العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

نص كتاب (قراءات في الأدب القصصي )

 

فاروق مصطفى

 

                                                                          

      هوية الكتاب

 

عنوان الكتاب / قراءات في الأدب القصصي   

نوع الكتاب / مقالات

اسم المؤلف / فاروق مصطفى  

رقم الإصدار / 118

تاريخ الإصدار /  2008

إصدار / ملتقى الزمن للثقافة والفنون

التنضيد الطباعي / مركز المعين للحاسبات

عدد الصفحات / 70

لوحة الغلاف الأمامي / محمد جلال

تصميم الغلاف / صالح خليل

الطبعة الأولى

حقوق الطبع محفوظة

يرجى الإشارة إلى المصدر عند الاستعانة به

 

 

                  كلمات

 

كلمات ، كلمات ، كلمات ، ما الذي كان يقوله رجل كالمتنبي والكلمات مِلْءَ فمهِ ، مِلْءَ يديه ، ويصقلها ، ويذهبها ، ويلقي بها إِلقاء الدنانير ،كتلك الظلال التي تفرِ من البَنان كما قالَ ، الكلمات كل شيء ، وفي النهاية من كل شيء لا تبقى إلا الكلمات وإذا لم تبق الكلمات لم يبقَ شيء "

" أنظرْ إلى " ألف ليلة وليلة " إنها دَفق من الكلمات لا ينتهي وشهرزاد لن تمسك عن الكلام المباح . وغير المباح إلا مرهقة عند الصباح . أنظر إلى كبار الروائيين كبلزاك أو دوستويفسكي : كلمات ، كلمات ، كلمات "

 

جَبرا إبراهيم جبرا

في كتابه " ينابيع الرؤيا "  

 

الإهداء

 

     إلى أختي في ذكراها الدائمة ، الأخت التي أَسْطرتْ الحنان الأخوي واطلقت في أفق العمر نوارس حكاياتها تلك النوارس التي تَحمل إلينا موائد شايها العابق بالعطر والضوّاعِ بأنس نبلها . أيتها الأخت إلِيك أشجار كُلِّ الكلمات ، كلماتي كلها ، فهي تدِبُّ في أظلالِ حكاياتك منها بدأت وإليها تنتهي .

 

فاروق

 

مفاتيح

 

   درجتُ في بيتٍ كانت الحكايات والقصص تُلقى في أركانها المتعددة فالوالدة كانت حكاءة مجتهدة لا تمل من رواية حكاياتها الملأى بالمردة والجان ،كنا نتحلق حول منقلة الفحم  في ليالي الشتاء أو نستلقي على سطح الدار في ليالي الصيف الحالمة فتبدأ موسيقى مروياتها بالانطلاق ونحن معها ننطلق إلى عوالمها السحرية . وإلى جانب الوالدة كانت لنا قريبة تدعى العمة ( جميلة) هي الأخرى حكاءة نادرة ، وإذا أحست أمنا أن مزاجها ليس على ما يرام أرسلت في طلب " العمة " وسرعان ما تطل علينا وإذا حكاياتها تسبقها إلى الدار ، ولم تكن حكايات عادية فهي تملك أرجلاً وأيدياً وقلوباً تنبض ورئات تتنفسُ وكانت تشدنا إليها إلى درجة نتماهى في مروياتها الخرافية ونتمنى ألاّ ينتهي قصها وأن يتجمد الزمان وتتلاشى الساعات ، أما بالنسبة إلى القصِ المدون فأشقائي يتبارون في رواية المدونات التي يقروؤنها ، فأنا قبل أن أعرف الكاتب محمد عبد الحليم عبد الله وكتبه أصغيت إلى روايتيه : (( لقيطة )) و (( شجرة اللبلاب )) ترويان صفحة بصفحة وبكيت مع أبطالها وبطلاتها واستمعت إلى حكايات (( ألف ليلة وليلة )) فأستهوتني أجواؤها وسحرني شخوصها البسطاء وعندما كبرت بعض الشيء اكتشفت عالم القصص البوليسية عن طريق بعض أترابي إلا أن تلك القصص لم تستهوني كثيراً فتركتها إلى عالم القصص الرومانسية ، ومع كتاب (( العبرات)) لمصطفى لطفي المنفلوطي أنفتحت لي كوة ساحرة في القص المدون فقرأت كل مدونات الكاتب المصري الموضوعة والمنقولة ، ثمّ أنتقلت إلى جرجي زيدان عملاق الرواية التاريخية وجبران خليل جبران وفي أحد الأيام قادتني قدماي إلى محرابِ المكتبة العامة فدخلتها خائفاً متوجساً كأن كل عيون الكتاب والمؤلفين ترصدني ، ولكن ما هي إلا أيام وإذا الفة من المودة والحميمية تبدأ بيني وبينها وتستمر إلى السنين اللاحقة وفيها تعرفت على كنوز القَصص الإنساني فعرفت الكتاب الأجانب وصادقتهم وأحببتهم ولا أدري كيف مرت الأيام والأعوام وأنا اغوص في عالم الروايات ، فغدت عوالمها أكثر حقيقية من الواقعِ نفسه أليس الفن هو إعادة لخلق العالم من جديد ؟ كما يصرح بذلك "ألبير كامو" في أحدى مقولاتهِ ، وتماهى عنديِ العالمان الواقعي بالفانتازي ، المنظور باللامنظور ، ومن هذه القراءات غدوتُ أبصر بعين قلبي كما يعلن ذلك الحلاج ، ولا أعلم كم من الروايات قرأت وأنا إلى الآن عندما أقرأ أو أسمع أو أتفرج في التلفاز ويتناهى إلى سَمعي اسم رواية لم أحصل عليها ينتابني الحزن ، وها أنني بلغت الستين والله أعلم كم من المدونات لم أقرأها أو لم أسمعْ بها أو سمعت بها ولكنها لم تترجم إلى العربية ولكني أقول إن أجمل الساعات عنديِ وأنا على مقعدٍ في مقهى أو مصطبة في حديقةٍ عامة أو سريري في غرفتي الفقيرة منكب على صدر رواية أجول مع شخوصها وأنزاح بانزياحاتها وكلما أحاول أن أمسكهم فإذا هم يفرون من بين أصابعي فأعدو وراءَهم وغسق العمر يمتد ويمتد ليظلّل الجسد الواهن ويستر الأصوات الهابطة من شرفات البيوت المستنيمة لأصابع الإهمال وأقدام النسيان .

     وفي هذهِ الصفحات مقالات كتبتها عن مدونات قصصية قرأتها في فتراتِ مختلفة من العمر وتركت انطباعات وتداعيات داخل النفس فأردت أن أنقلها إلى عالم الورق وقد نشر معظمها في جريدة (( النصر )) الجزائرية وصحف ومجلات عراقية كـ       (( العراق)) البغدادية و (( الحدباء )) الموصلية و (( صوت التأميم)) الكركوكية وهي كتابات متواضعة ولكنها تفصح عن حبي وشغفي بجنس القصص ، هذا الجنس الفني الذي غدا خطابه من أخطر الخطابات الفنية لأنه يجمع إليه الأجناس كلها إلى درجة أن العديد من الشعراء في الأيام الأخيرة بدأ يطرق بوابة الجنس الروائي لما لهذا الجنس من غواياته الماطرة الا وهي تبهج النفس وتمغنط القلب بشغفها الآسر وتوهجاتها الحارقة .

 

دستويفسكي / صديقي ومعلمي

 

     لم أعرف كاتباً أحببتهُ في حياتي كما أحببتك ، ولا أدري إذا كانت ثمة أشياء تعلمتها من الكتب أجمل وأعمق من الأشياء التي علمتني إياها ، لقد أدركتُ مِنك قبل أن أدركَ من علماء النفس أن الذات البشرية في مجموعها تكمن على الازدواجية ، بل حتى العواطف الأنسانية تقوم هي الأخرى على الازدواجية ، فالود ينجمع إلى البغض والألم يجاور اللذة والذل يُحايث مبادئ الكبرياء ولقد سبق الجميع إلى هذا " نيتشة " عندما أعترف لك نفس الاعتراف .

     لقد بقي الأمير " موشكين " بطل روايتك " الأبله " يعيش معي سنوات عديدة لدرجة أنه كان يشاركني الطعام على مائدة واحدة وكم كانَ " راسكولنيكوف" عظيماً في تردده في الاعتراف بالجريمة التي اقترفها وذهبت ضحية لها المرابية العجوز ، أما الغجرية الحسناء " غروشنكا " في" الاخوة كرامازوف " فقد شعرت في أعماقي أنني أنافس الأب " كرامازوف " وأولاده : أيفان ، ديمتري وإليوشا ، في كسب حبها وصداقتها ، وليس لي مَفر سوى الاعتراف لك وددتُ لفترة غير قصيرة في الكتابة عن "إليوشا " الابن الأصغر في هذه العائلة المسمومةِ حتى القرار وتمنيتُ أن أزورَ الأب " زوسيما" في ديرهِ بصحبةِ " إليوشا " وأستمع لهذا الزاهد الكبير وهو ينصحه بترك الدير والخروج إلى الدنيا لأن مكانه فيها والنضال من أجل إنقاذ الأسرةِ التي توشك على الانهيار والسقوط .

     أخبرني يافيدور كيف صنعتَ كل هؤلاء ؟ إنني عندما أتخيلُ الصراع الذي كانَ يدور بينك وبين مخلوقاتك هؤلاء أتغلغل إلى عالمك القلق وعصرك المليء بالتناقضات والأفكار المتزاحمة لقد صرخت في إحدى المرات أمام زوجتك أنك لا تستطيع قهر أحدى شخصياتك لأنها لا تريد الانصياع لِمشيئتك أنها اشتباك المواقف واحتشاد الأهواء وتأرجحها بين الصعود والانزلاق .

     وأذكر جيداً أيها الصديق العزيز : فيدور سنة 1849 عندما أصدر القيصر أمراً بإلقاء القبض على أفراد جماعةِ " بتراسفسكي" السياسية وكنت عضواً فيها وبالفعل قبض عليك مع آخرين وقادك الحراس إلى قلعةٍ قديمةٍ خربة وحَُكمَ عليك وعلى تسعةٍ آخرين بالإعدام ، وفي ذاتِ صَباحٍ بارد سيِرَ بكم وقد طوقكم السجانون الى ساحة "سيمونسكي " ، انتهى المسؤول من تلاوة أحكام الإعدام وأنت ورفاقك مصطفون في انتظار الموت وبالفعل أخذ الحراس ثلاثة منكم وعَصبوا أعينهم حتى ينفذوا فيهم حكم الإعدام ، وهنا قدم أحد الجنود مهرولاً وهو يُلوحُ بيده: أوقفوا الإعدام لأن القيصر أصدر أمراً جديداً مفادهُ أبدال الإعدام بالسجن في ربوع سيبريا ، أنه عالم مثير وكله دهشة وذهول أيها الصديق الأثير أن يتوقع الإنسان نهايته وأنه ذائق لها بعد دقائق وأنت واقف إزاء الموت فهو قادم إليك لاريب في ذلك ولكن تكتب لك حياة جديدة وأنت منفي في أصقاع سيبريا الشاسعة حيث تعايش السجناء وهم يجرون أغلالهم الثقيلة في ليل روسيا الطويل .

 

(( الغجر في الأدب القصصي العالمي ))

 

     نلتقي بالغجر في كلّ مكان أنهم يملكون أخلاقهم الخاصة بهم، يعيشون في عرباتهم التي تنقلهم في طوافهم وتجوالهم شامخين بملابسهم المزروعة بعشراتِ الألوان ، تصحبهم أغانيهم التي تصور عواطفهم الوجدانية وبحثهم الدائم والدائب عن الخبز وخوفهم وقلقهم ( راجع كتاب أغاني الغجر ترجمة  نامق كامل )

     وثمة أراء تظهرهم قوماً سلبيين يستميلون إلى الدعة متكئين على جهود وأتعاب نسائهم يمارسون السرقة ويتعاطون قراءة الحظ إلا أن حقيقة الغجر أعمقِ من هذا وذاك فهم ظلوا على مرّ الأجيال يلهمون الفنانين والأدباء الكثير من الأعمالِ الخالدة فقد صوروهم رمزاً لصحْوِ الطبيعة والحرية والانطلاق ، وجسدوا فيهم الصحو الإنساني الذي يرفض القيود والعيش داخل الجدران والأسوار .

