العراق الجميل موسوعة تركمان العراق


فعلتها ثانية .. يا اسماعيل

 

مجيد سعدون فياض

 

 

تطلع إسماعيل آغا عبر زجاج النافذة العريضة ثم قال من الضجر ( اف أف ) كانت السماء ملبدة بالغيوم السود ، والاشجار في حديقة البيت في قبضة ريح شديدة ، تترنح بقوة وعنف . أليس من الافضل له ان يتراجع عما اعتزم القيام به في هذه الامسية العاصفة ؟ وهز راسه هزة شديدة رافضة.

كان إسماعيل أغا من صنف الرجال الذين  إذا عزموا على شيء ، نفذوه مهما كانت الصعوبات والعوائق انه ان اثني عن أمر ... أو عاقه عائق ضاقت به الارض على رحبها وأحس بصدره ضيقا حرجا وعليه ما عاد احد من اهل بيته ينصحه فقد نفض الجميع منه ايديهم وتركوه يحصد وحده ثمر ما يزرع ... ان خيرا ... وان شراً.

لقد عزم على الذهاب الى الحمام العمومي القريب، ليستمتع بالاسترخاء على الدكة الصخرية الساخنة وببخار الماء الحار .

انها بهجة رائعة صار لها وزن ونشوة لم يكن ليهتم بها كثيرا في السابق اما اليوم فقد صارت عزيزة عليه وصار ينتظرها بشوق وترقب انه سيخلو الى نفسه ، فيصفي كثيرا من الامور العالقة ، ويعيد النظر في عديد من الحسابات .. انه سوف يفتح لنفسه نوافذ جديدة يطل منها على مشاريعه المستقبلية انها خلوة ضرورية تعنيه على معرفة خيره وشره ، ومعرفة صديقه من اعدائه .

حمل اسماعيل اغا بيده ربطه الثياب النظيفة ثم انسل في ظلمة الليل ... متجمعا على نفسه في محاولة فاشلة لدفع البرد المزمجر في الدروب كان حمام العافية الذي يقصدة دائما على مرمى الحجر من بيته وهو بناء قديم يكاد ان ينقض ويلفظ انفاسه الاخيرة... غير انه العناية التي يفوز بها من العاملين فيه والمديح الذي ينثال عليه كالمطر . ... يجعلانه في عينيه جنة عدنٍ واستقبله شمس صاحب الحمام والعاملون بترحيب حار ارضاه واشبع في طوايا نفسه جوعاً غريزياً الى التملق والمبالغة في الاهتمام واخذه موزع المناشف الى منطقة خاصة لا يشاركه فيها احد ، وهناك ابدل ثيابه بوزره الاستحمام (( البشطمال) ثم دخل الى الحمام الدافىء وهو يشعر بسرور طفولي ساذج قد يكون مبعثه ذلك الترحاب غير الاعتيادي . لا بأس ان الاحساس بالتميز شيء حلو ، ولا ضرر فيه ولقيته موجة دافئة من البخار ، ارخت عضلاته المشدودة ...

فحث خطاه الى دكته الدائرية وتمدد بطوله على البلاطة الناعمة الساخنة واصغى الى مستحم كان يغني بصوت شجي احدى الاغنيات الريفية . وتمنى لو كان جزدان نقوده معه الا ... لنفحه هذا الغريب قبضة من الدنانير جزاء النشوة التي بعثها في قلبه .

نعم . ان النقود هي مفتاح السعادة في هذه الدنيا ولن تجد ما يدخل السرور الى القلوب مثل النقود .. القضايا المعنوية لم تعد تعني شيئاً بالنسبة اليه ... اما النقود ... أما وسوسة الذهب ... أما رنين الفضة ... أما طقطقة الاوراق المالية فهي الحقيقة التي لا مراء فيها ، ولا شك .

وشرد به الخيال الى ايام زمان فرأى نفسه في أطمار بالية يسوق حماراً هزيلاً عليه بردعة رثة ، وكان ينادي على بضاعته (( علج ماي .... يموع في الحلق )) . كان وقتها يبيع علك الماء الابيض ... ومن ورائه كوكبة من الصبيان والبنات تلاحقه كظله وتنشد بسخرية (( عمي ... عمي ... يا عمي / هذا العلج عاجبني  / لوما خوفي من أمي / جنت أشتري ... عاجبني ))

وكما كان يفعل أيام زمان ... صاح بأعلى صوته (( يا أولاد الزنى ))

وانتفض من رقدته مرعوباً ، هل سمعه أحد من المتحممين وبعينيه الغاضبتين مسح أركان الحمام ... كان معه خمسة رجال وكلهم منهمكون في عملية اغتسال اعتيادية .. إذن ... لم يسمع صرخته أحد ... وسرى عنه , وحمد الله جهراً . وهنا أقبل عليه الدلاك ، وهو مارد طويل عريض ذو عضل متين ، وكرش مندلق يركض أمامه بكل كبرياء واعتزاز .

