|
|
ذاكرة أمكنة كركوك شهداء كاوور باغي يمرون من (( جرت ميدان )) فاروق مصطفى
لم أدر إلى اليوم متى بدأت
علاقتي مع بستان ( كاوور باغي ) لقد فتحت عيني في المنطقة التي درجت فيها على
ثلاثة معالم حية ظلت لصيقة بجدران الذاكرة كالغراء ألا وهي : مقبرة سيد علاوي
وبستان كاوور باغي وبين هذين الكائنين كائن أكثر تواضعاً حمام شعبي واطئ الجدران
يتوسطهما ، كانت هذه المعالم جزءً من حياة أهل المنطقة ، البستان يشهد نزهاتهم
الأربعائية ( نسبة إلى يوم الأربعاء ) والحمام وطقوس اغتسالهم واستحمام العرائس
والعرسان وما تتبعه من مظاهر الفرح والزفاف والمقبرة يزورون فيها أيام الخميس ضريح
السيد الذي سميت باسمه وهي مأواهم الأخير حين يودعون دنياهم الوداع الأخير ،
يحرسها العم "نادر " وله
في واجهتها بيت متواضع يلوح دائماً أمامه بلحيته البيضاء و وقاره الصوفي . ثمة سور طيني يحيط بالبستان
ويلتف حوله ولكنه متآكل في عدة من أطرافه يبدو أنه تهدم بسبب عوامل التعرية يقتعده
الصبيان وهم يتأملون المتنزهين المحتفين بالربيع تحت أشجار الزيتون وفي داخله سبعة
صفوف هذه الأشجار وآخر صف يحمل اسم ( يدى قتر / الصف السابع ) وهو ملاصق للقاعدة
الجوية والأشجار ملتفة كثيفة وبين صفوف الأشجار تزرع مختلف الغلات والمحاصيل
وللمزارعين الذين يشرفون عليها أبقار ترعى بين المزروعات المحصودة تسمع خوارها
وتسمع أزيز الحشرات الطائرة . ونحن أطفال كنا نسمع عشرات
الحكايات التي تتناقلها الأفواه ومسارحها إما البستان أو الحمام أو المقبرة ، كنت
أصغي إليها وانا مسترخ في مقهى والدي والذي يقع في مكان قريب من هذه المعالم التي
اسطرتها مرويت الناس وفي مقدمتها أخبار الحكاية الحزينة عن المجزرة التي وقعت داخل
البستان عام ( 1946 ) لقد أضرب عمال شركة نفط العراق لأنهم يطالبون بتحسين أحوالهم
المعيشية ورفع الأجور التي يتقاضونها فامتنعوا من الذهاب إلى العمل ، وصاروا
يجتمعون تحت اشجار الزيتون يخطف زعماؤهم ويعددون المطالب المشوعة التي يصبون إلى
تحقيقها والكثير من أهل المنطقة يتسلقون الأشجار ويرقبون هذا المشهد الذي يجري
امامهم والأطفال والصبيان هم أيضاً بفضولهم يمدون أعناقهم ليتشمموا أخبار الشغيلة
أولاء ويلتقطون شذرات من خطبهم وكلماتهم الحماسية ، ويفيض الرواة كيف أن الشرطة
وهم على ظهور أفراسهم يراقبون وقد أحاطوهم من كل الجهات ولكنهم لا يتدخلون في
الأمر الذي هم فيه شاغلون استمر الحال على هذا المنوال عدة أيام ، ولكن صبيحة أحد
الأيام تغيرت إذ أعطيت الأوامر للشرطة بفتح النار وبدأت تلعلع زخات الرصاص ، لقد
وقعت المذبحة وتخضبت أرض البستان بدماء العمال الزكية – إنه عرس الخبز الدامي –
كانت التضحيات كبيرة اثنا عشر شهيداً وقدر عدد الجرحى بعشرة ونيف وقد علمت من رواد
مقهانا وَحكائيه أن جثمامين الشهداء مرت من أمامهم وهي تصعد منطقة ( جرت ميدان )
والدماء تسيل منها مع صرخات ذويهم وعويلهم الحارق . وفي اليوم التالي طاف ذوو
الشهداء والجرحى المنطقة صارخين محتجين مستنكرين هذا الظلم الفادح وهذه الوحشية
المؤلمة بحق أبنائهم الأبرياء . في عام (1955) ذهب جزء من
البستان لأنه أقيمت فوقه مدرسة المنصور الابتدائية وقد استلم إدارتها الأستاذ
المرحوم ( موسى زكي مصطفى ) وقد تتلمذت فيها ثلاث سنوات . في البداية كانت المدرسة
بدون أسوار خارجية فالبستان كله بمثاية ساحة للمدرسة وقد تعودنا أن يخرجنا أستاذنا
( نهاد عبد المجيد ) في دروس التربية الفنية إلى الفضاء الواسع لرسم الأشجار على
الطبيعة والتمتع بهارمونيتها الدافقة ، وكان معي في هذه المرحلة صديقي الرسام (
ناصر خلف ) فكلما أتأمل تخطيطاته ورسماته الآن وما أقام فيها من عوالم مكتظة
بالأشجار والطيور والاجساد المتاهية معها عادت بي الذاكرة إلى أشجار ( كاوور باغي
) وكأنه جعلها نبعاً يمتاح منه مشاهداته التي حولها رموزاً وإيقونات وصوراً تتشظى
تأويلاتها . لجأت شركة نفط العراق أواخر
الخمسينيات إلى شراء مساحات كبيرة من البستان وبدأت تنشئ فوقها دوراً متواضعة
لعمالها تستملكها لهم بالتقسيط وكأنها أردت أن تطمس أثار تلك المذبحة المروعة التي
وقعت فيها . في سنين لاحقة أنشئت مدرسة متوسطة خلف مدرسة ( المنصور ) فاختفى
البستان تماماً إلا جزءه المسمى بالصف السابع وبقي خط ممتد من أشجار الزيتون تعطي
ظلالها وتذكر المرء بأمجاد البستان السابقة وبذاختها التي بليت وتهرأت ، ومع بدء
حرب الخليج الثانية وأيام الحصار الخانقة التي شحت فيها الأرزاق وعزت وسائل الوقود
عم الناس إلى قطع هذه الأشجار لاحتطابها واستعمالها في طبخ الأطعمة وإيقاد
التنانير وبزوال هذه الأشجار أسدل الستار على بقعة جميلة في مدينة كركوك التي
أنسنها وأسطرها الناس أنها انعجنت بأحلامهم وعذاباتهم ومسراتهم وغدت ينبوعاً ثراً
تتدفق منه حكاياتهم التي لا تنتهي . |