العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

من دفاتري ...

 

قطّة المرحومة ( قدريّة ) ...

 

فاضل ناصر كركوكلي

 

 

                                                       ( 1 )

 

وأخيراً ... ماتت العجوزة ُ الطاعنة بالسن ِّ ( قدريّة ) في غرفتها الدامسة وحيدة ً تاركة قطّتها المرقطة جاثمة ً بجنبها طوال أيام ٍ عديدة حتى عرف الجيران ُ بأمرها فإقتحموا الغرفة وأخرجوا جثتَها لحوشِ الدار ملفوفة ً بلحاف ِ نومها العتيق تبرزُ منه يدُها المعروقة الناحلة ذات الأظافر المتشققة ، فبادرت النسوة ُ فورا ً الى تسخين ِ الماء و غسل ِ الجثة و تكفينِها قبل حضور ِبنات المتوفية اللاتي بدأت مع وصولهن مراسيم ُ اللّطم على الخدود والعويل ُالذي يشق ُّعنان َالسماء امام نظرات الجيران الساخطة اليهن َّ لإهمالهن ّ الطويل والمتعمّد لأ ُمهِن ّ العجوزة ...!!

 

وبعد أيام ، وجدت القطّة نفسها وحيدة تجوسُ في ضوء ِ الشمس المفروش بالباحة و تلبد ُ تحت أفياء ِ شجرة رمّان ضخمة في الفناء متحفّزة تترقب لغطَ العصافير بعد أن لدغها الجوع و أنهكها التعب ُ من محاولاتها المتكررة للوصول الى إلتهام ِ تلك العصافير ، ولكنها إكتشفت ، بعد لأي ، بأنها بدون ِ مخالب وانّ صاحبتها العجوزة كانت تقلّم ُ مخالبها باستمرار و بكل ِّ عنايةٍ و لطف حتى تجرأت الفئران ُ الصغيرة وبدأت تخرج ُ من جحورها لتتقافز أمام أنفِها بلا وجل ، كما أدركت بدهشة ٍ محيّرة بأن بنات َ العجوزة ، بعد وفاة أمهن ّ ، لم يحفلن َ إطلاقا ً بوجودها في الدار ، لا بل كن َّ يركلنها بالأقدام حين تقوسُ ظهرَها و تدور حول أقدامهن ّ تذللا ً و إستعطافا ً لتحصل َ منهن ّ على ما يسد ُ رمقَها حتى وصل َ الأمر ُ بالإبنة ِ الكبرى فبدأت بملاحقتها بفردة ِ نعالِها في طول ِ الباحة ِ و عرضها فاضطرت على اثرها بتسلق ِ سلالم السطح لتقعي على ذيلها في آخر ِ السلم مرتعدة  تشهد ُ على إحتدام ِ الصراع بين بنات ِ المرحومة الى حد ِّ التشابك بالأيدي و جزِّ الشعر و تمزيق الثياب لأجل ِ الإستيلاء على بقايا أغراضها الى أن  وصل َ هذا الصراع ُ في اليوم الاخير الى ذروته ِ حين بادرنَ الى إقتلاع ِ الأحجار المرصوفة  في الحوش والى هدم ِ التنّور وشقِّ الوسائد وفتح ِ أكياس المؤن ِ في السرداب و كسر ِ خوابي المخلّل بحثا ً عن النقود و الليرات الذهبية التي خبأتها العجوزة ُ عن أنظارهن ّ كما  ُكن َّ يعتقدنَ ، وبعد أن يأسن َ تماما ً من هذا الأمر تركن َ الدار ، في آخر المطاف ، قاعا ً صفصفا  بين الشتائم ِ و اللعنات على روح ِ المرحومة أمام أنظار ِ قطّتها الذاهلة ، فأقفلن َ الباب َ الخشبي الخارجي عليها و تركنها في وحشتِها مرة ً أخرى تهيم ُ على وجهها بين الغرف ِ الخالية لتموءَ آناء الليل مستنجدة ً تتضوّرُ جوعا ً ولا تجرؤ للدخول الى غرفة صاحبتها الميتة خوفا ً من أحاسيسها المؤلمة التي بدأت تمور ُ بحرقة في قلبها الصغير المرهف ، فأخذت تدنو من الباب الخشبي المغلق و تقف ُ على قدميها تخرمش ُ البابَ بمخالبها النامية للتو حتى أدمت قائمتيها في محاولاتها العقيمة للحصول ِ على الطعام ....وبعد أيام قليلة شعرت بالوهن ِ في كامل أطرافها و بالصداع و الدوار و بخفوتِ ِ موائها التدريجي فأسبلت أجفانَها وهوت على الأرض تسحب ُ جسدها نحو أفياء ِ شجرة الرمّان إنتظارا ًللموت بعد أن إستسلمت لليأس التام ، فتمددت تحت الشجرة محتضرة الى ظهيرة ِ اليوم التالي ترمق ُ بين الحين و الآخر الى الباب الخشبي متعلقة بآخر ِ خيط ٍ واه ٍ للأمل في الخلاص ...!!

