|
بعض من
تأريخ”كركوك “ العسكري
د. صبحي ناظم توفيق*
يعتقد العديد من العراقيين أن “كركوك” لم تشتهر وتأخذ
موقعها وسط “بلاد الرافدَين” إلاّ حين أصبحت لواءً/محافظة من مجموع (14)
لواء/محافظة تشكّلت منها “دولة العراق المَلَكيّة” الحديثة العام (1921)... ولكن
الحقيقة المضمورة أن هذه المدينة العتيقة بقلعتها العريقة تمتّعت بأهمّية
ستراتيجية عظمى طوال التأريخ الوسيط والحديث اللذَين عاصَرَتهُما الدولة العثمانية
الإسلاميّة الكبرى، بحيث أن الجيش العثماني ظلّ محتفظاً بـ “قيادة فرقة واحدة”
لحماية جميع ولاية “شهرزور” من الخطَرَين الإيراني-القاجاري والروسيّ-القيصّري،
وذلك من مجموع (4) فرق كانت تحمي جميع أنحاء “بلاد ما بين النهرين” المؤلَّفة في
حينه من (4) ولايات (الموصل-شهرزور-بغداد-البصرة) وبمعدّل فرقة واحدة فقط خُصِّصَت
لكلّ ولاية على حدة. كانت “الفرقة السادسة والثلاثون” المخصّصة لحماية
“ولاية شهرزور” مكوّنة من ألوية ووحدات “خيّالة ومشاة ومدفعية” وقد إتّخذت من
“قشلة كركوك” على الجانب الغربيّ من نهر “خاصه صو” مقرّاً لها طيلة القرن/19
وأوائل القرن/20... ولذلك إبتغيتُ أن أقتبس سطوراً من حقائق موثَّقة أوردها
القائمون على إعداد موسوعة “تأريخ القوات المسلّحة العراقية” الصادرة من وزارة
الدفاع بجزءَيه الأوّل والثاني، لأُنَوِّر بها القارئ الكريم ومُتابعي تأريخ كركوك
والعراق المعاصر بهذه السطور وما قد يتبعها في قادم الدراسات بإذن الله. فحقيقة
الأمر أن هذه المدينة لم يُذَعْ صيتُها بعد إكتشاف حقول النفط العملاقة في ضواحيها
العام (1927) فحسب والتي كانت من أعظم أسباب الغزوالبريطاني لبلاد الرافدين حيث
كان الإنكليز والفرنسيون يعلمون أسرار ما هومخزون تحت “كركوك” من مادّة باتت شريان
حياة الأمم وآلات الحرب منذ القرن التاسع عشر، بل أن أهمّيتها من المناحي الثانية
كَمُنَت في عظم موقعها الستراتيجي كونها ((عقدة مواصلات وملتقى مسالك)) يجب مسكها
والتشبّث بها بشتى الأساليب من حيث ربطها وسط العراق بشماليّه وكذلك بعضاً من
غربيّه بأقاصي شرقيّه من خلال طرق عامة تخترق “كركوك” وجوباً وينبغي إتّباعها لأغراض
التنقّل العسكري والتجاريّ بين مدن “بغداد، بعقوبة، السليمانية، أربيل، الموصل،
ونواحي تكريت وغربيّ العراق”... ولذلك قَدَّرَ القادة الإنكليز الغُزاة أهمّيتها
فخرقوا الهدنة الرسمية المُبرَمة مع القيادة العسكرية العثمانية أيام شهر تشرين
أول/أكتوبر من عام (1918) وإستغلّوا الفرص وراوَغوا وواصلوا تقدّمهم العسكريّ
ليستحوذوا على “كركوك” وجميع ما كان قد تبقّى من ولاية الموصل التي أُخلِيَت من
العساكر العثمانيّين نهائياً وبشكل رسميّ يوم (10-11-1918) مُنسَحِبين إلى
“نُصَيْبين”. كان “الفريق عزّت باشا الكركوكليّ” من أقدم كبار الضباط الكركوكليّين
الذين تبوّأوا مناصب في “العراق الحديث”، فقد حمل حقيبة “وزارة المعارف والصحة”
وسط الحكومة المؤقّتة التي رأسها السيّد “عبد الرحمن النقيب” العام (1920) وقبل أن
يُؤتَى بـ “الأمير فيصل بن الحسين” ليُتَوَّجَ مَلِكاً على “العراق”، فيما كان
“المقدّم خليل زكي بن إبراهيم” الضابط الكركوكليّ الأقدم الثاني الذي أُنيط إليه
منصب “ضابط ركن العمليّات العسكرية” بوزارة الدفاع تحت إمرة “العقيد نوري بن سعيد”
الذي شغل منصب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش معاً العام(1922). وقد قَدَّرَ
البريطانيون المحتلّون كذلك أهمّية “كركوك” من النواحي الإستراتيجية، فبعد (9)
سنوات من الإستحواذ عليها قدَّم المندوب السامي البريطاني لدى العراق “الفريق
ديلي” مذكرة إلى وزير الدولة لشؤون المستعمرات البريطانية تقريراً مفصَّلاً في
العام (1927) عن أُمور هذا البلد كانت لقضايا الأمن الداخلي ولواء “كركوك” خطوة
كبيرة ضمنه، وإليكم البعض منها: ....
