العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

( نوزي) عاصمة الحوريين

( تركلان ، يورغان تپه )

 

غائب فاضل كريم

خبير آثار

 

 

 

تكشف لنا المعطيات يوما بعد يوم عن عظمة إنسان وادي الرافدين. فقد استطاع إنساننا من إرساء قواعد أول حضارة عالمية منذ مايقارب الستة آلاف سنة. ويعتبر العراق أغنى بلدان العالم في تاريخه.ففي أرض بلاد الرافدين ، عرفت الإنسانية الحياة الزراعية المستقرة لأول مرة  ، واهتدت إلى الكتابة التي أصبحت فيما بعد أهم دعامة للحضارة  والمدنية وشرعت لأول مرة أعرق قانون ينظم الحياة البشرية على أسس مقننة ، وأسست أول جامعة لنشر المعرفة وتوصلت لأول مرة إلى اختراع العجلة فاستعملتها في شتى أغراضها ، وعرفت أولى الإنشاءات الهندسية والفن المعبر. ونظرا لوجود هذه الحضارة الراقية في بلاد الرافدين، لذلك يعتبر العراق هو الموطن الأول لنشوء النواة الأولى للحضارة الأصيلة الناضجة ومنها اشتقت الحضارات الفرعية التي سادت الشرق وتفرعت في أرجاء أخرى من العالم.

وتعتبر نوزي ( يورغان تپه) الواقعة بالقرب من كركوك إحدى المدن الواسعة التي ازدهرت في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد في عهد الحوريين. لقد كانت للتنقيبات أهميتها الكبرى في الكشف عن كثير من خفايا تاريخ هذه البقعة وسكانها الأقدمين عن طريق التنقيبات التي تمت في هذا الموقع تبين وجود بقايا بيوت سكنية وقصر ومعابد ،ووجود نوع من الفخار دقيق الصنع سُمي بفخار نوزي. كما عثر على عدد كبير من الألواح تناولت كتاباتها شؤونا مختلفة من النواحي القضائية والاجتماعية للشعب الحوري. وكشفت هذه الحقائق في عامي 1925- 1926 عندما كانت بعثة مشتركة من المتحف العراقي والمدرسة الأمريكية للأبحاث الشرقية بالتنقيب فيها بأن المنطقة الواسعة المحصورة بين نهر الزاب الأسفل شمالا ونهر دجلة غربا ونهر العظيم من الجهة الشرقية والجنوبية هي أراض للدولة الحورية. ويشكل الحوريون الذين استوطنوا هذه المناطق منذ العصر الأكدي في حدود 1350 ق.م وقاموا بتأسيس مستوطنات وسكنوا بعض المدن مثل : كركوك ونوزي ، عنصرا مهما من تاريخ العراق القديم.

 

موقع نوزي

يقع هذا الموقع الأثري على بعد 12 ميلا من جنوب غرب مدينة كركوك قرب قرية ( تركلان) ، ويعرف هذا الموقع حاليا بـ ( يورغان تپه) بالقرب من النهر القديم ( نفط دره سي ـ وادي النفط) الذي يمتلئ لمدة طويلة بالمياه القادمة من المرتفعات المحيطة بمدينة كركوك والأراضي المجاورة لها ، حيث يستفيد منها فلاحو المنطقة لسقي أراضيهم ، والظاهر أن هذا المجرى القديم كان أحد أسباب الرئيسية لقيام المستوطنات القديمة في هذه المنطقة.

يذكر إن لمدينة نوزي 253 مدنية متمثلة في التلول الأثرية الواقعة ضمن الرقعة الجغرافية للدولة الحورية. ومن هذه المواقع :

ويران شهر ،تل الفخار ، عطية خرابه سي، تل المرباط، تل أبو خناجر ، تل الصفرة، تل البراغية، تل قطش كبير وقطش صغير، خربة عزيز ، تل منزلة ، ماحوز، تل الخان ، تل الذهب وغيرها من التلول الأثرية في المنطقة . ونتيجة التحري وفحص الملتقطات الأثرية ظهر بأن التلول المذكورة تمثل مدن من مدن عصور ماقبل التاريخ والعصور التاريخية وأكثرها من النصف الثاني للألف الثاني ق.م.علما بأن الموقع كان مأهولا بالسكان منذ العهد السومري والذي كان يعرف في العهد الأكدي باسم آخر وهو (كاسور). وقد استمر السكن في نوزي إلى الفترة الآشورية ، حيث يذكر بأن ظلال الخراب امتدت إلى نوزي عقب حدوث حريق فيها في أواسط الألف الثاني ق.م.

