العراق الجميل موسوعة تركمان العراق


قصبة داقوق

 

محمد خورشيد الداقوقي

 

 

منارة داقوق الأثرية

 

 

داقوق ، بلدة تركمانية مشهورة في العراق تابعة لمحافظة كركوك ، لها ذكر مكثف في التاريخ الاسلامي ، ورد ذكرها في معظم الكتب التاريخية وخاصة الاسلامية العربية منها .

تمتد جذور تاريخها الى ما قبل الاسلام الا ان المعلومات والاخبار عنها نزرة جداً في هذه الحقبة وذلك وذلك لقلة المصادر ، سوى انها كانت مركز ابرشية في وقت ما وفي جوارها القريبة معالم معابد كلدانية على شكل تلول اثرية وخاصة الكنيسة الواقعة في قرية (كليه) التي تبعد عنها نحو كيلومتر شمالاً حيث شاهد اثارها الشاخصة السائح الانكليزي ريج عام 1820م وفي اماكن قريبة منها ثم قلاع وتنانير يردد اسمائها الناس وتطلق عليها بالتركماني (كاوور قلعة سي) أي قلعة النصارى في منطقة قريبة من قرية الامام زين العابدين التركمانية والتي تبعد عن داقوق كيلومتراً ونصف الكيلومتر و(كاوور تانديررى) أي تنور المسيحيين والذي كان شاخصاً عند مرقد الشيخ قواس الى ما قبل (40 سنة) ثم هدمت من قبل الذين لايعرفون للأثار التاريخية قيمة، وهذا يؤكد بان المنطقة كانت كلدانية مسيحية اصلاً غيرتها الفتوحات الاسلامية المباركة ، وكل ادعاء غير هذا هو وهم واختلاق لا أساس لها من الصحة ولا سند تاريخي يستحق الركون اليه . ان مدينة داقوق التي كانت اسمها انذاك (دقوقاء) ثم تحولت (دقوقا) و(دقوق) واخيراً الى (داقوق) وهي كلمة عربية مشتقة من (دق- يدق) ولم سكنها التركمان لم يستطيعوا تلفظها على الشكل المذكور اعلاه فسموها بـ(طاووق) والتي تعني الدجاجة باللغة التركمانية ورد لفظ طاووق على شكل (طائوق) في عديد من المصادر ، وهذا التفسير يورده باسهاب المؤرخ الفارسي (علي اليزدي) في كتابه المشهور بـ(جهان نامه) وقد ذكر هذا الادعاء سياح اجانب مروا من البلدة في فترات تاريخية مختلفة منهم على سبيل المثال وليس الحصر الرحالة الفرنسي اوليفييه عام 1794 والسائح الالماني نيبور عام 1766 والسائحيين البرطانيين نيين ريج عام 1820 وبكنغهام عام 1816 . كانت بلدة داقوق هذه مركزاً لمنطقة (بيت كرماي) المشهورة في التاريخ القديم وكانت كرخيني (كركوك) وخانيجار (طوز خورماتو) وغيرهما تدخل ضمن هذه المنطقة وهي منطقة كلدانية بحتة. وفي عام 636م وصلت الفتوحات الاسلامية الى منطقة جلولاء أي (قره غان) القريبة من منطقة داقوق بعض الشيء جنوباً واستمرت الفتوحات حتى وصلت الى منطقة خانيجار ثم داقوق فكرخيني بقيادة القائد الاسلامي العربي هاشم بن عتبة ولكن المصادر المتوفرة لا تؤشر الى العام الذي تم فيه فتح منطقة داقوق بصورة مضبوطة بعد هذا اصبحت الديانة المسيحية والحكم الكلداني في ذمة التاريخ وغدت بلدة داقوق تابعة لمدينة الكوفة . واذا تتبعنا المصادر التي تبحث عن داقوق والحوادث التي وقعت فيها نجد انها تبلغ حوالي (40 حادثة ) وجلها اما هجوم عليها وحصارها ومصادمات ومحاولات الاستيلاء عليها سواء كان ذلك في العهد الاموي والعباسي ولا اية اشارة بسيطة عن نفوسها ومبانيها وقلعتها واسوارها ومراقدها العديدة المنبثة فيها ولا عن طراز معيشة سكانها ومصادر عيشهم . من ثم اصبحت داقوق بعد فترة من الزمن مركزاً للخوارج المتمردين ورافعي لواء العصيان في وجه الخلافة الاسلامية بقيادة شبيب بن يزيد الشيباني حيث تحصنوا فيها لمتانة اسوارها وقلعتها منذ عهد الخليفة الرابع الامام علي بن ابي طالب (ع) واستمرت الحالة على هذا تالمنوال الى عهد الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان حيث تم القضاء عليهم بقيادة القائد الاموي عبد الرحمن الاشعث ، وامست القصبة تحت حكم الاموي ومن ثم الحكم العباس وكانت بلدة