 

وبغتة ً..... إمتدت يد ٌ بضّة  ذات أساور ذهبية  تحمل صحنا ً من الاكل أدخلته ُ عنوة ً من تحت الباب فإندلق َ الآكل من الصحن و تكوّم َ خلف َ الباب ..!!

 

في البداية لم تصدّق القطّة ُ ما رأت لأنها كانت تعيش ، و منذ أيام ، في أوهام ٍ و غيبوبة تتصوّر في أحلام ِ يقظتها كل َّ صنوف الأطعمة ، ولكن رائحة الأكل المتكوّم بدأت تنفذ ُ الى أعماق ِ رئتيها فإستفاقت من أوهامها بكسل وإرتخاء و بدأت تهرول مترنحة نحو الطعام لتتمرغ َ فوقه و تغمر َ رأسها فيه بإشتهاء ٍ لا يوصف ، ثم نهضت متثاقلة من التخمة ِ وَنهلت من الماء المتجمع تحت الحَب ِّ الفخاري المنصوب في مدخل ِ غرفة المتوفية و قبعت هناك ترقب ُ العصافير التي هبطت على الحوش لتتلبّط أمام َ بصرِها كالأسماك ...!!

 

 

لأول ِ مرة ٍ ، بعد وفاة صاحبتها ، شعرت القطّة ُ بأن الدنيا لا تخلو من الطيبة ، فنامت تلك الليلة قريرة َ العين غارقة في غبطة ٍ علوية حتى ترآءت لها بأن صاحبتها العجوزة لا زالت حيّة ً ترزق تنقل قدميها بتؤدّة  فوق أحجار الحوش و تُوقد الفانوس الشحيح تحت ذؤابات القمر ثم تمد ّ يدها المعروقة  و ترفعها عن الارض لتضمّها فوق دفءِ قلبها النابض ، فتقفل ُ باب َ غرفتها بالمزلاج وتنطرح فوق الفراش وهي تحتضنها برفق و تقبلها القبلة الأخيرة قبل أن يغالبها النعاس ُ ليبدأ شخيرُها يختلط  مع شخير ِ قطّتها الرتيب ...

ولآول ِ مرة في حياتها الجديدة شعرت بأن الطعام َ المتكوم يوميا ً خلف َ الباب يكفي لإطعام ِ عشرة قطط سمان و إن الفئران َ و الزواحف و حتى العصافير و الغربان بدأت تشاركها في وجبتها اليومية ، فأخذت تتعافى و تتراكض ُ و تتقافز جذلة و تتشقلب فوق الأحجار وتحد ُّ مخالبها النامية فوق لحاء ِ الشجرة و على الأبواب الخشبية بعد كل ِّ وجبة ٍ دسمة ..!.