     ونحن في هذا الصدد لابدّ أن ننوهَ بأروع ديوان صدرَ للشاعر الأسباني "غارسيا لوركا " الذي استوحى ديواناً شعرياً كاملاً من حياة الغجر أنفسهم وأطلق عليه عنوان " أغانٍ غجرية " لقد صدر في عام 1928 (( الرومانسيرو جيتان )) إنه عالم مملكة الغجر بأساطيرها وهمومهم وعواطفهم وألوانهم إن كل الكائنات تمتزج مع بعضها يقول (( لوركا )) في إحدى قصائده :

وعلى وَجْهِ البئر

كانت تتأرجح الغجرية

بشرة خضراء وشعرا أخضر

وعينين من لُجين بارد ، فتحملها على وجهِ الماء

قطعة من جليد القمر

ويضحى الليل حميماً كساحة صغيرة

     ويسوق الدكتور " علي سعد " رأياً طريفاً في كتاب " أغانٍ غجرية"لاحد الكتاب الفرنسيين أن " الرومانسيرو جيتان " لم تكن إلا تكملة للأزجال المغربية التي كانت تغنى في غرناطة في الحقبة التي جعل فيها العرب من الأندلس أجمل الممالك .

 

مقار شودرا وغوركي

     في العقد الأخير من القرن التاسع عشر طفق" غوركي " يطوف خلال بلادهِ ويقتات من الرزق اليسير الذي يصادفه معاشراً كل الطبقات الدنيا ، وقد استلهم الكثير من روائعهِ القصصية من حياتهِ التي قضاها في هذه الفترة في التسكع والتجوال والتشرد ، ومن أولى القصص التي كتبها غوركي قصة " مقار شودرا" حيث نشر هذه القصة عام 1892 وقد ظهرت هذه القصة معربة في مجموعة" رجال ونساء" ترجمة محمد بدر الدين خليل والشيء  الملفت للنظر في هذه القصة أن الكاتب استوحاها من حياة الغجر الذين صادفهم أو عاشرهم أثناء تجوالهِ في بلاده الفسيحة حيث يلتقي السارد بالشيخ الغجري (( مقار شودرا )) ويظهره القاص رجلاً عركته التجارب حيث يحدثه عن الكثير من الذكريات التي عرفها والحِكم التي توصل إليها وكل هذه التجارب معروفة لدى الغجر ، التجوال في العالم ورؤية الأشياء التي تحتويها الحياة وعدم التزاحم على الأشياء في الوقتِ الذي هناك متسع للجميع ورفض استرقاق العمل وحب الحرية ،ان حكمته كلمتان الحرية  والتجوال ، هل ذاق الحرية مرة ؟ هل عرفَ شيئاً عن سَعَة هذه البراري هل تهلل قلبهُ لهدير البحر ؟ بعد ذلك يقص علينا قصة لويكو زوبار  مع الفتاة الغجرية رادا ابنة دانياو والعبرة من وراء روايته هذه القصة أنه يطالب الراوي بعدم الارتباط بالمرأة وهذا يعني في عرف الشيخ الغجري أن المرء سيفقد حريته وحركته .

     تتمتع الغجرية "رادا " بجمالٍ يفوق الوصف ولقد راحَ كثيرون من الرجال ضحايا حب "رادا" ،ويقع لويكو زوبار من جانبه ضحية جديدة لحب رادا, هذا الفارس الغجري الذي ذاعَ صيته في كلّ مكان في الشجاعة والفروسية وهو من صنف الرجال الذين يطيب للإنسان الاستماع إليهم والتطلع إلى عيونهم لبسالتهم وطيبتهم ، وهو بالإضافة إلى ذلك يجيد الغناء ويتقن العزف كان إذا أجرى قوسه على الأوتار قفزت القلوب في الصدور و أنك لتحس بأنغامه تهز كل جارحة في جسدك "

     زوبار هذا الغجري كان في حكمة الشيوخ يقع في هوى "رادا" إلا أنها تقابل حبه بالسخرية والهزء وتسخر منه مراتٍ عديدة مهينة إياه أمام الملأ ، إلا أنه يقدم على خطوةٍ أخرى في نيل قربها ورضاها وذلك بعرضه الزواج عليها إلا أن الفتاة تشترط عليه شرطاً قاسياً وعليه تنفيذ ذلك وعنذ ذاك فقط ستقبل به بعلاً ، وهذا الشرط ينحصر في أن يترك حياة المغامرة والتشرد وألا يغني إلا لها وتضيف "رادا" : "عليك أن تنحني عند قدميّ غداً وأمام المعسكر بأسره فتقبل يدي اليمنى وعندئذ فقط أكون زوجة لك"  وفي الموعد المحدد لأجراء هذا الطقس الهيامي فإن "زوبار" بدل أن يقبل يدها اليمنى يودِعُ مُدْيَتهُ في صدرها حتى المقبض وبعد أن تسلم الفتاة الروح يقول لها " زوبار " " الآن ألقي بنفسي عند قدميكِ يا مليكتي المتغطرسة " وبعد ذلك يأتي والد الفتاة ويزرع نفس المديةِ التي قتلت بها ابنته في ظهر " زوبار" وعند قدمي الفتاة يسقط الغجري بعد أن يقول لوالد الفتاة : "أحسنت صنعاً "

     تعدهذه القصة من بواكير النتاج القصصي لغوركي التي تدور حول هذين المخلوقين الغجريين الجميلين : زوبار ورادا هو الشجاع وهي المتكبرة اللعوب وهي تعكس جملة من الأخلاق والأعراف التي عرفت عن الغجر ، الحرية والضرب في الأفاق ، والحب الذي تمازجه الكبرياء ، والغناء الذي يهز القلب حتى الأعماق ، والتضحية بأعز ما يملك المرء إزاء ردّ الإهانة والقصة  فوق ذلك تسوق إلينا شخصياتها وحوادثها عبر لغة شعرية مسترسلة يوظف القاص كل أدواته الفنية من أجل ابرازها وتدفقها،وهي تؤرخ أيضاً تلك الفترة الخصبة من حياة الكاتب في عنفوان شبابه الذي كانَ يضرب يمنة ويسرة في براري بلادهِ الفِساح بَحثاً عن التجربة والعمل والمغامرة والأصدقاء .

 

لورانس والغجر

     ثار ديفيد هربرت لورانس على حضارة القرن العشرين الميكانيكية " وهو أخطر ثورة يمكن لكاتب أن يقدمَ بها قصصه" فقد كانَ يجد دائماً أن حياة المدن ومنعصاتها تقوم بخنقِ الإنسان ولا تفسح لإبداعاته وملذاتهِ أن تجد لها منطلقاً ومتنفساً ، كان رجلاً مثالياً أراد أن يقدمَ العالم من جديد في صورةٍ أجمل وأقوى لهذا بدأ بعد الحرب العالمية الأولى برحلات بعيدة محاولاً الاحتكاك بالحضارات البدائية والفطرية عَلهّ يجد شيئاً لم يقع عليه في مجتمعه الأوربي الشائخ فرحل إلى أستراليا والمكسيك وأصقاع بعيدة أخرى وعندما لم يًَجْنِ من كل هذه الرحلات شيئاً يذكر عاد ثانية إلى موطنهِ وكانت وفاته عام 1930 .

     كره " لورانس " القيود والمجتمعات الالية فبحث عن الخلاص عند الأحياء الذين لم يحترقوا في أتون الحضارات المعقدة فآثر العيش في المجتمعات الفطرية البسيطة - وقد استلهم كغيره من الكتاب حياة الغجر الذين يمثلون في رأيه الطبيعة والهواء الطلق والقوة ووسامة البدن .

     ففي قصة "لورانس" الموسومة بـ "العذراء والغجري " يكون خلاص بطلته " إيفيت" على يدي الغجري الذي كان تجهل حتى اسمه ولم تتعرف على اسمه إلا في آخر القصة عندما يشد الرحال إلى مكان آخر ويبعث من هناك خطاباً قصيراً إليها ويوقعه بـ "جوبوزول " .

     تجسد لنا شخصية البطلة "إيفيت " الفتاة المخنوقة في حياتها أفراد عائلتها يضايقونها فلا يحترمون أفكارها ولا يفهمون هذه الأفكار أنهم ليسوا في رأيها سوى عصبةٍ من العجائز لا تسري الحياة في شرايينهم  ولا يتدفق الربيع في أفئدتهم ، ومنزل العائلة رمز يوظفهُ الكاتب في ابراز قلق الفتاة " إيفيت " إنها محاصرة بجدرانه وحتى الأناس الآخرون من خارج عائلة الفتاة شخصيات يترددون عليها إلا أنها ترفضهم جميعاً فليسوا في آخر المطاف سوى شخصيات هزيلة لا تريد أن تتمتع بالحياة ولا تريد أن تتعمق في معانيها وعندما يظهر الغجري في محيطها تسعد به لأنها تكتشف أنه يعيش حياة لا رياء في خيوطها ولا زيف في تضاريسها أنه يتمتع بالنظافة والصحو والهواء الطلق لقد فجَر فيها حزمة من أحلام اليقظة " لم يسعها إلا أن ترقد في فراشها وتتمنى لو كانت غجرية تعيش في مخيم أو قافلةً ولا تطأ قدمها المنازل "

     وحتى عندما تفيض المياه في نهر" بابلويك" وتجتاح أمامها كل شيء يكون خلاص" إيفيت " على يدي الغجري إنه يمنحها عمراً جديداً بإنقاذها من الغرق بينما تغمر المياه المنزل فتغرق جدة الفتاة العجوز وهنا يجعل الكاتب الغجريَّ رمزاً لانتصار الطبيعة وغرق المنزل وتهدمه رمزاً لتحطم القيود والرياء والزيف .

     إن طائفة من القصاصين العالمين قدموا لنا رؤى فنية جميلة استوحوها من حياة الغجر وأعرافهم فهم بذلك أضافوا العديد من البنى الفنية إلى صرح الأدب الإنساني ، ويطيبُ لي أن أعودَ  في مقالات قادمة إلى عين الموضوع حتى نتعرف على قصص جديدة وكتابٍ جدد اغترفوا من هذا الثراء الواسع الخصيب .

 

 

فلسفة الروائي د . هـ . لورانس

 

     ديفيد هربرت لورانس 1885 - 1930 قصاص انكليزي تعاطى الكثير من الأجناس الأدبية - إذ كتب الرواية ، القصة القصيرة ، ومارس الشعر وقدم المسرحيات والمقالات وكتبت زوجته الألمانية "فريدا " " ما عاش من تجارب وأحسّ بها وعرفها قدمها للناس : جلال العيش والأمل في المزيد من كمال الحياة ، عطاء بطولي غير محدود "

ثار "لورانس على حضارة القرن العشرين اللاهثة بين الآلات والمكائن" ، كره آلية العصر فألقى نفسه في أحضان السفر الذي قاده إلى شعوبٍ جديدة في أصقاعٍ بعيدة من أرجاء المعمورة، حيث تنفس هواء الحضارات الفطرية التي كانت تحتضر ، إلا أنه بحث من خلالها عن القوة والسطوة والاكتمال.وكرُه"لورانس" للحضارة الميكانيكية يعود إلى أنها وهبتْ كلّ شيء للعقل والمادة وأهملت النواحي الروحية والمشاعر الجسدية عند الإنسان، ومن هنا شَرعَ يبحث عن الحضارات البدائية عَلهُ يجد تلك الأشياء التي حلم بها ولم يجدها في حضارة العصر المادية ، سافر إلى صقلية وأستراليا وأمريكا والمكسيك ومناطق قاصية أخرى حيث كان يحدوه الأمل في أن يقع على مجتمعاتٍ تحكمها علاقات انسانية تقدس الحياة .