 

التنقيبات الأثرية

في الفترة بين عامي 1925 و1926 قامت بعثة مشتركة في المتحف العراقي والمدرسة الأمريكية للأبحاث الشرقية فوجدت 550 لوحة من طين. كما قامت جامعة هافرد الأمريكية  بالتنقيب في 1927 – 1931 فعثرت على بقايا سكن وقصر ومعبد وألواح من طين فيها نصوص حول شؤون اقتصادية ووثائق قانونية تشتمل على قرارات المحاكم ووثائق متعلقة بتنظيم المقايضة والتجارة .كما تم العثور على نوع خاص من الفخار رقيق الصنع يمتاز بالزخارف الحلزونية بلون ابيض، إضافة إلى أرضية وزخارف جدارية ملونة .

ومما يذكر ان ثمة من بين مئات الألواح المكتشفة في نوزي لوحا طينيا يحتوي على أقدم خارطة من نوعها إذ يرقى تاريخها إلى العهد الأكدي 2300 ق.م. كما تم العثور في التنقيبات المذكورة على نوع من دبابيس عظيمة بكميات كبيرة داخل الأبنية ، وكذلك على درع مصنوع من الصفائح النحاسية ، ومجموعة من التحف النحاسية من خناجر ومناجل ومقاشط وتماثيل نحاسية ومجموعة من القلائد ذات الخرز المصنوع من العقيق.

تم نقل أكثر القطع الأثرية والألواح إلى مواطن مختلفة ، بعضها اليوم في المتحف العراقي ، وبعضها الآخر تقاسمتها الدول الغربية في المتحف البريطاني ومتحف اللوفر والمتحف السامي في هارفرد ومجموعة أخرى في متحف القلائد ، ومجموعة أخرى في متاحف استانبول وبرلين وجامعة شيكاغو.

وهكذا نرى ان مدينة (نوزي) التي كانت عاصمة للحوريين والتي اشتهرت بحضارتها الراقية سواء في فخارها الرائع أو الألواح التي تم العثور عليها في نوزي ،والتي عالجت قضايا المجتمع المختلفة وكذلك قصورها ومواقع السكن ومعابدها .وقد بدأ تأثير هذه الحضارة بالضعف شيئا فشيئا خاصة بعد ظهور ملوك أقوياء في المنطقة مثل ملوك الدولة الآشورية ومنهم الملك آشور أوبلط 1330- 1365 ق.م. حيث تم القضاء على الدولة الحورية وآل مصير الحوريين إلى الانصهار مع الآراميين.  

 

المراجع والمصادر

1 - مجلة سومر ج1 و2 المجلد 26 سنة 1970 .

2- مجلة سومر ج2 المجلد 5 سنة 1948 .

3- مجلة سومر ج1 المجلد 33 سنة 1977 .

4- مجلة سومر ج1 المجلد 33 سنة 1948 .

5- الفن العراقي القديم، تأليف أنون، ترجمة.د.عيسى سلمان وسليم طه التكريتي.

6- مجلة بين النهرين العدد 36 سنة 1981.

7- مجلة بين النهرين العدد 2 سنة 1975.

8- أصول أسماء المدن والمواقع العراقية ج1، جمال بابان.

9- المرشد إلى مواطن الآثار والحضارة، الرحلة الرابعة ، طه باقر وفؤاد سفر.

10- خزائن الكتب القديمة في العراق ، كوركيس عواد.

11- دليل المتحف العراقي 1937 .

12- تقريرعن الحفريات في العراق سنة 1928- 1929 .