العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

محاورة بين الشاعر فضولي و السلطان سليمان القانوني

 

الأستاذ عطا ترزي باشي

 

ترجمة: غازي النقيب

 

 

فضولي للفنان فخري جلال

 

السلطان سليمان القانوني بالإضافة إلى كونه فاتحا كبيرا للبلدان كان شاعرا كبيرا معروفا بقصائده العصماء . عند ما فتح بغداد سنة 941 هجريه ظافرا نظم في مدحه الشاعر التركماني الكبير (فضولي ) قصيدة تتضمن احد اشطرها بحسب تقييم الحساب الأبجدي  للحروف ألوارده فيه وهي

( كلدى برج اوليايه باد شاه نامدار ) ( أي بما معناه (حل في برج الأولياء  سلطان ذو صيت عظيم )

ولا ندري هل حظي الشاعر فضولي باللقاء مع السلطان وجها لوجه ؟ غير إننا نفهم من المخطوطات الشعرية المحلية بأن حادثة قد جرت بينهما وهي منازله شعرية أي ( مشاعره ) قصيره بطريقه المكاتبه ولكنها محاوره في غاية الأهمية إن مضمون الحوار هذا والقصة التي تتعلق بها غير معلومين بالنسبة لكثير من حضرات القراء الكرام فقد جاء ذكرها  في كتاب ( تذكرة الشعراء ) للأديب (عبد القادر الشهرباني) (الملقب بالخطيبي) بإسهاب و بلهجة عثمانية أدبية منمقه . فلقد آثرت إدراجها هنا أملا أن تكون ثمة فائدة للقارئ نقلا عن  الكتاب المذكور .

إلا أن الشهرباني قد ذكر في هذا السياق بان الحوار المذكور لم يجري بين الشاعر والسلطان سليمان القانوني إنما قد حصل بينه وبين السلطان سليم في وقته .حيث إن السلطان سليم هب من النوم ذات ليلة شديدة البرودة في شتاء قارص في وقت السحر وجد بان الماء قد تجمد في إناء كان موضوعا بجانب رأسه فنظم هذا الشطر ارتجالا.....

( سيمده ن برقلعه كوردوم حبس اولوبدر انده اب ) أي بما معناه ( شاهدت في قلعة فضية فيها ماء محتبس ) ثم طلب من رجال القصر ذوي المؤهلات الشعرية إتمام ذلك الشطر وجعله بيتا من الشعر بإتيان الشطر التالي المناسب له. بما أن هؤلاء لم يكونوا على دراية من الغرض المقصود في الشطر المذكور, فلم يقدروا على إيجاد الشطر الملائم له بأي حال من الأحوال فما أتو  به لم يلق القبول اللازم عند السلطان ولكن احد الحاضرين كان عارفا بشاعرية ( فضولي )  .قام بإرساله إلى الشاعر فضولي في بغداد و بواسطة نديم السلطان عسى أن  يحظى بحل عنده للمشكلة . وعند وصول النديم إلى بغداد استفسر هنا وهناك عن الشاعر فضولي فأرشدوه إلى شخص كان يتخطى في طريقه فلما أسرع إليه أنكر هذا كونه الشخص المطلوب

( أي فضولي ) وانه ليست له أية علاقة به عن قريب ولا عن بعيد وتابع سيره غير آبه به. لكن صاحبنا لم يفت ذلك في عضده وعاود السؤال عنه ثانية و ثالثة حتى حظي بجواب من احد الأشخاص بان فضولي كان في بغداد حتى الأمس القريب ولكنه قد غادر المدينة متوجها إلى( كربلاء )أخيرا فغادر الرجل بغداد متوجها إلى كربلاء إلا انه لم يعثر له على اثر هناك إذ أن الشاعر قد أنهى  مهمته هناك وقفل عائدا أدراجه إلى بغداد ثانية .  وحذا صاحبنا حذوه وعاد إلى بغداد بعد أن تزود بمعلومات كافية عن هوية الشاعر وأوصافه ممن يعرفونه جيدا حتى تمكن من اللقاء به ثانية على ضوء تلك الأوصاف فوجد انه نفس الشخص الذي التقى به في المرة الأولى . مع أن الشاعر قد عاد إلى سيرته الأولى وأراد التملص متثبتا بالإنكار إلا أن نديم السلطان سرعان ما وضع حدا لهذا الإنكار المتعمد بعد أن ابرز له الأمر الموجه إليه من قبل السلطان بشأن إتمام الشطر من البيت الشعري , فما كان من الشاعر .