     إن أدب " لورانس " أستفاد الكثير من تجارب أسفاره حيث نقل هذه الأجواء الجديدة والغريبة إلى عالم قصصه وكتبه ، ولعلّ أوضح دليل على كلامنا هذا قصته القصيرة التي حملت عنوان "المرأة التي جَمحت بعيداً " هذه المروية التي استوحى أفكارها وأجواءها من احدى رحلاته في المكسيك في صقع ناءٍ من تلك البلاد وذلك في خريف عام 1923 وكيف استغل لورانس تجربة رحلته في هذهِ المنطقة القاسية البعيدة ؟ تكشف لنا احدى رسائله المؤرخة في العام المذكور في الخامس من تشرين الأول في "نافوجا " عما يأتي"ثمة شمس متألقة وفضاء ساخن رحب ، تلول وجبال تكسوها الخضرة تقف في وحدة قاسية وباب الحياة قد أقفل من دونها ولكن الشمس وحدها تلتهب ، وأسراب الطيور تمر سريعة وأشجار النخيل الضائعة الوحيدة ، وهناك تحلو عبارة الأنطفاء موسومة فوق جميع الأشياء ، في قلب السوق المسقوفة الصغيرة في "الاموس" يقبع كلب ميت بين اللحم والخضروات ، يقبع متمدداً وكأنه في رحلة نوم " إن كل هذه الصور التي وردت في خطابهِ تتكرر في قصته " المرأة التي جمحت " حيث تظهر التلال المجلوة بالخضرة والبراري الرحيبة والشعور بالوحدة والضياع وهي تحمل نكهة الأرض المكسيكية وطقوس مجتمع بدائي لجماعة من الهنود إن قصة " المرأة التي جمحت" ظهرت في طبعات عديدة والطبعة التي بين يدي ظهرت تحمل نفس الاسم مع احدى عشرةِ قصة أخرى صدرت من دار " بنكوين" في لندن سنة 1981 ، والجدير بالذكر أن القصة عندما نشرت أول مرة حتى اعيد طبعها في أمريكا ضمن مجموعة قصصية ضمت أحسن القصص الأنكليزية .

     ونحن في هذه القصة نقع على امرأة بيضاء سليلة الحضارة المتمدنة تتخلى عن زوجها ومنزلها وتضرب عرض الحائط كل علاقاتها التي تربطها بمجتمعها الرأسمالي ، تمتطي حصانها وتولي وجهها نحو مجتمع الهنود البسيطة الذي تحكمه العلاقات الطبيعية الفطرية ، المجتمع البعيد عن أغلال العقل واغراءات المادة والزيف والنفاق ، ويظهر الهنود هناك مؤمنين بمعتقدات قديمة حول سيطرة الشمس على القمر . ولذا فهم يقيمون الطقوس الدينية المختلفة لأرضاء الشمس وأن الرجال عندهم أبناء النهار ، والنساء بنات الفراغات الموجودة بين النجوم ، وهذه المرأة الأمريكية تنشد بمحض اختيارها هذا المجتمع البدائي نائية بنفسها عن مجتمعها الرأسمالي القائم على المكننة والمبني على دعامات مادية ، إلا أن الهنود يقدمون المرأة أضحية لألهتهم الشمس التي يجب أن تعيد النماء والازدهار لأرضهم وجنسهم وبذلك تتحقق سطوتهم من جديد ويقال إن لورانس صاغَ فكرة قصتة هذه تحت تأثير سحر المعتقد الذي كان يؤمن المكسيكيون القدامى بأن القوة ربما تؤخذ من القلب الذي يقتطع من جسد الضحية التي تقدم للآلهة ثم يرفع وهو ينبض إلى الشمس الدامية الحمراء .

     أحب لورانس المجتمعات الفطرية البدائية وكان يحلم بخلق مجتمعات طوباوية يسعد فيها الإنسان ولكنه أخفق في تحقيق أحلامه ولم يعثر على أمانيه ورغباته التي كان يبحث عنها عند هذه الجماعات البسيطة في تلك الأصقاع البعيدة .

 

غلاف كتاب قصة "المرأة التي جمحت" الطبعة الأنكليزية

 
 

 

 

 


المرأة الجامحة بين د . هـ . لورانس وجليل القيسي

 

     يمهد القاص "جليل القيسي" قصته الموسومة بـ"سمكة جيلي " والمنشورة في مجلة " سردم العربي " العدد 11 شتاء 2006 بمقطع شعري للشاعر الكولمبي " كارثيلا سودي بيكا " : " آه يا نفائسي التي عثرت عليها في غير آوانها " وهو يقيم متنه السردي على قصة للكاتب الأنكليزي دافيد هربرت لورانس والمتوفى عام 1930 " المرأة التي جمحت بعيداً " وهي قصة كتبها لورانس في عشرينيات القرن المنصرم وقد ظهرت في طبعات مختلفة ، وفي طبعة الآن تحت يدي ضمت القصة مع أحدى عشرة قصة أخرى صادرة عن دار بنكوين في لندن سنة 1981 – وهي قصة استوحى لورانس أفكارها وأجواءها من احدى رحلاته إلى بلاد المكسيك في صقعٍ ناءٍ من تلك البلاد وذلك في فصل الخريف عام 1923 وكيف استغل الكاتب الأنكليزي تجربة سفره في تلك المنطقة القاسية البعيدة حيث تظهر التلال المجلوة بالكآبة والبراري الرهيبة والشعور بالوحدة والضياع وهي تحمل نكهة البراري المكسيكية وطقوس مجتمع بدائي لجماعة من الهنود ، يقع المتلقي على امرأة بيضاء سليلة الحضارة المتمدنة ، تتخلى عن زوجها ومنزلها ، تمتطى صَهْوة حصانها وتولي وجهها نحو مجتمع الهنود البسيط الذي تحكمه العلاقات الفطرية ، المجتمع البعيد عن أغلال العقل وإغراءات المادة والزيف والنفاق ويظهر الهنود هناك مؤمنين بمعتقدات قديمة حول سيطرة الشمس على القمر . ولذا فهم يقيمون الطقوس الدينية المختلفة لإرضاء الشمس وأن الرجال عندهم أبناء النهار ، والنساء بنات الفراغات الموجودة بين النجوم، المرأة الأمريكية البيضاء تنشد بمحض ارادتها هذا المجتمع الفطري تتخلى عن مجتمعها الرأسمالي القائم على دعائم مادية ، إلا أن الهنود يقدمونها أضحية لألهتهم الشمس التي يجب أن تعيد النماء لأرضهم وبذلك المعتقد تنهض سطوتهم من جديد صاغ" لورانس " فكرة قصته تحت تأثير سحر المعتقد الذي كان يؤمن المكسيكيون القدامى بأن القوة ربما تؤخذ من القلب الذي يقتطع من جسد الضحية التي تقدم قرباناً  للآلهة ثم يرفع وهو ينبض إلى الشمس الدامية الحمراء .

     تبدأ قصة " جليل القيسي " بمحاضرة الراوي عن قصة ((لورانس )) الأنفة الذكر ، وكيف أن النساء استمعن إليه في خشوع وهن متأثرات بكلماته – وأجواء هذه القاعة وتأثير المحاضرة في نفوس المستمعات تذكرنا بالكلمة التي ألقاها "دوستويفسكي" في منتدى "النبالة" بموسكو في الثامن من حزيران عام 1880 وبمناسبة الذكرى المئوية لولادة شاعر روسيا الكبير " بوشكين " ألقى صاحب الأخوة كرامازوف كلمته بصوتٍ متوتر أبح ، وهو بخطابه أثار حماساً صاخباً مما حدا ببعض الجالسات أن يزحفنَ نحو المنصة باكيات متشجنات وهن ينكببن على كفيه بالقبلات والعبرات .

     إن واحدة من هؤلاء المستمعات إلى محاضرة الراوي فلنقل هي البطلة والسارد هو البطل يلتقيان على كورنيش " كركوك" حيث يرتاض ساعات العصارى وهو يتأمل " القلعة " وتحويمات النوارس وهي تجوس فضاء المدينة الرحب ، نتعرف البطلة وهي أرملة ثرية تريد أن تسير على نفس خطى بطلة " لورانس " في التمرد على مجتمعها وكسر أغلال الزيف ، وحتى في الأخير تترك البطل "أحمد العطار " وتمضي إلى مجاهيل " أفريقيا " إلى بلاد" أوغندة " الشاسعة بحثاً عن إيقاعات الروح الخصبة مع زنوج رائعي التمدن أو مغامرين أفاقين يعتصرون العيش في ولائم الحياة الملغزة .

     يقول الدكتور الناقد " شجاع العاني " عن العالم القصصي عند " جليل " اختار أن يحلق خارج السرب وأن يختط نهجاً خاصاً به أتضح في مجموعته الأخيرة" مملكة الانعكاسات الضوئية " بشكل كبير وسأدعو القصة التي رسا عندها القيسي في هذه المجموعة بـ " القصة الثقافية "

     ويشرح الدكتور العاني القصة الثقافية مستطرداً " بمعنى أن القاص لم يعد يتناول في قصصهِ تجارب واقعية معيشة ولا شخصيات انسانية من الواقع باستثناء شخصه غالباً وإنما صار يلجأ إلى استثمار ثقافته الأدبية والفنية والتاريخية مادة أساسية في قصة تقوم على نصوص الآخرين"

     وقد وظف "القيسي" في قصته الكثير من مطالعاته وزين متنه السردي بأقوالٍ من الأغريق والفيلسوف الألماني "شوبنهاور" والحكيم الصيني"كونفوشيوس "وعرج ثانية إلى الفلاسفة الألمان فقد أورد مقولة لـ " نيتشه" "الحياة امرأة " ثم تتدفق كلمات للشاعر الأسباني " رفائيل البرتي" ويعود اسم المتصوف الألماني "يعقوب بوخمة " " رأيت في دقائق منظراً غيرَ كلّ حياتي " والأثير دوستويفسكي "يذكر اسمه فهو دائماً ضيف حميم على كتابات القيسي ولا ينسى الشاعر الأنكليزي "شيلي " إن السيطرة مثل الوباء الجارف تلوث كل ما يلمسه "

   وتنساب أسماء المبدعين الذين يحبهم الكاتب" القيسي " من رسامين وشعراء جوتا ، غويا ، بيكاسو وهوغو ، ولا ينسى أن يزين أبهاءَ مَسْرودهِ بتشبيهاتهِ الماتعة ، بعضها مبتكر والبعض الأخر مُعاد مستحب أسردُ قسما منها : صمت فيثاغوري ، ذكريات أسيدية ، ألم خرافي ، غيوم قطنية ، حزن لزج ، البطلة الراسينية، عزاءات افيونية ، إيقاع احتفالي " ولعلّ هذه التشبيهات والنعوت الرائقة تضفي على مرويتهِ أبهةً من الأبتكار وتَحْلية من المذاق اللغوي تجعل الأنثيالَ السردي بعيداً عن التعقيد وقريباً من القبول الأمثل والاستساغة الماتعة .

     وكنت أتمنى على السارد أن يحذف هذه الأصوات والهمهمات المبهمة ها ها ها والتي تكررت في العديد من المواضيع إلا أنه كانَ يعود إليها وكأنه بينهما عقد اتفاق .

