|
|
شهابُ .. ناجحُ قصة يرويها "أنور حيران " مجيد سعدون فيّاض
من شخصيات محلتنا العزيزة
الغالية – محلة سوق الهرَج –أحمد فرحانِ. وهو كشّاف في البلدية ، يعرفه " سوق
القورية الكبير" جيد المعرفة ، ويُهابه البقالون جميعاً لأن كلمة رضَا تنبُس
بها شفتاه تُجْري الامور رخاءً وعافيةً . أمّا إذا أغضِبَ.. ثارَ وأزبد .. وسبَّ
وشتَم ، والويل كل الويل لَمِن يقف في وجهه .. ويُجاهره بالعصيان . والغريب في أمر أحمد فرحان
..أنه على الرغم من إِصراره وحِلْفِه على دفع حساب ما يشتريه من أصحاب الدكاكين
والعَرَبات.. فقد كان الباعة يتجاهلون يده المدسوسة في صدره تفتّشُ .. مراراً
وتكراراً .. وباصرار ٍعن " جزدان النقود"، ويتغاضون عن لعنهِ الشيطان
الرجيم الذي أنساه أين وضع الجزدان اللعين؟. والاغرب أنه كان يفشل ..وفي كلّ مرة
..في العثور على " جزدان النقود " في جيوب سترته الاربعة . وكان البقالون بلا اُستثناء ، يصرفونه عنهم
بالكلمة المعسولة ، والضحكة الممطوطة.. الصاخبة.. وما أن يذوب شبحه وسط زحمة السوق
حتى تنطلق الشتائم تلعن آباءه وآباء آبائه الاولين . وكان شهاب أكبر أبنائِه،
وأحبّهم الى قلوب أبناء المحلة . وهو يحبّ أشياء كثيرة ، ويبغض أشياء وأشياء .كان
يحب السينما حباً لا مزيد عليه ، ويُحبّ كرة القدم حباً جماً ، ويحب الكشافة ،
ويحب السفرات، ويُحب ركوب الدراجات ، ويحب السهرَ تحت ضوء القمر حيث يحلو الكلام ،
وتحلو المناجاة ، ويحب لعب الطاولة ، ويحب النقاش السياسي في "مقهى وَيْس" الجاثمة على رأس محلتنا . وكانَ لا يُحبّ المدرسة إسماً
ومبْنى، ولا يُحب الكتب، ولا يُحبّ القرطاسية ، ولا يحبّ حتى العاملين في المدرسة .
كان ، وباختصار، يحمل كرهاً جنونياً للمدرسة . أما حمورابي، صاحب الشريعة السومرية
، ومؤسس المدرسة الاولى في التأريخ..فقد كان عدوه اللدود اللدود. كان شهاب أحمد يسب الرجل
" حمورابي " دون حياء أو خجَلٍ . وهو لا يترك مناسبة تمرّ إذا لم
يستغلها ، فتراه يلعن حمورابي ، ويطلب منا أن نؤمّنَ معه بقوله " قولوا
آمين يرحمكم الله !" . كان شهاب أحمد قد تخطى مرحلة
" الدراسة الابتدائية " بمعجزة غامضة لم يكشفها لأحد قطَّ ، وفي
المتوسطة أنهى كل صف في سنتين بالتوسلات والغش ، وإراقة ماء الوجه عند عتبة غرفة
المدرسين .. حتى إذا وصَل إلى الصف الثالث الوزاري .. شُلّتْ أطرافه ، وطمَستْ
معالم إدراكه ، وغلبته جهالة لامثيل لها..فرسب سنتين متعاقبتين، فانتفل مكرهاً إلى
مدرسة " الاماني "
المسائية ..ولسان حاله يقول " الموت ولا المدرسة ". كان أبوه " أحمد فرحان
" يُريد لولده البكر " شهاب " أن ينجح وينجح وينجح حتى يدخل "
كليَة الاطباء !"كي يعالجه بيديه الكريمتين ..البارعتين. كانَ هذا رأيه في
يديْ ولده . أما شهاب فكان له رأي آخر .كان يعرض علينا يديه كلتَيْهما ظهْراً
وقفَى ثم يقول بصوت يُقلّد فيه صوت أبيه " أستحلفكم باللهِ.. أهذه يدُ طبيب
أمْ يدُ عتّالٍ أثيم ؟".والشهادة لله فإن يدي شهاب أقربُ ماتكون الى يد القصابين ، وعمال الحجر ..وأصابعه كأنها
" بُرْمة الاسطة حسن " غليظة مسمّرة في راحتين عريضتين ..خشنتين. كان أحمد فرحان يرى في ولده
" شهاب " كل مخايل الذكاء ، والفطنة، والنجابة، والشطارة. وكان يقول
:" ولدي ذكيّ..ولو أراد أن يكونَ طبيباً لصار طبيباً. ولا مستحيل أمامه .
