العراق الجميل موسوعة تركمان العراق


نص كتاب (ذاكرة كركوك)

 

فاروق مصطفى

 

مقالات كركوك  2009

 

هوية الكتاب

اسم الكتاب : ذاكرة كركوك

اسم المؤلف :فاروق مصطفى

نوع الكتاب : ذاكرة المكان

تاريخ ومكان الإصدار : كركوك 2009

رسمة الغلاف : ضياء العزاوي

تصميم الغلاف : مكتب المعين للحاسبات

 

إن لكل كاتب أصيل نبعاً واحداً يغذيه طوال حياته

                                                                                                البير كامو

 

انه لمر وحلو معاً الإصغاء في ليالي الشتاء

قرب النار التي تختلج وتدخن

إلى الذكريات البعيدة المتصاعدة بهدوء

على وقع النواقيس الصادحة في الضباب

                                                                                                 بودلير

 

من زوايا بيتي الأربع

تسكب المزاريب ذكراك

                                                                                               تريز عواد 

 

إلى

ذكرى الراحلين العزيزين

شقيقي عبد الرحيم مصطفى الإنسان الرائع

التمدن الذي لم يكف يوماً من

سقي شجرة السخاء

وصديقي قحطان الهرمزي الذي

عشق كركوك حتى الأعماق وروّى

حدائقها بأعذب كلماته

 وأجمل موسيقاه

 

عندما تنادم قمصان كركوك البيضاء رياح الشتاء

 

1.      قميص طريق بغداد

(أشجار النخيل البري صف طويل لنهودٍ هاربةٍ من صدورِ العذارى الحبيسات خلف زنزانات تتأرجح على أسلاك أعمدة الشتاء النافرة الأصابع على الجُُُبُنِ المذهولة بِدهشةِ الحبر المندلق من دفاتر الضوضاء)

******

2.      قميص مقهى المحطة القديمة

(الدفلى , الدفلى, الدفلى

الدفلى تكوم النشيج عند بوابات الأمطار

عشاق صغار يغوون الصباح

بلثمِ يبيسٍ يطيرْ

صياحاً وتيناً جفيف

شتاء أخر يكوم الموتى في الصَلواتِ الوثينة

الدفلى والقطار

مقهى يجمهرُ الصحاب

ويقرا لعيونهم

المراثيَ الأخر

 

 

3.      (قميص لقيلولة كاوور باغي)

أشجار الزيتون في خرائط طفولاتي الحبليات بالأشباح والنزهات المضببة والثياب المهومة الأجساد التضحك في ممرات الغمائم القائدة الفتية إلى جواثيم التمرغِ في الأحضان المغسولة في لحم الفرح ونشيش الرغبة.

 

****** 

 

 

4.      قمصان دراويش المحلة

(هم يأتون من الليل

يعدون إلى معاطف النهار

يبكون من ذِكْرٍ يتجلى

ينتشون من سكر يدبُّ

في مفاصل يذبحها الوجدُ

يطربها الهتافِ

أنهم يمضون كصياح يتلهف

ليدحرجوا أحزان الأصبحة الصغيرة

في طرقات الخبز لمواسم الشتاء

أصابع تسقط القصائد الخشبية

على مرأى الساعات المنزلقة

من جيوب أيامنا العرجاء

****** 

 

5.      (قميص ثانٍ لطفولة جرت ميدان)

تفتحون طفولتي ترحل منها أعشاب الدكاكين التعبى ومنزل ينشج في المزاريب وأب ينادمُ توتته الأليفة, يملاْ جيوبه بروائح الخبز والنساء الهرمات, تخترقون طفولتي يصادر الشتاء منها أقدام الرفقة الهائمة في برك العشق والاستمناء, عيونكم تصلي لشقاوة الكرة وتتمسح بمناديلِ هَواي.

 

مقاهي

جرت ميدان

"وأنا أشم تناجيات المقهى الناعس"

أعوامي الخمسون تتدحرج أمامي بتدحرج الجسد الواهن، أهبط ويهبط الغسق الواله في مساء كركوكي حزين يغلف الجدران العتيقة وبوابات الدكاكين الصدئة ومع اغتسال سوق "القورية" بالاكتظاظ المسائي أغتسل بأصوات الباعة وصرير العربات وأبواق السيارات وروائح الشتاء المميزة في هذه الأمسية المعلمة بالكهولة وتسكعات التذكر المبتلة بالحنين إلى كل الأشياء التي تهرب وتسيل من بين أصابع المرء. وهل في مكنتي الآن وأنا أنضج كهولتي المبكرة أن ألملم تلك التناجيات والنتوءات والدهاليز والنداءات والصرخات في حقائب العمر، لا يصدق القلب أنه أحرق وراءه كل هذه الأعوام بأحلامها ومناحاتها وكوابيسها ولا يصدق القلب بعد هذا العدو الطويل وراء تلك الجمرة التي لا تلمس يقبض على أشياء ممسوحة بالهواء وعندما يصحو يجد الشمس التي تغزل بها طويلاً قد توارت والبرد يخترق العظام والظلام يغسق ويحضن دور "جرت ميدان" الوادعات والتي تلمس أطرافها جدران مقبرة "سيد علاوي" وأسوار بساتين "ﮔاوورباغي" . الحي في الخمسينات يشتعل بمقاهيه وتلتهب معها لذاذات الأماسي ومنادمات الصحب ومعاشق الفتيان وحكايات المغامرين وحكم الشيوخ، سألني مرة أحد الأصحاب : في أية جامعة تخرجت ؟ أخبرته بأني خريج أكاديمية جرت ميدان التي تعلمت فيها حب البساطة وعشق الفقراء وألفة الجيرة وأسرار الحكايات المطلسمة .

ومن جرت ميدان إلى ساحة الطيران كان العديد من المقاهي يفترش جانبي الشارع ولكل مقهى دائرته المخضرة وأشجارها الفارهة وعرائشها المتسلقة ، ومع ساعات العصارى كانت تمتلئ بروادها الذين يملؤون أركانها ببركات أنوار وجوههم ومنادماتهم التي تتبلل بمودة الإنسان للإنسان وأستطيع أن أعد لك هذه المقاهي مقهى وراء مقهى ، كل واحد منها يشتهر باسم صاحبه ، والآن كل هؤلاء الآلاف ودعوا عالمنا وتركوا لنا في الذاكرة المضنكة هذه الخيوط الرقيقة من الاستذكارات المجتزأة أقف تحت أنقاض بعض هذه المقاهي لأربط الخيوط ببعضها البعض لتشتعل المخيلة وتنبجس الأضواء، حتى أن والدي كان يملك واحداً من هذه المقاهي وإلى اليوم مازالت شجرة توت معمرة شاخصة أمام المقهى الذي شيده عام 1937 وهو جزء أستل من دارنا بواجهتين وغرس أمامها العديد من الأشجار كان يحبها ويتعامل معها ككائنات حية ولكن الأيام أسقمتها وأذبلتها ودب الجفاف في عروقها، هذه التوتة الباسلة عندما أمر قربها أسمع كأن والدي يناديني بالدخول إلى الدار لقد انقضى النهار وانتهت ألعاب الأولاد وحان وقت العشاء والدراسة . يحتل المقهى ركناً دافئاً في الذاكرة حيث كان يغلق ساعات النهار أيام شهر رمضان ، كنت أتسلل إلى داخله من باب خلفي مستمرئاً رطوبة المكان وبرودته والموسم قائظ والساعات طويلة والماء ينقط من الحب والظلال تنعكس من بين ثقوب بواباته راسمة ألواناً وأطيافاً شتى، ولنا في المقهى "حاكي" غرامفون يشحن باليد وعشرات من أسطوانات الجقمقجي وغيرها في أيام الخميس والجمعة يكون لدينا رواد من شرائح الجنود لقرب موقع المقهى من المعسكر ، كانوا في غالبيتهم من المدن الجنوبية فيلحون في طلب الاستماع إلى (خضيري أبي عزيز) ومؤدين آخرين ينحدرون من مدن الجنوب ولا أنسى أغنية "عمي يا بياع الورد" و "للناصرية" هذه الأغاني الشجية التي كانت تخترق أعماق الجنود وهم يحنون إلى مدائنهم ويشتاقون إلى ذويهم ، في بعض الظهائر القائضة يتركهم الوالد يقيلون ساعات القيلولة ، يحلمون ويتمتعون بأطياف أحبائهم .

لم يكن التلفزيون قد حل في المعشوقة كركوك ولكن كنا نملك جهاز مذياع بحجم كبير وكان هو الآخر معشوقاً بأغانيه ومرغوباً لنشرات أخباره وفي ساعات الصباح والمساء للاستماع إلى تراتيل مؤثرة من آي الذكر الحكيم .

في الشتاء تزغرد داخل المقهى مدفأة نفطية تتوسطه تضفي على جوه طقساً عابقاً من الدفء الشجي ، أما في الصيف فيحلو الجلوس أمام المقهى تحت الأشجار بعد أن ترش الأرضية بالماء فيتقاطر أهل الطرف إليه يحتسون الشاي ويعلون قناني العصير والسيفون وربما مر بعض الغرباء يستريحون ويتناولون شرائح من الرقي والبطيخ على صوان معدة لهذا الغرض وفي نفس الوقت تأخذ الحياة إيقاعها الساحر في المقاهي الأخرى التي تمتد أقدامها من جرت ميدان إلى ساحة الطيران، وثمة ساحة تواجه مقهى الوالد وهي رحبة خالية مهندسة مستطيلة الشكل، بعض الجيران يعمد إلى فرشها بالبسط وإشعال النار وتسخين القهوة والسهر هناك مع قمر الصائفة الذي كان يهبط إلى حيّنا بحثاً عن الأطفال الذين يلعبون ويغنون ويشاركهم أحزانهم لأن يوماً آخر سينقضي ولابد من الإيواء إلى المنزل في انتظار يوم آخر تطل عليهم شمسه الجديدة .

مل الوالد العمل في المقهى فأراد أن يتعاطى حرفة أخرى فباع كل الأغراض المتعلقة بعمله وحول المحل إلى فرن للصمون الحجري وظل يجرب عمله الجديد إلا أنه وجد الرزق لا ينبسط له كما كانت الحال في عمله السابق فأجر المحل وتقاعد عن العمل ، ثم عاد المحل إلى زيه القديم ولبس لبوس مقهى جديد وتحول والدي إلى جليس في مقهاه ، كان يجالس أصحابه ويسرد عليهم حكايات مغامراته عندما سيق إلى "سفر برلك" أبان الحرب العالمية الأولى وهكذا هي حال الدنيا فالإنسان يصعد خشبة مسرح الحياة ولا يعرف ما الأدوار التي تنتظره ولا الممثلين الذين سيشاركونه في تمثيل تلك الكومي التراجيدية التي نطلق عليها الحياة .

أوقفني رجل في ميدان "احمد أغا" قال لي : إني أعرفك وعرفت والدك ومقهاه ولكن لماذا تغيرت كثيراً . وكيف تريدني ألا أتغير إذا كنت رأيتني إبان الخمسينات وها هي عقود خمسة تكتمل وتريدني أن أتقولب في شكل ويتجمد من حولي الزمان، فأسمح لي أن أعود إلى توتتي الشامخة لأقف إزاءها وأنادي رفقتي الذين كنت ألاعبهم أيام صباي فلن أقع إلا على مكتهلين قد سارت عليهم عربات الأيام أتمسح بالشجرة علي أسمع تناجيات المقهى الناعس . فهو الآخر تحول إلى محل لتوزيع الطحين على المواطنين يتجمهرون للحصول على حصصهم وأنا أتدحرج في تناجياتي ويصافحني الشتاء وأتجمهر في أحلامي التي تتسكع على حافات الذاكرة المضنكة .

 

سليمان مصطفى في سوق القورية1953

 

إعدادية كركوك

وداعاً أيتها الأحلام البونابرتية

 

عندما وقع بصري اول مرة على اعدادية كركوك, كانت بنايتها وساحاتها بدون اسيجة واسوار, البناية الرئيسة قائمة تمتد امامها حديقة خضراء معرشة بشجيرات الورد وملاعب الرياضة واللعب قائمة خلفها, تلاميذ وصبيان يتوزعونها بين لاعبٍ لكرة القدم ورامٍ لكرة السلة وبين من يعدو أو واقف على ما يجري, كنت في تلك الفترة خمسينيات القرن المنصرم تلميذاً في مدرسة المنصور الابتدائية وقد اخذنا معلمنا في مادة التربية الرياضية إلى ساحة الإعدادية لإجراء تمارين الألعاب السويدية واختيار من يصلح منا لتمثيل المدرسة في الاستعراض السنوي بهرن مرأى الإعدادية قياسا إلى بناء مدرستنا المتواضع والمستلقي في احضان بساتين كاوور باغي على اية حال تمتعنا بهاتيك السويعات التي انقضت بلمح البصر, وقررت  مع نفسي الا اقطع زياراتي إلى ساحاتها ومحادثة لِداتي في المحلة عما شاهدت بعد أن اجتزت ساحة السباع- ساحة العمال- فيما بعد ورايت عدة دورات خضراء جميلة وجزرات مزينة بجميلات الزهر وبهيات النبت, قلت في نفسي لابد من مصادقة تلك الملاعب وبالفعل وجدت نفسي مرة أو مرتين قبالة بناية الاعدادية وكنت مبهوراً بهندستها وشجيرات الورد التي تعرشت مخيالي وقد اصبحت جزءاً من تراث الاعدادية وعندما وجدت شخصي تلميذاً فيها في الرابع الاعدادي بفرعه الادبي كانت الشجيرات صديقاتي اللواتي أستروحهن اثناء الفرص وإلى هذه الساعة مافئت تضوع علي بضوعاتها الفاغمات.

في أوائل ستينات القرن المنقضي قبلت انا ولفيف من التلاميذ في الرابع الاعدادي ولكن إدارة المدرسة كانت تهددنا بنقلنا إلى مدارس أخرى تشتمل على الدراسة الادبية وهي تخيرنا بين منطقة(تسعين) أو(المصلى) ولكننا تشبثنا بالإعدادية لكون مساكننا قريبة منها وقد تعللت الادارة بعدم توفر صف لنا كانت هذه الامور تُثير همومنا ما الذي نفعله في تلك المناطق النائية وقد خرجت علينا الادارة بأمر آخر هو اننا مشاغبون, ومشاغباتنا تقلق سير التدريس, تركنا اسبوعاً أو اسبوعين نتأرجح بين النقل أو البقاء وبعد ذلك توصلت الادارة إلى فكرة تحوير قاعة الرياضة إلى صف لنا وبهذا تحل المشكلة وبالفعل جُلبت قطع الاخشاب الخفيفة - الفايبر- واقاموا لنا ما يشبه الجدار, ودخلنا تلك القاعة وليست إلا ايام واذا بذلك الحائط الخشبي ينهار وتتطاير قطع الاخشاب, وتعلو ضوضاء التلاميذ, يبدو أن مشاغباتنا لا تعرف الانتهاء واخيراً امتدت إلى ذلك الحائط الاثير, وكان ذلك بمثابة منجاة لنا من النقل والتشرذم, المهم وصل الخبر سريعاً إلى الادارة وأطل علينا المدير الاستاذ المرحوم (أكرم عمر أرسلان) فأُغرقنا في شلالاتٍ من السباب التربوي وأردف في ذلك المعاون الاداري الاستاذ (شمس الدين طاهر) ونحن ساكتون كأن الطير حط على هاماتنا, الادارة تطالبنا بتقديم اسماء الفاعلين ولكن من الذي يتجرأ على الخيانة؟ فالويل له, ثم نعاقب عقاباً جماعياً وذلك بفصلنا ثلاثة أيام وتغريمنا بالمتضررات.

عدنا إلى المدرسة واوقع الله الرحمة في قلب ادارتنا العتيدة فتركتنا أن نعود ثانيةً إلى صفنا الجريح ذي الحاجز المرقع بتلك الرتوق الخشبية وامتدت الايام وانقضى العام فوجدنا انفسنا في صف متقدم ومنحتنا الادارة آخر غرفة في البناية وهي الغرفة الملاصقة لقاعة الرياضية وتطل نوافذها على الساحة الخلفية حيث اصوات الطلبة المتبارين وصبيان المحلة المتلصصين تغزونا وتقتحم عقر دارنا وكثيراً ما كانت احجارهم التي يتقاذفونها تصل الينا, مرة اندفع حجر في سرعة اعصار بعد أن اخترق الزجاج وكاد أن يصيب احد اساتذتنا ولم ندر اكان ذلك الاستاذ هو المقصود بذلك الحجر أو جاءه سهواً إلا انه علق عليه قائلاً: كأنه الطلقة.

في مرحلتي الرابع والخامس تناوب في تدريسنا لمادة اللغة الانكليزية ثلاثة من كرام المدرسين اولهم الاستاذ (عزيز صبور) حيث درسنا في مرحلة الرابع وبعد ذلك الاستاذان: شمس الدين طاهر وعز الدين وقد احببنا الانكليزية من طرائق تدريسهم ومحاولاتهم الجادة في تحبيب المادة إلى نفوسنا,وما يتعلق بالعربية وآدابها فقد درسنا طوال سنتين متتاليتين الاستاذ والدكتور فيما بعد (محسن عبد الحميد) وقد ترك صوته الجهوري وفصاحة وجزالة الفاظة العديد من الذكريات, ولا ننسى دروس الانشاء التي كان يحولها إلى سويعات من الثقافة والامتاع الفكري وبالاخص عندما كان يوجه لنا السؤال التالي: ما آخر كتاب طالعته؟ فكان الدرس يتحول إلى تجوال ثقافي ماتع بين ميادين الكتب, واتذكر دوره في تعريفنا وتشجيعنا على قراءة عملين رائعين هما (رفائيل) للشاعر الفرنسي (لامارتين) و (آلام ﭭرتر) لشاعر المانيا (جيتة) وكلا العملين من تعريب الاستاذ (احمد حسن الزيات) صاحب مجلة الرسالة, وبالنسبة إلى دروس التاريخ قام بهذه الهمة الاستاذ المرحوم (علي عباس) ويتذكر المرء جيداً محاضراته عن (نابليون بونابرت) وحروبه التي دوخت اوربا ودوخت اعصابنا في الدراسة والحفظ وكذلك بهرتنا طموحاته ومغامراته وجنوناته, وكنا نحن الطلاب ننبهرُ بغزوات هذا القائد المثير وهو ينتقل من حملاته على مصر وانجازاته هناك ورجوعه إلى فرنسا ومعاركه في ايطاليا واسبانيا واقتحاماته متاهات الثلوج في صقيع روسيا الذي لا يقاوم وأخيراً هزيمته النكراء في موقعة (واترلو) ونفية إلى جزيرة (سانت هيلانه) كنا نصغي إلى هذه المحاضرات التي تدور حول نابليون ونحن من مقاعدنا الصلبة الباردة نحلم احلامنا البونابرتية أو قل أحلاماً الدونكيشوتية, ونحلم وقد خرجنا شاهرين سيوفنا أو رافعين اقلامنا واعلامنا نريد أن نغير العالم في دواخلنا شغف لأحتضان الحياة وفي اعماقنا شوق لهدم العالم القديم وفي قلوبنا تحدٍ لكل ما يسيء إلى كرامة الإنسان ومقولة الكاتب اليوناني (كازانتاكيس) صاحب كتاب (زوربا) تتكسر في دُخيلائنا:-(سأظل أحدق في الشمس حتى يجف بصري), وينتهي العام الدراسي وأودع الدراسة الاعدادية ثم تمضي بيّ السنون وأجد نفسي كهلاً استجدي الدفء أمام بوابات كركوك وليس لي من غداء في الذاكرة الفقيرة إلا تلك الشجيرات المثقلة بالورد والتي كانت تزين الباحة الأمامية لأعدادية كركوك وكذلك رحبتها الداخلية المعرشة بهاتيك الضوعات الفاغمات.

 

فائق مصطفى واصدقاء جرت ميدان

 

 

السينمات الشتوية

بيوت من الحلم يرتادها المتعبون

1. بيوت الحلم

وأنت تمر من أمام صالات السينما في كركوك تتألم لما آلت إليها أمورها من هرم وخراب وإهمال فقد أزيل بعضها وأحيل البعض على المعاش ، وهي إلى الأمس القريب معلم من معالم المدينة ، تمنح البهجة لروادها وتهب المتعة لجمهورها ، وتتألم عندما تمر من أمام سينما (الحمراء) فصالة عرضها الصيفي استحالت إلى مراب ومتجر وصالة عرضها الشتوي هي الأخرى استحالت مخازن للكماليات وأما سينما (العلمين) فقد أزيل كل أثر لها وأقيمت على أطلالها عمارة حديثة ، ولا أدري لماذا أهمل أصحاب سينما (أطلس) هذه الصالة الرائعة والماتعة والتي كانت شاشتها مثار إعجاب أهل كركوك إبان افتتاحها ، والصالة باتساعها وفخامتها وضخامتها استطاعت أن تؤثر على كل شارع الاستقلال والذي أصبح يعرف عند أهل مدينتي بـ(شارع أطلس) والآن غابت الصالة وحتى واجهتها أصبحت مطعما يقدم المأكولات السريعة ، وآخر مأساة حلت بدور سينمات المدينة هي اشتعال النار في صالة (صلاح الدين) ذات الواجهة المهندسة الأنيقة ، تذهب لقمة سائغة لألسنة النيران ، وفي العقود السابقة لحق الهرم ودبت الشيخوخة في كل مفاصل السينمات الصيفية ، فكانت الواحدة تلو الأخرى تتقاعد وتتحول من نوافذ مضاءة حسنة النور في ليل كركوك إلى محال منطفئة خرساء ويخال لي أن وباءً مطلسماً فتك بأجساد كل هذه البيوت الجميلة التي كنا نرتادها نحن الأتراب في فترة طفولتنا وصبانا وشبابنا ، ولم تكن الأشرطة التي نحضر لمشاهدتها مجرد أفلام سينمائية وإنما كنا نبحر في عبابها فبمجرد ما تنطفئ الأضواء وتشتغل الشاشة السحرية كانت مخيلاتنا بدورها تشتغل مع هذا العرض الساحر، ننفعل، نتحمس، نبتهج، نبكي، نضحك وكأن الأبطال الذين نشاهدهم على الشاشة هم نحن، آلامهم آلامنا، أفراحهم أفراحنا ، وكنا نستعد لمشاهدة هذه الأفلام بشعائر خاصة وطقوس مميزة وكأننا في كرنفال خاص وحتى عند انتهاء الأفلام كنا نغادر ولا ننقطع عن مناقشة مجريات الأفلام ونحن سعداء بما نقدم من وجهات نظر متواضعة في فهم طروحات مخرجيها وإذا وجدنا شيئاً التبس علينا في ذلك الفهم أعدنا مشاهدة الفيلم في اليوم التالي حتى يتضح ما غمض علينا.

2. أصدقاء المطر :-

عندما كان الشتاء يعبث بأصابع كركوك وتستسلم المدينة لرياحه المزمجرة كنت أبحث عن ركن دافئ في صالة من صالات العرض الأربعة وبمجرد دخولي إليها أبصر أصدقائي الثلاثة : عادل ، عدنان ، فاضل هؤلاء الثلاثة الذين كانوا عشاقاً للفن السابع ومن طراز نادر كنت أشاهدهم يجلسون في زاوية من الصالة يرتجفون من البرد وقد ابتلت معاطفهم من أمطار الشتاء، ولكن كل شيء يهون سيبدأ العرض عما قليل وتشتعل الشاشة البيضاء ومعها ستتكهرب مخيلاتهم وتتهيج عواطفهم حتى النخاع، لقد كانوا يشيدون عوالمهم على ما شاهدوا من أشرطة سينمائية وعند انتهاء عرض الشريط كانوا يخرجون وقد تقمصوا أبطاله وتلبسوا شخصياته ، لقد كانوا عشاقاً نادرين وصحباً حميمين لصالات العرض دون أن يفوتوا أي فلم من الأفلام التي تدارُ فيها حتى أنهم كانوا يجمعون كل الإعلانات الورقية التي توزع للدعاية والإعلان ، وهم أثراء على قلبي أودهم يودونني يكشفون لي عن مخططاتهم المستقبلية والتي شيدوها على ما شاهدوا من قصص سينمائية ، فقد رحل (عادل محمد سعيد) مبكراً إلى أوربا واستقر فترة في السويد ثم غادرها إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، وأخر خطاب تلقيت منه كان عام 1981 وهو يصطاف في اليونان ثم انقطعت أخباره عني ، وعدنان الصديق الوديع والإنسان الطيب وافته المنية أوائل التسعينات بعد أن عانى من مرض السكر ، وأما فاضل خطاب فقد غادرنا إلى تركيا إلا إنه لم يمكث طويلاً في بلاد الأناضول فقد هبط كركوك ثانية بعد انتقال والده إلى جوار ربه ، آبَ ليستلم أمور العائلة . فظللنا نتردد على دور السينما نحلم بالبحار والأسفار ونتخيل النوارس البيضاء التي ترفرف بأجنحتها الملائكية على ضفاف البسفور فجأة في صائفة عام 1982 تركنا فاضل إلى البلاد التي حلم بها طويلاً ليتجول ويضيع ويهيم في حانات العالم السفلي وعندما أتذكر أصحابي الثلاثة أتذكر كل دور السينما في كركوك ومعها أجمل الأفلام التي شاهدناها معاً وصنعنا منها عجائن لأحلام أحرقت قلوبنا وأعصابنا ومخيلاتنا .

 

3. ولـ(سينما غازي) قمصان عشقنا الطفولي :

من أقدم السينمات المشيدة في المدينة صالة سينما غازي والتي كانت تقارب موقع الجسر الحجري القديم ، أتخيل قاعتها وأتخيل معها أيام العيد لأن الأشرطة التي عرضت في هذه الدار والتي علقت بذاكرتي الفقيرة هي أفلام العيد : قبائل نيوكا ، فلاش كوردن ، الملاك الطائر ، طرزان ، قاهر الجواسيس وغيرها ، هذه الأفلام التي عشقناها ونحن صغار ، كنا نشاهدها ثم نعيد تمثيلها في المحلة أو داخل بيوتنا أو في بساتين ﮔاوورباغي إلى درجة كنا نؤمن بأن أبطالها حقيقيون وكان بعضنا يجزم بأنه شاهد (طرزان) يتسلق شجرة من أشجار الزيتون أو الملاك الطائر شوهد وهو يحلق في سماء المدينة لقد كبرنا مع قصص هذه الأشرطة ، وبعد ذلك تعرفنا على صالات السينمات الأخرى سينما العلمين في شارع الأوقاف مازلت أبصر نوافذها تغلق بواسطة حبال طويلة مع بدء العرض ، صالة صغيرة تفوح منها رائحة القدم ولها طابق علوي ولكني لا أستسيغ الجلوس إلا في الطابق السفلي الذي يعبق بروائح أدخنة السكائر المعسلة ، مع هذا تمتعت بمشاهدة روائع الأفلام فيها والتي أصبحت في أيامنا هذه أفلاماً كلاسيكية ، وفي سينما أطلس لا أنسى مشاهدتي لفيلم (وداع للسلاح) وهو معمول على رواية لـ(أرنست همنغواي) وبنفس العنوان من بطولة روك هدسن وجنيفر جونس ، كان مساءً ماطراً ورياح الشتاء تعوي عندما دخلت الصالة وكنت مبللاً بالأمطار وفي الفيلم يستمر المطر في تدفقه وتهطاله وللمطر رموز خاصة عند الروائي (همنغواي) وهو فنان الفشل البطولي فالإنسان عنده في آخر المطاف قد يتحطم إلا أنه لا ينهزم وللآن أبصر وجه البطل عندما تلقى خبر وفاة حبيبته والأمطار مازالت تهطل وكلما عشت يوما ماطراً تكسر عند حافات ذاكرتي ذلك الشريط الروائي الذي رأيته وأنا في صباي المبكر في صالة سينما أطلس والتي غابت أخيراً واجهتها الأنيقة في زحمة الأيام والسنين .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1.   في كركوك توجد الآن دارا عرضٍ ، الأولى سينما القلعة وقد شيدت على أنقاض سينما أطلس الصيفي – والثانية ، سينما العلمين الجديدة التي بنيت في الشارع الذي يخرج من شارع الأوقاف ويؤدي إلى شارع أطلس .