     وبالرغم من الفيض الزاخر من المرويات التي خطته يراعة المنشئ طوال أربعة عقودٍ ونيف تبقى قصة راسخة في زاوية من زوايا ذاكرتي الفقيرة وقد أستمعت إليها قراءة منه شخصياً وثيمتها تدور حول شخص يحاول الهرب إلى بلاد فارس عبر شط العرب وقد أستقلّ قارباً يجذف في المياه وما زلت أصغي إلى خبطات مجذافه وقد رانَ السكون وعسكرَ الظلام ولا يدري إلى أين تمضي بهِ الدنيا، وأنا لا أعلم إذا وصل إلى مقصده أم تخاذل في الطريق إلا أنني أحببت هذه المدونة وما زلت أكنُ لها الأعجاب وكأن القارب يشق المياه أمامي نحو هدف غامض مجهول وكم تمنيت أن ينزل السارد هذه القصة أحد متون مجاميعه الأربعة والمطبوعة على حد علمي وأعتقد أنه نساها ربما لم يجدها في عنفوان النضوج فركنها في أحد أدراجه ولكن قصة " سمكة جيلي" هي الأخرى نافذة مضيئة في تراثه القصصي هذه السمكة البطيئة حيث تعيش في اعماق المحيطات وتتعلق ببعض الأعشاب وتظل هناك عالقة وكذلك المتلقي يَستسيغُ هذا الضرب من السردِ المبهر النائي عن التغميض والتعقيد والتعمية ليظلّ قريباً منه ولا سيما عندما يجد الحوار هو الآخر ينساب في رقةٍ ويشرق في بهاءٍ رائق جميل.

 

 

 


1-   إحالات

2-   مجلة (( سردم العربي )) العدد 11 شتاء 2006 قصة ((سمكة جيلي )) / جليل القيسي .

3-   فلسفة د . هـ . لورانس / فاروق مصطفى . جريدة ((الحدباء )) الموصلية العدد 77 شهر أيار عام 1982 .

4-  دوستويفسكي / ذلك هو المعنى الحقيقي للحياة / هنري توريات : كامل العامري . جريدة الصباح . العدد 403 تشرين الثاني / 2004 .

5-   عالم جليل القيسي القصصي / د. شجاع العاني / جريدة الأديب العدد (70) 4 أيار 2005 .

6-   D.H.LAWRANCE , The woman who rode away PENGUIN Books . London . 1981 .

 

أنطوان أكسوبري .. والبحث عن الكوكب الجميل

 

     ثمة كتاب يتوحدون بكتاباتهم ، فكتاباتهم تكون مرايا حياتهم ، فكل حرف يخطونه يمتلئ بأنفاسهم بالخطوات التي يخطونها بالأفعال التي يقدمون عليها فأدبهم متوحد ، بحياتهم لا فكاك بينهم ولا إنفصال ، وخارطة الأدب العالمي الإنساني قدمت لنا في النصف الأول من القرن العشرين أسماء عديدة من الكتاب جاء أدبهم تأكيداً للمصير الذي كانوا يسيرون إليه ، إنهم عائلة الأدباء الإنسانيين الذين غنوا هموم الإنسان وقد أحسوا بفواجعه ومحنه وحصاراته فشرعوا يدافعون عن قضاياهم علهم يسعفونه ولو بقليل من العزاء، لقد كانت الأخوة البشرية هي المحور الأول والأخير في إبداعاتهم ومنه مبتدؤهم ومنتهاهم، نذكر من عائلة الكتاب الإنسانيين ( آرنست همنغواي ، جاك لندن ، آندريه مالرو، وأنطوان دي سانت أكسوبري ) .

هام (( أكسوبري )) ( 1900 – 1944 ) بالطيران إلى درجة غدا أحد أبطاله النادرين في الثلاثينيات من القرن المنصرم ، والناظر في أدبه يجد ان الطيران يتبوأ كل تضاريسه ، ويكتشف أن عناوين كتبه تعود إليه ، طيران ليلي ، بريد الجنوب ، أرض الرجال ، وربان طائرة الحرب ، وغيرها من العناوين وأدبه ذو نكهة خاصة يموج بالحركة وتتلاشى فيه كل الخيارات بين القول والفعل وبين الحلم وإنجاز الحلم ، أنه أدب الإرتياد ، أدب الفعل والمغامرة والإقتحام ولا نغالي إذا شبهنا كاتبنا بذلك المقاتل الشجاع الذي يقتحم حقلاً مزروعاً بالألغام حتى يمهد الطريق لرفاقه الآخرين .

قلت إن (( أكسوبري )) عشق الطيران حتى الأعماق فانتهت حياته فيه حيث قام سنة 1944 برحلة استكشافية فوق فرنسا المحتلة من قبل الألمان أبان الحرب العالمية الثانية ولم يعد ثانية منها ، ولا يتصور المرء مصيراً آخر له سوى هذه النهاية الأليمة في دنيا الطيران ، لقد وهب الكاتب حياته للطيران والتحليق فاصبح حقيقة أحد أبطاله النادرين وبتعبير آخر يقول الناقد الفرنسي : (( غايتون بيكون )) في كتابه الأدب الفرنسي الجديد إنه البطل الأصيل وأحد وجوه العصر الجميل ومثالٌ للشجاعة والثبات لقد شق كطيار خطوط باتاغونيا الجوية ، ونجا بأعجوبة من حادثين خطرين ، أحدهما في صحراء ليبيا والثاني على أراضي غواتيمالا ، لقد حقق (( أكسوبري )) أمجاداً كثيرة في حياته شاهدها كطيار وأضاف إليها مآثر أخرى عن طريق الكتابات التي خطها والمجد الأدبي الرائع الذي بناه ، تحقق عبر كتابه ( أرض البشر ) الذي رأى النور عام 1939 وظهرت الترجمة العربية له سنة 1946 عن دار الكاتب المصري في القاهرة وظهرت ترجمة ثانية له بعنوان ((أرض الرجال )) عن دار (( عويدات – بيروت)) والمحور الذي يدور حوله الكتاب هو الإشادة بالأخوة الإنسانية وحب الناس لأرضهم ، ثم يصور عشقاً مهووساً لطيار للكرة الأرضية وكيف تتراءى له وهو يمخر عباب الغيوم أنه يسرد أخباراً وحكايات عرفها وعاشها فتركت في دمه لدغتها ومرارتها ، وهو لا ينسى أبداً أن يشيد بالإنسان ويتغنى بهذه الأرض التي هي أم الإنسان .. أن عظمة مهنة ما تقاس بمقدرتها على توحيد بني البشر (( ليست هناك إلا متعة فريدة تلك هي متعة العلاقات الإنسانية وتبقى الأرض دائماً هي الكوكب الذي يبحث عنه (( أكسوبري )) بين آلاف الكواكب التي يسبح في ضيائها وعندئذ شعرنا إننا تهنا في الفضاء بين مئات من الكواكب المحرمة علينا باحثين عن الكوكب الحقيقي الوحيد عن كوكبنا الفريد في إحتوائه على مناظرنا الأليفة وبيوتنا العزيزة وأحبائنا )) أرض البشر ص 34 .

يفتتح الكاتب كتابه الذي نحن بصدده بسرد قصته مع الطيران وكيف أنه انظم إلى شركة الطيران التي كانت تعمل بين فرنسا والسنغال ثم كيف أنه كلف لأول مرة بمهمة جوية إلى (( دكار )) لنقل البريد ثم يخصص فصلاً ويعطيه عنوان الزملاء يحدثنا فيه عن رفاق الطيران عن الرفاق الذين عرفهم في هذه المهمة الصعبة والمعشوقة ويذكر بالأخص زميله الطيار (( جيوميه )) الذي سقطت طائرته على جبال الأنديز في أمريكا الجنوبية وكيف أنه سار عدة أيام في هذه المرتفعات الشاهقة إلا أنه قاوم وتحمل إلى أن وصلته إمدادات النجاة ويبدو أن (( جيوميه )) احتل الكثير من مساحات حياة (( أكسوبري )) وأن صداقتهما كانت وطيدة لقد جمعها الطيران وحب هذه المهنة الصعبة ولكن الأثير على قلبيهما وبالتالي فنحن لا نستغرب عندما يقدم الكاتب على إهداء أجمل كتبه إلى ذكرى هذا الصديق العزيز بهذه العبارة الوجيزة المعبرة إليك يا (( هنري جيوميه)) إليك يا زميلي أهدي هذا الكتاب .

ويسوق الكاتب لنا في فصل آخر تجربة سقوط طائرته في صحراء ليبيا وهو في طريقه إلى الهند وكان يشاركه في هذه الرحلة المغامرة أحد زملائه ويدعى ((بريو )) وكيف أنهما مكثا في الصحراء أربعة أيام يقاومان العطش والجوع ويناضلان من أجل البقاء حيث أن الفصل السابع من الكتاب الذي وسم بعنوان ((في قلب الصحراء )) مخصص لهذه التجربة الفريدة والشاقة ويصف لنا لحظة ارتطام الطائرة بالأرض وأعتقد إني لم أحس إلا صوت تصدع مروع حطم عالمنا من أساسه لقد أصطدمنا بالأرض ونحن نسير بسرعة مائتين وسبعين كيلو متراً ، وإنما حدثت زلزلة عظيمة اكتسحت قمرتنا وانتزعت النوافذ وأرسلت أجزاء الطائرة إلى مسافة بعيدة وامتلأت بزئيرها وارتجفت الطائرة كأنها سكين غرست في خشب صلد )) ص 159 .

وبالرغم من معاناته من آلام الجوع والعطش فإنه دائماً يتغنى بالصحراء هذا الأوقيانوس الهائل من الرمال والمسافات الخرافية ، إن الصحراء حبيبة إلى قلبه كأنها إنسان يعرفه وقد قضى معه شطراً من العمر فأصبح لها ذكريات مشتركة جمعت بين قلبيهما لأسباب الصداقة والود ، ويظل (( أكسوبري )) حياً في ذكراه يذكرنا بأوائل الطيارين في القرن العشرين الذي كانوا يرتادون المجاهيل بقلوب تملؤها الشجاعة يعيدون مسح هذا الكوكب الجميل معمقين معرفتنا بأرجائه مقربين الإتصال بين شرقه وغربه رابطين شماله بجنوبه وبتعبير (( غايتون بيكون )) : (( الأنسجام الجريء مع الحظ والأخوة البشرية وصداقة الناس لأرضهم هذه الكرة الأليفة التي يتطلع إليها الطيار السابح بين النجوم )) .

 

ابنة الحظ/ رواية من ( تشيلي ) البعيدة

     يتعجب الناظر في رواية ( ابنة الحظ ) لـ ( ايزابيل اليندي ) من القدرة الأسطورية لهذه الروائية أن تخلق كل هذه العوالم وكل هذه الشخصيات المشتعلة بآثامها ورغباتها الجنونية وأحلامها المحرقة ويزيد هذا التعجب عندما يكتشف أن الكاتبة تبني عوالم قصتها في منتصف القرن التاسع عشر بدقة لا متناهية وكأنها عاشتها بالطول والعرض والأعماق لا تنسى أدق الأشياء وأخفاها وهي تطوف بقارئها من بلادها ( تشيلي ) إلى كاليفورنيا إلى الصين إلى بريطانيا من غير تكلف ولا تصنع تصف الأطباء والكتبة والمغامرين والمنجمين وفتيات للينغ سونغ الصينيات هذه الشخصيات المرسومة أقدارها بدقة وهي تسير وراءها وأنها تعرف ليس ثمة من أمل للوصول إلى المبتغى ولكن العزاء في هذا السير .. يقول (تاوتشين ) الحكيم الصيني لـ ( الزا ) :

     ليس هناك شيء دون طائل وما من أحد يصل في الحياة إلى أي مكان يا الزا إننا نمشي وحسب –

(الزا) الشخصية المحورية لهذا العمل الروائي الفذ ، فتاة لقيطة ربتها الانكليزية مس روز وهي اخت تاجر انكليزي يقيمان في تشيلي في ميناء ( بالبارايسو ) وتزعم الانكليزية بأنها بنت اخيها القبطان جون لانها عثرت عليها ملفوفة في سترة من ستراته التي تركها عند امرأة ليلية ولكن ( الزا ) لن تتوصل إلى هذا السر وإنما تبرح ( تشيلي ) وراء حبيبها ( خواكين ) الذي هاجر إلى كاليفورنيا هو بدوره ابن زنى وقد استوحى ( بابلو نيرودا ) شاعر تشيلي الكبير مسرحية من حياة هذه الشخصية الأسطورية .

