|
|
من الذي يتذكر كازينو ( ليالي كركوك )
البيضاء ؟ فاروق مصطفى
وأنت
تمر من أمام المصرف العقاري تشاهد أمامك ثلاث أو أربع شجرات كالبتوس باسقة يبدو
عليها الترهل ويرين فوقها الاكتهال ، أشجار تجاوز عمرها بضعة عقود ومع ذلك تمنح
أفياءها وجمالاتها يجلس تحتها نفر من الأساكفة يكدحون طوال النهار ويتعبون ويعرقون
من أجل هذا العزيز الغالي (الخبز ) . في موقع هذا المصرف وما تحيطه من مساحات
متواضعة كانت توجد ثلاثة أو أربعة كازينوات صيفية مظللة بأشجار الكالبتوس العالية
وتزخرفها فسقيات وسطية ناعمة ترمي أمواهها بتراخ ٍ لذيذ ، هذه الكازينوات
الكركوكية كانت تتوهج بمباهج الصيف الكركوكي ، وشباب المدينة يؤمونها ويتقاطرون
عليها باحثين عن متعهم البيضاء في لعب الدومينو أو ارتشاف العصائر الباردة والتهام
الشطائر اللحمية المستمرأة ، يتواعدون ويتأنقون بألبستهم الأنيقة ، بعضهم يتبختر
بما تزين من هذه الأزياء الوافدة إلى كركوك جديداً ، وآخرون يستعرضون ما عندهم من
هذا الهندام المربرب ثم ينتظرون مواعيد عرض الأفلام في صالات السينما الصيفية،(
الحمراء )الصيفية يطل جانبها الايمن على هذه الكازينوات وهي الزوايا الحسنة
الاضاءة في المدينة والكوى التي تتوهج بمسراتها الصغيرة ومن طرف اخر صالتا(
العلمين )و(الدنيا) تغويان روادهما بأفلامهما الماتعة وغير بعيد سينما ( النجوم )
المطلة على ميدان ( أحمد أغا ) هي الأخرى مكان صالح أن تسترخي فيه وتطلق لمخيالك
العنان مع( كيرك دوكلاس ) و ( روك هدسن ) و (شكري سرحان ) لتخوض في عوالمهم وتكتوي
بعذاباتهم وتستمرئ مغامراتهم وحتى إذا وجدت مكاناً مريحاً واستعذبته وأنت في
الكازينو مع صحبتك ولم ترم مغادرته فإن أصوات الممثلين عبر صالات السينما المكشوفة
تصل إليك تسمع مغازلاتهم العشقية وتصغي إلى توسلاتهم أمام من يحبون والموسيقى
التصويرية هي الأخرى تغزوك في عقري مكانك تثير مكامن الأشواق في دخيلائك ، والمكان
واحة خضراء في جحيم القيظ ألأفعواني ، والشباب يطيلون السهر فإذا فاتهم الدور
الأول لعرض الأفلام فإن هناك دوراً ثانياً والليل سوف يبترد بعض الشيء ويخفف الحر
من بعض غلوائه وبعض الأنسام تصلك من البساتين المختلفة التي تحيط بكركوك . يحلو
الصيف في مكان ٍ إذا كانت أقدامه تتدلى في مياهه البحرية أو يقطع وسطه نهر متأوهاً
من تباريح عشقه الطويل والمتنزهات العديدة تظلل قلب المكان تحيطه بحنوها الآسيان ،
إن هذه الكازينوات بمثابة البقعة الظليلة وفؤاد المدينة الملوكي إبان أشهر الصائفة
الصاهدة فأنت تبحث عن أجمة تتظلل بها ، وأنت تفتش عن نوافير تتسقسق وتتهامس مع
الأحباق والأشجار وبعد ذلك كيف تريد لمتخيلك أن يلقي عن نفسه عقاله ويهدم سدوده ؟ لقد
كان أمل شباب كركوك أن يصلوا هذه البقعة الملوكية وأن يسترخوا فوق تخوتها ويرتشفوا
عصائرهم الباردة وأمنياتهم تخمر عيونهم وأحلامهم تسكر نفوسهم العطشى إلى الود
والتلاقي والتعرف على الجغرافية الواقعة ما خلف تخوم مدينتهم التي لا تكل من
استنبات أقاحيها الحمراء في لياليها الطوال .ترى كيف دب اليبس في شرايين أشجارها
وكيف أنقطع عنها النسغ ؟ وما الذي دفع نوافيرها إلى الانقطاع عن الغناء ؟ لم تسكت
هذه الفسقيات عن صداحها الكركوكي ولم تمتنع عن هواها الناعم الأمين ، وإنما
السواقي والكهاريز كلها أمحلت ، لملمت غناءاتها وهسهساتهافي غرائر ورحلت بعيداً تاركة
وراءها عشاقها في ظمأ ٍ وجفاف ٍ طويلين . أتأمل
هذه البقية من أشجار الكالبتوس الوفية والمتحدية قسوة الأيام وغلائلها وأرقب الغسق
الهابط على الشوارع التعبى وكأن الستارة ترفع عن خشبة المسرح حتى تدب فوقها ظلال
وأشباح من الماضي ثم تتدفق أصوات من داخل سينما ( الحمراء ) لتتمسح بحوائط
البنايات ومع تقدم ساعات الليل تعلو هذه الأصوات وعيناي تبحثان عن تلك الزوايا
والكوى التي عكست سنين عدة المباهج الصيفية الكركوكية المشتعلة بمسراتها البيضاء .
|