العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

ذاكرة المكان:

" المتوسطة الشرقية " هي الأخرى تنقلب إلى ساحة للسيارات

 

فاروق مصطفى

 

 

مع ثورة 14 تموز عام 1958 دخلت " المتوسطة الشرقية " غدت الحياة تنزع عنها ثيابها القديمة وتتزين بأثواب جديدة لم تألفها من قبل ، قادة جدد . جرائد جديدة مصطلحات لم نألفها من قبل شاعت على ألسنة الناس ومظاهرات ومسيرات تخرج هنا وهناك وأسماء أحزاب جديدة نسمعها من جيراننا وهم يتداولونها كما أنهم يتناولون وجباتهم اليومية ، و " المتوسطة الشرقية " عام ثمانية وخمسين كانت تحتل بناية قديمة تدخلها من شارع الجمهورية إلى ما خلف بناية المحاكم ، الآن تحول موقع " المتوسطة " إلى مرأب للسيارات بعد أن أزيلت بنايتها تماماً وفي عقد السبعينيات والثمانينيات شغلت بنايتها من قبل دائرة الجوازات والسفر والجنسية وربما قبل أشغالها من قبل المتوسطة الشرقية كانت مدرسة مخصصة للإناث المهم في أول صبيحة لي في المتوسطة اصطففنا وبعد ذلك توزعنا نحن التلاميذ القادمين من الابتدائية في أربع شعب و وجدت نفسي في شعبة (أ) ثم خصصت لنا قاعة دراسية في الطابق الأول خارج قاعتها الرئيسة ونحن خليط من مختلف طوائف وأعراق مدينة كركوك ، استلمنا في حصص اللغة العربية الأستاذ ( محمد صابر محمود ) وهو الذي سيستمر معنا في التدريس في مرحلتي الصف الثاني والثالث أيضاً ، رحلته معنا رحلة ماتعة وإبحار شائق عندما يختار لنا نصوصاً شعرية جميلة للدرس والاستظهار ، من هذه النصوص التي أتذكرها إلى اليوم ( النهر المتجمد ) لميخائيل نعيمة ونص( أخي إن عاد بعد الحرب جندي لأوطانه ) لنفس الشاعر ، وقصيدة ( إرادة الحياة ) لأبي القاسم الشابي ، ونص (المقصورة ) لمحمد مهدي الجواهري ونص نسيت عنوانه للشاعر الفلسطيني يوسف الخطيب ، يشجعنا على القراءة الجهرية مع تمثيل ما نقرؤه ، والمرحوم الأستاذ (إحسان عبدالحميد ) هو الآخر من أساطين اللغة ، استلمنا في بعض حصص التربية الإسلامية إلا أنه سرعان ما ترك المتوسطة الشرقية وتسلم إدارة متوسطة ٍ جديدة أطلق عليها اسم ( الحكمة ) هذه المتوسطة التي سوف تتحول في السنوات اللاحقة إلى ثانوية الحكمة وتذوب فيها المتوسطة الشرقية، في مادة الرياضيات الأستاذ برهان الصالحي ، وفي دروس اللغة الانكليزية باشر معنا الأستاذ جودت أما في مادة التربية الفنية فكان أستاذنا ( محمود أنور سامي ) الذي اشتهر باسمه الأدبي فيما بعد ( أنور الغساني ) يقيم منذ عام 1984 في (كوستاريكا) حيث يعمل أستاذاً للصحافة والإعلام في جامعتها ـ أذكر مرة في إحدى حصص درس الرسم كان يتفقد كراريسنا وعندما جاء دور كراسي تأمل أحد رسومي البدائية وبقي يتأمله فترة وجيزة .

ثم قال لي : ماذا رسمت هنا ؟

قلت : ناطحات سحاب .

فقال لي : لماذا لا تستوح مناظر بلادك ؟

في تلك الفترة من مراحل عمري كنت مأخوذاً بالبنايات ذات الطوابق المتعددة ولما كانت مدينة كركوك تفتقر إلى هذا الضرب من البنايات كنت أخلقها في دفاتري راسماً شوارع وقد قامت على أطرافها هذه الأبراج العالية . ولدينا مرسم في المدرسة وكنا نصمم فيه مجلاتنا الحائطية والأستاذان محمد صابر محمود وأنور محمود سامي هما اللذان يشرفان عليها وأذكر في واحدة منها ظهرت إحدى محاولاتي البدائية في النظم وثيمتها تدور حول كفاح الشعب العربي في بلاد الجزائر ، وأعتقد أن هذه النشرات المدرسية هي المحطة الأولى التي انطلقت منها كتاباتي الأدبية .