 

مرت الأيام ُ تترى على هذا المنوال الى أواخر ِ يوم ٍ غائم من أيام الخريف حين ولجت الإبنة ُ الكبرى من الباب بصخب فغاصت قدميها في بقايا الطعام فإرتفعت عقيرتُها باللعنات ِ على الجيران لقيامهم برمي الزبالة  و الخراء المتعفن  داخل دار أمها كما قالت  والتي تنوي الإقامة فيها مع زوجها الى الأبد  رغم أنف ِ الحاقدين ، ولم ينقطع سيل ُ شتائمها طوال نقل أثاث بيتها التي تولّى الحمالون أمرها  لساعات عديدة ، ففرّت القطّة ُ مذعورة نحو سلالم السطح و منها الى السطوح المجاورة لا تلوي على شيء بمجرد ِ سماعها صوت َ الإبنة الهادر ...!!

 

ففي ذلك اليوم الغائم من أيام ِ الخريف لم تعُد تلك القطّة ُ المرعوبة تظهر ُ ثانية ً في محلة ِ ( حمام مسلم ) بقلعة كركوك .. !!

 

 

 

( 2 )

 

كثرت أقاويل ُ الناس في حارتنا حول مصير القطّة الغامض ، فمنهم مَن قال بأن الإبنة الكبرى أقدمت على خنقها و دفنها تحت شجرة ِ الرمّان ، ومنهم من أفاد َ بأنها دخلت غرفة َ صاحبتها الميّتة وغابت عن الأنظار، أما صاحبة اليد البضّة ذات الأساور ، وهي عروسة حديثة الإقامة بالحارة ، فإنها كانت تؤمن إيمانا ً راسخا ً بأنها لا زالت قابعة خلف الباب تموء ُ و تستنجد ُ ليلا ً و إنها تتسلل ُ احيانا ً تحت غطائها و تلعق ُ يدَها البضّة حتى الفجر ، كما أجهر َ مؤخرا ً بائع النفط الذي ينقل النفط الى البيوت بأنه وجدَها مختبئة في كوة ِ حمام بيت العجوزة شبه محترقة و غارقة بالهباب و الرماد وإنها رجت منه بحرارة ، وهي ترتجف هلعا ً ، بأن لا يكشف َ مخبئها لإبنة ِ العجوزة ... !!

 

المهم ، هذه الأقاويل ُ اصبحت مدار حديث الناس تناقلتها النسوة من فوق السطوح والشرفات و النوافذ وفي جلسات أعتاب البيوت لتنتقل فيما بعد الى الرجال المفتولي الشوارب في المقاهي القريبة ليتلقفها منهم صبيان ُ الحارة الذين تفننوا بكل جدارة في سردِها و تجسيدها بالأصوات و الحركات كلما صادفوا الإبنة الكبرى في الحارة غير مبالين لسلاطة لسانها ولعناتها عليهم والتي أصابها ما يشبه الهذيان والجنون وهي تركض خلفهم بعبائتها و ترجمهم بالحجارة ، وأخيرا ً بدأت تنتابها نوبات ُ عويل أشبه بالمواء المخنوق تستنجد ُ فيه مختار الحارة  بالتدخّل فورا ً ، فإستجاب َ المختار لطلبها وجمع وفدا ً من رجاله ليتقصى حقيقة الأمر متوجهين الى دار المرحومة يتقدمهم أحد ُ العمال برفشة ويتبعهم جمع ٌ من الحارات المجاورة بالإضافة الى أهل حارتنا الذين تجمعوا بفضول فوق السطوح المطلّة للدار ، فوسعوا الطريق للمختار ورجاله أمام الحشد المتجمع في الباب ليبدأوا عملهم فورا ً في حفر ِ الأرض  تحت شجرة الرمّان وفي توسيع ِ كوة الحمام لإستخراج الرماد المتفحّم وتفتيش كلّ شبر من أرجاء البيت ثم عيّنوا أحد  الجرخچية العجائز ليبقى ساهرا ً مع بندقيته  يسترق السمع من الباب لاستجلاء ِ حقيقة المواء المزعوم ، فإنتشى الحارس ُ من أول ليلة من إستكانات الچاي المهيّل التي تمدّها اليه تلك اليدُ البضّة  لكي لا ينام ، ولكنه بعد ليلتين  ُطُرد من عمله بسبب شخيره المموسق الذي كان يصل ُ لسابع ِ حارة  ...!!