أمسك الدلاك به ، وراح يجلد به الارض ، ويقلبه ذات اليمين وذات الشمال ، ويصب عليه الماء الساخن صباً دون ان تأخذه به رحمة وحين تركه داهمته سنة من نوم لذيذ . لقد عاد اليه نشاطه ، وتلاشت تلك الذكرى المزعجة وكأنها لم تكن وقرر ان ينفح الدلاك ديناراً أزرق . إنه يحب أن يزرع البسمة في شفاه الاخرين . وهذا أمر محبوب بشرط ان يفعله مخيرا لا مكرها .

إنه يحب ان يعطي برغبته اي محتاج الف دينار دون ان يمن عليه . أما اذا اكره على دفع فلسٍ واحدٍ .. او استغفل ... أو استغفله أحد فسرقه .. فقد قامت القيامة ، وانقلب في غمضة عينٍ وحشاً ضارباً لا يرحم ، ولا يهدأ به بال حتى يسترد ذلك الفلس الاحمر .

وتمنى اسماعيل اغا لو يستمر ذلك الصوت الشجي على غنائه الى قيام الساعة ، ولكنه انقطع فجأة . وما عاد يسمع في الحمام سوى صوت الطاسات وهي تغرف الماء الساخن من الاحواض الحجرية العميقة . وعزم على الخروج فصفق بيديه الكبيرتين بطريقة خاصة تعلمها من أحد العميان في بغداد العاصة . وكان الصوت من القوة وكأنه فرقعة قنبلة يدوية . وأقبل عليه عامل المناشف مهرولاً يحمل ثيابه النظيفة كيف لا ... وربع دينار سينام في جيبه بعد قليل .

وبعد لحظات كان اسماعيل اغا في كامل ثيابه كان رائق المزاج تماماً وراح يحتسي قدح ( الدارسين ) اللاذع بلذة ونهم (( يا الله !)) قالها وهو يشب على قدميه ودس يده اليمنى في جيب سترته الداخلي ليخرج حافظة نقوده فلم يجدها . انتفض بعنف . إنه لم يتعود ان يضعها في جيب آخر . ولكن يجوز أنه فعل ذلك ان ينتبه وفتش جيوبه كلها . ولكن بلا جدوى .. وعرج على حزمه ثيابه يقلبها قطعة قطعة . وسأله صاحب الحمام (( شمسي)) وهو يبلع ريقه بصعوبة بالغة عما به فاخبره بنبأ سرقة محفظة نقوده .

شاع الخبر بين عمال الحمام كما تنتشر النار في الهشيم في يوم عاسف ، وجن جنونهم حافظة إسماعيل آغا ، تسرق تحت سمعهم وابصارهم انها جريمة غير مغتفرة ورب الكعبة . إنه العار والشناز فاللهول ويا للفظاعة !.

وسألوه عن شكل جزدانه ، فتلكأ في الجواب ثم قال وهو يعض ابهام يده اليسرى ((  إنه جردان أصفر فيه زران أحمران على هيئة نجمتين يتوسطهما هلال ازرق))

وانتشر عمال الحمام مثل سرب الجراد يوسعون المكان بحثاً وتنقياً ويقلبون ثياب المستحمين بغيض وتأفف .

وفجأة تعالت صرخة غضب واستنكار من فم أحد العاملين .فهرع اليه الاخرون جميعاً كانت محفظة ( الاغا) الصفراء ذات النجمتين الحمراوين والهلال الازرق مدسوسة بمهارة بين تلافيف كومة من الثياب المهلهلة وصاح الجميع بلسان واحد الويل لك ايها المجرم .. كيف تجاسر على سرقة حافظة الاغا .انك تستحق ما سوف ينالك على ايدينا من الضرب واللكم والرفس.