2.     عنوان المقال مأخوذ من نص للشاعر (أدونيس)

 

السينمات الصيفية

حدائق أصوات الليل

 

تراني أوفق في حفر ما تحت الفرائص لإنطاق هاتيك الذكريات وهي تتدحرج ضاحكة منتحبة من فوق تلال الذاكرة الغارقة في الغمر والإظلام.

كنا نحن_الرفقة الصبيان_ في الحي نذهب مجتمعين لمشاهدة أحد الأفلام المعروضة في صالة للسينما من الصالات المنتشرة في المدينة/ كركوك, نستعد لذلك في أبهة وشغف وكأننا ذاهبون لملاقاة إنسان ذي شأن أو معايشة حدث ذي جلل نتحلى بأفخر ما لدينا من ثياب ونتزود بما لدينا من اليسير من النقود وبمجرد ما نتوزع على مقاعدنا داخل الصالة وتنطفئ الأضواء وتشتعل الشاشة السحرية, نغوص في كراسينا وقد انفتح لنا عالم ثان, يأخذنا إلى ما وراء القارات البعيدة, تتلاشى الجدران والاسيجة والتخوم, ساعتان ونحن نعايش هموم الأبطال نصعد بصعودهم ونهوي بسقوطهم, عندما تشتعل مصابيح الصالة من جديد نعود إلى واقعنا متحسسين أجسامنا للتيقن أننا باقون في مواضعنا, ولكن المخيلة ما زالت ملتهبة بذلك التهويم البعيد والكثير من الهموم الثقال انزاح عن الصدور.

تأتي الصائفة فتزدان أسواق المدينة ببواكير الفواكه الناضجة, تتحلب الأفواه لرؤية البطيخ الأصفر والرقي الأحمر الريان ويطيب النوم فوق السطوح الحالمة لتأمل السماء ونجومها الساحرات وأصداء الغناء الحزين تتكسر من سطح إلى آخر وهي تشكو الغدر والفراق واللقاءات التي لم تتم, ولكن معلما من معالم المدينة وملمحاً من ملامحها الرئيسة: دور السينما الصيفية, حيث كان اقرب دار عرض صيفية إلى مقطني: (سينما النجوم) قبالة مقهى احمد آغا القديمة. تقدم ساعات الليل ومع عدو خيوله تتجلبب المدينة بجلابيب الهدأة والسكينة, أصوات الأفلام تتدحرج عبر سوق ( القورية ) وتتمسح بحيطان البيوت في (جرت ميدان) ولكن من الذي يطيق الصبر والاكتفاء بالاصاغة إلى تلكم الأصوات إذا كان الشريط ذا شهرة؟ وهل يفوت فيلم لفريد الأطرش أو شكري سرحان أو كلين فورد أو شارلي شابلن؟ في العصاري تحمل إعلانات ضخمة للأفلام المعروضة على عربات تطوف الأسواق مع النداء لها وتوزيع إعلانات صغيرة تعلن عن الفيلم وأبطاله ومخرجه.

معظم السينمات الصيفية وأمام شاشاتها اقرب ما تكون بحدائق. الأرض مكسوة بالأعشاب المنزلية وتستقيم إلى جانبيها شجيرات ربما علا بعض منها وتباسق والعديد من النيونات الخضراء يضفي على خضرة الأعشاب خضرة ثانية. إلى الأعلى من سينما النجوم وبالتحديد في شارع الأوقاف ( سينما الدنيا ) وتحاذيها سينما العلمين بقسميها الصيفي والشتوي. بنايتان متواضعتان ولكن تضفيان إلى الشارع أجواء البهجة والموسيقى والمرح, ومن الأفلام التي علقت بلحم الذاكرة. فيلم ( التقينا غرباء ) من بطولة كيرك دوكلاس في العلمين الصيفي وما فتئ الشريط يتماوج أمام بصري إلى اليوم.

والى خلف هاتين الدارين تقع سينما الحمراء/القسم الصيفي, تحاذيها مقاه حالمة مزدانة بأشجار الكالبتوس, يتقدمها كازينو (ليالي كركوك).. الشباب يتواعدون في هذه الملتقيات. يقبلون على لعب النرد والدومينو ويتناولون شطائرهم اللحمية ثم يختمون تجوالهم الليلي بمشاهدة فيلم من الأفلام المعروضة. ولا ضير إلى الإشارة إلى اقدم صالة سينما شيدت في المدينة: (سينما غازي) بجناحيها الشتوي والصيفي أتذكرهما بخيال عابر مع ارتباط صورتهما بالعيد. وأمام واجهة الدار كنت تشاهد دائماً رجلاً كث الحاجبين يتقرفص أمام قدر ملئ بالكبة. كان الصانع الأمهر والطابخ الأحذق. انتظر قدوم العيد للوصول إلى (سينما غازي) والتذوق من هذه الكبة.. أني كنت أجدها شهية لذيذة بمذاق متميز يتملظ لطعمها اللسان. أواسط الخمسينات من القرن المنفرط شق شارع (أطلس) ومع ظهور هذا الشارع تربعت سينما (أطلس) بضخامتها وكبر اتساعها قياساً إلى بقية الصالات, فأصبح ارتيادها ذروة الابتهاج والأفواه تتهامس بجمال شاشتها ومزاياها الفنية, والى الجهة المقابلة من هذه الدار نهضت صالة صيفية أخرى لعرض الأفلام ألا وهي سينما (السندباد) تتوسط شارعي الأطلس والمجيدية, ولا أنسى مشاهدة شريط (الاخوة كرامازوف) الذي حضرته في الدار الآنفة الذكر وقد جسد إحدى شخصيات الاخوة الثلاث (يول براينر) الممثل الذي ذاع صيته بعد أن حلق رأسه صفراً.

أعبر الجسر واذهب صوب القلعة وبين نهر الخاصة و القلعة بنيت سينما (الخيام) وعبثا اعصر ذاكرتي لتذكر بعض الأفلام التي شاهدتها هناك, يبدو أن محاولاتي باطلة وان أجزاء من ذاكرتي صدئت ولا اعرف كيف اصقل مراياها وأنا انزلق إلى مهاوي الكهولة.

بانتهاء عرض الأفلام الليلية تفتح أبواب الصالات وتقذف روادها إلى الشوارع حيث يبدأ الاكتظاظ وتستيقظ أصوات الليل ولكن سرعان ما تبتلعهم الحارات والدروب ويعود الهدوء من جديد يسربل المدينة ولكن نحن قافلون إلى المنازل نغوص في جدالات لا تنتهي حول شخصيات الفيلم أترى تطهراً كما كان المسرح اليوناني القديم يفعل بجمهوره؟ ثم نغيب واحدا بعد الآخر على أمل الوصول إلى المنزل واعتلاء سطحه والاستلقاء فوق الفراش المندى والتحدث إلى النجوم عن الأحلام التي تضرب جدران القلب ولا تكف أجراسها عن الرنين.

 

طريق الغسق إلى

(جرت ميدان)

الظلام ينثر أغبرته على ميدان"احمد آغا", ثمة اكتظاظ بالعربات والسابلة, ساعة عامة تتوسط الميدان وإعلانات مضاءة متحركة, قلب المدينة ينبض بالحركة ولكل شارع إيقاعه الذي يناسبه وطقوسه التي تتموسق له ادلف إلى سوق"القورية", الفواكه تزين حوانيت الفاكهانية وتنعكس ألوانها في المرايا المثبتة على الحيطان, هذا المسار يقودني إلى(جرت ميدان)-ميدان الفروسية حيث تقبع دارنا المتواضعة وتشمخ أمامها شجرة توت وهي تشهد على حب والدنا للخضرة والأشجار-كان غرس العديد منها ولكن اليباس دب فيها وكان يشيخ وتشيخ معه أشجاره ولم تسلم من سطوة الجفاف إلا هذه الشجرة, فهي ما زالت واقفة تتنفس محملة بحكايات الذين ظللهم في أحد الأيام. تصل إلى"جرت ميدان" رحبة صغيرة يطل عليها مقهيان ومقهى صغير آخر يواجههما مع بعض النباتات المتسلقة وشجيرات القصب الضامرة.المقاهي تسهر إلى ما بعد منتصف الليل ورواد المقاهي يتربعون على القنفات, والسابلة لا ينقطعون من التجواب صعودا إلى"احمد آغا"أو هبوطا إلى"ساحة الطيران". أدق على زجاج الذاكرة فتعدو الخيول على تضاريسها الترابية نحو"الساحة"ميدان مستطيل-مستو أشبه ما يكون بساحة كرة القدم وكأنه هندس لذلك, هذه الساحة تحاذي الشارع الهابط نحو ساحة الطيران تشرف عليها البيوت من جهتين, ومنها تطل على مقبرة"سيد علاوي"المماشية لبساتين"ﮔاوورباغي"لقد تركت هذه المقبرة وذاك البستان وحمام شعبي يتوسطهما الوفير من الزاد لذاكرتي الطفولية والتي ستبقى سنوات وسنوات تقتات منه دون أن تدب إليه أصابع الفناء. إن اجتماع هذه النقائض: المقبرة إزاء البستان, الموت إزاء الحياة, الطفولة إزاء الشيخوخة, الممكن إزاء اللاممكن دحرج السؤال الميتافيزيقي الخالد على تضاريس حنجرتي, لماذا يهرم الإنسان؟ أيشيخ وهو يتسكع أمام بوابات الشتاء أم لأنه يريد أن يقطف أزهار الكيمياء الغريبة القادمة من الجزر البعيدة. وحتى اكسر قفص الأسئلة وجدت نفسي انطلق إلى اللعب في "الساحة"هذا المكان المستطيل المحاط بالبيوت وهو أشبه ما يكون بملعب كرة القدم. المكان الذي يشهد كرنفالات الحي افراحة واتراحة, مباريات كرة القدم, حمل الأثقال, ممارستنا لمختلف الألعاب التي تتماشى مع مقدم الفصول, ومع الخيوط الأولى لظلام الليل, الرجال يرشون الأرض بالماء ثم يكنسون ما يستوجب كنسه وتمد البسط وتوقد النار وتوضع عليها أباريق القهوة والشاي وتتصاعد تلك الرائحة اللذيذة التي تفغم الأنوف بنكهة جنونية عذبة تقتحم الحواس إلى قرارها المكين. وبعد العشاء النساء يفترشن أبواب الدور مجتمعات يتناولن حكايات الحي, حكايات سمر حقيقية وبعضهن حكاءات من طراز فريد يجدن قص الأحاديث بطرافة وبهاء.

ذلكم هو الكرنفال الليلي الذي يليق بـ"جرت ميدان". ترى هل تذكر"الساحة"تلك الوجوه التي كانت تعشقها, أولئك الفتية الذين كانوا ينتظرون أيام الجمع فينطلقون مع الضياء المبكر للصباح حتى يمارسوا مختلف الألعاب التي أحبوها ووجدوا فيها خلاصهم الطفولي. والآن وهم ينزلقون إلى مهاوي الكهولة, كيف السبيل لإيقاف جريان السنين ونحن نذبل فوق مماشي الفصول؟ وكيف السبيل إلى زلق ساعات الزمان الزئبقية خارج الأيام أتبقى الروح ويبقى الجسد في هذا الهناء البليل من الذكريات التي تطلق القلب خارج أعقلة الخيال؟ أما نحن الصبية فكنا نلعب "القرغات" وننقسم إلى فريقين, فريق يختفي وفريق يبحث عن المختفين والمقاهي المنتشرة على الشارع تذيع أغاني الحب والهيام وهي تتكسر على الجدران وتتمسح بالسطوح ثم تضيع في الفضاء الكبير.

 

الربيع يليق

 

 

 

نجم مصطفى أمام دكانه في جرت ميدان1947

 

الربيع يليق بـ تعليم تبه

من حجرة التدريس التي خصصت لي في الطابق الثاني من إعدادية الحكمة, أستطيع أن المح بعض شجيرات تتدلى أغصانها على السفح الأيسر لـ تعليم تبه, التلة المفروشة بقبور بيضاء تسترخي وكأنها تناديني لمنادمة مؤجلة, وابصر صبياً يافعاً يضيع جسمه في دشداشة مقلمة فضفاضة يسوق أمامه ثلاثة أو أربعة من الخرائف العجفاء.

أنا مغتبط في حجرتي لأني أرى سماء زرقاء تغطيها أسراب من الطيور وهي تطير نحو جهات بعيدة, تأسرني هذه الكائنات المحلقة والتي يزدان بها الفضاء لا انزع طرفي عنها والى أن تتلاشى في المجاهيل واغتسل في أصوات الطلاب التي تتدحرج صوبي من ممرات عدة. ولعدم دخول الطلاب إلى الصف بعد أن سقط صوت على مسمعي استرخي في مقعدي متأملاً بعض الكتابات والخطوط التي تزينت بها جدران الفصل وهي تعينني على توضيح بعض مغاليق النحو أو تمتع الأولاد ونحن نتسلق كلمات الشعراء ونستلقي في أخيلتهم في دروس الأدب, ماذا تقول هذه اللوحة؟: الخبز في القمح, الملح في البحر, الزيت في الزيتون, وأنت في قلبي. ووجدتني أضيف والربيع في تعليم تبه, وها أرى صبياً صغيراً يتقدم والدته يصعدان على هونهما مقبرة "تعليم تبه".

الصبي سعيد لانه يتمتع بالربيع وأنسامه ويتدحرج من أعلى التلة مرات عديدة ولكنه حزين لان أمه تعتورها الهموم, ابن من أبنائها ترك عمله في الشركة ورحل إلى بغداد وراء سراب حب خادع فهي تفد التلة يومي الاثنين والخميس معزية نفسها بمنظر العمال وهم يغادرون أعمالهم وتصغي إلى صافرة الشركة الضاجة التي تؤذن بانتهاء العمل. الصبي الصغير يقطف الأزهار البرية وينثرها في الهواء ويهرب قبله للأعشاب والانسام والنحل, الربيع يغزو أدق الشقوق النائمة بين القبور المتزاحمة وهو لا يبخل بعشبه وزهره عليها, وثمة نسوة متشحات بالسواد يفترشن الأرض بمحاذاة قبور ذويهن. السيدة دائمة التحليق في مجاميع العمال تأمل أن ينبثق ابنها البعيد من بينها كنهر ربيعي وينطلق نحوها كمهر جامح وهو يعدو صوت البراري الفساح. تتعب من هذا التحديق فالشمس اقتربت من الأفول ولا بد من العودة إلى المنزل فكثير من المهام المنزلية ينتظرها تنطفئ أشعة خيالاتها لان الشوارع المحيطة بالتلة تكاد تخلو من الشغيلة, والهدوء يعود تدريجياً ليسربل كل شيء. أصوات الربيع تخفت والسيد الربيع يتشح بالوقار في حضرة القبور تنهض آلام بمشقة لمغادرة التلة فهي تعشق هذا المكان كأنه بيت آمن لذكرياتها السعيدة, يتقدم الصبي ووالدته يغادران مسرح المقبرة صوب مساحات الخضرة الممتدة إلى مشارف حيهم, تتدفق اصواب الطلاب قوية جامحة تكتسح المكان انه درس جديد, يدخلون ويتوزعون على أماكنهم, ينهض من مكانه جسداً واهناً ينضج كهولته بنيران مشارف الخمسين. يدون على لوحة الكتابة كتابات: هيا يا أولادي استوحوها أفكاراً وتأملات, ينظر إلى الفضاء فهو لا يمل من مراقبته وتأمله ويأسره الجمال الوحشي, جمال الطيور العابرة أجواز الفضاء, وجد نفسه يحلق فوق "تعليم تبه" ولم يحاول أن يفكر من أين له هذان الجناحان القويان ولكنه كان في شوق عارم أن يقطع المزيد من المسافات قبل أن يهبط عليه صوت الجرس من جديد.          

 

 

عبد العزيز مصطفى أمام قشلة كركوك

 

 

كـاوورباغي..

ذلك البستان المطلسم

 

كلما وقع  بصري على شجرة زيتون اشتعلت في ذاكرتي أشجار زيتون "ﮔاوورباغي"ذلك البستان المطلسم العابق بمئات الحكايات الغريبة والمحاط بسور طيني, كان الحكاؤون والقوالون يقتعدون بعض حافاته في مواسم الربيع ويتبارون في إلقاء حكاياتهم التي لا تنتهي. ففي مدينة كركوك وفي صوب القورية حي "جرت ميدان" ميدان الفروسية وأمام هذا الحي المتواضع كان يتجاور هذان العالمان:بستان "ﮔاوورباغي" ومقبرة: سيد علاوي" تركا بصمات لا تمحى على أقاليم روحي وهنا يطفو على سطح ذاكرتي معلم ثالث . كان يتوسط هذين العالمين حمام شعبي كانت الألسن لا تمل من نسج القصص الغريبة حوله .البستان, المقبرة, الحمام, هذه الأقاليم الثلاثة التي عبرها سأخطو إلى عوالم أخرى ولكنها تظل محطات لاصقة بلحم الشوق الذي يكتوي دائماً برياح الذكريات التي لا تكف عن العصف.

قبل أن أتسلق سور البستان أول مرة كان جسدي قد تشبع بعشرات الحكايات التي وقعت على مسرح "ﮔاوورباغي" ففي البيت تروى هذه الحكايات وكأنها جزء من فضائها تفرشه مع بقية الأثاث, أنا وأشقائي نصغي إليها ساهمين ونتخيلها وكأننا أبطال تلكم الحكايات فلهذا عندما خطونا الخطوات الأولى على ارض البستان كنا نخشى أن نتعثر بعشرات الشخصيات التي عرفناها من عالم البستان, فهو يحتل سبعة صفوف من أشجار الزيتون وقد غرست بشكل مهندس وبين هذه الصفوف تزرع غلات زراعية موسمية, في طرف آخر منه هناك ملحق ومحاط بسور إضافي مخصص لأشجار الفاكهة ولكن الضمور كان يدب إليها فلهذا لم نر إلا أشجاراً ضامرة عجفاء, إلا أن أشجار الزيتون كانت تحبل بثمارها الأسطورية, ففي موسم جني الزيتون المزارعون يفرشون بسطهم على الأرض ثم يهزون الأشجار فتمتلئ بحبات الزيتون الحبلى بعصارتها الدبقة.

في أوقات القائلة, السكون يرين على البستان, ولكن يتخلله أزيز الحشرات الطائرة تجد بعض الطلاب المنقطعين للقراءة لا يكترثون لبرد الشتاء ولا حر الصيف يجدون الدفء والحنان تحت ظلال هاتيك الأشجار. مع إطلالة الربيع المشهد البستاني يتغير تماماً فهو يستحيل إلى كرنفال من الألوان والأصوات والاشذاء المتجلية, يدخله الربيع الزهوان عند ذاك كانت العوائل تتدفق اليه للاحتفاء بمقدم هذا الفصل البهيج, تخرج اليه مثقلة بضروب من الاطعمة والوان من الاشربة يتصدر مجالسها "السماور" الذي لا ينقطع عن نفخ البخار وتدور اقداح الشاي اللذية, كانت لغة العيون تفصح عما كمن من المشاعر الجوانية داخل الصدور, وتلويحة الايدي تاخذ دورها في سيمفونية العشق والهوى, يتالق الربيع في "ﮔاوورباغي" فيتجلى مشهداً اثيراً الى القلب يتزيى بازياء لا اجمل ولا ابهى منها وهو يتقاطع بغناء شجي من المقام والخوريات يتصاعد من خلل اغصان الزيتون ثم يستلقي على الاسوار الطينية فيعلو مع الاجسام ثم يهبط الى القلب وكأنه تحبر بمداد الروح ونقاء الحنين لمعانقة ما لم يعانق وابصار ما لم يبصر كنا نحن_الصبية الصغار_نهاب الاقتراب من اسوار البستان ليلاً لاننا شحنا بحكايات مرعبة جرت احداثها داخل البستان بعضها يمت بصلة الى الواقع الا انه اضيف اليه الكثير من الغلو فلهذا اصبحنا ننظر الى البستان المغطى بدثار الليل كانه بستان اخر يتوارى خلفه البستان الحقيقي الذي نعرفه نهاراً, هذا الرعب لم يمنع بعض الفتية الذين كانوا يكبروننا في مدارج العمر ان يقتربوا من اسواره تحت جنح الظلام وحتى يتخطوها الى عوالمه الداخلية, ابوا وجعباتهم ملائ بما راوا من دنى غريبة ومخلوقات عجيبة, واحترنا فيما اذا كانت تلك الكائنات تدب على ارض البستان او تخيلها الاصحاب وربما في حال هذه الحكايات تتداعى الجدران بين الوهم والحقيقة, وهل هذا بكثير على "ﮔاوورباغي" المطلسم باسراره الخفية واقانيمه غير المرئية واخباره التي لا تمل الافواه من تردادها؟ تعاملنا مع البستان وكانه كائن حي ينبض ويتنفس ويعشق اعشاب النهار ويتجهم عندما يتسربله الليل بازاره الكثيف.

اواسط الخمسينات نهضت بناية مدرسة المنصور الابتدائية في قلب البستان, العديد من اشجار الزيتون قد اقتلع ولكن الاشجار حول المدرسة ظلت تشمخ بكبريائها ولكنها تنظر الى هذا الزائر نظرات ملؤها الدهشة والعجب ووجدت نفسي في هذه المدرسة وفي المرحلة الرابعة كان ذلكم عام 1956والشيء الذي ابهجني واترابي, مدرستنا لا تملك اسواراً, في الفرص ننطلق نتسلق صديقاتنا الاشجار واصوات الطيور تتناغم مع حفيف الانسام ويا لتقل الكآبة الذي ترزح تحته نفوسنا عندما يقرع الجرس داعياً ايانا الى درس جديد, نجر خطواتنا جرا الى داخل الدرس وما زال في النفس ظمأ لا يرتوي الى كرنفالات البستان ومما يعزي القلب كان معلمونا يخرجوننا في دروس الرسم والرياضة الى فضاء البستان الرحب نلعب او نستوحي لوحاتنا الطفولية من هذا العالم الذي يشتعل القاولونا ونكهة. والان نحن نكتهل امام بوابات الشتاء وعربات برده نزحف على صدورنا, نحن الى ذلك البستان الذي يتقوت اعشاب الذاكرة ونتخيل ذلك الشاعر الشيخ الذي كنا دائماً نصادفه وقد اقتعد احد اسواره الطينية يخرج من جيبه دفتراً متهرئاً, يلقي علينا اشعاره الحزينة المغتسلة بانداء الزيتون, نقف باحترام نصغي الى هذا الحطام الانساني وتصغي معنا الاشجار والاسوار وحتى بعض الطيور يتخلى عن التغريد والعندلة, هذا الصوت يؤثث فضاءه البستاني وهو يتحدث عن خفايا العشق والعشاق الذين يلعبون دائماً في ساحات هواهم ويقامرون بما يملكون ثم يتركوها في اخر المطاف خاسرين.      

 

حسن جهاد وصحبه في ﮔاوورباغي

 

 

محطة القطار..

الدفلى والأسفار التي لا تنتهي

 

أتعكز على قامة الصبح, وانفض عن جسدي أنداء الليل, أتدحرج على المرايا المزروعة في جدران مقهى " احمد آغا " القديمة,أتحمم في أفواهها اللامرئية, أتسرسح صوب محطة القطار, الجزرة الوسطية ترقد فيها بقايا أعشاب وأوراد ثم أضع خطواتي في ساحة السباع/ ساحة العمال. أربعة من الأسود تربض على حشائشها النامية تنظر نظرات بلهاء وكأنها تظهر سخطها وعدم رضائها على صنعها من مادة الجص. وبين هذه الساحة وبين القطارات جزرة وسطية أخرى مفروشة بشجيرات الدفلى بألوانها الوردية والحمراء والبيضاء ومن هذه الشجيرات وُشِمَ القلب بحب الدفلى. الدفلى أمهار عادية بفرسانها الخياليين الريح تناجيها وتترك عند أقدامها حفيف أوراقها اليابسة. هل أقمت في أحد الأيام وليمة للدفلى؟ هل أصغيت إلى أغانيها الحزينات التاعسات؟ هل نظرت في دفاترها حبر الفراق وقصائد الماء؟. المحطة بناية متواضعة من طابق واحد ويكاد يلتصق بها مقهى أو مطعم محاط ببعض الشجيرات الضامرة وأعواد القصب تهدهدها ريح الضحى الخافتة.

في وقت وصول القطار من بغداد المكان يغص بالخلق والعربات التي تجرها الخيول في انتظار نقل المسافرين الواصلين يغلب عليها عادة اللون الأسود ويجرها اثنان من الخيول الناحلة من كثرة العدو في طرقات وشوارع المدينة, من بعد الظهيرة تتسربل ضروب من ازيز الحشرات الطائرة في الأجمات أمام وخلف البيوت التي شيدت لشغيلة القطارات.

يكون بعض الطلاب آوين إلى عربات القطار بحثاً عن مكان مريح للقراءة أو اتقاء من غمائم ماطرة تغرق الأراضي بسيولها الدافقة. ألوذ إلى إحدى العربات متأبطا كتبي المدرسية استلقي على أحد المقاعد الجلدية تتسلق عيناي الحروف وتتسكع الذاكرة على أرصفة الكلمات أمل من المطالعة أطلق سراح أحلامي من معتقلاتها فأجالس بطلات الأفلام اللاتي أعجبت بهن وأحاور نساء الروايات اللاتي اصبحن محط هواي, وأداماً لخبزي وقشعريرة للروح, لم تكن هناك قوة تتزعني من هذا الفضاء الذي كنت أؤثثه بفواكه أحلامي إلا اهتزاز العربة التي استريح بها, العمال يهيئون القاطرة لرحلة المساء التي تنطلق في تمام الساعة التاسعة, ومع بدايات الغسق يتوافد المسافرون ومودعوهم إلى المحطة من اجل حجز مقاعدهم لان طريق السكة إلى بغداد هي السالكة. أما طريق البر فلم يكن معبداً كله وانما بين بلدتي طوز والخالص الطريق في معظمه ترابي والرحلة بسيارات الأجرة قد تستغرق ثماني ساعات وفي أيام المطر يكون محفوفاً بالمخاطر ومعالم الطريق تضيع في خرائط الوحول وتضاريس الماء.

