|
|
حديث الروح أحمد مهدي بيات
منذ زمن بعيد وانأ انتظر مجيئه . مجيء الماء إلى "الخاصة" , ليجري فيها فتعشب
ضفافها لتصبح نظرة وسرورا للناظرين . لكن الليل طغى على الماء وحل محله في المجيء
لم يكن ليحظر ببالي أبدا أن يحدث هذا ولاببال التاريخ إذ لم أجد في
صفحاته شيئاً ما يشيرٌ إلى ذلك لامن قريب ولا من بعيد . عام ألفين وثلاثة عندما
ذبلت شمعة بغداد وانطفأت جاء الليل فجأة وجهر عصيانه واستغل ذوبانها فزحف على مدينتي الوادعة
وهو يجلب إليها رايته العشواء مع سلة مليئة بسرطانات
البحر الميت . غاضا في الوقت نفسه النظر إلى غفلة الزمن الآني .حينما يزحف الليل
على مدينة ما فان العجائز تبدأ تنزف النياح ويكظم الكهول بالغيظ وهن قوة سواعدهم أما
الشباب وحدهم يتحملون أعباء زحفه من الألم والعذاب والتعب . مدينتي _ بعد الاحتلال
_ تبدلت فيها الأفكار .. تغيرت عليها الأمكنة . حتى الليل لم يعد ذلك الليل نفسه
الذي كنا قد استأنسناه في الماضي على مضض . فلقد أسقط ليل اليوم من قطار ألمحتل
على
حافة الطريق الوعر فاستوحش أكثر من قبل وبدا يزحف على مدينتي بضراوة يريد التهام أحشائها
بعد أن أستملك طابو نهارها بذريعة ارض الميعاد وفي مدينتي بدأت مناشط
صباحاتها تتهاوى على حين غرة أمام هذا الزحف الهائج عليها . حتى أن ضحى أحياءها لم
تعد تتعطر كالأمس بأريج الأزهار المنسلة من أسوار جنائن " المجيدية " وأضحت
" الخاصة " لاتتقهوى على هدير نداءات باعة الطيور والدخن من على حاشية
" القلعة " المنتصبة على ضفافها العارية من العشب . " القلعة " التي
جبلت وجبلنا معها على شم رائحة تراب مدينتي منذ الأزل . فمعالم الصباحات أصابها
الذهول والإرهاق والذبول والليل يجوب دروبها بحرية وظهرت عليها اثار الخدعة
والتصحر وساعة قيظ الظهيرة لم تحن بعد . بينما غابت عنها ومنذ مدة شمس تموز فلم
تعد تقرض الأجساد وتقرح الأفئدة . كالسابق . ربما كان هنالك من أغواها حتى تلكأت
في الوصول إلى نهاراتنا من منبع أفكارنا بعاطفة النظر إلى المستقبل بأمجاد الماضي
. فمن ذا الذي أغواها اليوم لتتلكأ علينا في المسير وتتأخر لكي يحجب عنا جذوة أشعتها
في طهي وجبة الخلاص على موقد الحاضر .أهي سطوة إغفال النفوس التي جعلتها تأبى
المجيء إلينا أم سلطة ألاذعان بالنصيب ؟ لكن الليل الساكن في نهاراتنا هو الذي حجب
الرؤية عنها وأضاع عليها الطريق بعد أن سجنها تحت مظلته السوداء
والتي لاتنفذ منها خيوط الشعاع . فهل ستصمد تلك المظلمة الجاثمة علينا أمام السماء
حينما تصعق وترعد لتلم قطرات المطر وترميها عليها ؟ في الماضي كنت أتوجس خيفة من
نثر بذور الليل على فناء النهار وإطلاق رصاصاته العمياء على أحيائنا لزرع الهلع في
النفوس
قبل زرع المقابر من أجسادهم . أو عزف البعض على أوتاره النشاز والتي تؤذي طبلة الأذن
عند سماعها . لكن خيفة الأمس صارت
يراد لها أن تكون حقيقة اليوم لان الليل فاقد البصر ... لايعرف من السلم
الموسيقي شيئا ولايملك عباءة البصير ليدثر بها جسده فهو لم يتخرج من مدرسة الحكمة
بل انه تلمذ ولسنوات طويلة على مقاعد الكهوف المظلمة . فأنت أو انأ نرى ملامح الأشياء
تستقر في النهار بوضوح وتتحدد فيه غثها عن سمينها ... قزمها عن وجيهها في دوائر حياة
الناس المسّورة بالحياء البشري . فيعرف المرء حجم
ومكان موطئ قدمه دون أن يتجاوز حدود مواطئ أقدام الآخرين ويستقر فيها بغير حق .
لكن الحال ستنقلب من تحتها إلى فوقها حينما يغزو الليل النهار وينزع عنه
رداء الحياء .عندئذ تتوارى البصيرة وهي تجر أذيال الخيبة والحزن عن أنظار مدينتي لتدفن
نفسها باستحياء خشية العمى والعفن في قيعان حواشيها المحروثة ببذور التهام الأمكنة
عساها أن تنور جذورها وهي تنمو في ظلمات القاع . فمتى تأتي الشمس وتثور لتنبش قبر
البصيرة قبل أن تصاب بالعفن وتعيدها كرة أخرى إلى أحيائنا ؟
و قبل
أن يزيد الليل هضم الأحجار من أسوار حياء الأحياء . فهل ستنكشف ملامح مدينتي
بحلول النهار أم برحيل الليل ؟ فــ ( الخاصة ) لم تزل خاوية من الماء .بالأمس
اشتقت الى ملامسة أسفلة شوارع مدينتي فحزمت آلام زحف الليل ورميتها في بئر الدار قبل خروجي الى المدينة
. ثم وأنا أسير على جسر "
الطبقجلي " تذكرت الحديث الذي دار بيني وبين أبي قبل أربعة عقود من الزمن
عندما قال لي :_ لا تتأمل يا بني ... أن يأتي يوما ما
لترى الماء يجري بـ " الخاصة " لو لم نرويها بعرق جبيننا . وإلا سوف
أحال على المعاش ومن ثم أفارقك وأفارق الحياة و " الخاصة " تبقى متعطشة إليه
.
احمد
مهدي بيات |