وتوزع العمال بأمر سيدهم (( شمسي)) في انحاء المكان يترقبون ظهور المجرم الاثيم الذي وجد في نفسه الجسارة بل قل الوقاحة والاستهتار فسرق حافظة ( إسماعيل آغا) الرجل الكريم المعطاء .. الا تبت يداه . الله اكبر .. كيف لا تزلزل الارض زلزالها ، وكيف لا تنطبق السماء على الارض ؟!.

وخرج أول المستحمين .. وكانت عيون الجميع تترصده . ولكنه قصد مكاناً بعيداً عن كومة الثياب اللعينة .وبعده بقليل طلع عليهم رجل نحيل نحيف ، أضلاع صدره لا تخفى على أحد ، طويل شعر الرأس ، تمجه الروح وكأنه القذى في العين . توجه الرجل الى كومة الاطمار فقعد الى جوارها وتحفز الجميع للهجوم الكاسح . وكان اسماعيل اغا في غمرة انفعاله قد دس حافظة نقوده في جيبه الداخلي دون ان يعني بفحص محتوياتها ، وانصرف بكليته الى مراقبة اللص الاثيم . شرع اللص يرتدي أسماله ، وتسللت أنامله تتحسس الجزدان .. ورأى الجميع كيف انتفض كمن مسه تيار صاعق حين لم يجد شيئاً ، وكان اسماعيل اغا اقربهم اليه ، فرأى في عيني الرجل نظرة تجل عن الوصف ... نظرة حصان جريح .. ينتظر رصاصة الرحمة . وفي لحظة كأنها لمح البرق لم تعد قدماً الرجل قادرتين على حمله ، فتهاوى الى الارض ركاماً ، وغلبته مشاعره فانحرط في بكاء مرير .. وهرول اليه الدلاك المرعب أن يلبس أسماله ، حتى اذا فعل حمله بين ذراعيه ، ثم طوح به الى الشارع حيث الوحشة ، والبرد القارس . وقال له بلهجة الوعيد ( إياك ان تعود .. يا سارق النقود !) . ولم يقل اللص السارق شيئاً .. كان لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم ونهض من وقعته ثم اوغل في ظلام الليل .

رجع اسماعيل اغا الى بيته والزبد الابيض يلوخ واضحاً على جانبي فمه ، ولما كان السباب بضاعة مشاعة بين الجميع ... لم  يتعفف عنها ، وشتم اجداد اللص الحقير الاثيم . وأجاب زوجته الواجمة (( تصوري ... متشرد .. حقير ... انتهز فرصة دخولي الحمام فسرقني حافظة نقودي ..ولولا يقظه عمال الحمام .. لكانت لقمة في فمه .. ولحسن الحظ كانت في جيب سترتي كومة من الريالات والدراهم فأعطيته لهم مكافأة ... و ... .

وصحكت زوجته وجهها وقالت (( يا ويلي ! لقد فعلتها ثانية يا اسماعيل  هل تدري أنك ذهبت الى الحمام بلا محفظتك ؟))

(( غير معقول )) صرخ اسماعيل (( قولي غيرها . ماذا تقولين؟)) (( أقول الذي سمعته بأذنيك . أتذكر بائع النفط ؟)) . (( نعم .. نعم )) أجابها حائراً . قالت (( انت نقدته فلوس النفط لقد نسيت حافظة نقودك فوق الدولاب .. وذهبت الى الحمام بلا نقود .. هل تسمعني ... بلا جزدان)) .

صفح اسماعيل جبينه ، وولول يقول (( ماذا فعلت يارب العالمين؟!)) واسرع الى الحمام مهرولاً . وأخبر صاحب الحمام ((شمسي)) وعماله بالخطأ الذي وقعوا فيه . وقال شمسي ببساطه (( ما عليك يا اسماعيل أغا . الذنب ذنب الرجل . لماذا يشتري فقير حقير حافظة نقود مثل حافظتك . نعم . كان عليه ان يعرف حدوده ، ولا يغلط هذا الغلط )) .

وانتشر العاملون يفتشون بفتور .. المنطقة المحيطة بالحمام .. ولسانهم يقول (( لماذا يشتري فقير حقير حافظة نقود كحافظة اسماعيل اغا شكلا ولوناً )) ولم يسمع احد عن رجل اثيم كان ذنبه العظيم انه اشتري لنفسه محفظة نقود صفراء بزرين حمراوين على هيئة نجمتين بتوسطهما هلال ازرق.