وسوف تَرَونَ". ودخل شهاب إمتحان البكالوريا.. وذهب معنا الى محطة القطار ..
حيث كنّا نقرأ في عربات القطار الفارغة ، ودفَن رأسه في كتب المدرسة من عربيّة
وانكليزية ومن تأريخ وجغرافية . ومن أحياء وكيمياء وفيزياء . ولكنّه كان سريع
الملل ، لا يصبر على شيء. والورقة الواحدة يتلوها على مراحل . أما الفصل الواحد ..
فحدّث ولا حرج.وكان، بين حين وآخر ، يدخل معنا في حوار شيّق طويل يتناول موضوع
الثورة الفرنسية..وعظمتها وأبطالها ..وكان يُفيض في وصف سجن الملكة " ماري
أنطوانيت" وزوجها الملك " لويس السادس عشر ".. وكأنه كان معهما
يسمعُ ويرى . وعلى الرغم من أنه كان يشغلنا عن دروسنا ، ويُلهينا عن المتابعة ..
فقد كنا راضين .. سعداء .وكان للسينما حضور دائم في حديثه ونقده. أنهينا نحن
إمتحاناتنا .. أما إمتحان البكالوريا فموعده متأخر .. واستمر شهاب على القراءة في
كتب المدرسة ليلاً ونهاراً . ما عاد يرحم نفسَه. كان ، كما يبدو، قد صمّم على
النجاح ..مهما كان الثمن . إمتحن شهاب .. ورغم كل محاولاتنا.. فقد أسدل ستاراً كثيفاً
من الاهمال والتناسي على نتيجة الامتحان.وكنا، في بعض جلساتنا ، نضايقه بالاسئلة
حول المعهد الذي قد يناسبه..فكان يجيبنا بصوت حالم :"إذا تحقق نجاحي من
الثالث المتوسط ..إنْ شاء الله ..فتلك هي شهادة ميلادي الجديدة .. ولعلمكم فليسَ
مَهمّاً إلى أينَ أذهب !". ثم نراه يعتصم بصمت عميق يكادُ منه لا يُفيق . كان
كأنه يغرق في حلم لذيذ..فيسكتُ ونسكتُ إحتراماً لِمشاعره . ثمَّ ، وعلى حين
غفلةٍ.. نسمعه جميعناً يُطلق حَسرة عميقة من أعماقه .. لم يكن سعيداً. وجاءت جرائد الصباح تحمل في
طيّاتها النذر . كانت نتائج الطلاب تمتد صفوفاً كأرتال النمل ، فمنهم ظالم لنفسه..