من الأدبيات التي ورد فيها ذكر اسم محطة كركوك رواية " الشبح الرهيب " لـ"أجاثا كريستي"ووقائع الرواية المذكورة تسردها علينا الممرضة"ايمي يثران" حيث تركب القطار الصاعد من بغداد إلى كركوك والأحداث تقع في بعض المناطق الأثرية التابعة لمدينة الموصل ومن المقطوع به أن زوج الكاتبة كان عالم آثار واشترك في بعثة للتقنيات في شمال العراق فهل مرت كريستي نفسها من محطة كركوك نحو نهر دجلة واستقلت عبارة"الفتحة" لعبور النهر لتصل زوجها؟

الرحلة القطارية إلى بغداد لم تكن بالرحلة الهينة, القطار المتعب يلهث وبتصبب عرقاً ودخاناً غزيرين ويقطع المسافة فيما يقارب تسع ساعات ولكن الوصول إلى مدينة المنائر والقباب الذهبية والتسكع في شارع الرشيد ذي الأعمدة المتراصة كفيل بإغراق الجسد في نهر من الآمال المثلجة, ومع ارتفاع الصفير الأول للقطار, القرى والقصبات والاقضية تتراءى واحدة اثر أخرى وتتخضب أجساد الركب بخضاب الأغبرة التي تنادم نفوسهم ومن هذا القطار اللاهث حلمت برؤية العالم وألقيت نفسي على مصاطب محطات بعيدة وبمجرد ما يعلو الصفير, القطارات تنهب بي المسافات الشاسعة وأنا يحرقني الحنين ويشعل في داخلي ضراماً إلى عناق وجوه ومدائن وخفايا حلمت بها كثيراً وأنا مستلق مفتوح العينين أطراف النهار في عربة من عربات القطار في محطة كركوك القديمة.   

 

 

 

عبد الرحيم مصطفى في شبابه

 

 

 

الكاتب في طفولته مع شقيقته

 

زادُ الجَنى

إلى يمائم "إمام قاسم"

 

يوم تسلمت اوراق تعييني في متوسطة إمام قاسم من مديرية تربية كركوك عام 1967 كنت حائراً كيف اذهب إلى هناك وكيف ادخل الفصل وبم اواجه التلاميذ؟ وكيف اقدم نفسي, تساؤلات تصدع الرأس وتؤلم الفؤاد, ترى هل أوفق في هذا العمل الذي اصطفيته لنفسي, ومرات اقول الاقدار هي التي اختارته لي.. المهم اتشجع وادخل المدرسة واقدم اوراقي لمديرها.الفيت نفسي في شارع "اطلس" ثم خطوت نحو جسر الشهداء والضحى يتقدم معي وانسام آخر الخريف تصافح وجهي بقبلاتها الملساء وها هي خطاك تقرع اسفلت الصوب الكبير وتحييك القلعة وتنبجس في مخيلتك نافورة الاغاني التي تدور حولها وخاصة تلك الاغنية الكركوكية الخالدة التي صبا منشدها أن يستلقي حجراً اسفل اساسات القلعة ويعرض مودته للغادين والرائحين هذه الاغنية التي تتكسر على حوائطها ثم تتحنى بأحزان الضحى وتغسل واجهات الدكاكين وسفوح المباني ثم تضيع في الفضاء البعيد.

أعبر من امام بوابة القيصرية فجامع النعمان وبعض من حوانيت الحدادين وهم ينهالون بمطارقهم على سنادينهم وقد برزت عروق سواعدهم النافرة هذه المطارق التي وضعت اللبنات الاولى لحضارة الإنسان القديم, ادلف إلى درب شبه مبلط واخطو حفنة من الامتار تواجهني بناية المتوسطة, تتكون من طابقين, والبناية بأكملها مشيدة من حجر الشمال والبرغم انها ليست قديمة ولكن مع ذلك يبدو عليها قدم تقادم السنين. المنطقة شعبية يعبث الاولاد في الطريق المفضي إلى ازقة مجهولة وقد ترتطم اصوات جلبتهم باعمدة الكهرباء ثم تنسحق على حوائط البيوت. اضع خطواتي الاولى على وصيدها واسمع الجرس عشرات من التلاميذ يتدفقون من الصفوف كما المياه المتدفقة من عيون الينابيع الثرة. أدخل الإدارة ويرحب بي مديرها الاستاذ "حسين الحكيم" ويحتفي بي أكثر عندما يعلم انني من ابناء المدينة ويعرفني ببقية الاساتذة, ويذهب عني الخوف واعطى جدولاً بساعات عملي على أن اباشر التدريس غداً, أغادر المدرسة والقي نفسي في زحمة السوق في الشارع المفضي إلى حيث "امام قاسم ومع الشارع المحاذي للجانب الايسر من القلعة اشجار السرو تتباسق واليمائم ترفرف بأجنحتها الملائكية فوق رؤوسها. امشي ويمشي النهار وتولم الشمس ولائمها العسجدية للحمائم والاعشاب وازهار الداوودي الخريفية. انا سعيد سعادة انسان انجز مهمة لها شأنها وخطورتها واحدث قلبي بأن الطريق إلى الصباح بعيد ومهرك متعب وعزاؤك في زادك الذي يتسكع في مخيلتك, ويدركني الصباح ثانية اجد نفسي في احد الصفوف, اقدم شخصي لأصدقائي الصغار اتحدث عن مسراتي الصغيرة واكشف لهم عن هواياتي الاثيرة ثم ندخل في اقاليم النحو وشعابه المتفرعة وكان الله في عوننا في تحبيب الدروس إلى قلوب النشيء. انها مرحلة محفوفة بالمشاق ورحلة ستمتد أكثر من ثلاثة عقود وستعزي نفسك بانك تصنع العقول وتخاطب النفوس وتشحذ اليهم. اكراماً بالعمر المنقضي ايها المعزف كف عن هذا العويل فالمساء قد هبط فلا بد من شق هذا الظلام للولوج إلى قلب الليل وقنص زهرة الكيمياء.

الدوام صباحي ومسائي في المدرسة ثلاثة ايام صباحاً وتعقبها ايام مثلها مساءً لأن مدرسة "الايوبية" الابتدائية تشاركنا في المبنى الدوام الصباحي له ملذاته ومسراته والدوام المسائي له اسراره ودعاباته وتمضي الايام تلقي بنا من الخريف إلى الشتاء إلى الربيع فالعطلة الصيفية, صفحات في تقويمك العمري تتسلق افضية كلماتها وهي تتعرش روحك وجسدك وتصبح المدرسة إلفاً كأنك اعتدت عليه من غابرات السنين.

في الطابق العلوي من مبنى المدرسة عليّه صغيرة تحولت إلى مرسم واما استاذ التربية الفنية فهو الفنان "فخري جلال" يرسم وينحت والكثير من رسوماته ومنحوتاته منتاثرة في ارجاء الغرفة وما زلت احتفظ ببعض من اعماله التي اهداها لي في هذه الفترة وهو من خريجي معهد الفنون الجميلة ومن مجايلي الفنان الراحل " ابراهم زاير " وكثيراً ما اتحفني بذكرياته الحميمة عنه وعن المعهد اصعد اليه في بعض الشواغر واتأمله وهو يعمل بتأنِ وهدوء ومرات يصوغ تباريح قلبه مقاطع شعرية يحملها مرارة ايامه الأسيانه, وعندما ينتهي الدوام المسائي ويصدح الجرس معلناً انتهاء الدرس الخامس نخرج إلى زحمة السوق نتدحرج في اصوات الباعة المتجولين وربما اغرانا شريط سينمائي فندلف إلى صالة من صالات الافلام المنتشرة في المدينة.

كان الدوام المسائي يثيرني أكثر لأن له غوامضه واسراره ومسراته الصغيرة وساعات الشواغر تحلو فانت تحتار أن تقضيها في المرسم, في غرفة الرياضة وفي غرفة الكاتب وهي تعج بانواع المجلات التي تدخل المتعة إلى القلب وتمنح البصر الاثارة وتهب الجسد قيلولة الاسترخاء.

وتمضي الايام والاشهر وتتراكم الاعوام ويأتي يوم تنشطر فيه المدرسة إلى متوسطة واعدادية ويأخذ القسم الاعدادي أسم " اعدادية الثورة " واكون ضمن ملاك الاعدادية وننتقل إلى بناية جديدة وفي مكان ليس ببعيد عن المبنى القديم. ويتقدم فيك العمر ويشعر القلب بأنه يكتهل قبل الاوان ويترهل الجسد في تعاريج الغسق ومطباته ولكن متوسطة امام قاسم تبقى في الذاكرة متوهجة مشتعلة واصدقاؤها يتربعون في جلال المخيلة ومن العبث أن يمد تقادم السنين بلاه إلى ساحاتهم لأن القلب يمد لهم دوماً مأدبة الصباح ويحن إلى سروات امام قاسم ويمائمه كحنين الاعمى إلى السنا المتوهج الموار.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1.    امام قاسم: حي معروف من احياء الصوب الكبير بمدينة كركوك.

2.    الجنى: ما يُجنى من اثمار الاشجار.

3.    " ابراهيم زاير":رسام وكاتب عراقي انتحر في بيروت ابان السبعينات.

 

 

بنفسجتان بين يدي

السوق العصرية

 

ثمة أماكن تنحفر في براري الروح ولا تبرح فضاءاتها الشاسعة أماكن تنعجن بذاتك تحمل لهاثات سنيك التعبى, تقاسمك الخبز في حدائق تجوالاتك اليومية تتدفأ بنيرانها الخفية حين تصهل الأمطار وتقرع نوافذ غرفك الحزينة. "السوق العصرية" أسير إليها ومع تسياري تنساب أغان شعبية من بين حوائط المقاهي المستلقية على جانبي شارع "المجيدية", تصعد هذه الأغاني ثم تتكسر على جانبي "السوق" ثم تتمسح بأبواب حوانيتها الصفائحية, هذه السوق التي دشنت أواسط الخمسينات, بنيت من الطابوق الأصفر وأضفت على المنطقة حضوراً مرونقاً تميس متأنقة في النهارات السعيدة, تربط "السوق" بين شارعي " المجيدية " أطلس" وقد خصص قسم منها للصاغة والممشى الرئيسي توزعت عليه مخازن تتعاطى بيع الكماليات والملابس النسائية وتتوسط هذا الممشى "المكتبة العصرية" التي احتلت ثلاث واجهات إن أسعفتني الذاكرة, كنت أحث الخطى للسوق لتكحيل العين بأحدث الإصدارات التي وصلت المكتبة. وكان القائمون عليها يصفونها في الواجهات الأمامية فترى "يوسف السباعي" ينافس إحسان عبد القدوس, ومحمد عبد الحليم عبد الله يزاحم أمين يوسف غراب وميخائيل نعيمة يزهو بآخر طبعات كتبه التي أخرجتها مطابع بيروت ومارون عبود المارد وطه حسين العميد والعقاد العملاق دائماً ومطبوعات الهلال ورائحتها المميزة ومجلات "أديب" والآداب والمعارف وغيرها, ادخل المكتبة واخرج متأبطاً صحبي الكتب وأنا أحس بأنفاسهم الحرى تلفح جلدي, تستعجلني الرجوع إلى المنزل لاستلقي في عوالمها وأتدحرج فوق سهوبها الواسعة. خطواتي تضرب أرضية السوق الأسمنتية, تغرد النظافة في جوانبها وبين طرفي المجيدية وأطلس طريق مفروش بالهدوء وكأنه يستظل قوادم أجنحة يمامات وادعات, تصل من الجهة القريبة لشارع الأطلس إلى دورة وكأن مصممها شقها لتفسح مقصود وانتقال البصر من عالم البضائع إلى عالم من الخضرة والألوان, فالدورة غرست بأشجار الحمضيات وزرعت بأزهار الداوودي وبين طرفي الدورة المخضرة فتحت لي كوتان:-كوة إبان الستينات وكوة في مطلع الألفية الثالثة. أما الكوة الأولى فمحل يعود إلى شقيق القاص جليل القيسي, كان الشقيق غائباً والقاص جليل حل محله, ويقتات المحل على الفرن تذوب فيه السبائك الذهبية وتضاف إليها معادن أخرى لتأخذ أشكالاً وقوالب جديدة-هذا ما رسا فيه الذاكرة الفقيرة-يتردد على المحل العديد من الصحب ساعات العصارى: الراحل يوسف الحيدري.

ابتساماته وضحكاته وكأنني ابصر أجراسها الصابيات تنداح على تلال ذاكرتي. جان دمو, تتقدمه قصائده الغرائبية وهو يحلم بقلب بنى الأدب كلها وإرساء أعمدة جديدة لها يتأبط كتبه الخوالد في حله وترحاله وتقويمه لما يقرأ أو يحمل من كتب له خطورته عندنا, يأتي سركون بولص ممتطياً دراجته الهوائية ويركنها بمحاذاة الدورة المخضرة تتقدمه أحلامه ورؤاه وجيوبه ملأى بالقصاصات المحبرة بآخر قصائده وأحدث قصصه, كان يحرث أرضاً جديدة تزغرد فوقها أعناب وأعشاب ونباتات كأن الرياح أتت بها من أصقاع بعيدة. ويطل "صلاح فائق" وهو يحدثنا عن مغامراته وتجوالاته التي لا تنتهي وقد تحمم بأمطار الشتاء المبكرة, آخرون يأتون يروحون والقاص جليل يستقبلهم يصغي إليهم يصغون إليه يودعهم بمثل حفاوة استقبالهم, المحل مقصد كل أديب ومتأدب يفد إلى كركوك كنت أتعرف النقاد, الشعراء, هواة الأدب, التشكيليين ومحبي المسرح لابد من مرورهم بهذه الواحة والاسترواح بأفياء أشجارها الصديقة, يرتاده الصحب تتصدرهم أحلامهم ينادمون آمالهم وأبصارهم تربض على الدورة المخضرة انه مساء آخر يهبط المدينة فينهض سلوان جديد, انهم يلوذون إلى كنف الليل فيعجنون كلماتهم بدثار أسراره الجوانية, ثم يضيعون في أسى الشوارع الممسوحة بزيت الظلام.

وفعلت السنون فعلها أحرقت أيامنا وأشعلت عظام الساعات وسار القطار ونحن نلهث داخله من محطة إلى أخرى. ثانية استجدي الدفء من أرضية السوق المسمنتة, اترك خطاي تقرعها وشتاءٌ بارد آخر ينوء منكباي تحت قره الذي لا يقاوم. كوة أخرى تفتح لي ورجاء ينادم سروة الفؤاد إلى الطرف الأيمن يستلقي محل الصديق "عدنان القطب" قبل أن يرحب بي تعانقني دماثته, لا أجد في محله أي أثر لتجارة الذهب أو أستاف رائحة البيع والشراء انه و "الهلال" جليسان لا يملان, يطل عليك صحبه فمنهم الشاعر ومنهم الذي يجري ويسوح في عالم النقد ومنهم التشكيلي والذي يتعاطى فن الخط العربي, كرماء في حلولهم أجواد في مغادرتهم وتدور أقداح الشاي ونأخذ بأطراف الأحاديث, ويتقدم الغسق ولا مفر من ترك المحل ودفئه والخروج إلى شجن السوق والانعطاف نحو شارع المجيدية, تصعد الأغاني الشعبية مغتسلة ببرودة المساء ويغمرني حنين جارف إلى تلكم الوجوه التي أحببتها, واخلف ورائي السوق العصرية والمجيدية حيث ابصر دبيب كهولتي المبكرة واسمع عويلها الخافت. لأتقوت بنفسجيتين من زمني الذي يخور وساعاتي التي تتهدم وأنا أتمسح بشوق يتضبب مع عتمة الليل الزاحف.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1.      (السوق) تذكر وتؤنث في اللغة العربية وقد سميت بهذا الأسم لأن البضائع تساق اليها.

2.      (الهلال) إشارة إلى مجلة (الهلال) الكركوكية

 

 

المقـــاهي الأدبية في كـــــركوك

 

تعود بدايات ولعي الى المقاهي الى طفولتي المبكرة . فعندما أدركني الوعي والى ما تحيطني من أشياء ، اكتشفت أن المنطقة التي عرفت ملاعبَ لهوي وعبثي مزينة بالعديد من المقاهي التي كانت تسهر حتى الساعات المتأخرة من الليل فمنطقة مثل "جرت ميدان " في خمسينات القرن المنصرم كانت تزخر بمقاهيها التي لا تتعب من سهر روادها ، ومازلت اذكر بضعة منها موزعة على جانبي الطريق الممتد من " ساحة الطيران" وصعودا الى "جرت ميدان" ثم مدخل سوق "القورية" المفعم بالاكتظاظ وأصوات الباعة التي تروج لمعروضاتهم . ولابدّ من التنويه بمقهى والدي المستلقي على حافات "جرت ميدان" كان هو الآخر أجج مشاعر العشق لهذه الأماكن الحسنة الإضاءة والتي تدفع المرء الى الاستلقاء فيها وترك العنان لأحلامه المجنحة ومن مقهانا الناعس والذي احيل الى المعاش أواخر الخمسينات قد ترك بصماتِ هواه على جدران الفؤاد , فخرجتُ ابحث عن ذلك العشق المفقود في زوايا وأركان أخرى علني اعثر على تلك الأحلام التي أعشبها مخيالي وأنا انظر الى الطيور المسافرة بعينين نهمتين الى دفء العلاقات الإنسانية وحب بسطاء الناس والإصغاء الى كلماتهم البيضاء في مودة الحياة والتواصل الإنساني النبيل .

عندما تعرفتُ " جان دمو" في بغداد وجددنا لقاءاتنا بكركوك اذكر احد أيام خريف عام 1964 صعدنا الى مقهى " النصر" " المدورة" وتقدمنا من مائدة كان يجلس عندها القاصان " جليل القيسي" والمرحوم " يوسف الحيدري" انضممنا اليهما وسالت بنا أعناق الأحاديث , وعندما تعرفنا " صلاح فائق " انضم هو الأخر الى المقهى , وكان لهذا المقهى في تلك الأيام نكهة خاصة لأنه يقع في الطابق الثاني وله شرفة خاصة وجميلة تشرف منها على شارع " الجمهورية " أصبحنا أنا وجان وصلاح نلتقي فيه كثيرا وغدا لنا مأوى أنيقا وأمينا نصعد إليه ما بعد الظهائر ونحن نتأبط كتبنا الخوالد نتناشد فيه قصائدنا ونتجادل بصوت مرتفع يغسله الحماس عن قضايا أدبية كانت تشغلنا هاتيك الأيام , ولكننا سرعان ما مللنا الجلوس فيه وشرعنا نبحث عن مأوى أخر نلقي فيه أجسادنا التعبى ووجدنا ضالتنا في العمارة نفسها في مقهى صغير ولكنه مهندم وهو مقهى" جليل " المواجه تقريبا لبناية المتوسطة الشرقية التي فيما بعد وتحولت الى مرآب في الوقت الحاضر, صاحبه رجل طيب أو قل انه فتى بجسده الواهن الصغير ولأدبه الجم لا يسألك عن ثمن الشاي سواء أدفعت له أم لم تدفع ؟ يحترمنا وينظر الينا نظرة ملؤها التقدير وهو يرانا نحمل كل هذه الكتب في حلنا وترحالنا , بدأ المقهى يشتهر بالإضافة الى جماعتنا صار يفد اليه أصدقاؤنا التشكيليون محمد جلال "ممادي" يقيم الان في ايطاليا , والفنان ناصر خلف وآخرون . وبعد ذلك أصبح أصحابنا اليساريون يتقاطرون عليه ويدسون منشوراتهم في جيوبنا من تحت الطاولات او يتبادلونها ثم يتوزعون الى مناطق اخرى من المدينة وحتى"جان" احد الأيام طلب تحميله بحزمة من هذه المنشورات والصعود بها الى " القلعة" وتوزيعها هناك الا انه عندما عاد الينا كان فمه يقذف سيلا من الشتائم ولم يعاود هذا العمل كرة أخرى وفي نفس الوقت لم يفصح لنا عن سبب امتعاضه الشديد .

في هذه الأعوام كان الشاعر " مؤيد الراوي" ينفرد بالجلوس في مقهى " المجيدية " كنا نذهب اليه ونجالسه ونسمعه اشعارنا وبعد الاستماع يشير علينا بملاحظاته برفع هذا السطر وتقديم هذه الكلمة ويدلنا على إيقاع الكلمات وعلى موسيقاها وكيف نتوصل الى تفجيرها و" مؤيد " في مقدمة شعراء كركوك الحداثويين , كان جمرة من الابداع وهو يضم الى موهبته الشعرية مواهب اخرى في الرسم والخط حتى ان احد تخطيطاته في الرسم احتل الغلاف الأخير من احد اعداد مجلة " شعر"  البيروتية , ومن مكانه في المقهى يراقب ويتأمل صغار السنونو وهي تطل بأعناقها الصلعاء من أعشاشها في سقائف المقهى , ولن انسى هذا الإنسان عاشق السنونوات الحالمات والذي جسر أحلامه فسالت على برار واسعة وكتب مؤخرا عن كركوك :

مدينة من حجر يفيض كل عام نهرها

ثم يجف

محروسة بهذا الأدمان وبتقادم الزمن

ومرت الأعوام ففي بداية الثمانينات هدمت البناية القديمة لمقهى " المجيدية " وأقيم مكانها بناء جديد ولكن كلما امر من أمام المقهى اسمع صوت الصديق " مؤيد " ينساب من داخله وكأنه يدعوني وصحبي الى منادمة شعرية لم تبدأ بعد الا أننا سكرنا بصهبائها منذ أعوام عديدة احترقت في جنونات تقادم الأزمنة الخائبة .

مقهى آخر كان يستلقي الى جانب محطة القطار القديمة . خيمنا فيه وقتا واخترنا هذا المقهى أنا والرسام المغترب " محمد جلال " لبعده عن ضوضاء المدينة وتمتعه بهدوء شاعري ولقربه من نادي السكك حيث كنا نهاجر بين اقليمي النادي والمقهى وقد استطعنا ان نجذب اليه العديد من الصحب الا اننا مع ذلك لم ننجح في استقطاب الكثير من محبي الأدب لبعده عن وسط المدينة بينما المقاهي القريبة من صالات السينما لها ميزاتها وشعبيتها في جذب الرواد ومع ذلك شهد مقهى المحطة ميلاد عشرات الأحلام التي أسلناها على قوارع الطرقات وجاءت أمطار الشتاء لتغسلها وتجرفها الى برك النسيان.

شددت الرحال الى القطر الجزائري عام 1968 كنت موفدا هناك ضمن بعثة تدريسية وقد مكثت في تلك البلاد ما يقارب ستة اعوام وعندما رجعت الى كركوك صائفة عام 1974 بحثت اول ما بحثت عن اصدقائي ذهبت الى"عرفة " بحثا عن "جان دمو " وجدته قد رحل الى بغداد وسالت عن "صلاح فائق" فوجدت نفس الشئ معه وكان " سركون"  و "مؤيد " تركا العراق وخرجا الى بلاد الله الواسعة وعندما عدت الى البحث عن دفء مقاهينا وجدت " مقهى جليل " يحتضر وصاحبه يعاني من مشاكل صحية واما المقاهي التي كانت تجمع الأصحاب فلم يبق فيها ذلك الاشعاع وتلك الحميمية ان الاماكن تكتسب حيويتها واشراقاتها من أناسها الذين يترددون عليها ويتنفسون بين ارجائها وكان من الصعوبة علي ان اعايش هذه الاماكن بعد ان فقدت فيها دف علاقات صحبتي في هذه الفترة كان جيل جديد من ادباء كركوك ينفخ دماء جديدة في جسد الادب والابداع في المدينة كان "حمزة حمامجي اوغلو " قد نضج أكثر وانصرف بكليته الى القراءة والكتابة وصديقه " إسماعيل إبراهيم " يخطو هو الأخر في طريق الكتابة يطرق أبواب الشعر والقصة وتعرفت "نصرت مردان " فوجدته ممتلئا بالحماس والحيوية والبحث عن اغوار الحياة في عيشنا هاتيك الايام والصديق " نصرت " ينحدر من عائلة " اشتهر كل افرادها بحب الكتابة وممارسة الابداع وكان هناك شابان فتيان يشتعلان حيوية واقتحاما و جرأة في ولوج عالم الأدب " عبد الله ابراهيم " و " عواد علي " التقيت بكل هؤلاء في مقاه متفرقة ومع ذلك لم يكن هناك مكان واحد نأوي اليه ليكون بمثابة ملتقى للصحب.

في عام 1979 وجدت نفسي أجالس رفقتي في مقهى "شاكر" المطل ظهره على نهر " الخاصة " والمواجه جانبيا لمقهى " المجيدية " رواده خليط من شتى الملل والنحل تجد فيهم الشغلية والكسبة الصغار وجموع المتقاعدين من مختلف الاجناس والاصناف وفي الايام الماطرة يكتظ المقهى بأهل الاستعطاء وعشاق السكر وبين سويعة وأخرى يطل مجنون عابر او مجذوب مبارك يلقي كراماته في احد اركان المقهى وكلما جاءني الصديق " فؤاد قادر" يدهش لرؤية هذا الخليط العجيب من الخلق وكأن مقهانا يعرض مسرحية عبثية تنتسب الى مسرح العبث واللامعقول ويخبرني بانه سيتخلى عن المجئ اليه ولكن مع ذلك يكرر زوراته اليه من جديد ويمسي جليسا وفيا له قبل ان يغيب عن المدينة في اكتظاظات الايام الا انه ترك ضوعاته في زواياه لتتفتق عن مرايا واشجار ومماش في سهوب الذاكرة وفيما بعد تردد عليه استاذنا الاديب " محمد صابر محمود " والشاعر "عباس عسكر" وظل الصديق "حسن جهاد " مخلصا للمقهى ووفيا لذكرياتنا عنه وفي الأعوام الثلاثة الأخيرة ظهر " اسماعيل ابراهيم " واصبح هو الاخر يبحث عن الدفء والحميمية داخل جدرانه ويغازل شمس الشتاء التي تسقى واجهته باشعتها العسجدية واخيرا اطل الصديق " مؤيد محمد " وهو قارئ وعاشق للكتب من طراز نادر لينضم الى صحبتي الذين انتظرهم وانا انضج كهولتي قرب مواقد الأيام الشتوية لتغتسل في رذاذات الأحلام ونستعيد وجوه الأصدقاء الذين جالسناهم في مقاهي كركوك وتنادمنا على موائدها وسكرنا باستكانات شايها المعتق اللذيذ. 