 

وبعد أسبوع ، ُأعلنت نتائج تقصّي الحقائق من خلال مؤذن الجامع القريب من فوقِ المنارة ومن خلال مناد ٍ جوّال في الحارات والتي تضمّنت ما يلي :

 

أولا ً.../ إن قطّة المرحومة ( قدريّة ) لم  ُتخنق ولم  ُتدفن تحت شجرة ِ الرمّان ..

ثانيا ً.../ ليس لقطّة ِ المرحومة أي أثر في كوة ِ الحمام ...

ثالثا ً.../ إن حكاية َ المواء خلف الباب ليلا ً لا أساس لها من الصحة إطلاقا ً ...

رابعاً.../ إن قطة َ المرحومة غادرت حارة َ ( حمام مسلم ) نهائيا ً الى جهة ٍ مجهولة ...

خامسا ً.../ ...على الحاضر أن يبلغ َ الغائب ...

 

وبالرغم من هذه النتائج الحاسمة فإن بعضا ً من الأهالي لم  يصدقوها بل زادوا على أقاويلهم السابقة بأن المختار و رجاله وجدوا كنز العجوزة تحت الشجرة اثناء عملية الحفر وتقاسموه خلسة ً مع الإبنة الكبرى بصفقة ِتستّرٍ مريب على قضية ِ القطّة ، فإزدادت الأقاويل ُ ضراوة ً و عنفا ً ... . !!

 

 

( 3 )

 

إستهلّ الصيف ُ بلهاث سعيري يحرق ُ حتى ظلال َ البيوت وأفياء َ الأشجار في الأحواش فإنزوى الناس ُ بمهفاتهم اليدوية في الغرف و السراديب الرطبة يتقلّبون َ من ثقل ِ قيلولات ٍ خانقة ، فإنحسرت الأرجل ُ من الحارة فلم نعد نسمع ُ من البيوت الا ّ صوتا ً جهوريا ً لبلاغ ٍ عسكري من مذياع ٍ بعيد و نحيبا ً لطفل ٍ غارق بالعَرق ورّفة َ جناح ٍ منعش ٍ لطائر ٍ غامض ٍ في شجرة قريبة ...

وكانت الشمس ُالنازفة في ذلك الصيف لا تقوى في الغروب على الإنزلاق من الجدران العالية الا بالدماء حين تمتزج ُرائحة ُ الثوم المحروق في البيوت برائحة ِ الدهون المقليّة فوق حبّات الرز إنتظارا ً للعشاء في الباحات و أحيانا ً فوق السطوح المرشوشة بالماء هربا ً من الإختناق و إحتفاء ً لمرور نسمة ٍ طريّة ٍ عابرة ، فتزداد النجوم ُ المشعّة غبَّ المغيب إلتصاقا ً بالسماء خوف َ التساقط  فوق السطوح العالية المزدانة ِ بأكواز ِ المياه و حزوز البطيخ الأحمر .....!!

 

