|
|
أولى المستوطنات البشرية في منطقة
كركوك غائب فاضل كريم
تمتاز
منطقة كركوك بسهولها المنبسطة ووفرة مياهها وخصوبة تربتها وتنوع مناخها مما جعلها
منطقة صالحة للحياة البشرية .تحد كركوك من الشمال والشمال الشرقي سلسلة جبلية
تتفاوت في ارتفاعها وأبعاد وديانها وتمتد باتجاه منطقتي السليمانية واربيل ذات
الجبال الشاهقة الوعرة والكهوف العديدة التي كانت أول مأوى للإنسان اهتدى إلى
السكن وأشهر هذه الكهوف (كهف زرزي) و(هزار مرد) في محافظة السليمانية أما في اربيل
فـ(كهف شاندر) ويعود تاريخ هذه الكهوف المسكونة إلى قبل (40)أربعون ألف سنة .وعندما
غادر الإنسان القديم كهفه لأسباب معاشيه ومناخية ارتضى بالسهول مأوى ومسكناً و
رويداً رويداً شرع يبتعد عن مسكنه الأم(الكهف) وقد أرغمته الظروف المعيشية في
العراء أن يضرب في الأرض بحثاً عن مصادر قوته التي كانت متوفرة أو سهلة الحصول عليها
في المناطق السهلية كما كانت تتمتع به تلك المناطق من وفرة القوت الطبيعي من حنطة
وشعير وحيوانات داجنة وغير داجنة ولكونه أكثر أماناً له ولأسرته وكان استقراره في
السهل عاملاً قوياً لبناء ملاجئ تقيه وأفراد أسرته من التقلبات المناخية وخاصة
القاسية منها في المناطق الشمالية فكان نشوء أول منزل للإنسان العراقي بعد مغادرته
حياته في الكهوف ... ولما كانت جبال منطقة السليمانية تعيقه الاتجاه إلى الشرق
لكونها أكثر وعورة مما تعذر على الإنسان العراقي القديم النزوح صوب الشرق وحتم
عليه أن ينزح باتجاه الشمال الغربي والغرب حيث السهول الواسعة والمناخ الدافئ
والعيش المرفه بعد انحسار العصر الجليدي فكان ميلاد أول مستوطن بشري في منطقتي
(برده بلكه وكريم شهر) في العصر الحجري القديم والوسيط على التوالي وهما قرب مدينة
جم جمال التي كانت تابعة لكركوك قبل صدور قانون المحافظات . ومستوطن (برده بلكه /
حجر الاتكاء) يقع إلى الشرق من مدينة كركوك وعلى بعد حوالي (35) كم منها ومن أثاره
الشاخصة صخرة كبيرة (صورة 1) وقد عثر المنقبون في عام 1949 حول هذه الصخرة على أدوات
كثيرة من الحجر المحلي ، معظمها بهيئة فؤوس يدوية تعتبر تاريخياً من أقدم ما عرف
من أدوات العصر الحجري القديم في العراق.ونتيجة للتطور السكاني والحضاري في تلك
المنطقة وبجهود ساكنيها توسع الإنسان القديم واتجه نحو الرقعة الواقعة الشمال الشرقي
من مستوطنة وعلى بعد (2) كم منه فاستوطن منطقة جديدة عرفت بـ(كريم شهر) التي تعني
محلياً ( مدينة كريم ) وقد عثرت فيها بعثة اثارية على لقى أثريه يعود تاريخها الى
العصر الحجري الوسيط (10.000) عشرة الآف سنة (الميسوليتي) أما الأدوات التي عثر
عليها فكانت على نمط ما وجد في موقع (برده بلكه) مع قسماً من التطور حسب مستلزمات
الحياة الجديدة لساكني المستوطن الذين خلفوا ورائهم العصر الحجري القديم وعاشوا في
فترات من العصر الحجري الوسيط ووصولاً إلى العصر الحجري الحديث (النيوليتي) الذي
عثر مستوطنه ثالثه وفي نفس المنطقة يعرف باسم (قلعة جرمو 6200- 600ق.م) . وقرية
جرمو بقاياها تبدو على شكل تل ضخم كان جزء من جبل منفصل على شكل هضبة ، فهذا
المستوطن الأثري – زار كاتب البحث الموقع شخصياً عام 1973- يقع على ضفة وادي (جم
كورا)( الغابة الكبيرة ) على بعد (45) كم إلى الشمال الشرقي من مدينة كركوك على
ارض ارتفاعها عن سطح البحر نحو (2500) ومساحتها (13000) م2 وعمق البقاية الأثرية
