العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

من المفكرة الشعرية التركمانية

الشاعرعلى صائب

1889-1985

 

د. محمد مردان

 

 

ابتدأت رحلة الأبدع لدى الشاعر علي صائب تحت ضغط رد فعل الحياة وتأثير تقلباتها وقسوتها عليه حيث أفرزت لديه نمطاً معيناً من الشعر والأبدع فيه من التجديد الشيء الكثير ومن المعاصرة قدر لا يستهان بها ورغم تأثره بأدب الديوان ألا انه نحى بشعره منحىً جديداً يختلف كل الاختلاف عن تلك الأطر التقليدية والبناء الشعري الجاهز فجسد بذلك صوته المتميز ونبرته التي تدل عله وحده دون سواه ، فهو شاعر يبدو عليه انه قطع كل الوشائج بينه وبين الحياة وليس ثمة ما يتطلع اليه سوى ذلك الانتظار الطويل الممل الذي لا يفضي الا إلى انتظار اطول وترقب الاتي الذي لن ياتي ابداً ، أو التلهف على الشروق الذي طال تململه ولكن دون ان يولد النهار من الليل الحالك القاسي والظلام الذي اناخ عليه بكلكله وكأن لسان حاله يقول لليل الطويل ان ينجلي وهو على يقين ان الصبح الذي ينتظره ليس اقل قسوة منه ولهذا فانه شديد الحزن وعميق التاثر بصروف الليالي ومعضلات الزمان الذي غدر به وجعل بينه وبين من يحبه بحاراً متلاطمة وجبالاً شاهقة ، ان حزن الشاعر لم يات من فراغ ، انه حزن واقعي تاتي من ضياع عمر الشاعر واحتراق امنياته على طريق الانتظار ، انه الان وغداً بلا امتداد فقد أدارت له الحياة ظهرها وظهرت له بوجهها القاسي الذي ليس فيه سوى ذلك الملل الذي يعصف بالمسرات التي كان يتمناها الشاعر عبر مراحل حياته المختلفة ، وهل مبدعاً هذا قدره وتلك فلسفته التي افرزتها ظروف الحياة يصطدم بالموت الذي يمثل نهاية كل الاشياء الجميلة في اعتقاده رغم ان هذا الموت هو ايضاً رحلة من الانتظار في مواجهة المجهول والسير في الدهاليز التي قد تفضي إلى غير ما يتوقعه وعكس ما ينتظر ويريد ، ولهذا ان الحزن الذي يعصف بالشاعر وبابياته الشعرية وقوافيه انما هو حزن عميق وكبير له ما يبرره ويستدعي التوقف عنده لانه كما اسلفنا لم يات من الفراغ والترف الحضاري الذي يؤدي بالبعض احياناً إلى نزوع اليه دون ارضية يستند عليها ودون أيديولوجية يتبناها الشاعر أو البدع . ان رحلة الحزن التي عصفت بالشاعر و جعلته يدور حول نفسه في حلقة مفرغة خلقت من شعره شيئاً من التشاؤم وأفرزت تلك اللامبالاة أو اللاجدوى من الانتظار كما قطعت تلك الوشيجة التي كانت تربطه بخيط الأمل الواهي ، وحشدت في قصيدته مفردات الضيق والوحدة التي لازمته طيلة حياته وربطت بينه وبين الأيام المليئة بالتعاسة التي عاشها الشاعر مرغماً وكيف انه وجد نفسه دون رغبة منه وحيداً في خضم البحر الكاسر و أمواجه المتلاطمة والعاتية.