 

في مقهى جليل اواخر عام 1967

 

العــــودة الى تعــــليم تبـــة مجددا

 

استطيع الان ان اعيد الى الذاكرة ادق التفاصيل عن الرحلات نصف الاسبوعية التي كنا نقوم بها , الوالدة وانا برفقتها من " جرت ميدان " الى تلة " تعليم تبة " وهي مقبرة تنتشر قبورها البيضاء على سفوحها والمغطاة بالوان النباتات والاعشاب البرية , نخرج يومي الاثنين والخميس حيث تفد النساء الكركوكيات في هذين اليومين الى زيارة موتاهن والارتواء من اقوات ذكراهم وقراءة آي الذكر الحكيم على ارواحهم, تتلفع الوالدة بعباءتها السوداء و انا امسك احد اطرافها ونبدأ رحلتنا الى المقبرة التعليمية, نقطع البساتين ونغذ السير حتى نصل الى التلة قبل ان تضرب صافرة شركة النفط المدوية إيذانا بانتهاء العمل مع الساعة الرابعة , لم يكن لوالدتي قبر معين على هذه التلة فموتانا يرقدون امنين في مقبرة " سيد علاوي " وهي القريبة الى محل مقطننا , ولكن هي تريد ان تعيش لحظات كما يشيدها مخيالها لعل ابنها الذي شد الرحال الى بغداد وراء سراب حب سينبثق من بين صفوف عمال الشركة – كان اخي يعمل في شركة " نفط العراق " وكان لديه عمل انيق مهندم الا انه تخلى عن كل شيء ورحل وراء حبيبته التي استقرت في العاصمة وكم توسلت الوالدة لأخي ان يتخلى عن مشروع ترك عمله الا انه أصر على حلمه واحرق سنوات عمله وركب قطار كركوك الهابط الى بغداد ليستقر هناك حتى يكون قريبا من التي يهواها قلبه وتبغدد وفتح بيتا واكتهل الى ان عاد محمولا على نعشه الى كركوك. ظهيرة يوم ربيعي دافئ في الثلث الاول من عام 2005 . كانت والدتي امرأة طيبة تتشبث بالمستحيل لتحافظ على ابنائها وقد تعلقت بكل سراب وهباء من اجل ان تعيد ابنها الى حضنها وهكذا ادمنت زيارة التلة التعليمية وهي تمني نفسها بخروج اخي من بين صفوف الشغيلة المغادرين الى دورهم , وكنا نبقى في المقبرة الى ان يهدأ المكان وقد تلاشى اخر فرد ممن العمال عند ذاك تنهض متثاقلة وتتهيأ الى رحلة العودة في طريقها الى " جرت ميدان " حيث دارنا , و أظن انها استمرت في هذه الزيارات الى ان هد جسدها ودب الوهن الى بصرها , ولكنني أبصرت نفسي عام 1993 في إعدادية الحكمة وهي تواجه تماما مقبرة " تعليم تبة " واعطيت صفا في الطابق الثاني من بناية المدرسة يشرف على قبورها التي اتعجب من القدر الذي دفعني ثانية الى مواجهة التلة , لقد تعرفتها في طفولتي يوم لم يكن أي اثر لبناية " الحكمة " وانما مساحات واسعة من الخضرة تمتد وتمتد تزينها اشجار الزيتون والتوت والنبق , أتسلق سفوحها وانا مأخوذ بالسكينة التي تهيمن على الراقدين فوقها وعشرات الانواع من الازهار البرية تطل بأعناقها مع مقدم فصل الربيع , ولم أدر وانا اطرق بوابات الخمسين القي خيمتي واعسكر امام "التلة " من جديد واسرح بطرفي في اجزائها من نافذتي العليا والمح قبورها البيضاء وبضع اشجار ضامرات منحنيات الغصون والجذوع لذكرى هولاء الاعزاء الذين تركونا , ولكن اين صحبي وملعبي واين انزلاقي من سفوحها المتربة ؟ انني اغوص في برك سنوات العمر الحزين ذبلت اعنابها وجفت اوراقها , لقد رحلت الوالدة هي الاخرى وخلفت في قلوبنا سهوبا من الايام المحترقة , سأمد يدي واشعل اصابعها والقيها في ممشى المقبرة لعلني اقوت من لذاذات التخيل المنتشي ليهدأ اوار هذا القلب المسكين .

 

طريق الدفـلـــــى الــــى  محطة قطار كركوك

 

  يتحتم علي من البدء ان اعترف بأن العلاقة التي كانت تربطني بأخي فائق كانت اكثر من علاقة اخ بأخيه , بالاضافة الى روابط الاخوة بيننا , جمعتنا صداقة عميقة , بالرغم بين عمرينا اربع سنوات , فهو  يكبرني هذا العدد من السنين , الا أننا كنا قريبين , يحدثني دائما عن مشاهداته ومطالعاته واحلامه ويصطحبني غالبا الى دور السينما وحتى اذا لم ارافقه فهو عندما يعسكر الليل ونأوي الى فراشينا وتنطفئ انوار الغرفة , يشرع في قص احداث الفيلم على مسامعي , وانا اصغي اليه مأخوذا بمغامرات البطل وكثيرا ما تمنيت ان تكون الأفلام خالية من البطلات لئلا احزن عندما يقعن في أزمات مع أفراد العصابة .   

وكنت اذا اعجبتني القصة في نهار اليوم التالي اطلب منه ان يعيد علي قص الفيلم وبسروره المعهود يعيد رواية القصة ثانية , وانا ارتشف بكل جوارحي كلماته وأعيش في مخيلتي كأنني على الشاشة السحرية .

حضر مرة عرض فيلم "كنوز النبي سليمان" وبالرغم من الحاحي عليه حتى اصاحبه الى مشاهدة العرض, الا انه امتنع , ونسيت الاسباب التي دفعته الى ذلك , وانا بدوري رفضت ان استمع الى مروياته عن الفيلم وقد صدر هذا منى كأحتجاج لعدم اصطحابي معه.

تعودنا ان نخرج الى البراري والحقول حتى نعثر على بعض النباتات والشتلات وجلبها الى المنزل ثم انباتها في مربعات خاصة في فناء الدار او ان نذهب الى بعض السواقي لصيد الأسماك وعندما نعثر على سمكة يحلق الفرح بنا بعيدا في أحدى المرات علقت الصنارة بحاجبه الأيسر بعد ان سحبناها بقوة من الماء.

ظنا منا انها شبكت بصيد وخفنا عليه كثيرا ولم نعد الى ضفاف السواقي لصيد الأسماك ثانية . الشيء الذي ظل عالقا في ذاكرتي يحفرها عميقا حتى الأغوار , اننا أحببنا طريق المحطة القديمة , المزروع بشجيرات الدفلى ومن يومها احببت هذه الازهار وصرت اتخيلها دائما كائنات تنبض بالحب والمودة وحتى انني اعتقدت طورا من الزمن انها سبيلي الى فهم أسرار النباتات واستجلاء غوامض الطبيعة.انا وأخي نتردد على ساحة العمال ولكنها ايام طفولتنا وصبانا عرفت بـ " ساحة الأسود والنمور " لوجود أنصاب لأربعة من الأسود المصبوبة بواسطة مادة الجص , اثناء وصولنا الى الساحة وهي تزدهي بثيلها المنبات واقدامنا تغوص في مخملها الوثير نتسلق ظهور الاسود ونتمتع برؤية العرائش المتسلقة وازهار الداوودي بالوانها المختلفة , فوقت قدوم القطار او مغادرته مازال بعيدا فلا اثر للعربات التي تجرها الاحصنة والتي كان اهل كركوك يكثرون من استعمالها في انتقالهم في ارجاء المدينة والجزرة الوسطية الممتدة من ساحة العمال الى المحطة سجادة طويلة زخرفت بشجيرات الدفلى , والسحر الغريب الكامن فيها انها متفتحة البراعم دائما وكأن هذه البراعم هبطت عليها من السماء , المشهد يسحرني لدرجة كنت اهم بقضم هذه الاوراد – وهي للعلم مرة الطعم – لأتذوقها واتحد بنكهتها وضوعاتها الاسرة .

وبالرغم من مرور ما يقارب خمسة عقود على تلك النزهات فانني مازلت مسحورا بازاهير الدفلى عندما اقع عليها في الحدائق العامة او في الجزرات الوسطية او في حدائق البيوت , وهي تطل باضماماتها الى خارج الاسيجة اظل احدق فيها امعن النظر لعلي اكتشف اسرارها التحتانية التي دفعتني الى الهيام بها.

في نزهاتنا الدفلوية نتباطأ , نستاف عبير الشجيرات الممطرة بالوانها الحمراء والوردية والبيضاء , والبيوت المنثورة على جانبي الطريق هي بدورها تشع بواجهاتها المبرجزة , نخطو خطواتنا الوئيدة ونتأمل شجرتي التوت القائمتين قبل ان ندلف الى بناية المحطة وهي بناية متواضعة من طابق واحد شيدت عام 1937 ثم نهبط الى عربات القطار المنتظرة رحيلها الى بغداد , ونحلم بصوت القطار الذي يفجر في اعماقنا حنينا ان نعرف بلادا جديدة ونعانق قباب ومنائر بغداد الذهبية , نحس ان الوقت داهمنا فلا بد من الرجوع الى المنزل , ومع مآبنا نماشي الدفلى وشجيراتها واتخيلها امهارا تحركها الرياح وموسيقى تهبط علينا من بعيد تثير فينا الحزن , ان نزهتنا انتهت ونحن في انتظار يوم اخر نخرج لمعانقة الدفلى التي لا نتعب من تأمل شجيراتها الزهراء.

________________

هامش لغوي

1.   ورد في مختار الصحاح عن مادة الدفلى: نبت مر يكون واحداً وجمعاً, ينون ولا ينون فمن جعل ألفه للإلحاق نونه في النكرة ومن جعلها للتأنيث لم ينونه.

2.      ورد في معجم المنجد: الدفلى شجر زهره كالورد الأحمر وحمله كالخرنوب من فصيلة الدفليات.

مدرسة المنصور الابتدائية / في انتظار أستاذنا :نهاد عبد المجيد

   تقدمت الست "عصمت " مديرة مدرسة القورية الابتدائية – واخبرتنا آن لنا نحن الصبيان ان نجد لنا مدرسة اخرى يكفينا الدوام في مدرسة البنات , لقد كبرنا ولم يعد من اللائق ان نخالط البنات , كنا حفنة من الاولاد لا يتجاوز عددنا عدد الاصابع العشر كنت عبرت الصف الثالث الى الرابع , وما هو يوم او يومان وجدت نفسي مزودا بوثيقة نقل الى مدرسة "غازي" والمحاذية لبيت المحافظ القديم , عبرت محلة " امام عباس " وقطعت بساتين " مار يوسف " واجهتني بناية المدرسة . دخلتها وعرفني مديرها الاستاذ عبد الرحمن بكر – لانه كانت بيننا علاقات جيرة – قال لي : " كيف تستطيع المجيء من جرت ميدان الى هذه المدرسة وانت بهذا الحجم الصغير , سأنقلك الى مدرسة قريبة من منزلك , كتب فوق وثيقتي ما كتب ولا ادري ما دون ؟ الان تستطيع الذهاب الى مدرستك الجديدة وتسلم لي على مديرها الأستاذ " موسى زكي " وسوف ترتاح هناك كثيرا. وبالفعل رجعت الى المسكن بعد ان قضيت سحابة ذلكم النهار في ذلك التطواف الهوائي .

  ومن صبيحة الغد توجهت بمعية احد الاشقاء الى مدرسة " المنصور " المستلقية في احضان " كاوور باغي" ذلك البستان المطلسم بحكاياته الغريبة واشباحه المثيرة , هذا البستان الذي سوف يتجذر عميقا في الذاكرة الفقيرة . المهم خطوت اولى الخطوات في هذه المدرسة البستانية لانها لم تكن لها عام 1956 اسوار او اسيجة مجرد مجموعة من الصفوف الملتصقة بجسد الادارة , بناية متواضعة وفي غاية الزهد كتواضع وزهد ايامنا تلك , ومن فضائل المدرسة انها والطبيعة تتناجيان واصوات الطيور بشتى اصنافها تتكسر على حافات نوافذها , وساحتها هي امتداد لمساحات من الخضرة المهندسة بصفوف من اشجار الزيتون , كان اجمل شيء ان نسمع جرس الفرصة وهو يدق دقاته الانيقة فتصدي لها الطبيعة مع صرخات التلاميذ وهم يتدفقون من فصولهم كنهيرات من الامهار الجامحة فكنا عند ذاك نتحد مع حفيف الاشجار وتغاريد الطيور وخوار الابقار وصرخات اهل البستان وهم يطاردون الصبية الفضوليين عن ثمار وغلات زروعهم: المدرسة مشمولة بنظام التغذية التي توزع علينا اصناف منها بعد اكمالنا للدرس الثاني فنفترش ظلال الاشجار ونحن نتناول تلك الوجبات المتواضعة – نصغي الى سيمفونيات الطبيعة التي تعزفها الرياح الهابة وتغازل اوراق الشجر او تعكس علينا ظلال الغيوم العابرة . الايام تمر بسرعة وتنقضي بقية اشهر السنة واجد نفسي انتقلت الى الصف الخامس نستمع بشغف الى دروس معلمينا , هذا الاستاذ محمد شكري نتلقى من عنده دروس الاجتماعيات والاستاذ محمد عبد الكريم نستزيد من عنده دروس العربية وقد اعجبنا بخطة جليلة قام بها معنا وهي جمعه منا مبالغ زهيدة جدا مع نهايات الاسابيع وبواسطة تلك النقود انشأ لنا مكتبة صفية نحسد عليها وهي تزهو بالعديد من الكتب التي تتفق وعقولنا في مداراتها المبكرة وتوزعت الدروس الاخرى على معلمينا الاخرين الاستاذ "بطرس" والاستاذ "عبد الهادي" والاستاذ "ماهر" الا اننا بقينا بدون معلم لمادة اللغة الانكليزية . وفي نهار اخر دخل علينا الاستاذ المدير " موسى زكي" بأناقته ووقاره الرصين قال يا اولاد : " انتهت هذه المشكلة سيفد علينا معلم من قصبة "التون كوبري" وهو الذي سيكون بمثابة استاذ اللغة الأنكليزية , وبالفعل لم يطل انتظارنا , بعد يوم او يومين اطل علينا شاب أنيق ببدلة زيتونية فارهة – هذا المشهد من المشاهد النادرة التي تشتعل بها ذاكرتي دائما – وقدم نفسه الاستاذ نهاد آق قوينلو, وشرعنا نبحر معه في تعلم الحروف والكلمات الانكليزية بلذاذات فاقت التصور فاقبلنا على دروسه بنهم وحب وكنا دائما نستعجل الاوقات حتى يحين درس الانكليزية . ومن اللزام علي ان اعترف بانني احببت الانكليزية من خلال دروس استاذي "نهاد" ولكني نسيت على مر الايام وكر الاعوام طرائق تعليمه لنا ولكن الكثير من خلقه وظرفه ترسب في الذاكرة – كان مرات يعنف علينا ولكن بمجرد زوال تلك اللحظات يلين بحيث ينسينا تلك الدقائق المكفهرة فاحسسنا في قلبه ابوة لنا وهو دائم مد يد العون لكل من يحتاجها , عندما نجحت في امتحانات تلك السنة بتفوق اهدى لي صورة مكبرة التقطها لصفنا وهو يعرف اهمية هذه الحوافز لنفوس النشئ وعندما أكملنا مرحلة السادس الابتدائي دعانا – نحن التلاميذ الناجحين – الى سينما اطلس على حسابه الخاص لمشاهدة احد الافلام المعروضة على هذه الصالة الباذخة هاتيك الايام وقدم لما مدير المدرسة المرطبات واجزم ان هذه بادرة كبيرة تصدر من معلم ومن مدير مدرسة ابتدائية وهما يكافئان ويقدران التلامذة على نجاحهم بالرغم من ضعف مقدراتهما المادية لانني اعلم علم اليقين انهما كانا يعتمدان على راتبهما الشهري في معيشتهما ولم اجد مثل هذا التكريم في سني حياتي المتقدمة في المدارس التي درجت فيها . وفي احد الايام لا ادري لسبب من الاسباب غضب علي الاستاذ وقد انساني تراكم الاعوام الموقف الذي دعاه الى ذلك وكنت متيقنا من براءتي واذا الاستاذ نهاد ينادي علي ويصحح ذلك الموقف لانه انسان انس لنفسه وراجعها فبان له الامر , لم يعاملنا كتلاميذ صغار وانما كقلوب انسانية وهو يعرف انه متوجه الى بناء عقول ونفوس . وهكذا تعلمنا من استاذنا الا نجمد على حال وانما نمحصها بمراجعة اوجه الحقيقة فمن الصف الذي علمه الاستاذ " نهاد " الانكليزية طوال عامين في السنوات اللاحقة اصبح منه مدرسون ومهندسون واطباء وضباط ومن هؤلاء من وصل الى ارقى المناصب واخطرها , وانني متيقن من الجميع انهم لم ينسوا فضائل ذلك المعلم الانسان الذي أحبهم كأصدقائه وأبنائه  فدخل قلوبهم وظل هناك في ذواكرهم لانه من الصعوبة بمكان ان تطوي يد النسيان مواقفه ومودته لتلاميذه.

 

 

 

 

 

 

سفرة الى ضواحي كركوك  عام 1958 الاستاذ نهادعبد المجيد مع الاستاذ موسى زكي

 

 اهبط سلالم ذاكرتي فاجد استاذنا يتلقانا في حصص التربية الفنية ويدلنا على المبادئ الاولية للرسم والمهارات البدائية فيه , يخرجنا من جدران الصف الى فضاء الطبيعة الفسيح ويتركنا احرارا نرسم أجواءها الحالمات , ان ابهى شيء في التلميذ اليافع هو مخياله والاجمل من هذا ان نطلق عنان هذا الخيال ليكسر الحواجز ويهدم الاسوار ليسبح في ملكوت من الانبهار في سهوب لا متناهية . وهكذا عندما اجتزنا السادس الابتدائي كنا نجري وراء فراشات ملونة ونصغي الى اجنحة طيور غريبة ترف عند حافات نوافذ قلوبنا المتعطشة لمصافحة كل شيء يبهر ويسحر ويهيج الأعماق .

اعلم ان استاذنا "نهاد" قد تعرض الى صروف من المحن وهو يدافع ما يعرف علم اليقين انه من حقه ومن حقوق من يحبهم والابهى في كل هذا انه ظل ثابتا على موقفه لم ينل من ارادته دوران الاحوال وتقلب الايام , وهذا حال الانسان المحب الذي يحترق من اجل ان تتسنبل افكاره ازاهير اعبق من كل الازهار وانا عندما اتدحرج على طرقات الحياة مكتهلا انادم كلماتي في اظلال صائفة اخرى تطرق بوابة العمر ابصر استاذي وهو يدخل علينا الصف في بدلته الزيتونية الفارهة وبابتسامة تملا محياه مقدما نفسه انا الاستاذ نهاد عبد المجيد.

 

تلاميذ مدرسة المنصور الابتدائية – الصف السادس عام 1958 مع الاستاذين موسى زكي ومحمد عبد الكريم

 

 

حكـــــاية شعــــــراء من كــــــركـوك

 

  تمخضت طفولتي عن عشرات الحكايات والقصص التي كانت تروى داخل البيت فأفراد عائلتي كانوا حكائين لا يملون من قص حكاياتهم في ليالي الشتاء الطويلة بعد ان كنا نلتف حول مواقد الفحم او في ليالي الصيف الحالمات ونحن نفرش مطارحنا على السطوح تحت عيون النجوم التي لا تنام . الوالد , الوالدة , الاشقاء , شقيقتي , يتبارون في تجميل مروياتهم وتشويقها حتى  نشير الى تلك الحكايات باصابع لاحبة نحن الصغار وننقلها الى اصحابنا خارج الدار, واذا صادف غياب الاشقاء الكبار وعدم حضور الوالد كانت والدتي ترسل من تطلب العمة " جميلة " وهي قريبة لنا , كنا ننصت بذهول الى حكاياتها الفانتازية التي ازالت الحواجز بين ما هو حقيقي والخيال الى درجة أتالم لان ذاكرتي لم تحفظ شيئا من مروياتها العجيبة , اقول بالرغم من تحول منزلنا ايام طفولتي الى مشغل سردي وحكائي الا انني توجهت الى عالم الشعر , وتركت خلف ذاكرتي عشرات السرود التي ربما اهلتني في احد الأيام ان اتحول الى سارد اقص حكاياتي العجيبة على صحبتي , احببت الشعر واكتشفت ان القصائد التي اقرؤها تتسلل الى دخيلائي ثم تبقى هناك مختمرة وابدأ ارددها فوق السطح او في البراري التي اخرج اليها وانا تأبط كتبي المدرسية للقراءة والتحضير .

  لم يكن احد في منزلنا يميل الى الشعر فانا كما اسلفت : كل افراد اسرتي احبوا الحكايات واستهاموا بقراءة القصص و الروايات وتحولوا بمرور الايام الى حكائين يهوون حكاية مروياتهم التي يبحثون عنها في بطون الكتب او في زوايا الدار او ينقلونها من ألسنة الناس وخواطرهم اول شاعر لفت نظري وانا اجتاز الى محطة قطار المسافرين عبر بساتين "كاوور باغي" كان شاعرا فطريا يتزيى بزي شعبي يقتعد احد اسوار البساتين المتداعية ويمد يده الى جيوبه ثم يخرج قصاصات ورقية متهرئة ويقرأ منها منظوماته الحزينة وهي تنزف اوجاعها في كيد الحبيبة وغدرها تكررت رؤيتي لهذا الانسان وعرفت بعد ذلك انه كان سجينا وقد اطلق سراحه مؤخرا وقد اتخذ من البستان وكنا يأوي اليه ومعه تأوي اليه كلماته واشعاره , وفي نفس هذا البستان تعرفت "اوغوز" كان تلميذا مثلي الا انه كان يسبقني عاما او عامين في الدراسة والان احتفظ بين اوراقي القديمة على مقاطع كتبتها علىاثر مطالعتي لديوان مخطوط له يحمل عنوان "الباكي" وقد اهديتها له :-

" اشعارك يا اوغوز

فواحة كالزنبقة

ليس فيها نضوب كينبوعة متدفقة "

وهذه الأسطر مؤرخة بعام 1962

ثم تعرفت صديقا أخر في المكتبة العامة يهوى الشعر ويكتبه وهو "شكر نوري عبد الواحد" كنا نتبادل قراءة كتاباتنا الشعرية , يقرأ لي , واقرأ له اثناء استراحاتنا في حديقة المكتبة , كان يميل الى قرض الشعر العمودي وانا اميل الى الحديث منه ثم تفرقت بنا الايام فأضعت كل اثر لهذا الصديق الذي احببته لوداعته وهواياته الادبية .

 كما ضاع "اوغوز" هو الاخر بين زحامات الايام واكتظاظات السنين ولم اقع لهما على أي اثر يذكر طوال اربعة عقود طوال.

في مطلع الستينيات بدأت أراسل جريدة "الاخبار" البغدادية لصاحبها " جوزيف ملكون" وشرعت مقاطعي الشعرية التي كنت ارسلها تظهر خجلة في ركن الهواة او بريد القراء , ولكن بعد ذلك شقت طريقها الى الصفحة الادبية التي كان يشرف تحريرها الاستاذ "زهير احمد القيسي " وكذلك صفحة اخرى من اشرافه ايضا تحمل عنوان "من جرح القلب" وفي هاتين الصفحتين الأدبيتين لفتت نظري اسماء من كركوك : يوسف الحيدري , عباس عسكر . يوسف الحيدري في مبتدأ حياته الادبية كتب الاشعار والقصص , الا انه عاما بعد اخر تغلب الجنس القصصي على ابداعه الكتابي , ولكن الصديق "عباس عسكر" ظل في المشهد الشعري الكركوكي من اوائل الستينيات الى يومنا الحاضر , وهو اقدم شاعر عرفته المدينة طوال هذه العقود الأربعة وبقي يرسل غناءه مع امطار الشتاء وهي تصهل في نهر "الخاصة" او ازهار الربيع البرية وهي تزين سفوح " تعليم تبة " او فواكه الصيف وهي تزغرد في اسواق كركوك.

في هذه الفترة أي عام 1963 أكملتُ دراستي الإعدادية وتوجهت صوب بغداد للدراسة في كلية الاداب التي وجدت بين اروقتها اسماء شعرية تشق طريقها جاهدة الى عالم النشر والبروز فقد تعرفت هناك محمد طالب محمد , فوزي كريم , عبد الرحمن طهمازي , شوقي عبد الأمير وآخرين , صادقتهم وصادقوا رفقتي في "جماعة كركوك" الذين تعرفتهم فيما بعد.

التقيت "جان مو" في شارع الرشيد ولا اذكر المناسبة التي جمعتنا ولكننا تسكعنا طويلا في ذلك الشارع ذي الأعمدة المتراصة وعندما تجددت اللقاءات بيننا بكركوك جددنا الجلسات في مقهى النصر "المدورة" ومقهى "جليل" الواقع خلف عمارة أبي حنيفة ومقهى المجيدية / البناية القديمة والتقينا باصحابنا الاخرين : مؤيد الراوي , سركون بولص , صلاح فائق . اطراف النهار نجتمع في مقاهي كركوك واناء الليل نأوي الى بيت يوسف الحيدري او بيت القاص جليل القيسي , قتبدأ قصاصات الاوراق تغادر الجيوب وهي محبرة بأخر قصائد الصحب ثم ترتفع القراءات السحرية لاشعار وكأنها خرجت متحممة من اغوار القلب تمطرنا برذاذها الافيوني , ننتشي بتلك الطقوس ونذوب في عالم من بهاء التصوف , نصبو لنظفر بسويعات نمسك جمراتها لنمنعها من الانزلاق من بين اصابعنا الى حضن الهباء ومعظم قصائد الصحب تعاكس دالاتها السطح المألوف للشكل الشعري أستطيع الآن أن أتذكر العديد من قصائد الراوي وجان وسركون وصلاح وكأنني أصغي إليها الآن, لقد ترسخت في شغاف القلب لأنها كانت تحمل تلك الألفة التي جمعت بين مهج تصبو لعناق المجهول وتشغف بهدم البنى القديمة ودفع الأدب الى فضاء جديد يتنفس هواء البحر والغابات العذراء.

نلتقي بمؤيد الراوي في مقهى المجيدية/البناية القديمة نأخذ اليه قصاصاتنا المحبرة بأشعارنا ونقرؤها عليه وهو يستمتع بكلماتها ويشير علينا بملاحظاته في هذا الشطر أو ذاك ولا بد من الإشارة الى الصديق مؤيد كان أكثر الأصدقاء حداثوية وتجريباً يحرث في أراضٍ جديدة بالاضافة الى موهبته الشعرية والقصصية فهو موهوب في الرسم والخط ويتحدث كل اللغات المحلية في المدينة بطلاقة يجلس في مقهاه ويراقب أطيار السنونو المعششة في سقف المقهى فهو لا يمل من تأملها وتأمل أعناق صغارها الصلعاء والمطلة من تلك الأعشاش الهائمة.

في وقت قريب تخطت كتابات سركون بولص العاصمة بغداد وعبرت الحدود وطفقت تظهر في بيروت في مجلتي ((الآداب)) و ((الشعر)) وخاصة المجلة الأخيرة فتحت صفحاتها لأستقبال هذه الموهبة القادمة وبدا اسمه يترسخ في خريطة الأدب يقيم عوالمه الشعرية ويغتصب الساعات الهاربة بكلماته المجنحة, يقول سركون في قصيدته الموسومة (( آلام بودلير وصلت)) والمنشورة في مجلة (شعر) :

ماذا أفعل بحياتي ؟

هنالك باخرة ضائعة ترعى بين احشائي

واصادف ذات يوم ملابس بودلير الداخلية في طريقي كيف وصلت الى بيروت ؟

وكذلك (سركون) ركب غيمة غضبه في احد الايام وهبط بيروت ثم هاجر الى العالم الجديد , وغدا الرحيل ديدن الصحب فقد تسللوا واحدا بعد اخر الى بغداد ومن هناك خرجوا الى اقصاع المعمورة وراء فراشات وحيهم ليعانقوا المجهول الذي طالما حلموا به من فوق مقاعد مقاهي كركوك.

رحل (مؤيد) الى ارتيريا ثم استقر به المقام في المانيا ثم رحل جان الى استراليا وتوقف هناك قلبه ليهنا ذلك الجسد المضنى من صعلكات الايام الفقيرة و(صلاح) الى الفلبين الا انه هبط كركوك في احد الايام الخريفية من عام 2003 وهو يتأبط ديوانه الأخير (اعوام) ,التقينا وجددنا لقاءاتنا في كركوك الحلم طفنا في مقاهيها العتيقة وعبرنا جسريها الماطرين واستذكرنا حكايات صحبنا في(جماعة كركوك) ويقول في ديوانه الاخير : الى بلده الثاني

يجذف هذا المتكلم منذ الصباح

في قنوات لا ترى "

ويقول لي صلاح : ( كركوك كانت معي طوال سنوات البلاد الأخرى )

نتصفح كتاب (أعوام) نقع على كركوك المدينة متدثرة بحنان كلماته , ففي نصه الموسوم بـ ( غربة )

نقرأ : (( لو أنني في كركوك

        الان لزرت ضريح احد الأولياء

        وربطت خرقا ملونة

        لسياج قبره القديم ))

ثم يتذكر (صلاح) أصدقاءه في شوارع ودرابين المدينة وهم يدخنون سكائرهم بصمت, ويحملون بكتابة القصائد التي لم تكتب بعد.