يصل إلى (7) أمتار من أعلى نقطة في الهضبة ، ويبدو من حواشي الهضبة ان بعض أجزائها
قد جرفته المياه عبر العصور التاريخية المتعاقبة نظراً لوقوعها على ضفة الوادي
وقربها من سفوح جبال (دربند بازيان) التي تنحدر منها السيولة الجارفة في مواسم الأمطار
متجهة نحو موقع المستوطن التي تتميز أراضيه بالخصوبة ووفرة المياه وجودة الغلة
وصلاحيتها لتربية الحيوانات بجميع أنواعها (والأليفة منها خاصة) مما حث سكان جرمو
على التمسك بأرضهم والاهتمام باستغلالها معتمدين في صنع ما يحتاجون من أدوات على الأحجار
الصلبة المتوفرة في منطقتهم ، والى جانب اشتهار هذا المستوطن بالزراعة التي اشتهرت
بحدود ألالف السابع قبل الميلاد فقد طرأ تغيير جوهري في حياة أولئك الرعاة
والفلاحين من الناحية الدينية والاجتماعية والفنية ، وذلك لان الإنسان لم يبقى
مستهلكاً للقوت فحسب ، بل انتقل إلى مرحلة إنتاج القوت مما زاده التصاقاً بأرضه
التي أثمرت الملكية الفردية وأساليب تطوير هذه الملكية والدفاع عنها مما دفعه إلى
اختراع الأسلحة البدائية المصنوعة من حجر المنطقة وحسب نوعية الخطورة التي كانت
تهدد كيانه الإنساني والاجتماعي والاقتصادي في محيطه . لقد طلب الإنسان جرمو العيش
في هذه البقعة ففكر أول ما فكر في بناء كوخ – نظير كهفه الأول – لإيواء أفراد أسرته
وحيواناته مستفيداً من التجارب البدائية التي كان قد حملها معه ساعة انحداره من
الكهوف إلى (برده بلكه) ومنها إلى (كريم شهر) وأخيرا إلى مستقره الأخير في (قلعة
جرمو) ، وهكذا ظهرت بوادر أول قرية تضم تجمعات بشرية على هيأة عوائل متجانسة من
حيث الخيرات وطراز المعيشة والمهمات والأهداف وأخذت تباشير العلاقات الاجتماعية
تلوح في أفق هذه المستوطن الأول في العراق .. ودلت الحفريات الاثارية التي أجريت
في الأعوام (1948-1950- 1951 – 1954- 1955) على وجود أكواخ من الطين مسقفة
بالحصران لوفرة القصب في المنطقة وكما عثر على ادوات من الحجارة مثل (المناجل-
السكاكين- الملاعق- القلائد المصنوعة من الصدف واقراص المغازل ) مما دل على ان
سكان جرمو كانوا يصنعون ملابسهم بايديهم من خيوط الصوف والشعر المستحصلة من الحيوانات
التي كانوا يربونها وعثر ايضاً
على رحى
ومدقات وهاونات ولذا رسمت أمام الباحثين صورة واضحة للحياة التي عاشها أهالي هذا
المستوطن , إذ أن لكل أداة من هذه الأدوات مدلولها من خلال استخدمها في الحياة
اليومية للإنسان كما وعثر في الموقع نفسه على بقايا حبوب استعملها الإنسان في
الزراعة مما يدل على أن أهالي جرمو كانوا يخزنون المواد الغذائية الضرورية من موسم
إلى موسم آخر تأمينا لقوتهم وتحسباً لموسم الجفاف المتوقع إلى جانب استعمال قسم من
المخزون كبذور للموسم الجديد , وعثر أيضا على عظام أولى حيوانات التي دجنها
كالماعز والبقر في الطبقات السفلى من الموقع ولوحظ أثناء التنقيبات وجود قطع
فخارية تتميز بالخشونة في الصنع وباللونين الأسود والأحمر ..... وفي الطبقات
السفلى من جرمو عثر على دمى تمثل الإله الأم التي تمثل (الخصب والتكاثر ) مما يشير
إلى أن سكنة جرمو كان لديهم معتقدهم الديني الخاص المتمثل بهذا الإله وكانوا
يؤمنون بحياة أخرى للإنسان وبعث الميت بدليل أنهم دفنوا مع موتاهم بعض الأواني
الفخارية والحجرية معتقدين أن الميت سيكون بحاجة إليها في حياته الأخرى , أما ماذا
كان تصورهم عن الحياة الأخرى فليست لدينا – الوقت الحاضر- أشارات أو مدلولات مادية