ومنهم فائزَُ وسعيد . واشترينا جريدة " الفجر
الجديد"، وقعدنا في الجَزْرَة الوسطية بين شجيرات الدفلى .. وبعيون نَهمة
أخذنا نبحثُ عن إسم صاحبنا العزيز . ولاتسلْ عن جنوننا حين اصطدمنا باسم "
شهاب أحمد فرحان"، كان إسمه أمام أعيننا يبرقُ مثل الكوكب الدري بين
الناجحين. وأشترينا نسخة أخرى دفعاً للشك .. كان إسم شهاب ثابتاً فيها كمسمار جحا
المشهور . ركبنا عفريت من الجنّ .. فانطلقنا نغني ونرقص
ونزغرد ، ونشرنا الخبر السعيد في كلِّ نادٍ . وهجمنا على بيت أحمد فرحان .. نزف
إليه البشرى، ونلقِي عليه الجريدة ..ليطمئن فؤاده الخافق، وليعلم أن ولده حقق
المستحيل . لم يصدّق الرجل سمعه
وبصره.. فطلب النظارة الطبية، ولبسها حتى إذا صدق الخبر، وبانَ الحق ، صاح
بأعلى صوته" الله أكبر..والنصر
لنا"، ورأينا الزوجين " أبو شهاب وأم شهاب " يتبادلون القبلة على
الطريقة الامريكية، ثم انطلقا
يرقصانِ رقصة الدبكة العنيفة . وكنتُ رسول الزوجين الى
الشريكين" حمَه ورش"الطبّال والزمار .. ليتوليا إحياء الحفلة في هذه
الامسية المباركة .ولحسن الحظ وجدتُ السيد "حَمَهْ" في البيت، وحين ذكرت
له إسم " أحمد فرحان" فترَ حماسه، ثم مسح على عينه اليمنى السليمة
الكحيلة .. وقال : "آه ! أبو شهاب الذي يأكل حقوق الناس !" " هذه المرّة تختلِف ياعم .إنّه لن يبخل على أحدٍ
بالمالِ" " ومن يضمن لنا فلوسنا؟" "أنا" قلت بحرارة واندفاع " خذوا حقكم من هذا الشارب
" ولم يكن هناك شاربُ، ولا هم يحزنون . ولحسن الحظ كانت عينه اليسرى مطفأة لا
ترى ، ولا تدقق. ورجعتُ بالموافقة . بدأت وفود النساء تترى حاملة الهدايا الثمينة.. فقد كانت
لام شهاب عليهن أيادٍ بيضاء .. وقامت الدنيا ولم تقعدْ .وكان شهاب يرى كلّ هذا
الحب فلا يملكُ سوى الدمع تذرفه عيناه. والذي أثار عجبنا.. أننا كنّا نراه ينفض
رأسه بعنف بين آونة وأخرى.. وكأنه يدفع عنه شيحاً بغيضاً يُهدده ، ويُفزعه. كنَسْنا المحلة ثم رششناها
بالماء ، ونصَبنا سيارات الكهرباء الجاهزة ، ونشرنا المقاعد والتخوت ، وأوقدنا
ناراً حامية للشاي .. لقد كانتْ فرحة العمر . وحلّتْ ساعة الاحتفال.. وصِنَع الشريكان " حمه
ورَش" الاعاجيب بالطبل والمزمار .. ودَبك الجميع وهزجوا، وهَلْهلت النسوة حتى
كادت تنسلخ ألسنتهن . ورقص الاولاد والبنات حتى غرقوا بعرقهم، وتقطعّتْ أوصالهم أو
كادتْ. وكنّا على السطح نُراقب ما
يجري تحت أبصارنا من مفارقات بهيجة ، ونفصّل الحديث تفصيلاً ، ونُسِرف في الأكل
والشرب من كل صنف ولونٍ. كان فرحنا عظيماً لا غش فيه ولا مِراء. وصعدت إلينا
" أم شهاب". كانت الدنيا لا تسعها من السعادة . وقالت: "غداً .. بعد أخذ النتيجة
.. سوف يأخذكم شهاب الى السينما على حسابي أنا .. ادعوا الله ، ياأولادي، ان يُديم
أفراحنا". ولِدهشتنا نَهرها شهاب بقسوة
وعنف .قال بغضب: " على مهلكِ ، ولا تفسدي الاولاد بالوعود الكاذبة. وغداً سوف يتبّين الخيط الاسود
من الخيط الابيض ". وعلى الاثر نزلت المرأة الدرج وهي لا تدري ماذا تقول ؟.
وكذلك كان الامر معنا . ولم يكن شهاب في وضع نفسي يسمح لنا بالتبسّط معه. كان
مكتئباً وكأن هذا المهرجان ليس له ، ولمْ يُقَمْ على شرفِه. كان شهاب في عالم غير عالمنا .
