاون في الدفاع عن الهوية القومية وعن الشخصية الثقافية التركمانية  ، هو بمثابة تواطؤ عن حسن نية مع  محاولات التهميش والإلغاء التي تقوم بها جهة أو جهات تقوم أجندتها على التقليل من شان التركمان في العراق سياسيا واجتماعيا وثقافيا.

على ضوء هذه القراءة  يعد  ترزي باشى رائدا وأستاذا حقيقيا للمثقفين والكتاب الذين نجحوا في حل المعادلة الصعبة المتمثلة في توظيف أبحاثهم ودراساتهم من اجل خدمة قضايا أمتهم ،  دون أن يمنع ذلك من  وجود تباين واضح في موقف بعض الكتاب والمثقفين . ففي الوقت الذي تتعدد فيه صور التهميش ضد قوميتهم ، فهناك من المثقفين من يكتفي بدور المتفرج إزاء ما يحدث ، وكأنه غير معني بما يجري ، سابحا في التيار الذي يصب لمصلحة منافعه الشخصية .  وهناك  من يلقي اللوم على المجتمع، ويشيع فيه ثقافة اليأس  والخنوع ، وهناك نوع انتهازي وصولي ، يستغل الأحداث لتلميع صورته وإبراز اسمه في كل ميدان ، لا يعطي الحلول ، بل يجعجع ويتعامل مع  الأحداث متماشيا مع الجو السائد سياسيا واجتماعيا ، يميل مع كل ريح ، ليس له مبدأ أو هوية ، فهو صاحب قلم منافق ، وصوت يتلوّن حسب السياسات والمصالح .

 أما النمط الذي يمثله الرائد عطا ترزي باشي  فهو نمط  المثقف الفاعل ، الذي يدرك أهمية دوره في المجتمع ، ويعلم أن  لقب مثقف أو باحث أو كاتب  إنما هو لقب مسؤولية لا تشريف ، فلا يصيبه اليأس من التناقضات الموجودة ، بل تتملكه روح المسؤولية والغيرة على وطنه وشعبه ، ويسعى بكل حماس للتغيير والتنوير .
ويمكننا أن نحدد  مايلي عن أستاذ الأجيال التركمانية عطا ترزي باشي:
1- كان ولايزال  على نفس حماسته في الاحتفاظ بنهجه الذي تميز به في تفكيره ومواقفه لنشر الآفاق الواسعة للثقافة التركمانية  والتعريف بها ، رغم كل مراحل القهر السياسي التي مرت بها هذه الثقافة.

2- حرصه الدائم ومن خلال مؤلفاته للتأكيد على أصالة الهوية الثقافية للتركمان في العراق ، والعمل على حصانة ميراثها الثقافي من ثقافات دخيلة تعمل للتأثير على مسارها الوطني.

3- قدرته وعبر عقود طويلة من الزمن  في التأليف والانجاز الثقافي أن يكون متجردا من الارتباط بأي حزب أو جهة سياسية ، حيث جعل ولاءه الأكبر هو للهوية التركمانية الثقافية والقومية ،والحفاظ على التراث الثقافي التركماني والتعريف بينابيعه الأصيلة.

4- انكب طوال حياته على البحث والدراسة والتأليف بتواضع العالم  الذي لم يهتم على الإطلاق بالإثارة الإعلامية أو البحث عن شهرة أو مجد إعلامي ، فظل بعيدا عن الأضواء رافضا الحديث للصحافة أو وسائل الإعلام المختلفة ، حيث أنه لم يحضر حتى مناسبات تكريمه  في داخل العراق و خارجه ، تاركا مؤلفاته الخالدة تتحدث عنه : موسوعة (كركوك شاعرلى ـ شعراء كركوك 12 جزء )، (اربيل شاعرلى ـ شعراء اربيل بأجزائه الثلاثة) ، ( كركوك مطبوعات تاريخى ـ تاريخ الطباعة والصحافة في كركوك ، جزءان)، (كركوكده عمارت وتأسيسلرك منظوم تاريخلرى ـ التأريخ الشعري للعمارات والمؤسسات في كركوك) ، (كركوك اسكيلر سوزى ـ أمثال السلف في كركوك) ، الملحمة الشعبية ( آرزى وقنبر) ، (كركوك خوريات وماعنيلرى ـ خوريات وأغاني كركوك، ثلاثة أجزاء) ، ( كركوكلى شيخ رضا وتوركجه شعرلرى ـ القصائد التركية لشيخ رضا (الطالباني) الكركوكي) ،   إضافة إلى مؤلفات أخرى ومئات المقالات المنشورة في صحف واصدرات مختلفة في العراق وخارجه.   

5- تمكن وهو يمارس دوره الإبداعي في تنوير وتوعية المجتمع التركماني، من أن يكون صوت التركمان ، ولسانهم ، وعينهم لتسليح الأجيال التركمانية بالوعي والإخلاص لهويتهم القومية والتاريخية التي تعتبر الثقافة أهم ركائزها .

لقد أشعل عميد الثقافة التركمانية في العراق عطا ترزي باشي ، شمعة في الظلام الحالك الذي كان يحيط بالتركمان ، وبفضل ذلك تجمعوا تحت نورها،  ليتواصلوا وليوصلوا الماضي بالحاضر، مفتخرين بجذور ثقافتهم وتاريخهم التي تمتد في عمق أرض وطنهم، العراق العزيز.

 

                                                               جنيف

                                                          28 أيلول 2009