))ويشير واقع الحال إلى أن زيادة ملحوظة ستطرأ خلال السنوات القليلة القادمة
على عدد الأوروبيين الذين سيعملون في الأراضي الوعرة على جانبَي خطّ مستقيم يمتدّ
من “كركوك” بإتجاه الجنوب الشرقي حتى “خانقين”، حيث سيكون هناك أكثر من1000
بريطاني وأمريكي وفرنسي وبلجيكي وهولندي، وتضم تلك الرقعة عقدة منتظمة من الطرق
المهمة، ومن بينها الطريق التجاري الدولي “بغداد- طهران” وكذلك سكّة الحديد
والطريق الموازي لها من قرب “خانقين” حتى “كركوك” والمقرر مدّهما إلى
“أربيل-الموصل”، والطريق من “كركوك-السليمانية-حلبجة”، تلك الطرق التي إذا لم تتمّ
السيطرة عليها في داخل “العراق” فإنها تهدّد التجارة نحو “إيران” فضلاً عن خطوراته
على الأمن الداخلي بإستمرار في “أربيل والموصل” ومراكز إستخراج النفط وحركته
وتصديره مستقبلاً. ويتّضح ممّا سبق أن مركز الجيش الرئيس في شماليّ العراق يقتضي
أن يكون في مكان ما من تلك البقاع، وتشير كلّ الدلائل إلى أن أفضل الأماكن هو
“كركوك” بصفتها المركز الإستراتيجي الأهمّ الذي يتوسّط تلك المناطق المهمّة، حيث
لا تقيم فيها بالوقت الراهن سوى كتيبة خيالة واحدة مع سرب طائرات
بريطاني..........)). عاد “العميد نوري بن سعيد” في العام (1926) وزيراً للدفاع
بالوزارة التي شكّلها “الفريق جعفر العسكري” وأُنيط إليه كذلك منصب “القائد العام
للجيش العراقي بالوكالة” إذْ طَلَبَ تعيين “العقيد خليل زكي بن إبراهيم
الكركوكليّ” بمنصب “معاون القائد العام للجيش العراقي”، ولما إستحسن الجميع ذلك
فقد صدر الأمر بذلك من دون إعتراض وذلك قبل أن يتسنّم منصب أعلى حين أضحى قائداً
لقيادة المنطقة الشمالية من العراق التي فُتِحَ مقرّها بـ “كركوك” لعام (1927)...
ولمّا برهن قابلية وكفاءة نادرتَين عند إشغاله ذلكما المنصبين الخطيرين في تلك
الظروف التي كان “العراق” يمرّ به إثر إضطرابات بمنطقة “السليمانية” خصوصاً فقد
مُنِحَ “خليل زكي” رتبة “أمير لواء” العام (1930) وبات “قائداً للمنطقة الشرقية”
التي ظلّت قيادتها بكركوك بعد تشكيل “قيادة المنطقة الشمالية” بمدينة “الموصل”
والتي أنيطت مسؤولياتها إلى “العميد بكر صدقي بن شوقي” العام(1932). في أواسط
العام (1932) وحين مُنِحَ “العراق” إستقلاله وقُبِلَ عضواً في منظمة “عُصبة الأمم”
في “جنيف”، وبينما كان البلد يستحضر لتطبيق “التجنيد الإلزامي” لعموم الشبّان،
فأننا نقرأ وسط جدول خاص بعدد الرجال المطلوبين من كل لواء/محافظة وسط (8)
ألوية/محافظات عراقية تُرابط فيها قطعات عسكرية أن “كركوك” جاءت بالتسلسل الثاني
بعد العاصمة “بغداد” مباشرة إذْ كان المطلوب فيها (625) رجلاً يقابله (1150) من
“بغداد” و(450) من “الموصل” و(306) من “البصرة” و(180) من “الحلّة” و(152) فقط لكل
من “أربيل، السليمانية، المُنتَفِك/الناصرية”، وذلك ما يدلّل على ان نفوس أهالي
“كركوك” أعظم من تلكم الألوية/المحافظات في تلك الحقبة. كانت هناك فرقَتان للجيش
فحسب أُنيط إليهما مسؤولية الدفاع عن “العراق” برمّته، قيادة الفرقة الجنوبية في
“الديوانية”، أما الفرقة الشمالية فقد إستقرّ مقرها بـ “كركوك” وتوزّعت تشكيلاتها
ووحداتها لحماية جميع المنطقة الشمالية من البلد ببقاع ألوية/محافظات “السليمانية،
أربيل، الموصل” للدفاع عنها حيال أيّ إعتداء قد يأتي من “إيران أوتركيا أوسوريا”
والمشاركة في فرض سطوة الدولة حيال العصاة والخارجين على القانون، وقد تألّفت من
((ثلاثة ألوية مشاة+كتيبة خيالة واحدة+كتيبتَي مدفعيّة+فوج مخابرة+سرية
إنضباط+مستشفى كركوك العسكري+قطار عسكري خاص بالفرقة)) مع “رفّ جوي” مؤلّف من (3)
طائرات يرابط بمطار كركوك العسكري. هذه هي كركوكنا وتلك أهميتها من الناحية
الإستراتيجية، وذلك بعض من تأريخها العسكريّ القريب والذي ينبغي أن نتعرّف عليه
ونعتزّ به ونفتخر من أجله ونزهو، وعسى أن نكون قد أضفنا شيئاً إلى معلومات شبابنا
من الجيل الصاعد رجال المستقبل والذين نضع مدينتنا أمانة في أعناقهم يجب عليهم أن
يتحمّلوها بجدارة ويحملوها على أكتافهم... والله وليّ التوفيق. *
“
خبير ستراتيجي
عميد ركن متقاعد” |