|
|
قراءة في كتاب )الألم التركماني( لخيري
عبدالله البياتي احمد اوغوز
أطلعت
على كتاب ( الألم التركماني ) لمؤلفه الأستاذ خيري عبدالله البياتي الذي هو من
مواليد / 1939 م . متزوج وله أربعة أولاد مع بنت واحدة , أنهى دراسته الإعدادية
والتحق بالكلية العسكرية ثم تخرج منها برتبة ملازم ثان في خمسينات القرن الماضي
وبعد تدرجه في وظيفته أحيل على التقاعد برتبة عميد . شغف بالأدب وله أربعة كتب :
بطاقة حب ـ ديوان شعر / عام 2001 , مواسم الحب ـ ديوان شعر / عام 2002 , كتاب
بعنوان ( ثمانية أشهر في تلعفر المدينة التركمانية المنسية / عام 2006 , وكتابه
الرابع الذي بين أيدينا بعنوان ( الألم التركماني ) عام 2007 الذي سأتعرض له .
وجدت البياتي وهو يصور للقارئ لكي يكون مشروعاً في مقالة أو إنشاء شعر , أو في
معالجة مشكلة سياسية واجتماعية على حد سواء , أو مختبراً للجهد العقلي المتواصل ،
هو ظاهرة بيننا لم يتوقف , وقلمه ظاهرة , نزف ثم نزف ويتمنى هو أن ينزف ولا يتمنى
لجيل أن ينزف حتى يطمئن إلى سلامة رحلته المقدسة في الحياة . وصدق
في هذه الرحلة , كان صادقاً , إلى ابعد مدى في كل مؤلفاته التي كتبها , وصادقاً في
نيته , فهو منذ كتب , منذ قرأ , منذ أراد أن ينشئ خطواته في هذه الرحلة تحالف مع
اصدق خوالج النفس , و وجد أن الكفاح في هذه النفس كفاح مرير , فحارب الزلفى وحارب
المتزلفين كما هو بيٌن من نتاجاته ومؤلفاته , قلمه وجهه , ووجهه قلمه , باطن وظاهر
هذا الذي امتزج فيه البياتي , وباطنه تمام في أسمى غايات الإنسان , وظاهره تمام في
تعادل صريح مع هذه الغايات , ولا بد أن أظهر البياتي وأظهر رحلته في مؤلفه الأخير
بما يناسب دوراً أدٌاه , وبما يناسب تاريخاً نسجه بروحه وأظافره , فهو ولد في أكثر
من عقل , عقل الأدب وعقل النقد , وعقل المقالة , وعقل البحث الاجتماعي والسياسي
الراهن وبالتحديد مشكلة مدينته , وثقته بنفسه ذات دلالة اجتماعية , بأن الحق لا
يضيع والصحيح لا يخفى , فإن كان المقابل على خطأ ولا يريد أن يدرك الحقيقة فدعه
على خطأه , يمتاز أسلوبه بالجراءة والشجاعة , ولا اقصد بالشجاعة هنا بالمعنى (
العنتري ) حيث مضى عهدها , أما إذا كانت في إبداء الرأي , وإعلان الصواب , وبيان
الخطأ فله منها شيء يوصله إليه الآخرون , وفيه حركة من الذهن تتسع لتشمل حركة في
الرأي , ولا ينبغي أن نقول ، أن هذه الحركة جاءته بعد تقاعده, أو بعد صار البياتي
( معروفاً و مشهوراً ) في محافظته . والبياتي
له فلسفة فيما يكتب , والكتاب يتجهون في الكتابة مذاهب , كلٌُ له مذهبه , النابع
من البيئة أو الدين أو الحياة ذاتها , فهو من الحياة , من هذا الطراز الذي نبع في
جانب من الحياة ويريد أن يخلص له , أخلاص الغصن إلى جذره , فيثمر ثمراً حلواً ,
ودائماً مع الاتجاه الذي يغذي البشرية بالبقاء والبهجة , كما انه يثير ذهن القارئ
ويشحنه بالمفارقات والمفاجئات , ويبدو لي أنه يسعى ـ بقصد وغير قصد ـ إلى أن يكون
في خدمة أقرب الناس إليه , وربما فضل خدمة البعيد على خدمة القريب, وكأنه بذلك
يحدد خدمة الكتابة عموماً : للبشرية جمعاء ، أن تكون إنسانية , مع الخير ضد الشر
وأصحابه أتراه ينطلق من أن الكتابة : ضرورة , وأن الدفاع عنها ضرورة , والتمسك
بأخلاقها ضرورة , وقد رأيناه حقاً , حقاً فعل وحقاً قرأ له القراء في المحافظة ,
كيف لا وهو أبن هذه المحافظة العريقة لا يعطي ثمرة لهذه الجذور , فيٌرد لها الوفاء
, كانت كتبه هذا الوفاء , وصدق الأنبياء حينما قالوا أن الابن الوفي لمدينته ينبغي
أن يبذل الغالي والنفيس واللسان والقلب , فوق اللسان والقلب , ودمه .. هذا النزيف
الذي يتوهج في كتاباته ونفثاته وطاقاته في استدلال الأشياء . وفي
مؤلفه ( الألم التركماني ) الذي يضم بين دفتيه (( 56 )) مقالة خصٌ أكثرها للحديث