     ( جاكوب تود ) شخصية أخرى تفد إلى هذه البلاد مبشراً ومعه شحنة من الكتب المقدسة لغرض بيعها ( راهن على مائدة لعب في ناديه في لندن بأنه قادر على بيع نسخ من الكتاب المقدس في أي ركن من أركان الكوكب الأرضي فعصب أصدقاؤه عينيه وأداروا كرة أرضية فوقع على واحدة من مستعمرات مملكة اسبانيا ضائعة في الجزء السفلي من العالم ) ص 20 .

     والطبيب الصيني ( تاو تسين ) الذي ذهب إلى معالجة أحد البحارة المتشاجرين في احدى الحانات في هونغ كونغ إلا أنه يكتشف نفسه على ظهر إحدى السفن الماخرة عباب المحيطات بعد أن أسكره القبطان وأقتاده إلى سفينته لأنه في حاجة إلى طاه يعمل في سفينته أنني أفكر كم من المصادر والمراجع والوثائق قرأتها الكاتبة عن كل هذه البلدان وعن هذه الفترة التي تدور فيها أحداث روايتها بين عامي (1843 و 1853) لأنك تحتار في أسماء المدن والأماكن والأطعمة والفنادق والنباتات والطيور وأسماء الخمور فعندما تتحدث عن الطبيب الصيني ( تاو ) تعود بنا إلى طفولته وكيف كان الابن الرابع في عائلته وبعد ذلك يكتشف المتلقي نفسه يتدحرج في براري الصين الواسعة مع (تاو) في تقلبات جحيمه ونعيمه من مدينة ( كانتون ) إلى ( هونغ هونغ ) وكيف تعلم الطب من حكيم يتعاطى الوخز بالأبر وهي تصنع نفس الشيء مع ( ماما فريسيا ) وهي طاهية هندية تعمل خادمة في منزل مس روز في ميناء (بالباريسيو ) ولكنها عالم خصب هذه المرأة التي تعرف كل أنواع العلاج بالأعشاب والنباتات والأدعية وتجيد طهي كل الأطعمة وفوق ذلك هي عالم من الإخلاص والوفاء لـ ( الزا سوميرز ) .

     تخلق الروائية ( إيزابيل ) عالماً رحباً تحرك فيه شخصياتها ذات الغنى والثراء وهي تذكرنا بشخصيات ديستوفسكي المركبة والقلقة والهاذية والمتلقي ينفعل معها لأن حبها ليس عادياً ولأن طموحها ليس مألوفاً وفوق ذلك لا يستطيع باية حال من الأحوال أن ينسى جرأتها في وصف مشاهد الحب الحميمية وهي تقتحم هذه العوالم متألقة مشتعلة وهي عندما تصوغ فصولها تشيد عوالم مشعة برؤاها واثارتها البعيدة عن التكرار والتصنع .

     كنت أتمنى من الأستاذ صالح علماني معرب الرواية ان يشرح لنا العديد من المصطلحات والأسماء التي وردت في صفحات الرواية حتى تكتمل متعة القارئ وهو يجوب هذه العوالم الشاسعة في تشيلي وكاليفورنيا وانكلترا والصين ويمخر عباب الاقيانوسات بالرغم من هذه المآخذ فالمعرب بعمله هذا يسد حاجة مهمة من حاجات المكتبة العربية إلى الأعمال الروائية الجادة الرصينة ولزام علي أن أقر بأن ( ابنة الحظ ) لا تعطي نفسها بقراءة أولى ولكن لابد من قراءة ثانية ليكتشف لنا المزيد من خفايا وعوالمها المثيرة

للتأمل والتفكير والأثارات الأدبية.

 

ابنة الحظ – إيزابيل اليندي –

ترجمة صالح علماني

الناشر المدى ، تاريخ الطبع 2000 – دمشق

 

 

 

تخطيط بقلم بول غيراغوسيان
 

 

 

 

 


نظرة في قصص جبرا  إبراهيم جبرا

 

جبرا إبراهيم جبرا كاتب متعدد المواهب كتب القصة والرواية والنقد ، ونشر الدواوين الشعرية وأثرى المكتبة العربية بعشرات التراجم من الأدب الإنكليزي ، إلا أنه في السنوات الأخيرة من عمره صبّ موهبته الفريدة في عالم الرواية فأخرج روايتين متقنتين في الصنع والبناء ، نقصد بهما ( السفينة ) و ( البحث عن وليد مسعود ) وهذا لا يعني أنه لم يبدع في بقية أجناس الإبداع التي حاول من خلالها أن يعبر عن المآسي التي يعاني منها الإنسان العربي المعاصر ، وجبرا بما قدم من الدواوين وكتب من قصص وروايات وألف من الدراسات النقدية وصمم من لوحات تشكيلية تبقى كل هذه الإبداعات ضمن دائرة المعاصرة وهي تبحث عن هوية للإنسان وهو يشق دربه نحو معارج التحضر والتفتح والتحديث ، أما بالنسبة لي فأن أجمل عمل قرأت له من نصوصه الإبداعية هو قصصه القصيرة التي ضمتها مجموعته ( عرق وبدايات من حرف الياء ) الصادرة عن دار الآداب عام 1981 ، والجدير بالذكر إن هذا الكتاب قد طبع في السابق عدة طبعات إلا إن الشيء الذي يميز الطبعة الرابعة هو أن الكاتب أضاف إليها قصة جديدة وهي " بدايات من حرف الياء" وهذه الأخيرة تختلف تماماً عن بقية قصص المجموعة وجبرا يخبرنا في مقدمة الكتاب بأن البون الزمني شاسع بين قصته الأخيرة وبقية المجموعة في مجموعته " عرق ... " قصتان تدوران حول الأطفال " المغنون في الظلال " ص 39 و "الغرامفون " ص 47 ، إن الكتابة عن عالم الطفولة والأطفال ليس بالشيء الهين ، الأطفال ذوو الأجنحة الملائكية يسربلون عالمنا بكركراتهم زوايا حياتنا الكئيبة ، والبديهة تعلمنا إن الأطفال سعداء اليسوا عنواناً للبراءة والميلاد الجديد مع ذلك يثيرون فينا الحزن والشجو عندما يضربون او يتعرضون لتصرفات مؤذية ، كتب دوستويفسكي كثيراً عن الأطفال وكان من همومه الدائمية أن يراهم يتربون في أحضان البؤس واللامبالاة يتعذبون ولا يجدون ما يقتاتون به ، إن ثيمة الطفولة كانت حبيبة إلى نفس مبدع الأخوة كرامازوف ، الجريمة والعقاب والأبله لقد كان الأطفال ضمن شخصياته وأحداثه وبالأخص في رائعته المعروفة "الأبله " عندما كان بطلها الأمير " موشكين " يعالج في سويسرا وقعت له قصة مع الفتاة القروية المريضة ماريا والأطفال الذين كانوا يعادونها وبتدخل الأمير " موشكين " ومصادقتة إياهم بدؤوا يحبونها ويحاولون كسب مودتها ومن القصاصين العالميين الذين عبروا عن عوالم الأطفال " انطون تشيخوف " في العديد من أعماله القصصية وكذلك كتابنا العرب المعاصرون لم يتخلفوا في هذا المضمار فأنجزوا الكثير في خطابهم القصصي جوانب تتناول حياة الأطفال وتعالج عشرات الهموم التي تعاني منها قلوبهم الصغيرة والآلام التي تمور في أنفسهم ، أذكر من هؤلاء عبد الملك نوري ، زكريا تامر ، يوسف إدريس وسعيد تقي الدين . تصور قصة " المغنون في الظلال " صبيا صغيراً يحلم أن يتناول لحماً وهو ينتمي إلى عائلة مدقعة الفقر ان "سلوم" صبينا هذا ينتظر بفارغ الصبر وليمة ستقدم فيها أطباق الرز المثقلة باللحم . ويأتي اليوم الموعود حيث الأكل الهنيء والرقص على أنغام العود والأصوات المدندنة بالغناء ، يلتهم الرجال الطعام ثم من بعدهم تلتهم النساء ما تبقى منه ، إلا إن الأطفال الذين كانوا يدنون من الأكل كانوا يدفعون ويطردون وسلوم من ضمنهم ، يرى الآن حلمه ينطفئ ويخبو ولكن معدته تتلوى من الجوع ، يبتعد عن القوم والوليمة ، ومن حسن حظه أنه كان ملأ جيبه بقطعة من الخبز اليابس التي أتى بها من منزله يحل عند منبع ماء ثم يشرع في التهام خبزه بعد أن ينقعه بالماء "فتقدم من العين وانحنى فوقها وسمح للماء بالأنصباب على الخبزة حتى تبللت من نواحيها وشعر في أثناء ذلك بالماء يتراشق بارداً منعشاً على قدميه وساقيه ، فيرسم في غبارهما زخارف كثيرة فأنتصب واقفاً ومدّ رجليه إلى الدفق الناعم وعضّ الخبز البليل وهو يرقب قدميه تنظفان أكثر فأكثر " ص 45. يقول " توفيق صايغ " عن هذه القصة بأنها تصور بطل جبرا هو اذ ذاك في حال البراءة ، ولكن هذه البراءة لا تدوم وأنه ألف هذا المحيط ورضي به . وحتماً أن " سلوماً " عندما سيكتشف أسباب هذا الفقر ويعمل على إزالتها ، وفي القصة حنين إلى السفر والأنطلاق إلى تخوم تلك المدينة هذا الحنين الذي يتصاعد مع تنهدات الأغنية : - " الجمال محملة .. الجمال محملة والأجراس بترن ، يا ليلي يا ليل " . ويتخيل " سلوم " تلكم الجمال تصعد نحو تلك المدينة الساحرة التي تقع وراء التلال ، والمدينة التي هي محط الحنين ليست سوى القدس التي عاش فيها " جبرا " شطراً من صباه وشبابه وتنقلب " القدس " إلى هاجس يلح على بال كاتبنا وتستحيل إلى هم يواكبه في كل خطابه القصصي ، فنحن نتعرف عليها في الكثير من قصص هذه المجموعة والكثير من أبطال روايته يعودون إلى القدس الحبيبة تلك المدينة ذات الأسوار الشاهقة التي تضوع نكهة التاريخ من مساجدها وكنائسها وأزقتها العتيقة .

أما قصته الثانية " الغرامفون " ص 47 . فهي تلي في المجموعة قصتة الأنفة الذكر ، وهي قصة يسردها الصغير . "يعقوب " عن محل يعمل فيه لسبك قطع الزنك وفي مقابل بطلنا الصغير هناك العامل "يوسف" ألذي يتبجح دائماً بسرد ذكرياته على الصغير حيث عاش خمس سنوات قضاها في مصر في اللهو والعبث ، وأصبح سرد هذه الذكريات تسليته الوحيدة بعد أن أفقر ، وهناك صاحب المسْبك "الأسطى  حنا" وهو مشغول في بعض المغامرات العابثة ، وإذا كان الصغير " سلوم" في " المغنون في الظلال " يحلم بأكلةٍ دسمة فإن صغيرنا " يعقوب " يحلم أن يمتلك "غرامفوناً " حتى يشنف أذنية بالأسطوانات الموسيقية ، ويوسف الكبير في مقابل بطلنا الصغير يأمل أن يعيش حباً جديداً يمتلك فيه امرأة جميلة، في الماضي عرف الثراء والنعيم ولكنه اليوم يتقلب على سرير الخصاصة ، وهو الذي يقول للأسطى حنا : " والله ما هذه عيشة يا حنا ثلاثمائة جنيه صرفتها في شهرين ، شرب وضحك ونسوان " يتنازل عن غرامفونه للصبي " يعقوب " لقاء مبلغ تافه آملا أن يحقق حلماً يراوده من زمان إلا أنه يخفق في مغامراته . فنحن إزاء حلمين ، حلم يعقوب وحلم يوسف ، فالأول يحقق حلمه بالحصول على جهاز "الغرامفون " بينما الثاني لم يجنِ من مغامراته إلا الخيبة والهزء وكأن الكاتب يريد أن يوحي لنا بأن الصغار يعيشون في عالم من البراءة والعفوية بينما عالم الكبار محاط بالإخفاق والمصاعب وأنهم في رحلتهم الحياتية يصطدمون بعشرات الحواجز دون أن ينجحوا في قهرها أو اجتيازها .