وفي حصص التاريخ يأتينا الأستاذ المرحوم ( وادي إبراهيم ) ويهبط بنا إلى أعماق التاريخ العراقي القديم حيث السومريون والبابليون والأشوريون يشيدون ويتحاربون ويتناسلون ويعمرون مدائنهم العجيبة وكان المرحوم أول ما يبدأ محاضراته بسؤاله التالي : هل وجدتم مفردات صعبة في تحضيركم استعصت معانيها عليكم ؟ ففي أحد الأيام رفعت أصبعي وسألته عن معنى مفردة ( الوتد ) فأجابني : هو (الخازوق ) غير بالتركماني فغرق الصف في ضحك عاصف .

لم يكن الدوام صارماً في المتوسطة في العام الدراسي 1958 ـ 1959 ففي الوقت الذي كنا نأوي إلى حجرات الدرس للاستغراق في التحصيل وإذا ضوضاء تصعد من هنا وهناك وترتفع هتافات من بعض الممرات ثم تفتح الأبواب ، وجموع الطلاب تتدفق من داخل الصفوف ويحمل الذين يحبون أن .. يبرزوا أو يتزعموا المظاهرات على الأكتاف ـ كل هذا يجري مع تزاحم المناسبات و وصول الوفود المختلفة إلى كركوك ـ كنا نجد أنفسنا وسط الشوارع وقد تأبطنا كتبنا ومسامعنا تستقبل هتافات ٍ نعي بعضها ، والبعض الآخر نردده مع عشرات الأفواه الهاتفة من غير أن نعي معانيها . وتلك الأيام بحق ٍ كانت تحتفي بموضة المظاهرات وتحتفل بشغف المسيرات التي لا تنتهي والأيام تمر بسرعة ونحن نكبر معها .

في مرحلة الصف الثاني خفت الاندفاعات وهدأت الأمور وأصبحت التدريسات منتظمة واختفى الكثير من الأحلام ، وتبخرت أمطار الآمال يبدو أن كرنفالات المظاهرات تكسرت وانسحبت إلى ما خلف الكواليس وبقيتُ مع معظم لِداتي في شعبة ( أ ) في مرحلتي الثاني والثالث هؤلاء الزملاء الأحباء الذين سوف أفارق بعضهم بعد تخطينا مرحلة المتوسطة ، واختيار بعضنا الفرع العلمي وآخرين الفرع الأدبي ، ولكن بقينا نحِنُّ إلى تلك الأيام بلذاذاتها وعذاباتها والتئام شخصياتنا وهي تغادر عتبة الابتدائية وتشيطن صبغتها الطفولية نحو مدارج الصبا وعناق الأماني التي تصبو لها النفس .

والآن أمر من أمام أطلال المتوسطة الشرقية فلا أجد سوى ساحة كبيرة تصطف فيها عشرات السيارات ضجيجها يطغى على كل تلك الأصوات التي حلمت أن اسمعها وهي تعلو من داخل فصولها التي سويت مع الأرض ، وعجلات السيارات تدوسها بلا رحمة وهي تنسى بأنها أصوات أولئك الصبية الذين أحبوا أن يحدقوا في شموس أحلامهم ولكن السنين أيبستها وألقتها على قوارع الطرقات تطؤها عجلات العربات وأي قدر عجيب أن ترى سينمات كركوك تنطفئ وتحول قاعاتها إلى مرائب للسيارات أو مخازن للبضائع الوافدة . ومتنزهات المدينة وحدائقها الوارفة تتيبس وتنقلب إلى ساحات للسيارات وحتى قصور كركوك التاريخية والأثرية تهدم وتغدو عرصات لوقوفها . لله درك يا متوسطتي العزيزة كنت كوة ً للتحصيل ونافذة للأنوار المشرقة وها أنت الآن مرأب للعربات تعول كل تلك الآمال التي كانت تجيش في صدور طلابك وهي تختنق بعوادم السيارات النافثة لغازاتها . أترك دمعتين كهلتين وأنا أشم أصواتك وهي تتكسر على جدران ذاكرتي المضنكة التي طينتها الأمواج الغاسقة.