  في المشهد الشعري الكركوكي في ايامنا هذه أسماء شعرية لشعراء وشواعر تترك بصماتها لاحبة على الخريطة الادبية وهي تنتمي الى اجيال شعرية مختلفة , فمنهم المخضرم ومنهم الشاب الفتي , يتركون غناءهم عند حافات القلعة , يتبرعم ويتشجر ثم يعبر" الخاصة" ويتدثر بالغمامات الهائمة يحمل نجاوانا الاسيانة الى القلوب المتعطشة لكل مبهر فتان,

هولاء صحبتي وانا دائما اسافر من اليومي الرتيب وافر من صدأ الايام وبرودتها

الى اشعارهم ابحث فيها عن الفانتازيا والأحلام والفائرة والجنونات التي لا تهدأ وهم أوفياء لهذه المدينة التي لا تتعب من انجاب شعرائها الخلاقين الذين يحملونها في قلوبهم وهم يسافرون عبر محطات العالم الفسيح.

اقف على تلة " تعليم تبة " وانظر نحو " عرفة " واشاهد " جان دمو "

 

جان دمو

 

 

يتسرسح في الطريق وبمجرد

 ما يلمحني يصرخ " الجلد

 الذي سافر بالقطار

" دون ان يقول للبروفيسور نعم "

فأهبط من التلة فأرى (مؤيداً)

وهو يلوح لي : يا جماعة لقد

 أضعت " مؤيد " فبالله من يعثر

عليه ليدلني عليه ويقترب " سركون " ممتطيا دراجته الهوائية وهو يهتف : أيها الماضي أيها الماضي ماذا فعلتُ بحياتي ؟

وأنت أيها الماضي ماذا صنعت بصحبي حملتهم الى بلاد الشتات فحملوا كركوك معهم وهربوها مع قبلهم المجففة في قصائد تتدحرج في حافات العالم السفلي ومحطات قطار الغسق الهابط الى .

 

مفــــــــــاتيـــح

 

في محلة " جرت ميدان " القريبة من ساحة الطيران والمشرفة على مقبرة " سيد علاوي " المحاذية لبساتين " كاوورباغي " ابصرت النور عام 1946 هكذا تتحدث اوراقي الثبوتية ولا دخل لي في هذا العام ولا ارادة لي في هذا الازدياد ولكنني قذفت الى هذا الكون وعندما غطاني الوعي ادركت انني انتمي الى اسرة وانا اخر عنقودها الذكوري حيث تقدمني سبعة ذكور من الاشقاء وشقيقة واحدة , لقد تركت مقبرة " سيد علاوي " وبساتين كاوورباغي العديد من البصمات على ذاكرتي الطفولية حيث اجتمع في داخلي نقيضان الموت ازاء الحياة , والخضرة ازاء اليباس , الصبا ازاء الكهولة , ومنذ سنواتي المبكرة طفق هذا السؤال يسد حنجرتي لماذا يهرم الانسان ؟ لماذا يشيخ وهو يعدو في طرقات الخبز ؟ ما الذي يفرق الانسان من انسان , وامام دارنا الصغيرة كانت شجرة توت تنتصب والتي زرعها والدي وكنت عبرها اتعرف الفصول واتعرف تضاريسها المتباينة وحتى اكسر قفص الاسئلة الذي وجدت نفسي فيه بدأت اشق طريقي الى الكتب التي اصبحت مهوى عشق الفؤاد وهكذا تعرفت المنفلوطي وجرجي زيدان وجبران ومحمد عبد الحليم عبد الله ولم اكن اترك كتابا يقع في متناول يدي فقد غرقت في مطالعة كل الاجناس الادبية . ولكن عندما بلغت مرحلة الاعدادية تعثرت بديوان " اغاني الحياة " لابي القاسم الشابي وعبر هذه الواحة الشعرية تعرفت الشعراء العرب الرومانسيين ومن بعدهم الشعراء الفرنسيين " لامارتين " وفيكتور هيجو " وغيرهم .

اولى محاولاتي الشعرية نشرتها عام 1961 وبعد ذلك بدات انشر كتاباتي الادبية في جريدة  " الاخبار " البغدادية واذكر جيدا اني ارسلت كتابة نقدية بسيطة عن القصة العراقية الى صفحتها الادبية التي كان يشرف على تحريرها الاستاذ " زهير احمد القيسي " فنشرها بعد ان مهد لها بقوله " انشر هذه المقالة لتثير ضجة , حركة في سبات الادب وقد كان لي اطراء وانا في عامي السادس عشر . بعد انهائي مرحلة الاعدادية عام 63 رحلت الى بغداد ودخلت كلية الاداب / قسم اللغة العربية ومن 63 الى 67 عشت بغداد بالطول والعرض والاعماق لم اترك شارعا الا وقد تسكعت على قوارعه ولم اترك مقهى والا استجديت الدفء من زواياه عرفت حاناتها وعوالمها السفلية وأسواقها وأزقتها ولا اعود الى مأواي في القسم الداخلي او في النزل الا وقد هد التعب كل اطراف جسدي , كنت اتشمم بغداد نهرها وبساتينها ومتاحفها وهي تتغلغل الى مساماتي عرفت أدباءها وفنانيها التشكيليين وممثليها المسرحيين وتقاسمت معهم خبزهم ومشربهم واحلامهم وامالهم . ثم اقبل صحبي في جماعة كركوك الادبية فكانت مجايلتي لهم بمثابة قطرات المطر التي تنتظرها الارض البوار لقد ارتوت روحي بالينابيع التي كانت تتدفق من كلماتهم القادمة من اعماقهم والمطعمة بفواكه احلامهم والتي لا تعرف السكون. اطراف النهار كنا محاطين باصدقائنا الكتب تضرب اقدامنا حافات الارصفة نحدق في الشمس وهي تغزل لنا اشعتها العسجدية ومن شارع الى شارع من مقهى الى مقهى نتناول قصاصات الاوراق التي حبرناها بقصائدنا وخيول الشوق تعدو بنا فوق براري قلوبنا العطشى الى عناق المجهول واما آناء الليل فنأوي الى بيت احد الصحب فتبدا القراءات الليلية فتنكشف لنا عوالم من الغموض والاثارة وكأننا عثرنا على مفاتيح فراديس غير مرئية. وهل هناك الفة اجمل من دفء العلاقات الانسانية ومودة القراءات التي لا تنتهي :

تلك السنون الخصبة امتدت الى عام 68 كنت قد تخرجت مدرسا وتعينت في احدى متوسطات كركوك ولكن في اواخر العام نفسه اوفدت الى القطر الجزائري فمكثت فيه ما يقارب ست سنوات وأمضيت معظمها في مدينة " قسنطينة " عاصمة الشرق الجزائري وهنا بدأت مرحلة جديدة في تقويم العمر وهي مرحلة التطواف في مدن  البحر الأبيض المتوسط لقد طفنا حول البحر شمالا وجنوبا , في القاهرة عندما عبرت كوبري التحرير الذي يحرس بوابته اسدان رابضان تذكرت " أندري مالرو " عندما عبر نفس الجسر وتتالت المدن : طرابلس , تونس , الجزائر , وهران , فاس , تطوان كل هذه المدن قاسمتها ارغفتي وشاركتها اسرار احلامي وولجت تلافيف دماغي , جالست الحكواتيين المغاربة عند الاسوار القديمة لمدينة " مكناس "  وعندما عبرت شمالا الى الاندلس كانت " غرناطة " وعندليبها الشهيد " لوركا " وازقتها التي لا تعرف النوم كلها تغرد حتى الصباح في باريس وميلانو اقتعدت الارصفة داعيا اصدقائي الى موائد القلب واما في بودابست فقد عاونت بائعات الازهار على تنضيد باقاتهن في الساحات العامة وتقليد اصواتهن في النداء لترويجها. كنت ادخل المحطات بقطارات تعبى وافترش مصاطبها في انتظار قطار اخر ينهب بي الارض صوب مدينة اخرى تسكعت على طرقاتها في خريطة الاحلام . ولم انقطع احد الايام عن قراءة وكتابة الشعر, إذ كنت اقرأ كتاب المدن فاستلقائي على صفحات الكتب كان لي نبيذا سحريا وعزاء ثانيا.

الشعر يغزوني فهو يصنع في دخيلائي اشكاله التي تشاد ثم تنهار فلا راحة لي معه ولن ارفع امامه الراية البيضاء لانه علامة الكشف ومتكاي وانا اهرم امام بوابات الشتاء فالحروف تتسلقني تتعرش روحي وجسدي , يجلو الاصقاع الباردة داخل النفس واذا كان الزمن يضيع الاشياء امام البصر ويجعلها تسيل كانسياب الماء من خلل الاصابع فالشعر يحاول ان يعيد اليها هارمونيتها وبهاءها وانسجامها فالتجوال في العوالم السفلية للعثور على النور الذي يجلو هو الذي يبدع هو الذي يقود الانسان الى القبض على جمرة الابداع والى معانقة مالم يعانق  , ان الشعر هو القوت والعزاء في ارتياد طبقات العتمة المتكاثفة عبر رحلات القلب في قارات العمر المنقضي .

 

 

فاروق مصطفى

في مرحلة الاعدادية

1962 - 1963

 

 

مقهـــى الـــى يسار شارع الاوقـــــاف / استــذكارات وتداعيات

 

  عندما تنحدر الارياح من سفوح " تعليم تبة "[1] وتجرف وريقات الخريف عند حافات ارصفة "شاطرلو" و " الماس " و " ميدان احمد اغا " الى اوراد المطر المتبرعمة في حدائق فضاءات كركوك , هذه الاحاديث نصغي اليها مسرورين لانها جزء من تاريخنا الشخصي وهويتنا الاسمية ومعاشراتنا و جنوناتنا و احباطاتنا التي عرفناها طوال هذه العقود الاربعة التي عرفت فيها الشاعر واستظللنا باظلال صداقة تميزت بدفء علاقاتها وتواصلها الفتان , ظل صديقي " عباس " طوال أربعين عاما يرسل غناءه الهامس طورا وفواجعه الجوانية طورا أخر , والمدينة تنظر الى تعاقب الفصول يتربع لشتاء أمام القلعة[2] ويصرخ : انا احمل لك الربيع في أحشائي و ويولد الربيع ويطفو على مياه " الخاصة " وينثر ازاهيره البيضاء لعشاق وشعراء ومجاذيب يترعرعون على

 

جانبيه, تأتي الصائفة ويرتفع صوت صديقي الاسيان :

حين داهمت الشجون

مملكة الشاعر

احترقت قصائد الوجد

فمسه شيء من الجنون

    وهكذا اخذتنا الجنونات الفياضة من دواخلنا للشغف بقصائدنا المعلبة بقبلها المجففة والمدحرجة على حافات شارع " الأوقاف" لتعانق أحلامنا للطيران في فضاء لا متناه لنبصر عبر الظلام الغاسق اناشيد بيضاء تنادينا : هلموا الى بعيدات الضفاف .

   تعود بي الذاكرة الى الوراء يوم كنا فتيانا يافعين نحلم في كلماتنها الصغيرة ان نطرق بوابات صحف "بغداد" فتشجعت احد الايام والقيت مقاطعي واحلامي في البريد الهابط صوب بغداد فوجدت هاتيك الكلمات تخرج على صفحات جريدة " الأخبار" البغدادية لصاحبها "جوزيف ملكون " ومن بريد القراء وركن الهواة انتقلت الى الصفحة الأدبية التي كان يشرف عليها الأستاذ زهير احمد القيسي وكان قد سبقني اليها اسم القاص الراحل " يوسف الحيدري " ثم بدا يظهر اسم " عباس عسكر " هذان اسمان من مدينتي لفتا نظري, الاول يكتب القصص والاشعار, اما الثاني فهو ينشر فيها قصائده ومرت الايام فتعرفت " يوسف الحيدري " في مقهى " النصر" "المدورة" وصديقي "عباس" تعرفته في مقهى الى الجانب الايسر من شارع الاوقاف, أزيل المقهى وقامت محله بناية المحاكم الجديدة, كان مقهى قديما يفوح بنكهة القدم وتصدر كراسيه العتيقة صريرا خافتا كأنه دعوة لمنادمات سرية, تعودت انا وصاحباي " جان دمو " و " صلاح فائق " ان نذهب الى " عباس " ونجالسه في ذلك المقهى الاوقافي الغارق في اساه الاخضر , نقرا قصائدنا , في احايين كثيرة ندخلها ولا نغادرها, نتمتع بدفئها لان الشتاء يدثر المدينة بضبابها المبارك, وهنا لابد ان اشير الى نقطة قبل ان تتسللّ من رفوف الذاكرة , كنا نكتب قصائد جماعية و الجميع يشارك في صوغها واستيلاد كلماتها, ترى اين ذهبت تلكم القصائد التي تركنا على اجسادها عرق اصابعنا ونشار اقلامنا ولزام عليّّ ان أشير الى نقطة ثانية وهي أكتشافنا في هذا المقهى قصيدة " المدينة " لـ "كونستانتين كافافي" عشقنا القصيدة وكلماتها المجنحة :

ستؤدي بك السبل دائما الى هذه المدينة

فلا تأملن في فرار

 إذ ليس لك من سفينة ولا من طريق

كما خربت حياتك هنا في هذه الزاوية الصغيرة

فهي خراب أنى ذهبت "

وانطلقنا من فضاءاتها النضاحة باحزانها الشفيفة واقمنا لانفسنا شتى العوالم الشعرية وهي تنبض بانفاسها تغوص في اغوارنا الدفينة .

ومرت السنون واحرقت عظامنا واسمعتنا كماناتها العجاب من بين الغمائم المسافرة اصداء لقطاف ايامنا العجفاء , تهدم المقهى وتشتت الصحب , ولكن الصديق "عباس" اثر البقاء في المدينة وظللنا نلتقي من جديد على صفحات جريدة " العراق " اواخر التسعينات وهو ينشر قصائده عبر المسافات الواقعة خارج اطار الاحلام اقول لصديقي انه قدر رحيم جعلنا نلتقي قبل أربعة عقود على صفحات جريدة "الأخبار" وثانية جمعنا على صفحات جريدة "العراق" لاصغي الى طيور آلامـك وهي ترفرف على نوافذ اصبحتي المحطمة واعانق دفء علاقاتها السيال واتذكر مقولة "انطوان اكسوبري" ليست  هناك إلا متعة فريدة تلك هي متعة العلاقات الانسانية"

واليوم وانا جليس مقهى "شاكر" انتظر صحبي الذين يأتون والذين لا يأتون وصديقي "عباس" يطل علي بين الذي يأتي ولا يأتي يتأبط احاديث اوراقه المرتعشة واذ ينضم الى مائدتي نبحر في عُباب ابيض ونقبل انساغ البحار الصاعدة من اعماقنا ونصرخ كما صرخ صديق لنا من قبل " ايها الماضي ايها الماضي ما الذي فعلت بحياتي ؟

والان ايها الصديق اسمح لي ان أشعل آخر ورقة عثرت عليها في جيب سترتي, فاذا لم تضيء الطريق جيدا فان قناديلي ما عادت تولم لها أكمام النهار ولكن عزائي اننا سرنا وصافحنا الضياء وهشمنا الخبز للبراري الفساح. واستوقفتنا الكاتبة التشيلية "ايزابيل الليندي" وهي تلوح لنا في محطة المساء والضباب يغشى حواري القلعة العتيدة هاتفة " ليس هناك شيء دون طائل وما من احد يصل في الحياة الى أي مكان, إننا نمشي وحسب"

 

 

كركوك  -  مقهى النصر

من اليمين فاروق مصطفى جان دمو صلاح فائق 1964

 

 

من حكـــايات غرفــة العمــــة " مريــم "

 

   غاصت طفولتي في برك من الحكايات التي لا تنتهي. كانت دارنا مشغلا سرديا لمرويات تذهب بمخيلتي الطفولية كل مذهب , الان اعيد الذاكرة الى الخمسينات من القرن المنفرط فأفراد اسرتي يتبارون في قص حكاياتهم وكل فرد حكاء لا يمل من سرد حكايته , الخيال يمتزج بالواقع , التأريخ يأخذ بتلابيب الحاضر , روايات معاصرة تختلط بحكايات " الف ليلة وليلة " ويطفو على جميعها العشاق والسحرة والاتقياء والمشعوذون وبسطاء محلة "جرت ميدان" والسعالي والطناطل و أجنحة الإنس و الجن , ان الحي الذي ارقت في فضاءاته امواه عيني كان بدوره زهوان بمقاهيه العجيبة وهي ايضا مسارح بدائية تُروى من على تخوتها مئات المرويات التي تنتقل من لسان الى اخر واظنني الان مستلقيا في كنف كهولتي المبكرة, هاتيك الحكايات تهاجمني كأسراب من الطيور المتوحشة تلعق شفتي تاركة رفيفها المدوي عند مسامعي وتلك الكلمات تتكسر وكأن اشخاص الحكايات نهضوا و وقفوا كالاشجار امام الرياح القادمة من الصحاري البعيدة.

والذي يروي حكاياته عن "سفر برلك" ومغامراته في الجيش العثماني وقصص فراره واختبائه في النجود والوديان والدتي حكاءة من نوع اخر وهي تروي عشرات القصص عن احتطابها مع لداتها وكيف ان السيول كانت تقطع السبل امامهن وهن يجازفن في خوض غمارها اشقائي الكبار يتنافسون في قص حكاياتهم احدهم يقرأ لنا رواية " شجرة اللبلاب " وأخر يتلو علينا صفحات رواية "لقيطة" وثالث يتناول الكتاب المعشوق " الف ليلة وليلة " ويغرقنا في انفاس حكاياته العجيبة ولكن شقيقي الاكبر يسرد علينا مروياته فهو في الغالب الاعم بطلها فاذا لم يكن هو فاصحاب له وبين كل هذه الحكايات يطفو اسم " العمة مريم" وهي امرأة فقيرة وحيدة انقطعت بها السبل فدعتها والدتي الى السكن معنا ولمساعدتها في الاعتناء باخوتي تقبلت المرأة الفكرة وبمرور الايام صارت واحدة من الاسرة حالها كحال أي فرد منا وقد خصصت لها الوالدة حجرة تقع قريبا من المدخل الرئيسي للدار لقد لحقت هذه الغرفة قبل ان تهدم اواسط الخمسينات وتبنى على انقاضها حجرة جديدة وغمرتني حكايات هذه المرأة التي لا اعرف متى توفيت ؟ وأين موضع قبرها في مقبرة "سيد علاوي" ولم يبق لي احد اوثق منه هذه التواريخ فوالدي واشقائي الكبار انتقلوا الى جوار باريهم وانا اعصر ذاكرتي فالمح غرفتها قبل ان تهدم ولكن الكثير من الحكايات عن هذه الغرفة مازال عالقا ببعض حافاتها لقد ادخل في روعنا ان الحجرة مسكونة وان فيها روحا طيبة لا تقبل النجاسة ففي واحد من الايام أراد احد اشقائي ان يرش بوله عند بابها فأبت الروح الطيبة هذا العمل فخرجت له وقذفته بعيدا عدة أمتار وكان هذا درسا للجميع بعدم اقتراف مثل هذه الأعمال لتسيء الى نظافة الغرفة وطهارة ساكنها وتروي والدتي بان اباها كان نساجا يتعاطى عمله – فيها التي عرفت عندنا باسم غرفة العمة مريم ينكب على الات نوله كانت الروح تخرج على شكل ثعبان مسالم يخرج من جحره يأتي ويضع رأسه على فخذ جدي ويظل على هذه الحالة ما طاب له من السويعات الى ا ن يقول له الجد : كفى ايها المبارك اظن انني سأخذ راحة قيلولتي. الثعبان يرفع رأسه ويمضي الى الحجرة كأنه هو الاخر جزء من هذه الدار هذه الحكايات كنا نصغي لها بكل جوارحنا وبمرور الايام استحالت اجزاء من البيت فاذا كنا نلاحظ هنا كرسيا قديما ونبصر هناك برميلا متروكا او صورة معلقة تراكم عليها الغبار او صندوقا خشبيا تكدست فوقه الالحفة والمطارح كذلك هذه القصص التي كنا نتعثر ببعضها ونحن نخطو هنا وهناك وكانت والدتي مرات تمد يدها الى تحت الغطاء او ترفع غطاء قدر تقول هيا يا أولاد عثرت حكاية جديدة فتتهلل وجوهنا وهل هناك واحد فينا يرفض الاصغاء الى مروية جديدة ؟ هذه الحكايات السائلة من صنابير غرفة العمة مريم تعبر جدران الدار وتخرج الى الطرقات وتستلقي هناك متحممة بشمس الشتاء وسرعان ما تستعير ارجلا واجنحة لتطير الى اماكن جديدة وقد تخطو الى مقبرة "سيد علاوي" وتجتاز بوابتها التي يحرسها العم "نادر" ومن ثم تعبر الاضرحة الى حمام " كاوور باغي" لتغتسل هناك وتتزيى بأبهى الازياء وتتخطى اسوار البستان فتأخذ شاي العصر تحت اشجار الزيتون لتختلط هناك مع حكايات شاعر جوال تعرفه اسوار بساتين "كاوور باغي" وهو لا يمل من القاء منظوماته الشعرية وكلها تدور حول دهاء المرأة وكيدها وغدرها بعشاقها والالسنة الفضولية تتهامس بانه كان محكوما بالسجن وقد اطلق سراحه فاقتعد اسوار "كاوور باغي" واطلق العنان لخيالاته وقراءاته ان حكايات حجرة "العمة مريم" تختلط بحكايات المقبرة ثم تخطو نحو الحمام وتجتاز الى البستان وهي تتخضب باكداس من انداء الخفايا واصداء الاسرار الصغيرة التي تغسق مع الظلام الهابط على "جرت ميدان" ولا أنسى حكاية جارنا مُلا  "م" الذي أراد الاغتسال في الحمام فطرق بابه وما زالت الدنيا غارقة في عتمتها والعصافير لم تستيقظ بعد اخبره الوقاد بان لا احد في الحمام ولكن مع ذلك يستطيع ان يأخذ المفاتيح ويدخل وحده كان الرجل واثقا من شجاعته وجرأته وبالفعل بسمل وخلع ملابسه ودخل الحمام واقتعد عند احد الاحواض ولكنه ابصر كائنا هلاميا لم يلتق بمثله احد الايام نظر الكائن الى الرجل نظرات شزراء فرك الرجل عينيه ولكن الكائن ما زال أمامه وتلا آية الكرسي عله يمحو هذه الصورة البشعة الكائن يقترب والرجل يعيد قراءة آية الكرسي ثم صرخ الكائن ما أعندك ايها الرجل: عند ذلك لم يبق امامه الا ان يلقي نفسه خارج الحمام ولكن الكائن طارده بعد ان نزع باب الحمام الكبير وقذفه به , وتقول الحكاية بأن اناس المحلة ظلوا يترددون لمشاهدة الباب المقذوف والمنتزع من اساساته والملقى بعيدا عنها بعشرات الأمتار, أمس مررت من امام بوابة مقبرة "سيد علاوي" فشاقني ان ادخلها لعلي اعثر على قبر العمة مريم لأقرأ على روحها الطاهرة سورة الفاتحة لاقيت روحي بشيء من اقوات العزاء وانا اتذكر موتانا الاثراء اجتزت العديد من القبور فلمحت امرأة تقتعد عند شاهد قبر قديم قلت لعلها هي. والمرأة بين العقد الرابع والخامس وتشبه الصورة التي رسمتها لها في مخيلتي ولكنني عندما خطوت نحوها شرعت في الابتعاد وكلما اسرع الخطو هي تسارع في خطوها ثم تعثرت فنهضت من جديد وبدأت اتبع خيالها الذي غزا ذاكرتي كقطعان من الامهار الجامحة ...   