لها مكانتها المرموقة وولاية مهمة في المنطقة، وفي عهد المغول كانت البلدة مركزاً لاحدى الولايات الثمانية والاقليم الرابع لمنطقة الجزيرة عام 656هـ وبتوالي الايام حكمت المنطقة وداقوق قاعدتها الدولة البويهية والسلجوقية ودولة الخروف الابيض (آق قويونلو) والخروف الاسود (قره قويونلو) وامارتي اتباكية الموصل واربيل التركمانيتين تباعاً الواحدة تاو الاخرى ، شيد مظفر الدين كوكبورى التركماني حاكم اربيل جامعاً كبيراً فيها على نمط جامع اربيل حيث ظلت مئذنتاهما قائمتان الى يومنا هذا تشهدان على مجد ذلك الزمان الغابر وكانت داقوق في هذه الفترة الحاضرة الثانية بعد مدينة اربيل من حيث الاهمية . وفي عهد السلطان سليمان القانوني العثماني كانت داقوق ناحية تاتي بالدرجة الثانية من الاهمية بعد كركوك حسب ما ورد في كتاب (كركوك لواسى مفصل تحرير دفترى) الذي نظم في عهد السلطان المذكور وهو دفتر تسجيل عام خاص بالضرائب التي تستوفى من الرعية ، ويشير الى عدد العوائل والمنتوجات الزراعية والحيوانية كما يشير السجل هذا الى الملااقد الموجودة وسدنتها وخدامها في ناحيتي كركوك وداقوق يسجل الدفتر هذا عدد عوائل داقوق البالغة (278) بيتاً و(109) من العزاب ويذكر اسماء اصحاب البيوت ويتطرق الى مكونات اهل داقوق ويقول بان فيها (22) عائلة مسيحية كلدانية وعائلتين من العرب وثلاث عوائل من الكرد والبقية كلهم من التركمان ص53 . والجدير بالذكر بان منطقة طوز خورماتو (خانيجار) وملحقاتها كانت تتبع ناحية داقوق وهي احدى نواحي لواء كركوك الثلاث ومن ضمنها مركز ناحية كركوك ، وكانت طوزخورماتو قرية بلغ عدد عوائلها (229) جمعاً و (43) فرداً من العزاب غير المتزوجين ص68، 69 . وبعد هذا التاريخ نجد بان داقوق تفقد اهميتها يوماً بعد يوم وتترك موقعها الى مدينة كركوك ونرى بان الكتاب العثمانيين يطلقون عليها عنوان قصبة او ناحية بعد ان كانت مدينة وولاية وقاعدة لها ، اهميتها في المنطقة برمتها غعبر تاريخها الماضي المجيد ضلت البلدة مركزاً لناحية باسمها الى عام 1936 وفي هذا التاريخ انتقل القضاء من بليدة كيل واصبحت داقوق احدى اقضية كركوك الى عام 1952 وفي هذا العام انتقل عنوان القضاء الى طوزخورماتو واستمرت الحالة حتى عام 1970 حيث الحق نظام حزب البعث البائد طوزخورماتو الى محافظة صلاح الدين التي استحدثت ومركزها مدينة تكريت وبقيت داقوق ناحية تابعة الى محافظة كركوك وفي عام 1986 اصبحت مركزاً للقضاء وهي الان احدى اقضية محافظة كركوك الاربعة . ان لبلدة داقوق موقع مهم واستراتيجي نظراً لوقوعها على طريق اسطنبول – موصل – كركوك – بغداد ذلك الطريق التاريخي الذي كان يطلق عليه في العهد العثماني بالطريق السلطاني اما اهميتها من حيث زيادة السكان وسعة الاراضي فهي تاتي بالدرجة الثانية بعد قضاء الحويجة . تاتي داقوق في المرتبة الخامسة من حيث السعة والسكان في خارطة المناطق التنركمانية التي تبدأ من تلعفر وتنتهي بمندلي تسكن في داقوق ومنذ عهود سحيقة عشائر تركمانية مثل عشيرة (شيخلر ) الكثيرة العدد وعشيرة آلخانلى او ايلخانلى ويسكنون في محلة بأسمهم وعشيرة (ديمرجي) ويسكنون في محلة معروفة باسمهم ، وهناك عشائر عدة باسم (الكهيه) وكان لهم مركزاً مرموقاً في العهد العثماني واكبرها عدداً يسمون عشيرة (آل الجليلى) ايضاً، وفيها مجاميع اخرى من الاسر المعروفة مثل (نجارلى) و(تبه لى) و(بويا غجيلار) وغيرها ومن محلاتها محلة (كَوتوركَه) ومحلة (السراي) ومحلة (آشاغى تكيه) ومحلة (تبه ليلر) بالاضافة الى محلتي دميرجى وايلخانلى التي مر ذكرها اعلاه، كل هذه المحلات في القسم القديم من القصبة ام القسم الحديث منها فهو اكبر من القديم بكثير ومنظم تنظيماً جيداً .