كان يذهل عن نفسه، وتلتوي ملامحه بهَمٍّ دفين لا يبرح يعذبه. وكانت الجريدة في يده
لا يتركها .. فهو ينشرها مرة ومرة يطويها.يقرأها بصوت مسموع ،ثم يُعيدها همساً.ثم
يهزّ رأسه هزاً عنيفاً.. ويُطلق الحسرة تلو الحسرة . وكنا قد أقمنا حول اسمه بأقلامنا تلالاً من الاقواس
والاسهم وعلامات الاستفهام والتعجب . ورغم هذا كلّه فقد خُيّل الينا أنّ صاحبنا
كان لا يهتدي الى إسمه بسهولة ، لاِن عينيه، في كل مرة، كانتا تتزحلقانِ بقوة
غريبة إلى نهاية الجريدة .. كان يبدو أنه يبحثُ عن شيء عزيز عجزنا نحن عن رؤيته
.وأخيراً!هدأت الاصوات، وانفضّ السامرون، وجاؤونا بِطَسْت ملئ بالثريد تحت طبقة من اللحم.. انقضَضْنا عليه
كالضباع الضارية. وتعفّفَ شهاب عن الطعام بحجة أن نفسه لا تشتهي اللحم . وهذهِ أول
مرة يخالف فيها شهاب شعاره" السمُ لو كان مجاناً.. إشربه ولاتبالي!". وسمح لنا أهلونا أن نقضي الليلة مع شهاب ،
وانتشرنا على السطح الكبير نغالبُ النوم بالضحك، وبأحاديث المدرسة ، وبأخبار
أساتذتنا المدرسين.. وغريب طباعهم..حتى صرعنا ملك النوم .. فغرقنا في نوم عميق
كأحلى ما يكون . نهضنا صباحاً على لسعة الشمس.. وكان في انتظارنا ماعون كبير من
شرائح القيمر الفاخر، مع إناء مربى سفرجل .. وعمود من أرغفة الخبز الساخن..فأكلنا
هنيئاً، وشربنا مريئاً. وحمدنا الله على الائه ظاهرةً وباطنة، وكان شهاب على حاله
من القلق والعبوس ، وقد سأل والدته عن أبيه مراتٍ ومراتٍ.. حتى ملّتْ إلحاحه.
وزجرته.وقالتْ أخيراً " لماذا تسألُ؟. لقد أخذ معه الجريدة ، وخرج . هل
إرتحتَ؟". فسكت شهاب ولم يعقب.
وكان علينا أن نصعد الى السطح ، ونُنّزل فرَشنا كيلا
تحرقها شمس النهار القائظ، وكنا فوق السطح نلهو ونلعب حين رأينا عمنا " أحمد
فرحان " يدخل البيت. والغريب أن وجهه كان مقلوباً، وعيناه ترميان بالشرر،
وصاح في وجه زوجه" أين هو إبن الحرام؟"مسنا الخوف .. وكان شهاب أشدّنا
فَزعاً، وقد بُهت فلم يعرف ماذا يصنع بنفسهِ، ولاحت على مخايله بوادر الصرَع
والهلوسة. وصاح عمنا "أبو شهاب ".. وهو يسدّ علينا باب الدرج بجذعه
الغليظ: " أتعرفون أين كنتُ؟ أنا أقول لكم. كنتُ في مديرية التربية. وياليتني
مِتّ قبل وصولي اليها. لقد سألتُ عن نتيجة إبني الدكتور الناجح. شهاب أحمد فرحان .
وكانت الجريدة معي . هل تعرفون ماذا قالوا لي ؟. لقد ضحكوا عليّ، حين ظهر أنّ اسم
شهاب طبع خطأً بين الناجحين . أنت راسب ياشهاب .. هل تسمعني؟. راسب بخمسة دروس. ويقولون
لي قرة عينك. ولدَك ناجح. شهاب ناجح"وعَفَطَ أبو شهاب مِلءَ فمه... وأقسم
بالله أنني ما سمعتُ .. ولن أسمع صوتاً بمثل فخامة وعنف وأصالة عُفاط عمّنا أحمد
فرحان. وسكتَ الرجل دهراً، وحين تململ الغيظُ في صدره، تناول عصاً
غليظة في متناول يده ، ثم صاح صيحة طرزانية وقال" الويل لكم ياأولاد
الزنى". وصَعد الدرج أربعاً فأربعاً .. وضربنا الاب الغاضب بالعصا..ضرباً
مبرحاً .. جعلنا نهرب من بيته كالنعاج داهمها ذئبُ أضّرّ به الجوع والحرمان . |