 

             

و لا تـــــزال الصــداقــة دافئـــة

 

لم يكن مقهى الحاج صادق المستلقي على احد جوانب ساحة الطيران مقهى عاديا وانما مقهى يزينه رواده من اهل الطرف وجنود معسكرات الفرقة الثانية وعساكر القاعدة الجوية القريبة ويؤمه رياضيو المنطقة يمارسون فيه العاب "الزور خانة" ورفع الأثقال, وكان من بين هؤلاء الرياضيين في رفع الحديد وجمال الأجسام المرحوم " محمد قادر" وقد عرف عندنا بمحمد البطل او محمد البهلوان برشاقة جسمه وقوة عضلاته وكذلك ممارسته رياضة رفع الأثقال في المقهى الآنف ذكره كنا نحن الاطفال نذهب الى محاذاة المقهى ومن بين ثقوب الحصران التي استعملت كأسيجة او خلل عرائش النباتات المتسلقة نراقبهم وهو يمارس تمارينه او يستعرض رشاقة جسمه وكنا ننذهل ونعجب بحركاته الاستعراضية ونتمنى ونصبو عندما نكبر ان تكون لنا اجسام في قوة جسمه ورشاقته ... ومرت الايام وتساقطت السنون سنة اثر سنة واذا بمقهى الحاج صادق تتسلل اليه أصابع الاندراس فجفت اشجاره ويبست عرائشه وتهدم مبناه وعند ذالك تفرق رواده وتشتت رياضيوه ولكنني اكتشفت نفسي مع أواسط الستينيات أجالس صديقنا "محمد قادر" في مقهى " جليل " الواقع في الجانب الخلفي لعمارة أبي حنيفة يتردد عليه بعض من محبي الأدب والقراءة " صلاح فائق , جان دمو " واصدقاء يتعاطون الرسم محمد جلال " ممادي " وناصر خلف , ورفاق يساريون ياتون بنشراتهم السرية ويتركونها تحت الموائد او يدسونها في جيوبنا ثم يمضون الى مناطق اخرى من المدينة يأتي "محمد" تتقدمه دماثته وطيبته يجلس الى احدى الطاولات وننضم اليه وكان هو وصلاح فائق يخططان على الاوراق احلامهما المضيئة بتغيير واقعنا وهدم كل ما هو فاسد ويظهران شغفهما بعناق كل ما هو جديد و نافع للانسان في الوقت الذي كان "ممادي" يخطط رسوماته في المقهى ومعظمها يمور بوجود سومرية وخيول جامحة تكتسح امامها كل الحواجز و"جان دمو" يحلم باحلامه القافزة بهدم بنى الادب المألوفة والإتيان بدماء جديدة تغذي جسد الشعر المضنى في هذه السنوات الجميلة أكملت دراستي وتعينت مدرسا ثم أوفدت الى بلاد الجزائر وبعد ست سنوات ابت الى كركوك وتوجهت الى مقهى جليل فوجدته قد اغلق والرواد تفرقوا والصحب تشتتوا هنا وهناك عبثا حاولت ان اجد مقهى اجالس فيه اطياف الاصحاب وهكذا بقيت ابحث عن مكان حسن الاضاءة احلم بين جدرانه بالرحيل ثانية الى بلاد بعيدة فكنت ابحث من مكان الى اخر وأكلت عوام عجاف عيوننا فالتقيت بـ "فؤاد" وهو الاخر الاصغر للصديق "محمد" كان قد اكمل دراسته الجامعية وهو بلا تعيين يثقف نفسه يكوم الكتب التي يقرؤها وينتقل من سقراط الى سارتر ويصادق رامبو وبودلير ويتعرف على "ادغار الان بو" فتنفتح امامه ابواب جديدة من الرؤى ويحاول ان يوحد المدرك واللامدرك وان يبصر مالا يبصر التقينا في هذا الطقس القراءوي نصافح معا ايدي هؤلاء الاصدقاء علنا نلمس جمرة الكيمياء ونشم عبير الازاهير الغريبة القادمة من جزر الكلمات البعيدة جلسنا طويلا في مقهى "ابو عوف" في ساحة الطيران و تسكعنا طويلا في ليالي كركوك المستنيمة للهدوء والنسيان وتواعدنا في مقهى "شاكر" المخضب بثرثرات  رواده  الذين هم خليط من عجائب الخلق تجد فيهم الوقور وتجد فيهم من يميل عقله الى الخفة ومنهم من يحمل في جيبه قنينة خمره او من هو من اهل الكدية والاستعطاء يتأمل صديقي كل هؤلاء الأنفار ونفكر معا في حال الدنيا ونستذكر قصص "مكسيم غوركي" وشخصياته وقد استقى معظمها من العالم السفلى ومن حافات الحضيض ونقارن أولئك بأولاء صديقي مازال يملك أجنحة أحلامه , بينما انا تكسرت قوادم احلامي نغادر المقهى المساء هبط والليل عسكر ولابد من مائدة نعل من فوقها نبيذنا الليلي ونقتات أرغفة أسرارها الجوانية , تعين صديقي في جامعة صلاح الدين في اربيل فكنت انتظر زوراته لي وهو عائد منها وهابط الى بغداد ليعد اوراق دراسته للدكتوراه وبين هذه المدن الثلاث امضى مطلع التسعينات الا ان لقاءاتنا استمرت في اشتعالها وتألقها ولم يتخلف احد الأيام عن رؤيتي وعناق مقهانا ظللنا نمشي في طرقات المدينة ولا ندري الى أين ؟ لان المرء يعشق السير يمشي لعله يلمح الضوء اخيرا في احدى النوافذ يدعوه ليتعرى في اكسيره الافيوني تلك الحركة التي وحدتنا مع انسام الليل الهابة من لا مكان . اختفى صديقي عن كركوك وحجب نفسه عنها واعتكف في اربيل عند ذاك أغلقت في وجهي نافذة كنت أبصر عبرها الأقاليم الواقعة خارج جغرافية مدينتي وبعد كمشة من السنين تلقيت الخطاب التالي منه "كل مرة عندما يأتي اخي – فتاح "لزيارتي اسأل دائما عنكم جميعا وكالعادة اني اعلم جيدا انك تحمل بين يديك البوم الذكريات وبين الحين والحين تفتش بين حارات المدينة وازقتها عن اصدقاء رحلوا الى بقاع العالم حاملين افكارهم الجميلة ولم يبق لها معنا غير الذكريات الجميلة فجأة من بين مخاضات الايام انبثق "مؤيد" وهو ابن المرحوم "محمد" ليعيد الى صداقتي مع هؤلاء الأوفياء تجددها وتألقها ومؤيد صانع حداد يذكرني دائما بالقاص السوري "زكريا تامر" فهو حداد ايضا الا ان صديقي "مؤيد" حداد رقيق يتجنب العنف والشراسة بعكس "زكريا تامر" فهو  يمسك مطرقته ويحطم ما حوله كما يقول عنه صديقه الشاعر "محمد الماغوط" وصديقي عاشق كتب يذهب اليها حتى ولو كانت في مظان بعيدة ولا يتورع عن دفع أية مادة لقاء الحصول عليها لقد انضم هو الاخر الى رواد مقهى "شاكر" والذي نستعيد فيه المزيد من الذكريات التي ترمدت نارها بين جدرانه وأقول لـ "مؤيد" انه قدر جميل ان أصادق ثلاثة أجيال من عائلتك لقد صادقت أباك في الستينات ثم اقبل عمك في اوسط الثمانينات وها نحن نتجالس الى مائدة الود في السنين الخمس المنصرمة الاخيرة وقلبي يبتهل الى الله كما صنع "كازانتاكيس" صاحب رواية  "زوربا" في كتابة "الطريق الى الغريكو" ان يزيد الباري عمره بضع سنوات اخر حتى يخط المزيد من الصفحات وأن يمهلني الله سنوات أخر ربما اصادق الجيل الرابع من هذه العائلة الكريمة بعد ان تعرفت على الأب والأخ الأصغر ثم الابن ومن يدري ربما ينبثق شاب من حطامات الأيام يطرق بابي وهو يحمل لي خبزا وتينا مجففا ودفلى من ذلك المنزل المستلقي بين أحضان البساتين يقول: ها انا ايها العم فاروق الم ترتوِ بعد من انبذة صداقات أسرتي؟

    

الغربة والاسفار –  مدينة المليلية 1970

 

 

ولكـــركوك  حَمّــامـــاتهــا السعـيدة

 

فتحت عيني وانا اقطع معابر الطفولة الى مرابع الصبا على معالم ثلاثة في المنطقة التي ترعرعت فيها: مقبرة سيد علاوي وبساتين كاوور باغي وحمام شعبي يتوسط هذين المعلمين وانا صغير كنت أقاد من قبل والدتي الى هذا الحمام المخصص من وقت الصباح الى الظهيرة للنساء الا إنني أتذكر في احد الأيام تقدمت صاحبة الحمام من الوالدة وطلبت منها عدم اصطحابي ثانية معها لأن الطفل قد كبر ولم يعد من اللائق ان يخالط عالم النساء وبشكل سريع ألبستني الوالدة ثيابي من جديد وغادرت حمام كاوور باغي وهذا الاسم المتعارف عليه ولم ادخله ثانية لان الوالد تبنى مسؤولية اغتسالي وتحميمي وكان من المهووسين بحمامات الصوب الكبير- صوب القلعة – وعندما دخلت حمام " الحاج حسن " نَمتْ علاقتي مع هذه الحمامات الى أواخر الثمانينات  ومع مبتدأ التسعينات لم اعد اتردد اليها واصبحت افضل الاغتسال داخل المنزل لانه صار من الصعوبة بمكان ان تأخذ سيارتك في الصباح الباكر وتركنها امام الحمام وعندما تغادر تجد السيارة قد سرقت وسوف تعود الى الدار على قدميك ونسيت الاستحمام ومعه تبخرت من رأسك اخيلته ومتعته وتجلياته الهائمة بدا لي حمام " كاوور باغي" بناء مطلسما لانه كان يلاصق من جهة مقبرة سيد علاوي ومن طرف اخر يحاذي بستان كاوور باغي هذه المعالم الثلاثة التي غزت مخيال طفولتي بعشرات الحكايات المرعبة والمسربلة بالأسوار والإثارة في الخمسينات شق طريق وسط المقبرة بحيث ربط ساحة الطيران بساحة العمال وكانت هذه الساحة معروفة لدينا وقتئذ بساحة الأسود والنمور فأزيل الكثير من أسرار الحمام لانه أصبح مأنوسا فالسابلة تقطع الطريق امامه وكذلك السيارات والعربات لا تنقطع عن تسيارها . عندما صحبني الوالد الى احد حمامات الصوب الكبير كان الجسر الحجري قد أتت عليه سيول الفيضانات فغدا العبور بين جانبي المدينة اما على معابر خشبية مدت على مياه "الخاصة" او بواسطة الشيالين الذين يحملونك على ظهورهم ويخوضون المياه الضحلة للنهر فتصل الى الجانب الذي تقصده الا انني رفضت العبور لان شيئا من الخوف تسرب الى داخلي ولكن ابي اقنعني بكيس من التفاح اللبناني الاحمر وعبرنا ثم وصلنا حمام " الحاج حسن" وبعد دقائق من الاغتسال والتحمم لم أتحمل حرارة الداخل فخرجت وتمددت على دكة استبدال الملابس ثم غلبني النعاس ولا ادري كم استغرقني النوم صحوت فوجدت نفسي ممددا على احدى دكات حمام "الجمهورية" القريب من "ساحة العمال" بعد ان خلفت ورائي اكواما من الايام والشهور والسنين , في السوق الكبير الممتد من محاذاة القلعة وحتى نهاية أطراف "اخي حسين" كانت ثمة حمامات تزدهي بروادها ولكل واحد منها شهرته الخاصة به , كنت تجد حمام "الشفاء" قريبا من سوق "القيصرية" ثم تقع على حمام "الحاج حسن" ويليه حمام "الحاج عبد الباقي" الذي اسر لي احد العاملين فيه بأنه بني عام 1912 بعد ان استوردوا بناءا فنيا من بلاد فارس ليشرف على تصميمه وهندسته وبالفعل ظل يشرف على بنائه الى ان اكتمل وتم تدشينه ثم شد رحاله قافلا الى بلاده. وفي اخر السوق يتقابل حمامان آخران احدهما "حمام الشباب" واما الثاني فهو "حمام أطلس" لقد تحممت في هذه الحمامات جميعها وتمتعت بأجوائها العابقة بالقدم كنت تدخلها وتنزع ثيابك ثم تتلقى وزرة جافة وبدخولك منطقة الاستحمام تستبدلها بوزرة اخرى ثم تسترخي عند احد الاحواض وتتمتع باندلاق المياه الساخنة وانت تتصبن وتدعك الجسد المضنى بالليفة والصابون ثم تسكب المياه فيبدأ الجسم بالانتشاء ويسري دبيب خافت من التنمل في الاطراف والارجل, وعندما تستكمل هذه الطقوس الحمامية تقرع طاستك على حافة الحوض قرعات خاصة فيسعى العامل بإتيان المناشف ويلقيها على جسدك فتغادر صالة الاستحمام الى صالة نزع الملابس وتتمدد على احدى الدكات فتبدأ الأخيلة بالانثيال وتحس نفسك تراقص الرياح بين الغمائم المسافرة وبعد ذلك تتمتع بقدح من الشاي الغني ليعيد الى الرأس توازنه بعد ان فقده في تلك التجليات التي لا تنقطع, وبعد ذلك تنقطع في معارج الصعود والهبوط . منعت دائرة الصحة استعمال هذه الوزرات وتعاطي تلك المناشف  لتفشي بعض الأوبئة فعند ذلك أصبح لزاماً على المستحم ان يأتي بنفسه مناشفه الخاصة به مما نتج ضياع الكثير من المشاهد الشائعة في حمامات مدينة كركوك. وعند ميدان " احمد اغا " كان حمامان يستلقيان على الجانب الأيمن من الشارع الهابط الى ساحة العمال فالأقرب هو حمام "الفرح " ويليه حمام "حسين "  وكلاهما مخصص في فترة الصباح للنساء وبعد الظهيرة للرجال ثم شيد حمام "الجمهورية" على طراز احدث بعض الشيء ويحتوي على قسم اصغر عد جناحا خصوصيا تتحمم فيه بعيدا من الضوضاء والزحمة و أوائل السبعينات أقيم حمامان اثنان في نهاية شارع ام الربيعين الأول حمل اسم "نوال" وخصص للنساء والثاني اسم "داوود" وخصص للرجال إلا أنهما أحيلا سريعا الى المعاش لتعرض صاحبهما الى دهس بالسيارة ثم تحولا الى ورشتي عمل للخياطة وهكذا فقدت المدينة هذين المعلمين في منطقة تفتقر الى هذا الضرب من وسائل الحضارة وينبغي عليّ الاعتراف بان هناك العديد من الحمامات القديمة والحديثة لم اتطرق الى ذكرها ولم أغص في عوالمها الجوانية. ففي بلاد الغربة عرفت الطريق الى التحمم والاسترخاء في صالاتها المضيئة ففي بلاد تركيا والبلقان والجزائر والمغرب وغيرها من الأقطار, ذاق الجسد المضنى لذة الماء ولمساته السحرية الا ان المخيال كان يعود بي الى كركوك وحماماتها الاليفة وبواباتها الداخلية التي تصدي اثناء فتحها واغلاقها وطرقات الطاسات على حافات الجدران التي تؤذن بان احد المستحمين قد انجز كتاب استحمامه وهو يطلب مناشفه لينشف الجسد ويوقد لنفسه لهب الأخيلة والتجليات الذي لا ينطفئ .

 

 

إكتشاف   الجانب   الأخر   من    كـــركـــوك

 

ظل الجانب الآخر من كركوك (الصوب الكبير) بالنسبة لي مغلقا بطلاسمه وحكاياته وعتقه. ولم أحاول التقرب من عوالمه السلطانية. كنت منصرفا وطوال العقود المبكرة من سني عمري في التردد على صالات السينما والايواء الى محراب المكتبة العامة والاستغراق في المكتبات الموزعة على مناطق عدة من جانب(القورية). وحتى عندما نهضت قاعة سينما (الخيام) العملاقة عند حافات (القلعة) لم أجد عندها من الأضواء ما تغوي ذائقتي الفنية. ولكن حمامات الجانب الثاني أشعلت مخيال طفولتي, لقد كان والدي يقودني دائما أليها. كان منبهرا بها وبخاناتها. فغدت الحمامات من أوائل المعالم التي احببتها في صوب (القلعة) وبقيت سنوات عديدة كلما تكسرت انغام الخوريات الشعبية على مسامعي ظننت انها تنبع من اطراف القلعة بعد ان امتزجت بامواه (الخاصة).

ثم وصلت فضاء القورية لتضيع بين أشجار زيتون (كاوورباغي). عندما حملت اوراق تعييني الى متوسطة (امام قاسم) الرابضة خلف القلعة وبدات سيرة التدريس كنت انتظر قرع الجرس الاخير يعلن انتهاء الدوام. احمل جسدي واعبر جسري كركوك الماطرين لاغرق القلب في شريط سينمائي او ابتاع كتابا واسرع به الى المنزل واتسلق حروفه واذوب في قارة في نهايات العالم الكبير.

 

 

في منتصف السبعينيات دعاني الصديق (حسن السعيدي) وهو عازف عود وكمان ومؤد موهوب الا انه لم ينل حظه من الشهرة والانتشار– الى مقهى متسلق قرب خان تعبق في ارجائه العتاقة وتتردد بين جنباته اصوات المسافرين وضوضاؤهم وجلبة متاعهم تصعد من نهايات القرن التاسع عشر جلسا انا وحسن واذ نحتسي استكانات الشاي المخدر على الفحم انثالت الصور والرؤى علينا ونسينا الساعات وتجرد الزمن منها. كانت الخوريات الشجية تصعد من حناجر قوية وهي تصدح بغدر المحبوب وتقلبات الايام والعشاق الذين يخسرون دوما في اخر المطاف ورايت نفسي في حلقة من ذكر لدراويش فاض بهم الوجد والحنين الى الذوبان في نعيم الظفر بلقاء الحبيب ثم ابصرت مجموعة من الاطفال تحلقوا حولي فسحبوني بقوة الى اعالي القلعة فوجدت منارة مسجد نبي دانيال وهي تشمخ بعلوها تحيي الطيور العابرة أجواء كركوك انسحب الاطفال واختفوا في درابين وازقة القلعة خرج رجل من باب المسجد يملك وجها نورانيا وقال لي: لماذا تاخرت في المجيء الينا؟ ولا ادري لماذا تذكرت حكاية ذلك الشيخ المؤذن الذي قراته في الكتاب المعشوق ( الف ليلة وليلة ) او سمعتها من احد اشقائي كلما صعد منارة المسجد كان يرى في غاية السعادة والحبور.

ولكن عندما يحين وقت هبوطه يتدثر بحزن كثيف ويتسربل باقمصة الاسى هل سيطلب مني ان احل هذا اللغز حتى اسلم المفتاح الذي يفتح لي مغاليق الغرف في القصر المسحور. اعود الى صديقي حسن. وهو الاخر مستهام بالصوب الكبير ومن ذلك اليوم  تعودنا ان نتردد عليه فنمسح هذا الجانب من كركوك زاوية فزاوية بدانا بالمقاهي وعرجنا على الحمامات ثم هبطنا سلالم اسواق القيصرية حوانيتها الصغيرة المتراصة المزدحمة تثير عند المرء الحميمية والاثرة وكانها اصدقاء يتسارون باسرارهم الصغيرة. وفي الخانات سالت بنا الاحاديث مع المسافرين وهم يصعدون الى الموصل او يهبطون صوب (بغداد) تفوح منهم روائح السفر وقد كدس التجار بضائعهم وبعض من السقائين يعرض عليهم طاسات (الشربت) او الماء البارد, الخيول هي الاخرى تصهل وكانها تكشف عن حنينها الابدي الى عناق البراري البعيدة. احد المنشدين اقتعد عند اساسات القلعة وهو يرفع صوته الشجي بتلك الاغنية الكركوكية الخالدة. الاغنية الممسوحة بايقاع المودة والمنقوعة بشجن الصداقة. ونصعد سلالمها الحجرية وندلف من بوابة (طوب قابي) وتدق خطواتنا اسفلت ازقتها الضيقة ثم تواجهنا (القبة الخضراء) المكسوة بالقاشاني الاخضر, بناء مثمن الشكل فريد في معمارة يضم تحت انقاضه رفات احدى الاميرات السلجوقيات, نستطل باظلال القبة تسحرنا بسكينتها وهداتها الوقورة واتخيل الاميرة الشابة وهي تميس بمشيها في ازقة القلعة ووصيفاتها يخفن جميلات من ورائها وهن يستقبلن بصدورهن المغناجة الانسام الهابة من اطراف (الخاصة) ثم تبهرنا المنارة الشاخصة لمسجد (النبي دانيال) والاضرحة الامنة التي ترتاح داخله والمقبرة الملحقة به ترين عليها السكينة ثم ندب نحو كنيسة الكلدان ولكننا نتالم لاننا لانقع الا على الانقاض وبعض الاعمدة التي تابى الانحناء ولكن مع ذلك تصلنا صلوات المؤمنين وترانيمهم الخاشعة. والجامع الكبير (اولو جامع) وجامع (حسن باكيز)  وجامع (العريان) هذه المعالم المهمة التي تشكل ملامح القلعة التي يعشق المرء ان يجول امامها ويصغي الى كلماتها وصلواتها وابتهالاتها التي تعلو من اعماق التاريخ, نجالس (القلعة) في ابهاء المساء ومن فوق سلالمها العالية نطل على كركوك ويبدا الظلام يغسق تدريجيا. فسماء المدينة تتزنبق باقاحيها الحمراء, قمر حزين يمن برغفان ذكراه على اشجار نهر (الخاصة) يغتسل في امواجه الضحلة يهوم العمر في مرايا تعدو صوب الليل انا وصديقي نكتشف اننا اكتهلنا امام هذا العشق وكنا ثملين بنبيذ غير مرئي ومازال قلبانا يصغيان الى هذه المعشوقة والى خفق اقدامها البيضاء وهي تهبط الى النهر لتجمع قطعا من ذلك القمر الذي تشظى في هذه االامواه السعيدة.

 

 

 

 

 

 

 

وانا اصغي الى حفيف دقات الساعة             4عصرا

 

في نهارات الصيف المؤججة بقيظها الافعواني والساعات التي تطول وكانها مسمرة باحجار مطلسمة. الجسد المسكين يغتسل في عرقها المالح, والعينان تعبتا من عرائش الكلمات تحلمان بسحابة وطفاء تاتي بالظل والماء, ولكن نحن في فصل الصيف وقد ودعنا الامطار حتى اواخر الخريف, فلا بد من النهوض وتغيير الثياب والقاء الجسم في شوارع (كركوك) وانت متلفع برياح العصر تدوس قدماك اسفلت الشوارع حيث بدأ قارها يتزفت ويتسيل ولا باس ان نبحث عن فيلم في احدى صالات العرض, الصالة مبردة ومعتمة تسترخي في مقعدك ذي الصرير لتحلم احلامك الفانتازية وتهدم الجدران وتعدو الى سواحل لا يستطيع البصر معانقتها.

كنت اجد نفسي في شوارع المدينة شبه الخالية من المارة وعقارب الساعة تنحدر الى ما بعد الرابعة عصرا, الطرقات مازالت في قيلولتها المستعذبة والاجساد كلها تبحث عن طراوة الرطوبة ونداوة الظلال وانت سعيد عندما تجد حانوتا يعرض قناني المرطبات المبردة لتعل واحدة منها وتطفئ شيئا من اوار الجسد المتلظي, وبعد ذلك رحلتك العصرية هذه حتى لا تبور لا بد من ان تجد فيلما في صالة تنادم برودتها وتطلق لمخيالك طيورها الوحشية لتنتشي بتجليات الشاشة الفضية.

استرخي في مقعدي وانا ممتن لصناع الافلام اولئك الاساتيذ الذين خرقوا لنا الجدران وشقوها لنبصر ما خلفها من دون ان يحاسبنا احد انها الفانتازيا التي تاخذ بيدك وتعبر بجسدك المضني سهوب القارات وصحارى الاوقيانوسات, ينتهي الشريط السينمائي وتتقذف الى شوارع المدينة التي هدأت حرارتها بعض الشيء وامامك الرحلة الليلية الى اندية كركوك فالليل فيها مباهجه واسراره الصغيرة وحتى اذا لم ترق لك تلك المباهج فامامك وقت العرض الليلي وفيلم اخر تلتف بايقاعه في احدى صالات السينما الصيفية وسوق تنتشي اكثر لان النجوم نفسها سوف تهبط كركوك وهي الاخرى سوف تشاركك متع الاثارات السينمائية.

انا الان اعيد ذاكرتي الى ما قبل عقود عدة فكركوك تميس بصالات عرضها الصيفية وهي بمثابة كوى ونوافذ حسنة الاضاءة تضفي على ليل المدينة دفقات من الاضواء الساحرة وتغري المرء لصداقتها وكسب ودها.

العشب الريان يغطي ما تحت الشاشة وصوت اسمهان الاسطوري في اغنيتها الخالدة (دخلت مرة في جنينة) والملحنة على ايقاع البوليرو يطرز المدارج ثم يرتفع في ابتهال خاشع لينداح في الفضاء البعيد, مرات وانا منشد الى احداث الفيلم واذا بحفيف اقدام يسري على المدرجات التفت نحو مصدره. القمر هو الاخر هبط من عليائه ليشارك الجمهور متعة الفيلم وينتشي بخمرة ليلة كركوكية صائفية.

 ومع انتهاء الشريط انحدر الى ميدان (احمد اغا) ثم سوق القورية فرحبة (جرت ميدان). المقاهي مازالت مضاءة وروادها اقتعدوا تخوتهم والاغنيات الاسيانة تسيل من الات التسجيل وهي تصطدم بحوائط البيوت القديمة ثم تعلو مهومة في ثياب من الذكرى واقمصة من الحنين. وفي الوقت الذي كانت فيه السينمات الصيفية تشتعل فرحا وتتالق اضاءة, اندية المدينة هي الاخرى تصدح في ليلها الصائفي وتفتح ابوابها لاستقبال صحبها وهي بحدائقها الفساح واحات تحنو على عشاقها الذين وقاظـوا حرها النهاري وآن لهم ان يستجدوا شيئا من انسام الليل ويتوسلوا اسواره الجوانية.

اجلس الى طاولة في نادي السكك وتغسق الحديقة وتقدم الخطوات الهابطة من طريق الدفلى ثم ينهمر عليك صوت القطار المحمول باشجان الرحيل فتحلم بمياه تغمر قدميك وبحر تتوسل اليه ان يحمل اليك قصائد من تغرب من اصحابك الشعراء وتستجدي نخب الليل لانه خيمة من السكينة ووسادة منداة لراسك الملفوح.

 

 

المكتبة العامة / البحث عن مؤلفي القصص البوليسية

 

كنا بضعة فتيان في المحلة نهوى قراءة القصص البوليسية. وقبلها ادمنا قراءة مجلتي (سمير) و (سندباد) الا اننا مع نقل خطواتنا الاولى الى عتبة (المتوسطة) تركنا تلك المجلات المخصصة للأطفال, وغدا التشويق في الحبكة البوليسية يجذبنا الى تلك القصص فصار (ارسين لو بين) و(شرلوك هولمز) شاغلنا الاوحد وربما صحبتي الاخرون تفوقوا علي في هذا المضمار لأنني ظللت اهتم بالقصص والروايات الاخرى بينما هم غاصوا في ولعهم وجنونهم حتى آذانهم إلى درجة اصبحوا يقلدون (ارسين لوبين) في زيه وملبسه ومشربه. كنا نقرأ هذه الروايات من غير ان يذهب التفكير بنا الى مؤلفيها وكيف صاغوها ولكن اذكر جيدا اننا سمعنا احد الايام من صديق يكبرنا بعض الشيء بانه من الممكن العثور او لقاء صانعي هذه الكتب في المكتبة العامة.

في اليوم الثاني توجهنا اليها وصعدنا سلالمها الانيقة وبهرتنا اعمدتها ومقرنصاتها وحديقتها الامامية الساحرة دخلنا البناية واخذنا نتامل رفوف الكتب المتراصة وشرعنا نتلصص النظر هنا وهناك علنا نعثر على (موريس لبلان) صانع (ارسين لوبين) او نتعثر بـ(ارثر كونان دويل) مبدع شارلوك هولمز. ولكننا لم نقع على أي واحد منهما وانما امتلات افواهنا برحيق الكتب واحتشدت اكفنا باقاحي الحروف وياسمين الكلمات. ومن ذلك اليوم استمدت علاقتي مع المكتبة العامة ازورها كل يوم وتوطد ودي لها اتنفس ابهة البناء وثراء ساكنيه الى تاريخ ايفادي الى القطر الجزائري اواخر عام 1968.

بدات انسى القصص البوليسية المعربة واتعرف ادباءنا في سني مرحلة المتوسطة. اكتشفت (مصطفى لطفي المنفلوطي))ومدوناته الموضوعة ومروياته المعربة وابكاني كما يبكي الاطفال عندما يضيعون اشياءهم التي اعدوها للعيد وتعرفت في المكتبة العامة العملاقة (جرجي زيدان) وبهرني جدا واعياني التفكير كيف استطاع ان يلم بكل احداث التاريخ المتشعبة ويصوغها في تلك القوالب الجميلة وغدوت اسير قصصه انهي كتابا ثم اسقط في كتاب ثان له ثم جاء الساحر (جبران خليل جبران) وكيف ان لغته الشعرية المشرقة كانت تولد في مساماتي قشعريرة ورعشات تلقيني في ضفاف بعيدة.

ومع تقادم الايام انهيت الرفوف المخصصة للجنس الروائي. لقد تلقيت ذلك الكم القصصي بسعادة فائضة وانا اريق احلامي الصغيرة على ارضية المكتبة ادحرجها مع انزلاق الساعات الزئبقية وارتطام الفصول لاهتدي بتلك الاشجار والقارات التي تناديني للارتماء في خيالها السمح الكريم .

في هذا الوقت توجه صحبتي الى مطالعة كتب الرحلات والاسفار, كانوا مغرمين بالعالم الجديد يبحثون كل يوم عن رحلة جديدة الى امريكا .

يعبر صاحبها البحار ليعانق هناك ناطحات نيويورك ويتامل في بواباتها تمثال الحرية. الى درجة ان واحدا من هؤلاء الصحب وفي عمر مبكر جدا ركب قطار (طوروس) وعبر الى اوربا وتحمم بامطارها القطبية ولم اسمع به الا بعد سنوات وقد وصل العالم الجديد ثم ضاع في تلك القارة البعيدة التي حلم بها طويلا من تحت مقرنصات المكتبة العامة.