ملموسة تقودنا إلى تفهمها ولعل التنقيبات المستقبلية التي ستجري في موقع جرمو
والمناطق المحيطة بها وقد تحيط اللثام عن هذا اللغز التاريخي القديم ...... ومن
الدمى الطينية التي عثرت في قرية جرمو بحدود أكثر من (6)ألاف قطعة وهي تمثل دمى
حيوانية (أشكال حيوانات الكلب والدب والخنزير البري والماعز ) ومن الدمى البشرية
(النسائية والرجالية ) كانت الدمى النسائية أكثر من الدمى الرجالية ومنها دمى نسائية
اعتيادية ونسائية بحالة الحمل, والأكثرية بوضعية الجلوس وتظهر حالة الحمل بصورة
(شكل 3) أما دمى الرجال فقد كانت أقل عدداً من دمى النساء وواضحة المعالم بأجسامها
وأكتافها العريضة إلى بعض النماذج التي تمثل رمز الذكر . وقبل
أن نغادر هذا المستوطن للدخول في المجمعات القروية لابد من الإشارة إلى أن(قرية
جرمو) تعتبر أول قرية زراعية في العراق وفي منطقة الشرق الأدنى القديم عموماً . كانت
مدينة كركوك عبر العصور التاريخية ابتداء من العصر الحجري القديم وانتهاء بعصر فجر
السلالات السومرية (2600ق.م) أهله بالسكان على شكل تجمعات قروية قريبة من مصادر
المياه الجارية والوديان التي أندثر قسم منها وبقى قسم أخر إلى يومنا هذا التجمعات
تدخل ضمن قائمة المستوطنات الأولى لرقعة كركوك الجغرافية . ففي
عصر حسونه (5200- 5000 ق.م) كانت مناطق (تل مطاره) و(قره يتاغ وافتخار وبارابارا
وتركلان) الواقعة إلى الغرب والجنوب الغربي من كركوك آهلة بالسكان فقد عثرت على
أدوات من الحجر ومناجل من الصوان ودمى من الطين ولاحظ الباحثون في تلول افتخار
وبارابارا وتركلان علامات تاريخية تشير إلى أن هذه المناطق كانت من أول المستوطنات
في هذه الفترة التاريخية .أما في فترة (دور سامراء التاريخية 5000 – 4500 ق.م) فقد
ظهرت إلى الوجود عدة مستوطنات عرف منها إلى اليوم مستوطن (صاري تبه) في جنوب كركوك
ومستوطن (تل
البعير) في الجنوب الغربي من كركوك وتل البعير تابع إلى ناحية الرياض في الوقت
الحاضر.وعندما ننتقل إلى دور العبيد (4500- 3500 ق.م) بقسميه الجنوبي والشمالي نجد
مستوطنات تدل الملتقطات السطحية التي عثر عليها أثناء إجراء الكشوفات الأثرية إلى
انتمائها إلى دور العبيد وأهمها مستوطنات (تل عرفات ) القريب من مستوطن تركلان على
بعد (21كم) إلى الجنوب من كركوك و(تل ابيض وتل بداغية) في الحويجة ولعل مواطنها
تخفي من الكنوز الأثرية التي لو أجريت عليها التنقيبات لكشف عن الإثباتات المادية
الملموسة عن انتمائها إلى فترة (العبيد) لكونها من أولى المستوطنات البشرية في
كركوك . أما
في دور الوركاء (3500- 3100 ق.م) الذي تتميز باختراع الكتابة الصورية في حدود
(3200 ق.م) وظهور بوادر النضج الحضاري في الحياة الاجتماعية والدينية والاقتصادية
, كانت الحياة الزراعية تسجل تقدماً ملموساً في مستوطنات كركوك , وعرف منها (تلول
خبازه الكبيرة والوسطى والصغرى ( في ناحية الرياض وتلول بلداغ في ناحية تازه. وفي
دور جمده نصر (3100- 2900 ق.م) الذي تتميز بتطوير الكتابة من التعبير الصوري إلى
التعبير برموز رسمت على شكل خطوط مستقيمة وبتعدد شعوبها من الساميين والسومريين ,
وكشفت الدراسات الاثارية إلى أن السومريين قد تغلبوا بلغتهم وعاداتهم وعقائدهم على
بقية سكان المدن والأرياف والمستوطنات سواء من جنوب العراق أو شماله وأسسوا دولاً
حاكمة في المدن الكبرى . وفي الفترة نفسها سكنوا ولأول مرة في منطقة (آرافا) آي