ألا أن تمتم بهذه الكلمات متمما الشطر المطلوب في التو ارتجالا......

 ( جقسه زرين طوب ايله فتح ايللراني افتاب )

أي بما معناه ( أن الشمس عند شروقها وبأشعتها الذهبية تفتح القلعة (الفضية ) عندما أجال السلطان النظر في هذه التكملة وجد بأنها جاءت وافيه الغرض إلى أقصى الحدود. فحصلت عنده قناعة بان الشاعر فضولي لشخصية عبقرية بكل معنى الكلمة. فأغدق عليه كثيراً من الهدايا والعطايا تقديراً لنبوغه ومكانته الشعرية. وإننا إذ نضع النقاط الأخيرة على الرواية الواردة في كتاب

(تذكرة الشعراء) بهذا الصدد. نود التطرق إلى حوار آخر جاء متشابها مع نفس الموضوع . حسبما جاء مسطورا في إحدى المجموعات الشعرية المستنسخة  سنة ( 1302 هجري ) إن الحوار  قد جرى بين كل من السلطان مراد الثاني والشاعر التركي ( عيني ) أما الحديث المتعلق بالحوار فلقد سمعته ذات مرة عن لسان الشاعر الكركوكلي ( محمد صادق أفندي ) في وقته بكونه من شعراء الديوان أي الذين ينظمون بطريقة العروض وهو بدوره سمعه من أستاذه . فرأيت من المناسب درجه  حفظا له من النسيان .

 

تقول الرواية بان السلطان مراد لاحظ ذات مرة بان جاريته الأثيرة عنده

والموسومة ( مهباره) قد وضعت كفها على وجهها مابين الخد والذقن وأصابعها الخمسة مفتوحة بعض الشيء فانشد الشطر الآتي ارتجالا في الحال :

( جو ظاهر اولدي كوردم بش هلال اوستنده برخورشيد ) أي بما معناه

 ( ولما لاحت تباشير شمس على خمسة أهلة ) وقد تولى الشاعر  ( عيني ) بعد ذلك بإضافة الشطر الآتي إليه فأتمه كبيت شعري :

( صانه سين بنجه سيمنه برمهباره ياصلانمش ) أي بما معناه ( كأنها أوصال أهلة قد توسدت على كفها الفضي ) هذا ولقد قام الكاتب( مصطفى رجائي زاده ) بنشر الشطرين على هيئة بيت واحد في كتابه( نوادر الآثار ) ص 58  وقد سقط من الطبع كلمة ( الشمس ) الواقعة في آخر الشطر وهي ( برخورشيد ) وأسنده إلى الشاعر ( امرى )

 (درخشان  اولدى كوردم بيش هلال اوستونده ( ؟؟؟ ))

 (مكركيم بنجة سيمنه اول مهباره ياصالانمش)

 أي بما معناه( لقد لمحت بان ( ؟؟؟ ) قد سطعت بين خمسة أهلة )

 إذن بتلك القطعة القمرية قد اتكأت على كف فضي

 هذا ولم نصل إلى حقيقة معنى كلمة ( مهباره ) أي القطعة القمرية هل إنها كلمة اعتيادية فحسب أو هي اسم علم خاص بجارية السلطان إذ  لم نجد المجال اللازم لتقصى ذلك في بطون كتب التاريخ .

 ومجمل القول فيما نعثر عليها من أبيات شعرية في المجاميع المحلية المخطوطة يتعذر البت.فيصعب علينا أن نتلقى مصا ريع أبيات الشعر المبثوثة هناك أإنها تستند على وقائع حقيقة أم إنها ذات صلة ببعض المناقب المتواترة ؟.إلا أن هذه اللطائف والطرائف التي تمتزج بصحائف الأدب تبدو كأنهما اقرب إلى الواقع إلا أن الأمر يستحيل إلى شيء ذو لزوجة ممجوجة كالتي تتظاهر في أقاويل وادعاءات البعض حول افتعال قصص وإسناد نصوصه من الخوريات مما يوحي بالاسترخاص ......

 

ملاحظة :

 

إن السلاطين المار ذكرهم في هذا البحث كان  ثلاثتهم جميعا

 

يقرضون الشعر بكفاءة في أوقاتهم . كان السلطان سليم يستعمل

 

مخلص ( سليمي ) والسلطان سليمان ( محبي ) و السلطان مراد

 

 الثاني ( مرادي ) في أعمالهم الشعرية