توقدت في داخلي شعلة سوف لن تنطفئ في قادمات الايام, الشعلة التي اضاءت دهاليز روحي وهي صحبتي لاصدقائي الكتاب والشعراء والتي دفعتني اكثر واكثر الى التوغل في عوالمهم التي استمرأت رغفانها واستعذبت اشربتها.

وعندما انتهيت من مطالعة الرفوف المخصصة للصنف الروائي تحولت الى الرفوف المحملة بفواكه الشعراء وسلالهم التي تعبق بالنكهات المحملة من الجزر البعيدة, القيت في مدائنهم جسدي المضنى ونظرت خيولهم الجامحة تعدو بي نحو بوابات (قرطبة) و (غرناطة) واستمدت صداقتي مع الشابي والسياب والبياتي وبلند الحيدري ولوركا وعمر الخيام فترات طويلة اجالسهم في بهو المكتبة وفي المنزل اتوسد كتبهم واستيقظ في الصباح وقد غرقت في احلام تتسول كلماتهم , كنت استعير بعض الكتب فاجد اغلفتها قد تطينت او اللون الغريني تسلل الى داخل اوراقها وفهمت حكاية الطين مع الكتب عندما وقعت على مقالة للاستاذ وحيد الدين بهاء الدين على صفحات مجلة (المكتبة) والتي كانت تصدر عن مكتبة (المثنى) ببغداد, وهو يقص شطرا من ذكرياته عندما كان امينا للمكتبة العامة وهي تحتل بنايتها القديمة المطلة على نهر (الخاصة)وكيف ان المياه الفائضة من النهر تدفقت الى قاعة البناية واغتسلت الكتب في ذلك اللون الغريني الاسمر وتكحلت الاوراق بذلك الحناء الدافق بين النهر والكتب, وبين الشتاء والكلمات التي تحممت في صلواته الجامحة. ثم شيدت البناية الجديدة واستقرت المكتبة فيها واصبحت تواجه القلعة والنهر وكانها لا تستطيع ان تنأى بنفسها عن معْلمي (كركوك) الحبيبين, قلعتها الماتعة ونهرها المطلسم بحكايات شعرائها الوالهين .

عدت الى المكتبة ثانية بعد رجوعي من الجزائر عام  1974 وتجددت علاقتي مع اشجارها وسلالمها وقاعاتها وساكنيها وبدات ابحث عن رواية فاتتني قراءتها فترة الستينات او كتاب جديد اضيف الى رفوفها البهية وتوطدت هذه العلاقة الى اواخرالعقد السبعيني, ولكنني اكتشفت كتبا جديدة عند بعض الاصدقاء وكتبا اخرى كثيرة كانت تفدني من الحواضر العربية, البعض منها اجلبها بنفسي عبر اسفاري والبعض الاخر يرسله لي اصحاب يدرسون هناك. ومع العقد الثمانيني فترت العلاقة ثم خفتت تدريجيا. ولكنني الى الان كلما اجتزت الطريق امامها احس ان جسدها مازال يملك طزاجته وعنفوانه وكان الكهولة لا تعرف طريق دبيبها إليها واسمع أصواتا تناديني من داخل أبهائها وكانها تتذكر اولئك الفتية الصغار الذين قدموا أحد الأيام أليها وهم يبحثون عن مؤلفي الكتب البوليسية الا انهم نسوا ذلك وبهروا بأبهة قاعاتها وجمال تأثيث رفوفها بعوالم من الزين والإبهار والافتتان .

 

فاروق مصطفى الثاني وقوفاً من جهة اليمين أمام المكتبة العامة

 

 

شارع الأوقاف: والشوارع هي الاخرى تكبر وتشيخ

 

تعودت رؤية شارع الاوقاف وانا متجه صوب سينما العالمين برفقة اشقائي الكبار, متع كثيرة تغزو قلبي وانا اسبح في واجهات مخازنه الانيقة فشارع الاوقاف اواسط الخمسينات من القرن المنفرط شارع مبرجز تلقى عند ارصفته السيارات الفارهة وقد ركنها اصحابها الاثرياء والمخزن المهندم للمرحوم (ابراهيم سركيس) تميس في واجهته قناني المشروبات الاليفة وعلب الجكليت (ماكنتوش) الوافدة لتوها من مخازن لندن, ومخزن (عباس اخوان) هو الاخر يتبختر بعرض معروضاته الانيقة, اما احذية (باتا) فهي عنوان للهندسة الرجلية. ولكن سينما العالمين تظل النافذة المطلسمة والحسنة الاضاءة في شارع الاوقاف فقاعتها الامامية والتي تعرض اعلانات الافلام التي تعرض في قادمات الايام تسحرني الى درجة وانا اعدها ساعة بساعة لرؤية الاشرطة التي تتوق النفس الى مشاهدتها والى جانبها تنهض صالتها الصيفية والتي تتحول في ليالي الصيف الكركوكية الى حدائق من الاحلام المزنبقة, من يستطيع ان يمنع نفسه من الجلوس على احد مقاعدها تحت حدب النجوم الحالمات وهو يشاهد العملاق (كريكوري بيك) او (كيرك دوجلاس) او (كلين فورد) واخرين, هؤلاء العمالقة الذين كنا نعايشهم وكاننا نعرفهم تمام المعرفة فهم معنا في المحلة وداخل صفوف دراستنا وحتى عندما ناوي الى بيوت النوم يمتطون خيول احلامنا ويخبون بنا في براري رقادنا الفساح.

سينما (الدنيا) صالة صيفية اخرى لعرض الافلام هي الاخرى تزهو في ليالي كركوك المتخمات بالادهاش والابهار تضفي على مقدمتها اضواء من البهجة والانشراح وهي نافذة تضيء الليل وتدعو الى منادمات من التخيل والتمرغ في طرقات العالم الفسيح. باعة الاطعمة الخفيفة والسريعة يفترشون مقدم سينما العلمين وهم يعرضون شطائر البيض ولفات اللبلبي (الحمص) او قدور الباقلاء المسلوقة والمرشوشة برذاذ البطنج, كنت اتوسل واتوسل اشقائي الكبار ان يمضوا بي الى حيث نكهة الاطعمة الهوائية ويدعوني الى شطيرة بيض والمترعة بشرائح الطرشي والى الان يتلمظ لساني وانا اجتاز واجهة سينما العلمين والتي ازيلت من الوجود, واشعر بالباعة يروجون لماكولاتهم وروائحها تتواثب علي كاسراب من الطيور الوحشية.

لم يكن شارع الاوقاف وهو قلب المدنية النابض الشارع التجاري والترفيهي وانما كان شارع الثقافة الكركوكية فجريدتا (افاق) و (البشير) يطل مكتباهما عليه وتحرران اسبوعيا او كل اسبوعين وكذلك مقهيان قديمان غدوا ملتقين للأدباء والمتادبين ومحبي القراءة والثقافة. مقهى (الخال محمد) الذي هدم وشيدت في موقعه بناية المحاكم الجديدة.

يلتقي فيه الشاعر عباس عسكر – جان دمو – صلاح فائق وكاتب السطور. ومقهى (محمود كوثر) يلتقي فيه استاذنا محمد صابر محمود – الشاعر قحطان الهرمزي – الروائي عبد الله السراج واخرون.

لا انسى محل المرحوم الحاج خطاب وهو وكيل للدراجات الانكليزية لعموم العراق اجالس صديقي فاضل خطاب في محلهم ويواجهنا في الطرف الاخر من الشارع محل لعرض ساعات (فلكا) واعلان كبير يحمل هذا الاسم يزين واجهته.

يحلم صديقي فاضل ويتعب من التحديق في هذا الاعلان ساعات النهار ويخبرني بانه تعب ومل حياته وفي احد الايام يمتطي غيمة شوقه ويمضي الى بلاد البوسفور ويتغرب في بلاد الله الواسعة وبعد ربع قرن يعود الى كركوك اراه اكتهل ووهن الجسد ولكننا نفتح كتاب ذكرياتنا على شارع الاوقاف ذلك الشارع الذي شاخ وهرم هو الاخر كقلبينا. نستذكر المحلات واصحابها والمقاهي وروادها . السينمات وافلامها ثم نرسو عند بضعة دكاكين اوقافية كانت تشتهر بصناعة القباقيب النسائية فالنساء البغداديات كن يتزاحمن على هذه الدكاكين للتزود من هذه البضاعة الكركوكية المتقنة الصنع وهن في صعودهن الى المصائف او هبوطهن الى بغداد ولا ادري كيف انقرضت هذه الدكاكين؟ والى اين مضى اصحابها المهرة والحاذقون في هذه الصناعة الفولكورية.

فقد شارع الاوقاف موقعه الاستراتيجي عندما شق شارع اطلس اواسط الخمسينيات ونهضت السينما العملاقة (اطلس) عليه فذهب الكثير من الاضواء والبهجة والرفقة اليه وجاء افتتاح سوق (العصري) وربط بين شارعي اطلس والمجيدية فانفتح عالم اخر امام الكراكلـة وبدات اقدامهم تتمغنـط اليه – عندذاك طفق شارع الاوقاف يهن منه القلب ويتقاعس عن الريادة ويذبل تالقه – وبنهوض شارع الجمهورية وتدشين سينما (صلاح الدين) اخذ هذا الشارع يزدهر تجاريا ويزدحم بالمارة وتنهض على جانبيه المحلات الانيقة وتقاطر الشباب عليه فتلاحظهم ساعات العصارى يبدؤون ملحمة الصعود والهبوط من ميدان (احمد اغا) الى نهاية شارع الجمهورية ثم يهبطون في فيلم كركوكي يعاد اخراجه كل يوم وبازدهار شارع الجمهورية ونهوضه السريع تلقى شارعنا الاوقافي طعنة اخرى فاسرعت في احتضاره وسرقة ماتبقى من اضوائه الاخيرة.

امر الان من شارع الاوقاف اجد المحال التي عرفتها طفولتي وصباي اندثرت وصالات السينما التي فتحت امام بصري نوافذ الرؤى المشتعلة انطفات هي الاخرى. المقاهي التي جالست فيها صحبي وقاسمتهم على مقاعدهم خبز قصائدنا وتسامعنا كتابات جنوناتنا هي الاخرى طوتها ستائر النسيان.

الشيئ الحسن الذي يجذب السابلة في شارعنا هذة الايام هو الدار الوطنيه حيث تعلق العديد من الصحف اليوميه والاسبوعيه في واجهاتها المزججه الانيقه فترى القراء يتزاحمون وهم يتسلقون العناوين ويتعرفون اخبار الساعة من غير ان يتجشموا دفع أي مقابل واصعد الى وسطه فاشاهد محلات (باتا) التي انتقلت من الجانب الايسر الى الجانب الايمن ولا تزال تشع اناقتها وبرجزتها وكانها تريد ان تقول لنا: انني الشاهد الوحيد الذي سلم من تكسرات الايام وبقيت اعزي شارعنا على شيخوخته المبكرة.

  2005

-------------------------------------------------------

*المقال مكتوب قبل تعرض محكمة أستئناف كركوك الى الاعتداء الاثم والتي تقع في شارع الاوقاف وقد تضررت محلات (باتا) بأضرار كثيرة

 

 

الملتقيات الثقافية في كركوك

 

 

في عقديْ الستينيات والسبعينيات من القرن المنفرط تالقت مقاه في مدينة كركوك بروادها من اهل الادب والثقافة فكانوا يامونها بكتبهم الخوالد يتابطونها من مقهى لاخر ويملؤونها بجدالاتهم التي لاتنتهي اذكر منها: مقهى المجيديه/ المواجه لنهر الخاصه ومقهى النصر / المدورة ومقهى جليل / العاصفة ومقاه اخرى مطله على شارع الاوقاف قلب كركوك النابض هاتيك الايام ولكن الاعوام شيئا فشيئا اطفأت الق المقاهي وسرقت امجادها الادبية فجفت اعناب بهجتها بتشتت الصحب وتفرقهم ثم ان المعشوقة كركوك لا تتعب من انجاب شعرائها ومبدعيها وجماعاتها الجديدة.

هذه الجماعات التي شرعت تتحلق وتتجمهر امام المكتبات وحتى عند بعض مكتبات الارصفه التي شاعت في عقد التسعينات لتردي الاوضاع المعاشيه والماديه التي ادت قسوتهابدفع محبي الادب وعشاق الكتب ان يعرضوا كتبهم الى البيع على قوارع الطرقات وياتوا باثمانها البخسه رغفانا ومواد تموينيه اخرى ليسدو بها بعض اود عوائلهم, اقول ان ظاهرة التجمهر والتحلق في المكتبات او امامها وكذلك عند بائعي كتب الارصفه اصبحت سائده فكنت تجد مريدي الادب واصدقاء الكتب في هذه المكتبه او تلك وعند هذا الرصيف او ذاك تسمع اصواتهم وجدالاتهم وحتىانك تصادف شاعرا ناشئا يخرج قصاصته الورقيه ليقرا على صحبه ما حبر عليها من تهويمات الهامه اذكر على سبيل المثال مكتبة المرحوم (امين) وكنت التقي هناك صديقي الشاعر فؤاد قادر وانا في مذهبي او مقفلي من اعدادية كركوك واشاهد معه لفيفا من صحبه يبتاعون الكتب او يتحدثون في القضايا التي تحلق بها السنتهم ولكن الاضواء الادبية ومباهجها تدحرجت الى ميدان احمد اغا ومدخل شارع الجمهورية, وعندما كثرت هناك مكتبات الارصفة وصدف ان اصحابها كانوا كتابا وشعراء المرحوم القاص اسماعيل روز بياني والشاعر قره وهاب والشاعر صلاح  بهلول وغيرهم لاتلتقط اسماءهم الذاكره المضنكة كنت التقي القاص الساحر اسماعيل في جلسته اليوميه محاطا بصحبه الطيبين من الكتب وعشاقها يحاكي فيلسوفا من فلاسفة الاغريق القدامى في بحثه عن الحكم المبعثرة عند حافات الطرقات الا انه لا يحمل مصباحا يضيء له ماعتم من الطريق فاصدقاؤه الشعراء والادباء يستطيلون امامه اشجارا وارفة الظلال تحميه من قيظ النهارات المتدلية لكن مقلتيه لا تكفان عن تامل الشارع الذي يهبط انحدارا والطريق الذي يتسلق ارتفاعا تراقبان السابلة وايقاع الحياة المتناغم بالالوان والروائح والاصوات هذه التموجات المموسقة كانت تختزن في وعيه ولا وعيه ثم تخرج على شكل لوحات حكانية وقد رسمت بشوق ولهفة وهي تعدو صوب مدينة الحكمة والحلم.

ادخل الزقاق الذي ينحشر من شارع سينما الحمراء ليقودني الى الطريق المؤدي المستلقي خلف بناية المحاكم اعثر في هذا الدرب كوتين حسنتي الاضاءة. اسمع من خلفي تصهال النهر ومن مقدمي المقامات الشجية وصوت زهور حسين المبحوح ولكن المحمول بالام القهر والكبت واشجان الغدر اسلم على الصديق الفنان بهجت غمكين, في مكتبته واتامل واجهتها وما عرض فيها من الكتب والمجلات والدوريات واصادف عنده من محبي الكلمة واصدقاء الغناء والموسيقى فمكتبته مكان خصب لاجتماع الصحب وتبادل همومهم الادبية والفنية ثم اعرج على ملتقى الزمن للابداع والثقافة والاقي الصديق الاديب محمد خضر يقتعد كرسيه الذي بالكاد اراه لان اكوام الكتب تحجب رؤيته عني وما هي الا دقائق ناعمات يطل علينا الاديب حميد الجاف ثم يزدحم المحل بالصحب ويضيق بجلاسه والصديق محمد خضر مشغول دائما تجده يحبر مقاله او يصحح اخرى ومرات يراجع مسودات كتب الاصدقاء وفجاة يترك المحل ليختلف الى مكتب المعين للطباعة والاستنساخ ليعود بما انجز من الاوراق المستنسخة والجدير بالذكر ان ملتقاه دعم نشر واصدار عشرات الكتب باشكال مختلفة وانا ادعوه قديس الاصدقاء فهو دائم الاستعداد لتقديم العون لنا لا يعجز ولا يتقاعس وبالرغم من كثرة مهامه التدريسية والعائلية فهو قرين الحركة الولود وممغنط الاصحاب واريحته قوت في هذه الايام التي قلت فيها الاقوات.

وليس ببعيد عن مكتبة الصديق بهجت وملتقى الزمن هناك المكتبة الفلسطينية وتتوسط المجاز المؤدي الى شارع الاوقاف هي الاخرى نافذة مضاءة وملتقى اصدقاء الادب والثقافة وانت في ممشاك اليها تتناهى الى سمعك اصوات الة الطابعة التي تتدوزن ضرباتها تحت اصابع الاستاذ سلام صبري وهو منكب عليها يخرج منها الالفة الباذخة والدوزنة المشرقة, كلما اذهب الى المكتبة احمل معي رسائل ومقالات الى الصديق عدنان القطب, تستقبلني دماثة الصديق  (سلام) وكرمه المغدق واجد المكتبة ملتقى للعديد من اصدقائنا الاثراء وهم يتحاورون ويتجادلون بحماسهم المعتاد وشغفهم السخي واتنشي واقول في نفسي: يالكركوك التي لا ينتهي ثملها بهوى ابنائها الذين يملؤون فضاءاتها بتفتقات قلوبهم وتجلياتها الفرحة.

وقبل ان انهي هذه العجالة لا بد أن انوه بمحل الصديق العزيز عدنان القطب في السوق العصرية لقد كان هو الأخر كوة نطل عبرها ونعانق انفاس صحبنا الطيبين وبغياب المحل خسرت كركوك ملتقى معطاء وواحة ثرة – والى هذه الخسارة أضيفت خسارة جديدة بغياب مكتبة الأديب عبد الله عبد الرحمن زنكنه الواقعة محاذاة الدار الوطنية فانطفأت أنوار بهجة اللقاء للعديد من أصدقائنا الذين تعودوا اللقاء في تلك الواحة الاوقافية التي استمر عطاؤها وحلاوتها أعواما عديدة. 

 

 

 

" طريق الغسق إلى " جرت ميدان "

 

الظلام ينثر أغبرته على ميدان  " أحمد آغا " ثمة أكتظاظ للعربات والسابلة ، ساعة عامة تتوسط الميدان واعلانات مضاءة متحركة قلب المدينة ينبض بالحركة ولكل شارع أيقاعُه الذي يناسبه وطقوسه التي تتموسق معه ، أدلف إلى سوق " القورية " الفواكه تزين حوانيت الفاكهانية وتنعكس ألوانها في المرايا المثبتة في الحيطان هذا المسار يقودني إلى              " جرت ميدان" / ميدان الفروسية ، حيث تقبع دارنا المتواضعة وتشمخ أمامها شجرة توت وهي تشهد على حب والدنا للخضرة والأشجار – كان غرس العديد منها ولكن اليباسَ دّبّ فيها – وكان يشيخ وتشيخ معه أشجاره ولم تسلم من سطوة الجفاف إلا هذه الشجرة فهي ما زالت واقفة تتنفس محملة بحكايات الذين أستظلوا أفياءّها في أحد الأيام. تصل الى " جرت ميدان " رحبة صغيرة يطل عليها مقهيان ومقهى صغير آخر يواجههما مع بعض النباتات المتسلقة وأزاهير الساعة وشجيرات القصب الضامرة، والمقاهي تسهر إلى ما بعد منتصف الليل وروادها يتربعون على القنفات والسابلة لاينقطعون من التجوال صعوداً إلى ساحة " أحمد آغا " أو هبوطاً إلى " ساحة الطيران " أدق على زجاج الذاكرة فتعدو الخيول على تضاريسها نحو " الساحة " ميدان مستطيل مستوٍ أشبه ما يكون بساحة كرة القدم وكأنه هُندِسَ لذلك – هذه الساحة تحاذي الشارع الهابط نحو ساحة الطيران تشرف عليها البيوت من جهتين ومنها تطل على مقبرة " سيد علاوي " المماشية لبساتين " كاوور باغي " لقد تركت هذه المقبرة وذاك البستان وحمام شعبي يتوسطهما الوفير من الزاد لذاكرتي الطفولية والتي ستبقى سنوات وسنوات تقتات منه دون أنْ تدِبّ إليه أصابع الفناء إن اجتماع هذه النقائض : المقبرة إزاء البستان الموت إزاء الحياة – الطفولة إزاء الشيخوخة ، الممكن إزاء اللاممكن دَحْرجَ السؤال الميتافزيقي الخالد على تضاريس حنجرتي ، لماذا يهرم الأنسان ؟ أيشيخ وهو يتسكع أمام بوابات الشتاء أم لأنه يريد أن يقطف زهرة الكيمياء الغربية القادمة من جزر الكلمات البعيدة وحتى أكسر قفص الأسئلة وجدت نفسي أنطلق إلى اللعب في " الساحة " هذا المكان المستطيل المحاط بالبيوت وهو أشبه ما يكون بملعب كرة القدم . المكان الذي يشهد كرنفالات الحي أفراحه وأتراحه مباريات كرة القدم ، أستعرضات حمل الأثقال ، ممارسات لمختلف الألعاب التي تتماشى مع مقدم الفصول ، ومع الخيوط الأولى لأظلام الليل– الرجال يرشون الأرض بالماء ثم يكنسون ما يستوجب كنسُه وتمدُ البسط وتوقد النار وتوضع عليها أباريق القهوة وقواري الشاي وتتصاعد تلك الرائحة اللذيذة التي تفعم الأنوف بنكهة جنونية عذبة تقتحم الحواس إلى قرارها المكين– وبعد العشاء النساء يفترشنَ أبواب الدور مجتمعات يتناولن حكايات الحي – حكايات سَمرَ حقيقية وبعضهن حكاءات من طراز فريد يُجِدْنَ حَكيَ الأحاديث بطرافة واستملاح.

ذلك هو الكرنفال الليلي الذي يليق بـ " جرت ميدان " ترى هل تذكر " الساحة " تلك الوجوه التي عشقتها، أولئك الصبية الذين كانوا ينتظرون أيام الجُمعَ فينطلقون مع الضياء المبكر للصباح حتى يمارسوا مختلف الألعاب التي أحبوها ووجدوا فيها خلاصهم الطفولي والآن هم ينزلقون إلى مهاوي الكهولة كيف السبيل لايقاف جريان السنين ونحن نذبل فوق مماشي الفصول ؟ وكيف السبيل إلى زلق ساعات الزمان الزئبقية خارج الأيام لتبقى الروح ويبقى الجسد في هذا الهناء البليل من الذكريات التي تطلق القلب خارج أعقله الخيال ، أما نحن الصبية فكنا نلعب " القرغات " وننقسم إلى فريقين فريق يختفي وفريق يبحث عن المختفين والمقاهي المستلقية على الطريق تذيع أغاني الحب والهجر وهي تتكسر على الجدران وتتمسح بأعمدة الكهرباء ثم تضيع في الفضاء الواسع الكبير .

 

 

أناس من جرت ميدان

 

جرت ميدان دورها المتواضعة تشغف بحب ساكنيها ومقاهيها الناعسة تمدّ أياديها لتدغدغ هوى روادها . الأغاني الجميلة تصعد من رحبتها لتعانق فضاءات المدينة عبر مقبرة " سيد علاوي " ثم تتمسح بأشجار الزيتون الواقفة في بساتين " كاوور باغي " ( جرت ميدان ) دورها تتناجى فيما بينها ، ومغنيها يتناشدونَ أغنياتهم التي تدور حول الهجر وغدر المحبوب والإنسان الذي يخسر وحده في آخر المطاف ، المنطقة تضاريس من المقاهي المتموجة وحدائقها الأمامية التي تفترش واجهاتها تزينها نباتات القصب وأشجار التوت وأزهار " الساعة " مع ساعات العصارى تُرش الأرصفة وتمد التخوت وتشد الشراشف النظيفة عليها الكهول يقدمون ويتربعون فوقها ويطلقون موسيقى حكاياتهم التي لا تنتهي ، ومع تقدم الساعات يزحف الغسق الناشط ليغسل الجدران والأبواب بتلك الظلمة الشفيفة الملساء ويزدحم الشارع وتغص المقاهي إنه غوايات الكرنفال المسائي في جرت ميدان ، ناسها الطيبون يخبزون رغفان مودتهم ، فقلوبهم مفتوحة وبيوتهم مشرعة النوافذ والأبواب فلا عجبَ أن يطلق عليهم أمراء النبل وأصدقاء الوفاء ،أعصر ذاكرتي الممسوحة بزيت أشجان اشخاصها الذين ما زالوا يطرقون بوابة قلبي ولكنهم مضوا مع المقاهي التي أطفئت أنوارها وأشجار الزيتون التي قطعت بصفوفها السبعة في بساتين " كاوور باغي " المتيمة بعشق مغامريها وتشيطنِ عصافيرها .

ناسها البسطاء نُظراء دورها المتواضعة ولكنهم أغنياء في نفوسهم كبراء في ضمائرهم يمدون مآدبهم ويفرشون فوقها أطباق مودتهم وأقداحهم الملأى بشايهم الضّواعِ بعطر أنسهم ، إنهم يخطون على أرصفة قلبي وأسمع خطواتهم على أسفلت الشارع وأبصر ضجيجهم المغسول بصخبِ المقاهي ، خطواتهم تنزرع في حَبقِ الصباح وأصواتهم تحملها ريح الغسق ، هذا هو الخال " باقر " الذي يغتبط دائماً  وينتخي عندما يدعو أصحابه إلى صالات السينما وهو الذي يدفع دائما وهو لا يتركهم ماشين على أقدامهم بل هو مستعد أن يستأجر لهم من تلك العربات التي تجرها الخيول والتي كانت منتشرة في المدينة إلى أواخر العقد الخمسيني إلى أن أنتشرت سيارات الأجرة فأزاحتها عن الطرقات وأحالتها على المعاش .

وهذا هو " عزت اوجي " عزت الصياد ، وكان سكنه يبعد عن سكننا مسافة أمتار قليلة ويعيش مع والدتهِ وأخته ، وتقول حكايات المحلة إن هذا اللقب ألتصق بـ " عزت : بسبب صيدهِ طائراً نادراً في بساتين كاوور باغي " هذا الطائر الذي كان عَصياً صيده حتى على أمهر الصيادين ولكن " عزت " بذكائه وشجاعتهِ صادَ ذلك الطائر الغريب وحمله إلى المحلة وظل الناس يتفرجونَ عليه ، وعندما كنا نزوره في البيت برفقةِ أشقائي الكبار كانت عيناي تتعلقان بصندوق مربع له يتربع في احدى زوايا الغرفة ، صندوق خشبي قديم إلا أنه عُدّ عندي احدى عجائب الدنيا السبع ، والصندوق مليء بالمجلات الأنكليزية التي تتزنبق بصورها الملونة كنت أنتظر أن يفتح الصندوق ويسمح لي بتصفح تلك المجلات التي أحتوت بين صفحاتها العوالم والقارات ، أحس نفسي وأنا على ظهر جواد أعدو في البراري الفساح في كلّ أصقاع العالم والرجل كان يهدينا بعضاً منها وأنا أتعجب كيف يتنازل عن كلّ هذه اللُقط واللُقى . عاش " عزت " أعزب وعندما توفي شيعته المحلة تشييعاً يليق بأجوادِ الخَلْقِ ، وأعتقد لم يبق أحد إلا وقد سارَ خلف نعشه لأنه كان في قلوب الجميع ومحط احترامهم ومودتهم.