عرفة الحالية وثبت ذلك أثناء قيام مديرية الآثار العامة (هيئة الآثار والتراث
حالياً) في سنة 1948 بإجراء تنقيبات أثناء حفر أسس حي العمال في منطقة عرفة على
مجموعة من اللقى الأثرية يرجع زمنها إلى عهد الحضارة السومرية قوامها أسلحة وأدوات
من النحاس وأوان من الفخار ... ولدى الاستمرار في حفر الأسس والتنقيبات ظهرت الأرض
البكر مما دل على أن المنطقة لم تكن قبل هذا التاريخ فهي بذلك (أي منطقة عرفة التي
كانت تلاً شاخصاً قبل إزالته سنة 1948 من قبل شركة نفط العراق المسماة في حينه I.P.C تمهيداً لحفر أسس حي العمال الحالي), تعتبر أول مستوطنة في هذا
العصر أي عصر فجر السلالات السومرية 2600 ق.م . ولعلنا لا نتجاوز الحقيقة أذا قلنا
(أرافا) هي النواة الأولى لمدينة (آرابخا) التي تمثلها (قلعة كركوك) الحالية التي
ورد ذكرها في الألواح (51) التي عثر عليها عن طريق الصدفة نتيجة انهيارات في بدن
القلعة بفعل الأمطار عام 1923 ويحتمل أن القلعة في تلك الفترة كانت مدينة زراعية
تحولت فيما بعد إلى قلعة أو رابية دفاعية حصينة إلى الشرق من نهر (الخاصة) وعلى
بعد بضعة كيلو مترات من مدينة (آرافا ) لصد الهجمات التي كانت تستهدف المدينة بما
تتمتع به هذه المستوطنة من حضارة وتطور زراعي وقوة اقتصادية جعلتها مطمع أنظار
المستوطنات القريبة التي كانت اقل رقياً وحضارة ورفاه عيش منها . ولقد كان لتوسع
مستوطن (آرافا) دور في ظهور مستوطن جديد وعلى بعد (23)كم من المستوطن الذي عرف في
تلك العهود بمدينة (كاسر C.A-SUR )
2300ق.م التي أصبحت فيما بعد عاصمة للدولة الحورية في حدود 1350 ق.م تحمل اسم (نوزي) وقد عثر في مدينة كاسر وخاصة
في الطبقات السفلى على رقم طيني يحمل خارطة لمدينة (كاسر) وهي أقدم خارطة من نوعها
في العالم أذ يرتقي تاريخها إلى سنة 2300 ق.م . ومن أولى المستوطنات التي يرجع
تاريخها إلى الفترة نفسها (فجر السلالات السومرية) تل المجيبرة إلى الجنوب من
مدينة كاسر في حدود كيلو مترين وقد استنتج الباحثون بعد دراسة وتدقيق الملتقطات
التي عثر عليها في التل نتيجة الكشوفات والتحريات الأثرية أن تل المجيبرة قرب قرية
(مريم بك) التابعة لناحية تازة حالياً كان يعاصر المستوطنين السابقين (أرافا
وكاسر) بعد الأخذ بنظر الاعتبار الفاصل الزمني القصير بينهما ولكنها جميعاً تعود
إلى فترة تاريخية واحدة هي فترة الاستيطان السومري . مصادر
البحث 1-
أخبار اثارية ، طه باقر ، مجلة سومر / 4 سنة 1948 ص 295 . 2-
العصور الحجرية في العراق ، فرج بصمجي مجلة سومر / 11 سنة 1955 ج2 ص111 . 3-
محاضرات في العراق القديم، د. فاضل
عبد الواحد كلية الآداب /قسم الآثار 1965 محاضرات تدريسية 4-
المرشد إلى مواطن الآثار ، طه
باقر و فؤاد سفر، الرحلة الرابعة
1966 ص7 وما بعدها 5-
كنوز المتحف العراقي ، فرج بصمجي بغداد / 1972 ص13 وما بعدها . 6-
المواقع الأثرية في العراق ، مديرية
الآثار العامة بغداد 1972 محافظة كركوك ص 191 وما بعدها 7-العراق
في التاريخ ، د. تقي الدباغ بغداد 1983 ص 49 وما بعدها . 8-
الكشاف الأثري في العراق ، د. قحطان
رشيد صالح بغداد 1987 ص75- 76 . 9-
منطقة تكريت ما قبل التاريخ ،
الأستاذ عبد القادر حسن علي
موسوعة تكريت ج1 ص105 وما بعدها . 10-
تاريخ منطقة الموصل القديم، د. بهنام أبو الصوف موسوعة الموصل ج1/1991 ص27 . 11-
أساليب الصناعات الحجرية في تل الصوان د. دوني جورج يوخنا رسالة دكتوراه 1995 ص11 وما بعدها . |