إن الفنان "جبرا إبراهيم جبرا" الذي أثرى المكتبة العربية بإعماله الروائية كـ "صيادون في شارع ضيق" والسفينة و" البحث عن وليد مسعود" واشترك مع الروائي " عبد الرحمن منيف" في كتابة رواية شيقة والموسومة بـ " عالم بلا خرائط " ثم أضاف إلى تلك الأعمال سيرته الشخصية بعدة أجزاء " البئر الأولى " وشارع الأميرات ولا أريد أن أستطرد بذكر بقية أعماله أقول ستبقى هذه النصوص لأعوام كثيرة تثير لدى المتلقي المتعة والإثارة وتفتح أمام عينيه أفاقاً ساحرة من الإحساس بالجمال والإدهاش والأنبهار.

 

 

قراءة متأخرة في أدب عبد المجيد لطفي

     ليس الهدف من وراء كتابة هذه العجالة عن الأديب عبد المجيد لطفي إضافة أو كشف المزيد من جوانب أدبه أو شخصيته ، لقد كتب العديد من المقالات عن كتبه وحياته وقيل وافر من الآراء في نقد قصصه ولكن الهدف هو تذكير المتلقين الجدد بأدب الرواد، ومدَ الجسور بين هؤلاء والنشء الصاعد ليتجدد التفاعل وتمتن الوشائج بين الأجيال الأدبية المختلفة .

ينتمي عبد المجيد لطفي إلى جيل القاص " جعفر الخليلي " و "ذنون أيوب " هذا الثالوث القصصي الذي مهد لهم الطريق"محمود أحمد السيد " الذي يعد بجدارة رائد القصة العريقة وهؤلاء مهدوا للمجددين في كتابة القصة الحديثة وأعني بهما : عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي وبعد هذين ظهرت القصة الستينية بمختلف أساليبها ومدراسها المتباينة ، وأستطيع أن أسجل فضل كاتبنا في هذا المضمار هو في زيادة وغزارة الإنتاج وتنوعه بين القصة والرواية والمسرحية وتعريف الأدب الكردي للقراء العرب وكذلك كتابة الخواطر الأدبية .

أقول يعد عبد المجيد لطفي من الأوائل الذي حاولوا نقل النصوص الشعرية الكردية إلى اللغة العربية وهكذا أصدر بالاشتراك مع الأديب عبد السلام حلمي كتاب " نظرات في ألادب الكردي " كان ذلك عام 1948 م وقد ترك الكتاب صدى طيباً في نفوس الكتاب العرب أمثال " زكي مبارك " في مصر والشيخ محمد رضا الشبيبي في العراق وحتى أن أديبة مصرية من أصل كردي والكلام هنا أنقله من كتاب موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين لمؤلفها حميد المطبعي . قد اعتمدت الكتاب مصدراً لكتابة أطروحتها الجامعية للحصول على شهادة الماجستير .

رواية "فتحة أخرى للشمس" لعبد المجيد لطفي صدرت عام 1980 وهي مؤرخه بعام 1978 إذن تعد هذه الرواية من أعماله المتأخرة وهي تعتمد بالدرجة الأولى على الحوار فهي قصة حوارية وتقع في 158 صفحة من القطع المتوسط ويتنازع هذا النص الروائي الشعور بدبيب الزمن وهو يتسلل إلى مسامات أجسادنا والإحساس بالشيخوخة المبكرة فأنت تحس بتقادم الزمن ولا تترسب منه إلا الذكريات التي تختزن في وعيه ولا وعيه فدبيب الشيخوخة وزحف الزمن تحسهما عبر كل صفحات هذا العمل القصصي .

يقول الكاتب " عبد المجيد لطفي " ما من فكاك من الذكريات أنها تنطبق علينا كقطعة صوان أزرق فلا تبارحنا وكون بطل الرواية يعيش حياته العزباء في غرفته مع عشاقه الهادئين – الكتب – فهو يسمي قطته – مبروكة – ويخاطبها في الكثير من مشاهد القص وهو يذكرنا بمخاطبة بطل قصة " كآبة" لأنطوان تشيخوف أو اقول بطل الكاتب الروسي في القصة الأنفة الذكر هو الذي يخاطب حصانه بعد وفاة ابنه الوحيد يريد أن يقص أحزانه على أي إنسان، وعندما لا يجد هذه الأذن الصاغية عند أحد لا يبقى أمامه إلا حصانه فيقص عليه قصة تعاسته .

يستعير الكاتب الكثير من شخصه ويمنحه لبطل قصته"العم زيد" يمنحه لحيته الكثة ، فالمعروف عن كاتبنا لحيته الغزيرة وهي ما نقع عليها في صوره الفوتغرافية المنشورة في الصحف والمجلات ويهبه عشق الكتب ويعطيه زهده وترفعه عن الماديات ويشبه العم زيد بسقراط الفيلسوف والإغريقي حيث زانت عدة تماثيل رأسيه له مكتبته .

وهناك هاجس يعيشه بطل الرواية أن يتفرع لتدوين ذكرياته وسيرته الحياتية وهكذا تأتيه دعوة من أحد أصدقائه القدامى في مدينة الكوت فهي لتحقيق هذا الحلم الذي ظل يراوده سنين عديدة وهو الرحيل إلى مكان بعيد هادئ ليتفرغ للكتابة عن خزين استذكاراته قبل أن تسيل من وعاء ذاكرته وقد تنازل عن حقه في الدار التي كان يسكنها لسميرة الفتاة التي كانت تتودد إليه وتنازل عن كتبه إلى زوجها سامي وهي أثمن ما كان يملك وأخيراً ليس في هذا النص القصصي جديد يضاف إلى ابداع الكاتب السابق ولكن فصوله تثير فينا حزناً خافتاً شفيفا لتقادم عربات الزمن على أجسادنا الواهنة والشيخوخة التي لا نستطيع أن نصدها فهي تطرق أبوابنا مع مقدم كل شتاء قاس يترك عند أبوابنا حقائبه الملأى بأمطاره وثلوجه وبرده وزمهريره .

 

 

قراءة في قصص ديزي الأمير

     تأتي ديزي الأمير في مقدمة كواتبنا القاصات من حيث غزارة نتاجها ومحاولة تطوير أدوات كتابتها الفنية في تقديم قصص متمكنة في التعبير عن جملة من القضايا التي تعيشها المرأة العربية المعاصرة وإلقاء الضوء على الأفكار المتخلفة التي تدور حولها ، كما أنها تصبو عبر هذه القصص إلى أن ترى المرأة تقدر لعملها ولفكرها ولشخصيتها وليس لكونها أنثى لا غير .

     أن محور قصص كاتبتنا في مجموعتها الموسومة بـ ( البيت العربي السعيد) والصادرة عن دار العودة – بيروت يدور حول المرأة وحول عوالمها ، وبعض هذه العوالم غارق في الرومانسية وهموم بنت حواء تستقطب القصص ولا نقع فيها على هموم رجالية ، وأن التقينا بالرجال فهم في الظلال لا يملكون ملامح واضحة ، والنساء اللواتي نشاهدهن عبر هذه الصفحات هن في غالب الأحيان وجه لامرأة واحدة ، وربما نتعرف فيه على بعض قسمات الكاتبة إلا أننا لا نريد أن نخلط التجربة الشخصية بالتجربة الفنية وفي رأينا تبقى التجربة الفنية هي المعول عليها في العمل الفني الناجح .

     تصور قصة" عمة رفيق " ص5 الاستلاب الذي تعانيه البطلة، هذه البطلة التي منحت حياتها لقضية أخيها ، والقضية : نضال وعمل وكفاح إلى درجة أنها أصبحت كاتمة أسراره وأصدقاء أخيها يسمونها " أخت الرجال " وعندما يتزوج أخوها وينجب ولداً ويطلق عليه اسم رفيق ، يصبح اسم البطلة "عمة رفيق " ، نلتقي بالبطلة في بلد غريب وقد نزلت في إحدى المصحات للاستشفاء ، فتتذكر أيامها ، ويبدأ شريط الذكريات ينساب أمام عينيها ، وهي تعيش جملة من المتناقضات ترغب في الزواج ولكنها لا تستطيع التصريح بذلك وترغب في أرتياد بعض الأماكن ألا أنها تجد في نفسها التردد وحتى حياتها إلى جانب أخيها فهي غير راضية عنها وكأنها ليست من خياراتها ، إننا نجد هنا شخصية باهتة تعاني في حياتها السآمة والتردد والإحباط فلهذا وقعت صريعة للتعب والإجهاد .

     في قصة "مفتاح الباب الحديدي " ص 101 نلتقي بالبطلة وهي ضائعة في إحدى الغابات الممتدة قبالة فندق – منتجع ، يهبط الظلام وتتكوم الغيوم ثم ينهمر المطر ، تبحث عن طريق ترجعها إلى الفندق ، وهذا الأخير محاط بسياج ويتخلله بابان – وهما مغلقان ، وهي لم تحمل المفتاح معها  وتسقط البطلة اعياءاً بعد أن فقدت الأمل في اجتياح السياج والوصول إلى الفندق حيث الدفء والطمأنينة . ولا تخبرنا القاصة بالمكان الذي يجري فيه الحدث ، إلا أننا نفهم من سياق القصة أنه يقع في بلد غريب بعيد عن الوطن وثمة حنين في أعماق البطلة إلى البيت – الوطن – بدليل أنها تدندن أغاني عربية ، والأرجح تحاول ديزي في هذه القصة عبر الرمز لتنقلنا إلى الأحباطات التي تعاني منها البطلة حيث أنها سافرت إلى هذا المكان البعيد بحثاً عن الراحة والسلوان وها أنها تضيع وحيدة في غابة معتمة ، تغوص أقدامها في الوحل والباب مغلق في وجهها فكيف السبيل إلى الفندق حيث الراحة والدفء والأمان ؟

     تتكرر شخصية البطلة المستلبة المغلوبة على أمرها في قصة " القادم الجديد" ص 27 وهي الأخت الكبرى في عائلة الأبناء ، تعيلهم  وتنفق عليهم والمأساة التي تنحر في قلب البطلة عندما تنجب والدتها طفلاً جديداً لينضاف عبء جديد إلى أعبائها السابقة، لهذا فهي تلاحظ شيئاً مخبوءاً في عيني الأم فتتصور أن هناك مولوداً جديداً في الطريق ، وعندما تذهب إلى أمها كي تحصل منها على أعتراف تنهي الكاتبة قصتها بهذه المفاجأة "ليست أنا التي رضيت بطالب يد أختك ، أبوك هو الذي وافق" والقصة غير مقنعة إلى حد كبير فليس من المعقول أن تحشد العائلة بهذا العدد من الأفراد الذكور ، وكذلك الوالد الذي يتمتع بالصحة والعنفوان – والدليل قدرته على انجاب المزيد من الأطفال – كل هؤلاء يتقاعسون عن العمل إلا هي الوحيدة في الميدان تعمل وتتحمل .