ان جميع الاملاك والعقارات والدكاكين والخانات التي تهدمت قبل عقدين تعود لاهالي داقوق ولايشاركهم فيها من العرب والكرد الذين استوطنوا البلدة مؤخراً الا قليلاً. وفي البلدة مزارات ومراقد عدة ذكرتها المصادر وهي موغلة في القدم حيث ذكرها دفتر الضرائب الذي نظم في عهد السلطان سليمان القانوني وفي البلدة مقبرتان تعودان الى التركمان وهما مقبرة الامام محمد ومقبرة شيخ قواس.

اذا نظرنا الى بلدة داقوق نجدها اليوم تركمانية قلباً وقالباً حيث ان الآثار واسماء المحلات والتلول والجداول والوديان والسبل كلها اسماء تركمانية بحتة بالاظافة الى النفوس حيث ان الاكثرية الساحقة تتكلم اللغة التركمانية وتبلغ نسبتهم فيها حولدالي 85% فقد سكنت فيها عائل عربية في عهد النظام السبق كما كان فيها عوائل كردية بنسبة ضئيلة الا ان عدد الاكراد ازداد فيها بعد سقوط النظام السابق وقلت اعداد العرب على العكس من ذلك تتبع قضاء داقوق ناحية واحدة وهي (الرشاد ) فهي بليدة عربية واما القرى التي تتبعها فاكثريتها عربية ومنذ القدم . وقد ادعى بعض الباحثين حول هوية بلدة داقوق ادعاءات لا اساس لها من الصحة وليست لها أي قيمة تاريخية فيما اذا نظرنا الى واقع الامر وستظل داقوق بلدة تركمانية لان التاريخ والواقع يفرضان نفسهما ويشهدان بذلك بكل جلاء . ظهر فيها شعراء كتبوا باللغة التركمانية منذ العهد العثماني مثل رشيد خليفة احمد والملا عبد الكريم ، كما برز فيها العقود الاخيرة شعراء طرقوا الشعر واغنوا الادب التركماني بنتاجاتهم مثل رشيد علي داقوقلي وخير الله كاظم وطالب سمين وحازم شكور داقوقلي وحمدي اونوتماز وكمال مصطفى داقوقلي ونورس رشيد علي . ومن الكتاب فاضل احمد دميرجي صاحب عدة مؤلفات وعبد الوهاب قنبر والزعيم عسكر محمود المشهور بؤلفاته العسكرية وحبيب مال الله ومن المؤرخين والتربويين البروفسور الاستاذ حسين علي الداقوقي الذي كتب عشرات المقالات في مجلة الاخاء التركمانية والمجلات الاخرى حول الاقوام التركية في شتى مواطنه ، اما كتبه التاريخية فكلها تبحث عن الترك في اسيا الوسطى وحوض الفولغا والاورال والاناضول لو طبعت كتبه لكانت مكتبة صغيرة ومعظم موادها غريبة على المكتبة العربية فقد طبع كتابه (دولة البلغار المسلمين في حوض الفولغا) ونشر في الاردن عان 1999، والبلغار قوم تركي عاش في حوض الفولغا وشكل دولة قوية. اما المؤرخ سليمان محمد الداقوقلي الذي عاش في القرن الثاني عشر الهجري فلقد ضاعت مؤلفاته سوى كتابه (اتحاف الامة بتواريخ الأئمة) الذي لم يطبع لحد الآن . اما السيد فاضل حسين مصطفى فهو اخصائي الامراض النباتية طبعت له عدة كتب في مجال اختصاصه وهو خريج احدى الجامعات الامريكية وقد طبعت كتبه من قبل وزارة الزراعة العراقية . اما محمد أسكندر فهو من الذين يشار اليهم بالبنان في الغناء والمقام العراقي فقد اوجد محمد مقاماً يشتهر في الغناء التركماني وهو (اسكندري) بقى اسم المقام نسبة الى واده الذي علمه الغناء والمقامات . كما ظهر في داقوق عبر السنين اشخاص تركوا بصمات في العقل والحكمة والدماثة والجود ما زال الناس يذكرهم امثال يولوكهية ومهدي كهية وعباس كهية واحمد محسن افندي وعلي عبدالله افندي والمربي قاسم رشيد افندي ورشيد أغا وبايرام افندي والاخيران كانا ضابطين مشهورين في الجيش العثماني.