ففي منتصف ِ شهر تموز من ذلك الصيف السعيري صعدت حارات ُ قلعة كركوك من الجحيم فلم نعد ، نحن الاطفال ، نسمع ُ شيئا ًعن قطّة المرحومة ( قدريّة ) ولا عن هذيانات إبنتها الكبرى وجنونها فهوت أنفس ُ الناس الى قعر ِ ذواتها تبحث عن ملجأٍ في كينونة مشروخة تسعى الى تأسيس رغائب جديدة في حياة ٍ غير مضمونة ٍ تحت الشمس ، فإنقلبت قصص ُ العجائز عن العفاريت والجان والخوارق حول المواقد ِ الى قصص خناجر ِ الغدر ِ و الطعن بحراب ِ البنادق غيلة ً والى قصص الدماء المتيبسة فوق الاعمدة  و على الإسفلت الذي يلفظ لهيبا ً وقصص رجال تحولوا الى خضيب الدماء  فذابوا مع أرديتهم كالشموع على الأرصفة فإنطفأت قناديل ُ الليالي في السطوح وتسربلت المدينة ُبالظلام و تلحفت النسوة بالسواد الذي بدأ يخيم على المقابر وفوق الجثث التي حامت عليها الهوام لثلاثة أيام ٍ بلياليها ، فأخذت الألعاب القديمة لصبيان ِ الحارة تأخذ  شكل َ سيوف الخشب و مسدسات عظم الخروف بعد أن غادروا الى الأبد ألعاب َ الطائرات الورقية وفقاعات الماء الملونة المنطلقة من أعناق البكرات الخشبية ، فلم تعد ُ البراءة ُ في أحداق ِ الأطفال تشفع ُ لحنينِهم الجارف نحو الرجولة ِ المبكرة ، لقد  ُثلمت ذواتهُم بلمعات ٍ شريرة للخناجر المسمومة بحيث أصبح الزمن ُ في  تقلباته محض وهم مراوغ وأضغاث أحلام ٍ مخادعة في نفوس الناس التوّاقة الى أحلام ِ ماض ٍ سحيق تشع ّ أنوارُه في واحة ِ إخضرار ٍ عميق الغور حتى قدوم نهاية ُ شباط من تلك السنة المنحوسة التي عصفت فيها الرياح ُ المصحوبة بالأمطار والرعود فأدّت الى إنهيارات الجدران المتشققة وخلع الأبواب العتيقة والى إقتلاع ِ الأشجار من جذورها في بعض البيوت فسُدّت النوافذ المطلة على الأفنية الداخلية بإحكام و بمزيد ٍ من الدعائم  والمسامير وإرتفعت المياه في مجاري الحارات و إقتحمت أحواش َ البيوت من خلال خصاصات الآبواب ، فساد ظلام ٌ مخيف في بيتنا القديم في الحارة بعد إنقطاع التيار الكهربائي إثرإنفجارات مروعة للرعود التي تسبقها بروق ٌ زرقاء يتتابع ُ وميضُها الذي يخطف الأبصار فوق زجاج نافذتنا الكبيرة المطلّة على فناء الدار ، فنرتعد ُ في غرفتنا خوفا ً بعد كل ِّ ومضة ٍ خاطفة و نسحب ُ أغطيتنا فوق رؤوسنا و نحن نرتجف ُ بهلع ٍ مشوب بلذة ٍ وثاّبة غامضة تحتلّ ُ كامل َ كياننا الصغير ، وكان بيتنا المتداعي يهتزّ ُ من الأساس بعد الرعود ِ المدويّة فنضطرّ ُ الى إطلاق أناّتٍ متقطعة أشبه بالبكاء وأبصارُنا متعلقة على النافذة من تحت زوايا ألحفتنا كاتمين أنفاسَنا في حلكة ِ الظلام لا نجرؤ على الإستنجاد  بأبوَينا الغارقَين بالنوم  في الغرفة المجاورة ...

 

 وفجأة ً ... ظهرت ظلال ُ شبح ضخم لقطّة سوداء على النافذة منتصبة على قائمتيها ، فإنتفضنا هلعا ً ، وبدأنا نصرخ ُ و نعوّل منتشرين في زوايا الغرفة مع أغطيتنا نرقب ُ شبح القطّة الهائل الذي كان يضيء و ينطفيء تحت ومضات ِ البروق ِ ، لقد كانت القطّة ُ تطلق ُ صراخاتا ً مدوية  و موائاً عاليا ً يشبه عويلا ً بشريا ً ينطلق ُ من أعماقها وكانت تكشّر عن أنيابها وتطلم ُ الزجاج وتحفره بمخالبها بتتابع ٍ سريع ، كانت تنتحب ُ تحت البرد و الأمطار وحبات الحالوب مثل أمٍّ ثكلى فقدت جميع َ أبنائها ، وكانت في وقفتِها وراء النافذة و ضرباتها الجنونية على الزجاج كمن يتقطّع بسكاكين ٍ حادة فينتفض ُ كلما تزداد آلامُه الحادة فبدأت تكيل ُ ضرباتا ً أكثر حدة ً وعنفا ً على النافذة حتى أوشكت أن تحطّم َ زجاجَها وتقتحم َ غرفتَنا فهرعت الوالدة الى غرفتنا إثر الفوضى والصراخ العالي ووقفت تنظرالينا والى القطّة المجنونة بذهول لدقائق معدودة قبل أن تهتف  بفرح ٍغامر ...