     نرى البطلة ذاتها في قصة " البيت العربي السعيد " ص 39 كرهت بعض التقاليد والعادات التي تسود بيتها وبالأخص ، تلك التي ترتبط بالضيافة ، فثمة ضيوف يترددون على منزلها ورنين جرس الباب لا ينقطع ، والفوضى تسود المنزل فهذا الضجيج ، يربكها ، يزعجها فكل خلاصها الآن يتحقق في أن يفرغ المنزل من ضيوفه وحتى من قاطنيه حتى تتمتع بالصمت والسكينة ، ويتحقق هذا الحلم في آخر القصة ، وديزي الأمير تقدم هنا لبطلتنا حلاً رومانسياً هو الهرب من الناس والالتجاء إلى أحضان الوحدة والانطواء .

     إن الشكل الذي تسوق الكاتبة من خلاله أحداث قصصها وترسم شخصياتها ، يعتمد على السرد والحديث بواسطة ضمير الغائب ، وسردها بسيط فلا تقع فيه على صنعة متقنة وهو بشكل عام يتكرر هذا الشكل في معظم صفحات المجموعة ، لأن البطلة هي نفسها ولأن معاناتها هي ذاتها ، إن نمطية الموضوعات المتكررة المتقاربة هي التي فرضت هذا الشكل المعاد عبر قصص المجموعة كلها .

 

قراءة في بواكير قصص يوسف الحيدري

 

     بدأ يوسف الحيدري كتابة القصص منذ الخمسينات ، إلا أن أية قصة من قصص هذه الفترة لم تدخل مجموعاته الأربع . يبدو أنها لم تكن ناضجة من الناحية الفنية ، فإن أولى مجموعاته القصصية الموسومة بـ " حين يجف البحر " والمطبوعة عام 1967 حيث احتوت على ست عشرة قصة وأقدم هذه القصص تعود إلى عام 1962 وهي معنونة بـ " التجرية " وهي قصة بشكلها ومضمونها تنتمي إلى القصة الخمسينية العراقية ،، وبطل القصة صبي صغير تظلمه زوجة أبيه وتدفعه نحو العمل إلا أنه يخفق في ذلك فيويخه "الأسطى خلف " شاتماً أباه فيرمي الصبي صحنه المليء بالاسمنت ثم يطلق ساقيه للريح .. فالقصة ترسم لنا لوحة أنسانية ساذجة وفيها كل ملامح القصص الخمسينية الواقعية وهي تعكس جانباً من الجوانب الأنسانية .

     أما في قصص أخرى للكاتب فنلتقي بأبطال آخرين تأكلهم رتابة الحياة وتطحنهم مرارة الواقع الأليم فعندئذ لا يجدون ملاذاً لهم سوى الاستلقاء في أحضان الأحلام فهم أبطال حالمون . تعساء في واقعهم سعداء في أحلامهم . يصنعون هذه الأحلام مع نفث دخان سكائرهم ، وعبر هذه الأحلام يتجلى لهم الغد وهو يحمل لهم شيئاً من الطمأنينة والأمل .. وهذا ما يتجلى في قصة "هروب " ص 41 ..

     والمتلقي لقصص يوسف الحيدري في هذه المجموعة التي نحن بصددها يكتشف أنها ملأى بتعابير وجودية وهذا ليس بأمر جديد فالقصص تنتمي إلى الستينيات ، هذا العقد الذي شهد رواج الأفكار الفلسفية الوجودية كـ " الضياع والقلق والحرية والوعي" فنقع مثلاً في قصته الموسومة بـ " الأخطبوط" " شعور مقرف يتآكلني من الداخل " وفي قصة " إنسان صرصار " " إنه بطل يقيء تفاهة عصره "أصغي إلى سمفونية الضياع " " رأسي قوقعه تسخر بالكلمات " .

     وثمة علامة أخرى تسم هذه القصص فهي في معظمها مسرودة بصيغة ( أنا) وكأن الشخصيات تتقمص الكاتب من قصة إلى أخرى ، وعلامة ثانية أن إحدى عشرة قصة من قصص المجموعة تتألف عناوينها من كلمة واحدة ، التجربة الحلم، الشاحنة ، السرير ، الخ .. وربما مرد هذا إلى جنوف الكاتب إلى التركيز والأيجاز .

     في قصة ( الفوهة ) وهي من القصص الناجحة للكاتب نجد معاناة للموت وكيف أن العدم قد فتح فاه ليبتلع كل الأشياء التي تقع في طريقه ، وتظهر في القصة شخصيتان تمارسان فن الرسم أما الشخصية الأولى  فهي رسام شاب ، وأما الثانية فرجل طاعن في السن، وجو القصة مشحون بالموت والسوداوية هذه الأجواء التي سوف تظهر بشكل جلي في قصص الحيدري اللاحقة وأخص بالذكر مجموعته الاخيرة ( شوارع الليل ) .

     ولا أريد أن أطيل الكلام في أسلوب الحيدري فله أدوات تعبيره الخاصة به والمفعمة بالشعر والتكثيف فلهذا يعرف كيف يصطفي كلماته الشعرية ليخلق عبرها أجواءه القصصية .

     فالناظر في قصص هذه المجموعة يتوصل أن صاحبها يحمل موهبة وثقافة وأن هذه الموهبة والثقافة ستوظفان في كتابة قصص أروع وأنضج والتي تجعل من صاحبها يتبوأ مكانه عالية بين قصاصي العراق الذين تركوا أنفاسهم وبصماتهم على تضاريس الأدب القصصي .

 

قاص من المغرب العربي

 

     عندما أقرأ أية كتابات إبداعية أحاول من البدء أن أغوصَ في قلب المنشئ ومن هناك أتعرف المحيط الذي أوْلدَ القطعة الأدبية فأنا أعشق الأدب الذي يَحْملُ إلى وجداني روائح الأرض التي خرج منها عرق ناسها وحفيف أشجارها وصخب بحارها . بحيث أقول أن هذه الروائح لا تخص إلا ذلك المكان المحدد ولكن الهموم التي ينقلها الأدب هي هموم إنسانية ، هي هموم مشتركة – تخاطبني وتخاطبك وتخاطب وجدان كلّ الناس في أصقاع المعمورة فالمحلية والعالمية هما قطبان يجب أن يتوافرا في أي أدب يسعى للحصول على النجح والأنتشار وبالتالي يحقق بقاءه وديمومته على تعاقب الأيام .

     وقصص " حرائق البحر " تأليف عمار بلحسن تحمل إلينا هذه الروائح من بلاد المغرب العربي فتجد هناك المدائن العربية البحرية مغتسلة ومتروكة ومستلقية عند شواطئ البحر المتوسط وتجد هذه المدن طوراً آخر بضجيج وامتلاء فنادقها ، وشواطئها التي تتحولُ آناء الليل إلى ملاذ مريح لمن لم يجد مكاناً يبيت ليلته في أحد النزل تلتقي بالعمال الذين هاجروا إلى فرنسا ابتغاء الرزق ولكن الغربة تبقى جرحاً في أعماقهم وعيونهم تحمل ذلك الحنين الجارف إلى أرض الوطن وتجد الحديث عن الجامعة والفتيات اللواتي غدت صدورهن محطات أنظار الطلاب ، ونلتقي بالسماكين وهم يغنون بمحاذاة الشواطئ السعيدة وهناك "فضيلة" الفتاة الشابة التي هاجر أبوها إلى فرنسا وتفرنست هي ولكنها تصبو دائماً إلى تلك الربوع التي أبصرت فيها النور.

     "عمار بلحسن " يتحدث عن العشق والجامعة والجوع والألم والمدن والهجرة ، يتحدث عن هذا وذاك في اكثر من عشر قصص تضمنها كتابه الموسوم بـ "حرائق البحر" الصادر عن وزارة الثقافة والأعلام في العراق ، ولكن هل ينطبق مفهوم القصة الفنية الناجحة على هذه الأضمامة من القصص ؟ في اعتقادي أن هذه المجموعة لوحات فنية أداتها اللغة هذه اللوحات تنقل إلينا مشاهد من هنا وهناك وهي تعبر عن أزمات شابٍ يطمح أن يحقق جملة من الأماني ولكنه في الطريق إلى الوصول إليها يصطدم بهذه العثرة وتلك يقابل عقباتٍ وهو يبذل الجهد في اجتيازها ولكن هذه العراقيل فوق طاقته فيهرب ويطلق ساقيه إلى الريح يحن إلى القرية ويشتاق إلى صدر البحر ويبحث عن ملجأٍ دافئ لكلماته التعبى في عيني امرأة وهناك دائماً هذا الخوف الذي يخفق بين جوارح البطل كما نقع في قصة / لوحة " هموم صغيرة في يومٍ قائظ " يُحس أنه مهدد ومطارد وبأنه سوف يَخسر المرأة التي يهواها ، يتمزق باحثاً عن نقاط ارتكاز ولا غرابة في أن يلجأ إلى الحلم حيث الدفء والتوافق والانسجام ، ، وإذا كان الخوف يُهدد البطل فانه يضطر إلى الجري ويهرب من هذه القوى التي يحس بدنوها منه فما المانع من الألتجاء إلى أحضان الطبيعة ، القرية والبحر .

     " عمار بلحسن " يريد الأستفادة من تجارب العديد من القصاصين العرب فأنت تقع على وَجه هذا القاص ، وتشاهد أصابع قصاص آخر ، وحتى لغته أراد أن يكثفها ويمنحها دفقاتٍ من الزحم الشعري ولكن مع ذلك يحس المتلقي أن هذه اللغة لم تبلغ شأوها الفني ، إلا أنني متيقن أنه سوف يقدم المزيد من العطاء الدافق وينضم إلى عائلة القصاصين الناجحين في المغرب العربي ، ولا يفوتني ان أشير إلى الجهود الخصبة التي تبذل من قبل مجلاتنا ودورياتنا في نشر نتاجات الكتاب من المغرب العربي للتعرف على أدبهم ومدى ما قطع من أشواط في سوحِ النضج والتطور .

 

 

إسماعيل روزبيانى : الساحر والحكَاء

 

     أبدى بعض الكتاب السرياليين وفي مقدمتهم – اندريه بريتون– نحو الفن الروائي نفوراً وعدوه " لعبة إخبارية مبتذلة" لأن كل شيء فيه مرتب ومنسق ومن طرف آخر فإن المعمار الروائي يحتاج إلى عشرات الصفحات بل المئات حتى يكتمل ويتهندس غابات من الكلمات ويتعاقب الليل والنهار والكلمات لمّا تنتهِ ، إن مخيلة شهرزاد الممراعة في حكايات ألف ليلة وليلة تسوح في برارٍ شاسعة من الكلمات التي تفيض كما هي الأمطار في ليلة  شتائية باردة . كلام ينطح كلاماً وكلمات تتهندس على كلمات وصفحات تنبني على صفحات ، ويلقي المرء نفسه في هذا الخضم باحثاً عن رؤاه الكاشفة ليقبض على الجمرة التي طالما اشعلت مخيلته.

     وها هو الكاتب إسماعيل روزبيانى يمرق من ثقب إبرة – النفري – المتصوف المعروف صاحب كتاب – مواقف – محتضناً كلماته الخوالد" إذا اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة " ، يمتاح الحبر من فرح قلبه ويمزجه بحكم مخيلته التراثية ثم يأتي هذا المزيج ليحيله في قصصه القصيرة جداً إلى ساحر للكلمات وحكاء يجالس العشق وألافه الهادئين  وزوادته دائماً مترعة بحكايات لا تنتهي  وهي تبدو في ظاهرها بسيطة ولكن الناظر يكتشف فيها أن لها أعماقها هذه الأعماق التي تحتاج إلى تأنٍ وتروٍ ، حفنة من الكلمات ولكن لا بد من الأبحار فيها حتى ترسو في برها الثاني ، ولست بخائف لأنك متدثر بفرح قلبه ، هذا الفرح الذي هو نوره وبه ينير دياجير جنون كلماته  وهو عزاؤنا أيضاً ونحن نعدو فوق سهوب أحلامنا حتى نقطف الأصداء والأشذاء .