ان شاعراً هذا قدره لابد ان يبحث عن ملاذٍ يقيه سموم هذا الشعور الكاسح ويذود عنه عندما تعصف به رياح الحزن وعواصف الفجيعة ، لعله في هذا الملاذ أو ملجأ قد يلتقط انفاسه ويتزود بما يجعله قادراً على مواصلة رحلة الحياة المضنية ولذا فان شاعرنا المنتظر أبدا وجد في الوطن والارتباط المصيري به وبتربته التي تغني عن كل حب وتسمن من كل جوع الملاذ والمأوى والملجأ فاناخ بكل ثقله وبكل ثقل الأحزان عليه على هذا الحبيب الذي لا يهجر والذي لا يعرف الغدر والطعن من الخلف والذي يحتضن كل المتعبين والذين لم يجدوا ضالتهم في الانتظار القاتل .

ان الشاعر علي الصائب أنموذج نادر لأنه يكتب بواقعية عاشها ولذا جاءت قصائده طافحة بالصدق ومشحونة بما قاساه من القلق وترقب للأمل الذي انتظره طويلاً ولا ندري هل تحقق له ما انتظره في خاتمة أيامه وفي اللحظات الأخيرة التي فارق فيها الحياة والتي لم يجن منها سوى الانتظار والانتظار فقط .

نماذج من شعره

انه الحالم

سال الشفق ، بعد برهة سينبلج الفجر من الأفق

انتظر بلهفة القادم من الغرب البعيد

يقظ أنا كل يوم منذ اندلاع الفجر

ثمل من ليل الهم الطويل الذي مر

كلما حسبت الساعات عن قرب

لا أصل لنهاية التثاؤب الذي يورث الملل

أشرقت الشمس ، سكت ديكتك أيها الفضاء المستمر

الأجرام والنجوم التي في السماء غير قابلة للتشخيص

وابتدأت الحياة المستمرة النابضة في العالم

اعتادت الأذان الملولة صوتها المتنقل

أحسست بالفجر من مراقبة الطريق بخمول

قلت فلتتفتح اعماقي كي أجد البسمة في صنوي

حلم خيال انتظارك الذي سيظهر من الغرب

**************************

من الفجر

ذات صباحٍ استيقظت مبكراً

كنت ثملاً من المرة التي يبثها الفجر

كانت الطيور قد استيقظت تواً من نومها

تبشر بألحانها الشجية بانبلاج الصباح

**************************

كان النسيم يهب رقيقاً من الشرق

يختلس القبلات من الحبيبة الراقدة

لحن جميل تبثه الديكة من كل صوب

ماالذي يحصل لو منحتني أنت أيضاً ابتسامة من الأفق

**************************

دارت سنوات مذ فارقتني

اليس هنالك من يأتيني بأخبارك

ضاعت نشوتي من التثاؤب المستمر

ولدت الشمس من كل صوت كحقيقة واقعة

كنت منبهراً من الخيال الذي يبعث النشوة

تمنيت من السحر ان تعود سريعاً من عالمك المغترب

**************************

 

     حضن الأم

الشمس متعبة في الأفق

انه المساء آلت فيه الغروب

جاؤا إلى المصلى بالصلوات

بجثةٍ طفلٍ كأنه شعلة من نور

ترك خلفه أماً مكلومة الصدر

تنفش شعرها بعد رحيله

سألت فعلمت انه يتيم بلا أب

كان يتيماً ليس له من يشد أزره

طفل برئ في الربيع العشرين من عمره

كان يئن ويعرف انه بلا أب

عندما أنزلوه في حضن الترب الأسود

كان لسان حاله يقول لتأت أمي وتنام معي

لأنه سينام طويلاً

ثواب لمن يهدهده

أمانة في أعناقكم ان لا يتألم

يا معشر الأرواح الراقدين في "المصلى"

الأم المسكينة التي شارفت على الجنون

              تذكر وليدها وتبحث عنه

بعد طول انتظار ستلتقي بوليدها ولكن

انه ليس الطفل الذي قبلته وشمت أنفاسه

انه بلا حياة ، بلا  دم ، بلا عظم ، حفنة من تراب

فقد استحال حضنها الساحر ضيقاً لذلك البريء

بحثت تحت الأرض وهذه البقعة وتلك 

 

**************************