عن كركوك و التركمان والدفاع عنها بكل الوسائل خشية من الهيمنة والتهميش وفي كل
محفل لاسترجاع حقوقهم المغتصبة , كما أنه يطالب مشاركة التركمان في العملية
السياسية لغرض تطوير العراق والحفاظ على وحدته وبناء ديمقراطيته صحيحة ليست على
المحاصصة الطائفية والعرقية , ولا على التقسيم الذي يروجون لها . وهو يتألم بمرارة
عن المؤامرات التي تدبر ضد وطنه العراق , وطعنها في الصميم بل وفي تحطيم بناها
التحتية وإزالة حضارته المشرقة الذي يدعو المؤلف إلى بنائها من جديد على أسس سليمة
من خلال أن يسود القانون والنظام في المجتمع العراقي لإعادة تأهيله من جديد وفق
الأسس الصحيحة لكي ترفرف على شعبه راية المحبة والأخوة والسلام والعدالة
الاجتماعية كافة قومياته المتآخية . وكل هذا نابع من استعداد المؤلف السابق
والحاضر والآتي للتضحية من اجل الدفاع عن قوميته , وبهذه الواقعية ينتقل المؤلف من
حب أميرة تركمانية , إلى حب مدن تركمانية متعددة كمدينة تلعفر , والتون كوبري ,
وكركوك وغيرها وقد خصٌها على سبيل المثال لا الحصر . وأخيراً وليس آخراً , فأن
هناك ثلاث فئات يؤلفون في العراق , فئة تكتب كتباً لتبيع كتباً في السوق , وهمها
أن تربح أسماً . وفئة تكتب , بل تصدر الكتب لأنها الوراقة عن مجد الأسرة أو مجد
السلالة , وثالثة هذه الفئات تحفر في الصخر بأظافرها حتى تصدر إلى الناس ( نهجاً
في الحياة ) تعلم فيه وتتعلم , تعلم لتنهض بالآدمية إلى رقي في الفكر ورقي في البشرية
, وتتعلم أن الكاتب كلما ارتقى إلى ضمير الناس صارت آراؤه موضع تقدير لدى قوميته ,
وقلة أولئك الذين يحفرون في الصخر , وقلة أولئك الذين يبحثون عن الينبوع في هذا
الصخر . والبياتي .. من هذه الفئة الثالثة التي حفرت صخرتها , وكان يحفر بالعمق ,
وبمعاناة الصوفيين اكتشف أن (الكتابة) هي ذلك الينبوع المقدس الذي تغتسل فيه ارواح
وارواح .. وتتطهر وما كان يكتب او يؤلف الا وهو مدرك ان التاريخ دائماً مع اتجاخ
ذلك الينبوع ..ولقد تحولت ( كتاباته ) في مؤلفاته إلى أصوات وأحاسيس , توقظ قارئاً
من القارئين أو قارئة من القارئات وتنبه .. تنبههم جميعاً إلى عالم الأحاسيس
والأصوات . وأقول .. أنه كان في مؤلفاته , يقرئ القارئين , ويصل بهم إلى حالة
الوجدان , فيتفاعلون : الكاتب و القراء .. وتلك هي مهمة الينبوع كما أرادت له
الطبيعة , أو كما هو حال الطبيعة مع الينابيع الهادرة في محافظة كركوك الحبيبة لكن
اعتدال الطبيعة وحدها ليس يكفي فيما يظهر لاستقامة الأمور , واعتدال الحياة ,
وإنما يجب مع ذلك أن تعتدل أمزجة الناس وتستقيم أخلاقهم , وما ابعد الأمل بيننا
وبين الأمزجة واستقامة الأخلاق . فإلى أن يتم الوفاق بين الطبيعة العراقية والشعب
العراقي , وإلى أن يعتدل الناس كما اعتدلت الطبيعة , لا بد للعراقي المستنير أن
يحس الحس والشعور والتقدير , من أن يألم ويحتمل المكروه ويستقبل الصبح إذا أصبح
والليل إذا جن بكذب الأماني وخيبة الآمال. وهو قد يعلن ألمه هذا من حين إلى حين
فيكون ناقداً, ولكنه إذا أعلن أعلاناً متصلاً كما فعل المؤلف كان شاكياً , وقليل
من الناس يحب أن يشكو , وقليل منهم يحب أن يسمع الشكاة . لا نستكثر أذن على المؤلف
أن ينفق وقته من حين إلى حين على ربوة باسمة أو على سهل أخضر , وأن ينصرف عن النقد
والشكوى إلى الامتزاج بالطبيعة وتنقية نفسه من أوضار الحياة .. ولكن السؤال الذي
يطرح نفسه بإلحاح : هل يتاح لنا نحن الشرقيين الناشئين في الديمقراطية أن ننتفع
بمحنة الديمقراطية الأوروبية وأن نسلك بديمقراطيتنا الجديدة طريقاً وسطاً آمنة
تعصمها من الطغيان كما تعصمها من الفوضى , تعصمها من أولئك الذين يصبون العذاب على
الناس لأنهم يريدون أن يكونوا أحراراً , وتعصمها من أولئك الذين يسرفون في حقهم من
حرية القول فيدفعون الناس الى اليأس ثم إلى الموت .
|