     في قصصه مواقف وتأملات ومشاهد حوارية ، شخصيات حياتية بسيطة تطحنها الألام وهي تصبو في الأنتقال من مشهدها الحالي إلى مشهد أجمل وأحلى ومن جانب أخر تثير سخرية مصحوبة بألم ولكنها لا تسقط في بئر التشاؤم لأن فيها عرقاً ينبض بالأسى فسرعان ما يتحول هذا الهزء إلى احترام وصاحبنا إسماعيل جزء من هذه الشخصيات ربما يخشى أن تسخط عليه أو أنه دائماً يبقى يحدب عليها ففي قصة "النجمة" " يؤسطر " إسماعيل مشهده المكاني : امرأة عجوز تطلب من الراوي أن يدلها على المكان الذي تباع فيه النجوم وعندما يسألها : ماذا تفعلين بهذه النجوم ، تجيب : أجعل منها أقراطاً ، ويتساءل الراوي  : لك, ليس لي ولكن لابنتي ويستيقظ من حيرته عندما يكتشف أنه زوج لهذه الأبنة ، لقد كان واهماً في جهله هذه المرأة ويغادرنا "إسماعيل " هذا الحَكاء الساحر في أسطرته هذا المشهد الحكائي تاركاً لنا نصه مفتوحاً على العديد من الفضاءات ، وأنا لا أريد أن أتحذلق في فك رموز هذه الحكاية حسبي هذا الأنخطاف وهذه الشاعرية وهو ديدني من كل خطاب قصصي جميل .

     أما في قصة " همومي وهموم كنة العم سرحد " فهو دائم الحدب على شخصياته لأنها جزء منه وهو صانعها الأبدع ، إن السارد في أحد تجوالاته تستوقفه امرأة وتطالبه بأن يكتب عن همومها لأنها تعاني أشد المعاناة وهو يعدها ولكنه لا يستطيع أن ينفذ هذا الوعد لأن القصة تتمرد عليه ، لأنشغاله بهمومه أو اختلاط هذه الهموم بمعاناة كنة العم " سرحد " أو أنه يريد أن يخلق القصة التي يحلم بكتابتها ، القصة التي سوف تنقلنا إلى أعمق دهاليز أحلامه يخرجها وقد تشربت بعصارة أخيلته وآلامةِ وآماله وعلى رأي – باسترناك – " الكتابة عذاب والاسترسال فيها أليم "وليس ثمة من عزاء امام الكاتب سوى أن يستمر في الكتابة ليخلق العوالم التي يحلم بها ويعيد بناءها من جديد وهكذا مع الصديق " إسماعيل" بأن قصصه الجميلة لم تكتب وهو يصارع حتى يأتي لنا بهذه القصص وقد أعطاها وهج ذاكرته ومنحها غبطة فؤاده وهي تحمل لنا روائح واشذاء الجزر البعيدة التي تطفو في أعماق أحلامنا .

 

 

أبعد من ذاكرة المدينة

زحمة الشخصيات وتشابك الأمكنة

 

كثيرة هي الأعمال الروائية العربية التي تصدت لوصف معاناة الأنسان العربي  وغربته وهو يصطدم بالحضارة الغربية عندما يهيم في شوراع المدن الأوربية الملولبة تحت أمطارها التي لا تنقطع يريد أن يبل أغترابه المادي والروحي عسى أن يعانق الحلم الذهبي ويداعب أوتار المنى التي تزهر في حدائق الذاكرة فقد أصدر توفيق الحكيم عمله الروائي الموسوم بـ " عصفور من الشرق " فجاء وصفا لغربة الكاتب في  " باريس " المكان الذي اختير له أن  يدرس فيه القانون بتشجيع من والده ولكنه انصرف إلى عالم الفن يتذوق شتى ضروبه من افانين المسرح إلى أفاويه الموسيقى إلى تأمل اللوحات التشكيلية في متحف اللوفر وتبع ذلك كتاب " الحي اللاتيني " للدكتور سهيل إدريس صاحب مجلة "الآداب" البيروتية ثم كان كتاب " موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح وهو عمل ثري مشوق يثير العديد من الأسئلة حول حقيقة الشخصية الإنسانية حيث ظل بطل الرواية مصطفى سعيد يحس نفسه دخيلا على مجتمع الحضارة الغربية في الربع الأول من القرن المنصرم وبمقولة الناقد العربي محيي الدين صبحي عن هذه الرواية فهي تقف في مصاف الأعمال الأدبية الخالدة في وصفها لأثار الصدام الحضاري بين الحضارة العربية والحضارة الأوربية .

من الأعمال الأدبية التي صدرت مؤخراً عام 2000 رواية أبعد من ذاكرة المدينة للكاتب الأردني مفيد نحلة وهي تتميز بنكهة خاصة لأن بطلها الرئيس امرأة وليس رجلاً وفي نفس الوقت تقهر كل الصعاب التي كانت تعترض سبيلها وتصل بنفسها إلى الضفاف التي كانت تحلم بها ، ولكن من هذه البطلة التي لم تقنطها الغربة القاتمة ولم تتخل عن الأمل وإنما ظل الرجاء ديدنها وهدفها هذه فرح أبنة الشيخة نصرة عاشقة الشمس ومغنية العمر تقتحم ألمانيا والتي يتخلى عنها زوجها ولكنها لا تتراجع تنحدر فرح من "المصدار" وهو حي من أحياء وسط مدينة عمان وهي يتيمة الأب تعيش في كنف أمها تعاني مرارة الفاقة ، ويلقي الكاتب قارئه في زحمة من الشخصيات الوطنية ويجب أن يكون حذراً لئلا يضيع الخيط منه . هذا الطفل رعد وهذه الأم سيدة نصرة – الأب المتوفى شيخ حسان العبد وهذه شيخة فاطمة بدوي درويشة حي المصدار وسعد الدلال القروي وهذا الشقي زاهد النادري والأسماء تكثر وتتعدد وتتشابك مع أسماء الأمكنة من شوارع وطرقات وأحياء ووديان من حي المصدار إلى شارع الطلياني إلى وادي سرور .

يظهر حامد العابدي بعد أن تحمل الغربة عشر سنوات ويتقدم لخطبة الأنسة فرح تقول البطلة تخيلت حياتي التي سوف ترتبط بالعابدي لجة آسنة ومع ذلك اخترت أن أكون له والجدير بالذكر أن الخطيب يكبر بطلة الرواية بعشر سنوات وهو عامل في مصنع للأغذية في مدينة كوبلنز على نهر الراين وبالرغم من ألبون الشاسع بين ثقافتي العابدي وفرح إلا أنها تعلن  موافقتها على الخطبة نصغي إليها في منلوجها الجواني فملكوت السفر يعانقني يرفعني إلى فضاءات بعيدة أرى نفسي معها أتوحد فيها .

وعندما يرحلان إلى ألمانيا تكتشف فرح أن زوجها على علاقة بامرأة أوربية فتستيقظ من هذه الصدمة وتقرر هجره فتقول لقد انتهى حامد العابدي من حياتي وغادرني ذلك الحلم الباهت إلى الأبد. ويتساءل المتلقي لماذا أقدم العابدي على الاقتران بـ فرح أذا كان متشبثا بعشيقته الأوربية" لارا " ومن الأيام الأولى لوصولهما إلى بلاد الغربة ظلت علاقة الرجل مستمرة بخليلته وحتى أنه لم يتحرج من دعوتها إلى المنزل وهما في شهر العسل أطلت امرأة من الشباك وهربت وأظن أن الموقف مفتعل فالمشهد في الغرب الأوربي ربما كان كاتبنا تحت تأثير الأعراف الشرقية . ثم تتعرف البطلة على " سهيل الفياض " وهو صديق للزوج ثم سرعان مايختفي من صفحات الرواية ولا يبدر أي شيء من فرح حتى يدفع زوجها إلى الخيانة وإذا كان يملك كل هذه العلاقات النسائية فلماذا ارتبط بها المهم أن فرحاً تسدل الستار على حياتها مع بعلها العابدي وتحصل الطلاق منه عند ذاك تختفي الشخصيات التي تعرفنا عليها وتبرز على المسرح الروائي الشخصيات الأوربية أسترد فانس هاري ، لورا وهي معلمتها في المعهد والتي تقرر اللجوء إليها للعيش في شقتها ثم تعين في وظيفة شركة الأسواق في كولن ويتودد إليها مديرها ولكنها تتعرف على "الفريد" الأسم الكبير في عالم التجارة وهو من أصول مغربية ويملك شخصية طريفة لها فرادتها وغرابتها تزوج من امرأة بادلته العشق وحين جنت في الفريد طفق الفريد يتنكر في ملابس رثة عله يجد بين الفقراء من يؤنس عليه اغترابه وأخيراً يجد فرحاً فيلقي عندها عصا التطواف ثم يعرض عليها الزواج فتقبل به ولكن بعد ذلك يعود اليه المرض مرض التنكر والبحث عن عشق يروي ظمأه الأبدي ولكن في جولة من جولات الضياع يعاد إلى قصره جثة هامدة كان وجه الفريد بارداً وجسده باهتاً هكذا رايته جامداً في حضرة الموت هذه هي أوراق السيدة فرح تلقيها أمامنا نتسلق حروفها المغموسة ببقايا دموع وليس أمامها إلا العبر وومضات أمل لأنها في حاجة إلى حركة أثيرية تعيد إليها شذا العمر سنوات أخر .

ومن المقطوع به أن التقدمات الشعرية التي يمهد بها الكاتب لفصوله أضفت عليها نكهة متميزة وطابعاً ماتعاً وكأنها بمثابة جرس الأيذان في الولوج إلى عمق أسرار عمله الروائي الجوانية .

 

 

 

 

بطاقة شخصية

 

·      تولد 1946 محلة ( جرت ميدان ) صوب القورية / كركوك .

·      تتلمذ في مدرسة القورية الابتدائية ثم مدرسة المنصور الابتدائية المستلقية . في أحضان بساتين كاوورباغي .

·      الدراسة المتوسطة في المتوسطة الشرقية والدراسة الإعداية في إعدادية  كركوك

·      خريج كلية الآداب / جامعة بغداد / قسم اللغة العربية عام 1967

·      المكوث عاماً في سلك التدريس / متوسطة إمام قاسم ثم أوفد إلى القطر الجزائري عام 1968.

·      صادق العديد من الشعراء والقصاصين والتشكيلين والمسرحييين إبان العقد الستيني .

·      طاف معظم أقطار الشمال الإفريقي وأدْمنَ السياحة في أسبانيا وبلاد ألجيك .

·      جليس مقهى شاكر في انتظار صحبه وانتظار الذي يأتي ولا يأتي.

·      ما زال متواصلاً في عالم القراءة والكتابة وينشر كتاباته في صحافة المدينة ودورياتها المختلفة .

 

من إصدارات (( فاروق مصطفى )) الأدبية

 

1- قمصان الغيوم المتدلية        مجموعة شعرية   2003

2- أرصفة الدفلى                               مجموعة شعرية   2004

3- جماعة كركوك /       الأستذكارات الناقصة       2005

4- ولجيد كركوك باقة من أزهار الخباز  ذاكرة المكان  2005

5- طريق الدِفلى إلى كركوك      مجموعة شعرية     2006

6- هديل الغمام بين يَدَيْ كركوك             ذاكرة المكان   2006

7- تسكعات الفقير الكركوكي وأيامه المنهزمة       ذاكرة المكان 2007

8- بريد كركوك الذاهب عشقاً   مجموعة شعرية   2007

9- الثَمل بعشق كركوك        مقالات             2008