 

 

-  إنها قطّة ُ المرحومة ( قدريّة ) .. إفتحوا النافذة حالا ً ...!!

 

لم يتحرك أحد ٌ من مكانه من هول ِ المفاجأة فركضت الوالدة  نحو النافذة  و فتحتها على  مصراعيها فوثبت القطّة ُ بلمح البصر من النافذة بكامل بللِها وولجت غرفتَنا و إختبأت  في غرفة ِ المؤن الصغيرة بسرعة البرق ، فساد في غرفتنا هدوء ٌ مشحون  بترقب  حذر أطلقت  فيه القطّة عويلا ً أخيرا ً مؤلما ً يشبه ُ نحيبا ً موصولا ً  لأنثى تتقطّع ُ أحشائهُا ثم همد كلّ شئ  فلم نعد نسمع في الغرفة  أية  نأمة  الا أنفاسنا المتقطعة  وهدير رعود ٍ محتقنة أخذت  تنأى  في سحب ٍ تتلاطم ُ و تومض في أفق ٍ بعيد ، فأشارت الينا الوالدة بصمت بأن نعود َ الى فراشِنا وأغطيتنا لننام ..!!

 

في  الصباح  ،  كانت  زرقة ُ السماء عميقة ً و مضيئة  بعد  أيام ٍ من  العواصف  و الرعود وكانت خيوط ُ الشمس تتسرب ُ من النافذة بإشعاع ٍ باهر وكأنها تحررت من أردانِها بعد تململ ٍ طويل بالنقاهة ، وبدأت زقزقات العصافير تتواثب ُ بين الأغصان بإستيحاء  لتعلن بشارة َ يوم ٍ وامض يشبه نكهة فاكهة لذيذة ، فقفزنا من فراشنا و تربعنا فوق الأغطية بفرح لا يوصف ، فحضرت الوالدة وهي تمشي على رؤوسِ أصابعِها بتوجس ومضت صوبَ غرفة ِ المؤن بعد أن أشرت لنا بسبابتِها بأن نلتزم الصمت ثم أدخلت رأسَها داخل الغرفة ِلفترة ٍ وجيزة عادت بعدها  تنظر ُ الينا بابتسامة ٍ حلوة قائلة ...

 

-  تعالوا ... انظروا ..!!

 

فأدخلنا رؤوسنا معا ً الى الغرفة ووجدنا القطّة َ مضطجعة على جنبِها تنظر ُ الينا بعينين تشعان إمتنانا ً تتقافز فوق بطنِها وأثدائِها قطط ٌ صغار ولدوا للتو يتزاحمون كالعميان للوصول الى أثداء ِ الأم ، فصرخنا معا ً ...

 

- إنها ولدت ...!!

 

فأردفت الوالدة بشرود و ظلال ُ دموع لامعة  تدور في مآقيها ...

 

- نعم ... كان مخاضُها عسيرا ً ...!!

 

وبعد أقل من ساعة إنتشر خبر ُ قطّة المرحومة ( قدريّة ) في كل حارتنا فتعالت زغرودة  ذات  رنّة ٍ خاصة  من بيت العروسة  الحديثة  بالحارة  ذات اليد البضّة و الأساور الذهبية ..!!

 

______

              

 

فاضل ناصر كركوكلي                

گوتنبورغ – السويد