" العمة جميلة " هي الأخرى كانت من وجيهات المنطقة وهي قريبتنا من طرف الوالدة حكاءة من طراز نادر ، الوالدة دائماً ترسل من يناديها إلى دارنا لتروي لنا مروياتها التي تستمر وتستمر ، حكيها الغرائبي وقصها الساحر ينقلنا إلى أجواء وعوالم لا نريد العودة منها ، كنا نحس بحكاياتها تدب وتتنفس في أركان الدار وهي سخية بحكيها لا تمل من عزف موسيقاه وبفقداننا للعمة " جميلة " أنطفأت كوى وأظلمت نوافذ كنا نطل عبرها على سهوبٍ من الخيال ذي الفضاءات الشاسعة التي لا تُعد .

" العم نادر " حارس مقبرة سيد علاوي بوقاره وكهولته ولحيته البيضاء ما زال يتربع على ذاكرتي الطفولية كانت لديه دارة في الواجهة الأمامية للمقبرة يعيش فيها وحده نبصره واقفاً هناك أو جالساً على دكة حجرية ونحن في غَدْونا إلى المدرسة أو رجوعنا منها – كنا نتوسل في قرارة أنفسنا أن نجد باب المقبرة مشرعاً حتى نشق من وسطها طريقنا إلى مدرسة " المنصور " المستلقية في أحضان الحقول ، نلمحه في هذا الوسط الهادئ حيث يضفي عليه هَدْأةً أخرى بوقاره بين سكينة القبور وجلال الموت ، وربيع كركوك يأبى إلا أن يغزو الفسحات الموجودة بين القبور بمئات من الأزاهير البرية والأعشاب الخضراء . في أواسط العقد الخمسيني شُق طريق من منتصف المقبرة رابطاً ساحة العمال بساحة الطيران وتهدمت دارة " العم نادر " ولا أدري ما الذي وقع له إلا أنه كعشرات الأشخاص الذين كنا نقدرهم ونحترمهم ضاعوا وأختفوا في تقادمات السنين .

 

دارة في شرق " جرت ميدان "

 

الشارع المتدحرج من " جرت ميدان " نحو ساحة الطيران ، طريق سالك ينزلق منه صوب محلة " أمام عباس " الطريق مُعبد نظيف يغتسل بصياح الأطفال والأولاد وهم يلعبون ويتصايحون ، الدور متلاصقة ببعضها البعض وكأنها تخشى الفراق أو رحيلاً مُفاجئاً ، وتجد النسوة يقعدْنَ أمام أبوابهنّ بحثاً عن تسلية الوقت أو يصطدْنَ الأخبار الطائرة تستلقي الدارة في الجانب الشرقي – تدخل من بابها الرئيس وإذا بفناء واسع يواجهك ، تتوزع في جوانبهِ المختلفة غرف عدة ، وكل أسرة تحتل احداها ، عوائل متباينة يجمع بينها الكدح والعمل من أجل البقاء وديمومة العيش، في هذه المملكة الجرت ميدانية تجد الحاجة " بهية " تعيش مع أبنها الوحيد ، سيدة كادحة تشقى كثيراً حتى تسير أمور عائلتها ، كنت أسمع نتفاً من أخبارها عن طريق والدتي التي كانت تزور صديقاتها الجارات في هذه الدارة الحاجة       " بهية " تعشق الشاي وعدُده ، وفي أزمة من أزماتها المادية الحادة شارفت فيها على الأفلاس ، أفتقرت إلى مادة الشاي فضحت بأعز ما تملك من أغراض في غرفتها وأخذتها إلى سوق " الصوب الكبير " فباعتها ثم بثمنها أبتاعت الشاي والسكر وأعادت الحياة إلى " سماورها " فأخذ الماء يُبقبق ويزغرد فيه وتصاعدت رائحة الشاي المعطر في كل ارجاء الفناء وظلت هذه الحكاية ، حكاية عشق الشاي تنتقل من لسانٍ إلى آخر . وفي الدارة ساكنة ثانية تعمد إلى نَصْب أرجوحتها في مناسبات الأعياد ونساء الطرف يسرعْن إلى فناء الدار للركوب فيها والتأرجح في الهواء إنه طقس كركوكي خاص بنسوةِ المدينة تتواعد الصديقات والجارات وهن يتهندمْنَ بملابس العيد الجديدة المزركشة – يتألقن أنوثةً ويتبَخْتَرْنَ أبهة مع مسرات الأعياد ومباهجهِ فهذه الطقوس الأرجوحية تنقلب إلى كرنفالات ممراعة، ومع أزيز الأرجوحة وهي تهتز صاعدة هابطة تحت أقدام المتأرجحات ، تعلو الأغبرة ويرتفع الصياح وتعشب الأفراح البريئة – وتغتسل غرف الدارة وأرجاؤها بالمرح النسوي الغامر.

ثمة ساكن آخر كان يحتل احدى الغرف يكتب الأدعية والتمائم التي تعلق في أعناق الأطفال لدفع العين – ويكتبها لجمع الشمل بين القلوب المتواددة كنت أمرّ من أمام غرفتهِ وأنظر داخلها وهي تمتد إلى العمق تسودها العتمة أحس وكأنني أغتسل بالهمسات المبحوحة الخارجة منها – لم أجرأ في أحد الأيام الدخول فيها ، غرفة لها أسوارها العالية وكأنها عصية الأنكشاف على العالم الخارجي ثم أشيعت في المحلة بأن أيدياً غير مرئية مَست صاحبنا فكفّ عن كتابة التمائم ويبدو أنّ الرجل خفّ في عقلهِ فكان دائماً يشاهدُ وهو يخطو المسافات الطويلة في الطرقات المؤدية إلى بساتين " كاوور باغي " وأظن أنّ الرجل بقيَ أشهراً طويلة على حاله هذه إلى أن طرق الشفاء أبوابه .

ساكنو غرف الدارة يتبدلون فالناس دائماً وراء أرزاقهم وأينما هي تلك الأرزاق فهم يسعون إليها ، وكأن الدارة تتجدد بتجدد قاطنيها ، ومع حلول ساعات ما بعد العصر تكنس الأرضية وترش بالماء لجلب الرطوبة والبرودة والعوائل تفترش أمام حجراتها تنصب عدد الشاي وتتهيأ لوجبة العشاء ، القلل توضع في أماكن عالية بعض الشيء من أجل أن تبرد ، وتشطر أثمار الرقي والبطيخ في سبيل أن تكتسب المزيد من البرودة ، الغسق يتقدم والأظلام ينشر رذاذه الناعم على المفترشين ثم سرعان ما يزدحم الطريق أمام الدارة بالصبيان المستعدين للعب وجبةٍ جديدة من مباريات " القرغات " وأجهزة التسجيل في مقاهي " جرن ميدان " شرعت بضخ أغانيها وهي تتمسح بأعمدة الكهرباء والسطوح وأشجار الكالبتوس / وننقسم إلى فريقين : فريق يختفي ، وفريق يبحث عن المختفين في الأزقة والمحلات المجاورة ، قرغات واحد ، قرغات أثنان ، قرغات ثلاثة – ويهرول الفريق الثاني للبحث عن الفريق الأول الذي اختفى في الدرابين المظلمة – وأنا ضمن الفريق الثاني أبحث عن المختبئين بعد أن رفعت طرف دشداشتي وكأنني ذاهب إلى مصير حاسم ، أبحث في محلة " امام قاسم " ومنطقة " بكلر " ويسرع نبضي ويعلو لهاثي وأحس أنني أترنح من كثرة التعب ولا أجد أحداً من كلا الفريقين أين أختفى صحبي ؟ إلا أنني لا أكف عن البحث ولكني أحس بأني أكتهلتُ وأنا ألعقُ الظلام في تلك الأزقة المؤدية إلى الدارة المستلقية في قفائر الليل .

 

احمد نجم مصطفى في سفرة مدرسية

 

فاروق مصطفى مع صديقه اللبناني احمد خليل

 

 

 

 

البحث عن " رأس الساقية "

 

أتدحرج إلى " جرت ميدان " وأنا أنوء تحت ثقل اكتهالات السنين العجفاء . وأنحشر في الزقاق المؤدي إلى منطقة " امام عباس " البيوت القديمة التي أحببتها ، والوجوه التي ألفتها إبان الطفولة ترى ما الذي حَلّ بها ؟ أين أصحاب تلك الأسماء التي كان يسكر القلب لوقعها ؟ أين تلك الوجوه الصبوحة الملتذة بأمواهِ نبلها وشغف وفائها ، نصف قرنٍ أحترق ومعه أحترق الجسد ، الجسد الضامر يَتسَرْسَحْ نحو تلك الساقية التي عشقتها، المياه تتدفق فيها وهي تعدو من الأطراف الشمالية للمدينة حتى المحلة – تعارفنا عليها بـ (( ارخ باشي )) رأس الساقية – أسراب البط ، وأسراب الوز تتجمع في مياهها وتسقط أشعة الشمس على ريشها فيعكس من الألوان التي هي بهجة للعين وأنشراح للذهن،  ونسوة الطرف يجتمعن عند حافاتها لغسل أطباقهن وثيابهن المنزلية وبالرغم من حنفيات الأسالة قد غزت البيوتات ومع ذلك النسوة يزدحمنَ هناك ربما للتشاوف وتبادل الأحاديث وسماع أخبار العوائل وربما للقضاء على رتابة الدار والتمتع بإيقاع الحياة خارج جدرانها ، والصغار بدورهم يهبطون الماء ويملؤون دشاديشهم بهذا الكائن الحي ويجعلونها على شكل قِرب منفوخة ثم يفرغونها لاهين لاغطين وفي النقطة التي كان يجتمع الأولاد فيها ، الماء يغزر ويتدفق إنه من نعم الطبيعة أن تصغي إلى موسيقى المياه ، هل هناك أصوات أجمل وأبهى وأبذخ من الخرير الناعم والهدير الباذخ ، كنا نلعب ولا نملّ ساعاتنا تمضي ونحن في أشد الضراعة إلى الله ألا يمضي الزمن بهذه السرعة ويهبط المساء حتى نعود إلى الدور ونترك وراءنا كل هذه اللعب ومباهجها وكرنفالاتها وكل هؤلاء الأتراب وكل هذه المياه وموسيقاها وايقاعاتها .

أبحث عن الساقية ولا أجدها ، ربما غَضبتْ فَلَملمَت حقائبها واودعت بطها وأوزها في أقفاص خشبية وسافرت إلى صُقعٍ آخر ، وهكذا كل الأشياء الجميلة إلى وداع ، أختفت الكرمات الجميلة من بساتين كركوك وأندثرت أشجار الكالبتوس من شوارعها وقطعت أشجار الزيتون والتوت وغادرت النوارس البيضاء التي كانت تحلق في فضاء نهر " الخاصة " حتى الكهاريز التي كانت تمد المدينة بمياهها الرقراقة أختفت فلا أدري قطعت من ينابيعها أو تيبست من كثرة جريانها وضمرت من لوعةِ عشقها الهائم وراء المحبوب أو أغتيل بعضها لأن غناءها كانَ يشجى وخريرها يملؤ فضاءات المدينة بشجوها الدائم ، ولكني مازلت أحتفظ بتلك السواقي تحت معاطف ذاكرتي، أفهرسها بين كلماتي ، ويؤرشف القلب ذكراها فهي تلتفُ حولي وتحيطني بأبهة ايقاعاتها الساحرة .

أمشي الآن وتمشي معي الساقية والأصداء تصدي في داخلي وأمدّ يديّ تغتسلان في البرودة الرخامية للمياه الدافقة ، وأهتف: ماء إلى سُمار مقاهي " جرت ميدان " وأشرب نخب الربيع المعتدل تحت كرمات " كركوك " وإذ أجتاز صوب محلة " بكلر " أرفع بصري : شناشيلها هي الأخرى مطفأة النوافذ ، مغبرة الشرفات ، وتشتاق روحي إلى ذلك البستان النائم خلف الشناشيل الذي يتوهج في مواسمه برمانهِ الباذخ وتوتهِ المسكر، أخرج إلى الرحبة الصغيرة في " جرت ميدان " لا صوت لأنأمة ، لقد دبّ القحط إلى مفاصل مقاهيها والخراب يصدح في أركانها وجلاسها الحميمون أختفوا وسكت المغني عن غنائه الصريح ، أمد يديّ فأحس بجفاف الساقية في جيوبي فأهبط الشارع الذي يمشي إلى " ساحة الطيران " وأمر من أمام دارنا العتيقة ومقهانا الناعس الذي أطفئت أنواره وتيبست رُغفان صحبتهِ ، شجرة التوت الوحيدة التي كانت أمام المقهى وهي علامة خصوبة هاتيك الأيام ، والدي الذي غرسها وقد حرسها سنيناً وحرص عليها كأعز ما يملك وظلت أعواماً تشير إلى أيقونةِ المكان وفتنة المقهى وألفة الموقع قطعت وغادرتها العصافير وأبتعد عنها عشاقها الصغار ، أتدحرج ثانية وأدحرج معي الطريق علّي أتعثر بالساقية التي تبللت فيها قمصان طفولتي ولكني أذكر أحد الأيام وعلى حين غرة ركبت غيمة طيشها ثم جمعت أشياءها الصغيرة واستقلت قطار السنين العادية .

 

 

المرحوم محمد قادر ((بهلوان)) مع ابنه عادل المتوفى

وخلفهما طارق صاحب مقهى في جرت ميدان

 

 

المقبرة والبستان والحّمام / الحكايات المتقاطعة

 

قلت في أكثر من  مكان إن ثلاثة معالم واضحة تركت بصماتها على تضاريس ذاكرتي وظلت تعدو فوق براريها  داعية أياي إلى مآدبها الضاجة إذا أنهر النهار أو ألْيلَ الليل, مقبرة " سيد علاوي " وحارسها الأمين " العم نادر " بستان " كاوور باغي " وأشجار الزيتون الممتدة في صفوفٍ سبعةٍ وبين هذين المَعْلمين حمام شعبي ملتصق بسياج المقبرة من جانب وأسوار البستان الطينية من جانب آخر ، وهذه المعالم الثلاثة تمتد عند الأطراف الجنوبية لـ " جرت ميدان " البستان مُطلسم بحكايات العَتاقة وقصص المغامرين والأفاقين وكذلك يحتفي بسكان الطرف وهم يحتسون أقداح الشاي المُهيل في نزهات الأربعاء الملتذة تحت أشجارها الباذخة والحّمام هو ملتقى النسوة في وجبته الصباحية، وبعد الساعة الثانية ظهراً يُهيأ للرجال وكذلك يشهد طقوس تحميم العرائس وتهيئتهنّ إلى ساعات الزفاف وينتخي مع العرسان الذين يغادرونه محاطين بضوضاء صحبهم بين إيقاعات التطبيل ونغمات التزمير .

كان الجرت ميدانيون يفتحون عيونهم على هذه العوالم ويعتادون عليها وتنقلب إلى أجزاء حميمة من حياتهم وإلى كسَر مضيئة في موشور رؤاهم حتى أنهم كانوا لا يستعملون أسماءها وأنما يكتفون بذكر : الحمام ، البستان أو المقبرة فهي عندهم تدب وتنبض وتتنفسُ ، مرات ترعبهم ومرات تفرحهم وهي أيضاً المسارح التي يشهدون فوق خشباتها مسراتهم وأوجاعهم فلهذا أمتلأت حياتهم بحكاياتها ونوادرها وحتى أن بعضها تأسطرَ بفعل أضفاء خيالات فانتازية عليها وكنا نصدق تلك الأساطير المستولدة ونعايشها ونقبلها وكأنها من المسلمات الحياتية ، بل كنا نتماهى فيها فإذا سمعناها من الكبار ، نضفي عليها نحن الصغار الكثير من التوابل والأفاويه ومتطلبات التغريب وإذا هي حكايات تنمو لها أرجل وتنبت لها أجنحة تدِبُ هنا وتحلق هناك .

وبيتنا مَشْغَلُ حكائي ، يشتغل بحكاياتهِ التي لا تنتهي وشقيقي الأكبر هو الحكاء غالباً ، يسحرنا بِحكيهِ المحلق الجميل ، هو الراوي وهو البطل ويشرك معه دائماً في البطولة أصحابه المقربين والحكايات على لسانهِ تنسابُ سلِسة عذبة يموسقها وينغمها ويشوقنا مع أحداثها المنداحة ، يروي لنا : في أحد مواسم قنص الزرازير ذهب مع صديقه "مصطفى " إلى البستان ، وجدا بابه مغلقاً ولكنهما تسلقا سوره الطيني وألقيا نفسيهما داخله الوقت ليل والأظلام مطبق فلا من نأمة ولا من حركة كأن الدنيا خلت من ساكنيها ، ولديهما طريقة في الصيد أن يذهب أحدهما إلى صف آخر من الأشجار ويبقى الثاني في الصف الأول وبعد ذلك يحاول ايقاظ الزرازير النائمة التي تطير إلى الصف الأول ثم يعمد الثاني في أمساكها بواسطة أجْولة معدة لهذا الغرض ، وهما يتحاوران ويصدران أصواتاً خاصة من أجل طرد الخوف وإدخال الطمأنينة  إلى نفسيهما ويقول أخي فجأة انقطع صديقي عن إصدار أية نأمة وكأن الأرض أنشقت وأبتلع في جوفها ، علمت أن شيئاً مهماً قد حدث له ، وما هي إلا لحظات وإذا بكائن غريب متدثر بجلباب فضاض طويل ويعتمر طربوشاً غير مألوف يدرج في مشيتهِ تحت الشجرة التي أنا فوقها ، وإذا صديقي " مصطفى " أبصر ما أبصرهُ الآن ويستطرد أخي بأن روحه وصلت حنجرته وأن جسمه غدا بركةً من العرق الساخن الدبق ، وقف هذا الكائن الزلنطحي تحتي مباشرةً وظن أخي أن نهايته حانت وأن الغريب مهاجم إياه لا مشاحة في ذلك، أبتعد بضع خطوات عن شجرتي ، سمعت صوت ارتطام قوي بالأرض. هل هو صديقي رمى نفسه من فوق الشجرة ؟ وأنا أيضاً بكل ما أوتيت من قوةً ألقيت نفسي وبدأت أجري نحو أسوار البستان ، وجدت نفسي خارجها وصاحبي يلهث خلفي من هذا الذي أبصرناهُ ، وعندما وصلت إلى البيت كنت أرتعش كورقة معصوفة في مهب الرياح الخريفية ورأيت وجهي في المرآة انقلب إلى خارطة مصغرة من الرعب ومذ تلك الليلة لم أعد إلى صيد الزرازير ولا إلى قنص أية أطيار أخرى .

إن حكايات البستان تخطو نحو جدران الحمام وتتقاطع هناك فالحمّام صنو أخيه البستان والجرت ميدانيون يؤنسنون الأثنين وربما ظن البعض أن البستان أخاه بالرضاعة والحمام جزء مكمل لبيته يأتيه ليحلم فيه مع رشفات " الدارسين " وحسوات الشاي احلامه البيضاء .

خرج واحد من جيراننا قاصداً الأغتسال في الحمام فطرق بابه والدنيا ما زالت غارقة في عتمتها الشديدة والعصافير ما برحت نائمة فوق أشجارها جاءه الوقاد وأخبره بأن لا أحد في الحمام ولكن مع ذلك يستطيع أن يأخذ المفتاح ويدخل وحده إن شاء ، كان الرجل واثقاً من شجاعته وجرأته وبالفعل بَسْمل وخلع ملابسه في القاعة المُهيأة لذلك ودخل صالة الأستحمام وأقتعد عند أحد الأجران إلا أنه لمحَ كائناً هلامياً لم يلتق بمثله أحد الأيام ، بدأ الكائن يصب نظرات شزراء على الرجل فرك صاحبنا عينيه ليبعد هذا الخيال البشع عنهما ولكن الكائن مازال متشبثاً بمكانهِ ، وتلا آية الكرسي عله يمحو هذه  الصورة المقيتة ، ثم طفق الكائن يقترب منه ويعيد الرجل قراءة آية الكرسي ثم صرخ الكائن ما أعندك أيها الرجل ! ولم يبقَ أمام جارنا إلا أن يثب نحو الباب ويشتمل بالقليل من ثيابه ليلقي نفسه خارج الحمام ، ولكن الكائن طارده بعد أن خلع بابَ الحمام الكبير وقذفهُ بهِ وتقول الحكاية بأن ناس المحلة ظلوا عدة أيام يترددون لمشاهدة الباب المخلوع من أساساتهِ والملقى بعيداً عنها عشرات الأمتار.

المرويات المكدسة فوق أرفف الذاكرة المضنكة ما زالت تتحنى بخضاب أندائها تفترش أمداء " جرت ميدان " وتُصدي في آذان المقبرة ، وها هو السكون الخالد يرين على قبورها الوادعة وقد آوى العم نادر حارسها الأمين إلى غرفتهِ بعد ان تعب من مراقبة اسيجة المقبرة طوال نهار طويل وطارد الصبيان المتشيطنين والعابثين بوقار أشجارها.

يروي شقيقي بأنه أحد الأيام مع صديقه " مصطفى " كانا مارين من المقبرة في طريقهما إلى عملهما في شركة نفط العراق والوقت قبل السحر ، الظلام ما زال يخضب برذاذاته الأرض وكل شيء هادئ ، صَدَفَ أن عاملين آخرين من عمال الشركة كانا عابرين من وسط المقبرة وقد حملا معهما زوادتي طعامهما وهما يتحاوران :

الأول : لماذ اخترت لنا هذا الطريق ألم يكن هناك سبيل آخر نجتازه ؟

الثاني : هذا الطريق قصير وسوف يقودنا إلى مقصدنا بكل أمان.

الأول : ولكننا نعكر صَفَو الموتى وندوس على قبورهم فكيف يغفر الله لنا ؟

الثاني : الموتى الآن نائمون في قبورهم تحت أثقال أحجار اللحد وقد شبعوا نوماً وموتاً .

ويضيف أخي أردنا أن نمازحهما فكمنا لهما في قبر مندرس ، وألقينا عليهما عدة أحجار ، وإذا هما يرتعبان ويلقيان زواديتهما على الأرض ويحثان الخطى مردداً أحدهما للآخر :

ألم أقلْ لك إن الموتى يستيقظون في هذه الساعة بالذات ولكنك لم تصغِ لكلامي .

ويزيد أخي : بحثنا عنهما في عربات القطار الصاعد نحو حقول النفط وعبثا أردنا أن نفهمهما بأننا الذين ألقينا عليكما الأحجار إلا أنهما لم يصدقا وظلا متمسكين بحقيقة أن الموتى ينزعجون من الذين يعكرون صفوهم وهدوءهم في الساعات المتأخرة من الليل .

ثم جاءت أيام فشقت طريق وسط المقبرة وأنتصفت إلى قسمين وكانت الطريق تمتد من أمام الحمام محاذية أشجار الزيتون صوب ساحة الطيران وبعد عام 1958 قطعت أشجار الزيتون وتجردت الحقول من ثيابها الخضراء المهومة وأقيمت مكانها دور متواضعة لعمال شركة النفط وهدم الحمام هو الآخر وهجره أصحابه ثم بيع ودخل صناديق الذكرى ، وبقيت أتساءل في داخلي كيف أحترقت كل هذه الأيام وجرفت معها كل هؤلاء المحبين والأصحاب والأعزاء ومن خلل كلماتي التي تتحبر مع أصابعي أنتظرهم عند مشارف الطرقات المؤدية إلى التخوم الواقعة خارج جغرافية النسيان .

 

فاروق , أيدن محمد سعيد وشهاب احمد في سفرة مدرسية عام 1958

 

فاروق مع ابن أخيه احمد نجم في ضواحي كركوك

 

رحلة السيدة الكركوكية إلى بغداد

 

استقللنا سيارة أخي الأنكليزية السوداء موديل 1948 ، وهي متوجهة بنا إلى محطة قطار كركوك ، تركنا ساحة " أحمد أغا " خلفنا ، الجزرة الوسطية تزغرد بنباتاتها وأزاهيرها ومن ساحة " العمال " شجيرات الدفلى الحمراء والوردية والبيضاء تتغنج أمام هبات النسمات الربيعية ، وكأن الطريق سجادة دفلوية ومزدانة هنا وهناك بأشجار التوت المعمرة ، وثمة العربات التي تجرها الخيول وهي تنقل المسافرين صاعدة وهابطة من المحطة إلى مركز المدينة وبالعكس ، ومن مذياع السيارة يرتفع صوت " زهور حسين " الموشى ببحاتهِ الأنيقة – الصوت الحزين الأسيان يجرفك معه إلى فضاءات المحبين الملأى بالغدر والهجر والفراق، أنصت إلى هذا الصوت ويهزني معه ويثير الأشجان الكامنة داخلي ، نحن في طريقنا إلى المحطة لنودع الوالدة التي تأخذ القطار الهابط إلى بغداد بمعية أحد أشقائي وهي ذاهبة خلف شقيق آخر تخلى عن عمله في كركوك وأحرق بقية مصالحه وقصد العاصمة وراء حب أو سراب حب وعبثاً ألتمست الوالدة منه عدم الأنجرار وراء هذا الغرام الخادع إلا أنه تشبت بموقفهِ " لقد أنتهى كل شيء بالنسبة لي " هكذا كان يقول ، وميزه أفراد عائلتي أنهم عنيدون وعندما يدقون أقدامهم على الأرض ويتخذون قراراً يبقون متشبثين بذلك القرار فلا تجدي معهم الألتماسات ولا تنفع معهم التوسلات ، كان أخي يعمل في شركة نفط العراق وهو مسؤول عن بيوت الموظفين ، عندما يفد موظف جديد ويسكن في أحد بيوتات الشركة أخي يقدم له الأثاثات اللازمة كالأسرة والشراشف والزوالي والأطباق وكلها مختومة بختم الشركة i.p.c  فهو يتأنق في ثيابه ، وما زلت أتامل صوره الفوتغرافية التي يبدو فيها متأنقاً حتى العظم بستراتهِ " السموكن " وربطاتهِ المزركشة ومناديله التي تزين جيوب ستراته العليا ، أذكره في عصارى كركوك وأمسياتها ، يغادر الدار وقد تقلد كاميرته وأشذاء الكولونيا العابقة تضوع من شبابهِ الغض ، وتقول روايات هاتيك الأيام إن بعضاً من صَبايا المحلةَ يتسلقن السطوح أو من خلف الأبواب المواربة ينتظرنَ مروره – لديه أناقته ولديه غرامياته وكل الأشياء التي يحلم بها المرء طوع يديه ، فكيف تسنى له ان يضرب الأشياء كلها عرض الحائط ويجري وراء ذلك الخيال العابر ، أقول يعدو خلف ذلك السراب الذي لن يلحق به ، قصد أخي بغداد وظلت العائلة تحرر له عشرات الخطابات بأسم الوالدين وبأسم الأخت وبأسماء الأشقاء والأحباب والصحاب ، عُدْ يا أخي إلينا ، شغلك ينتظرك ، أصحابك فتحوا أحضانهم وهم بأنتظارك – ذهبت هذه الرسائل أدراج الرياح وكأنها لم تخاطب شقيقنا.

في الأيام الأولى من رحيل شقيقنا إلى المدينة الكبيرة ، كانت الوالدة تقصد تلة " تعليم تبة " أرافقها وأنا صبي في العاشرة أو دونها و " تعليم تبة " مرتفع من الأرض يواجه منطقة " عرفة " وتستقر فوقه القبور المستكينة لعذوبة اعشاب الربيع المبكر مع أزاهير الخباز التي تُشطيءُ بأعناقها من بين الفجوات الموجودة هنا وهناك ، تنتظر الوالدة صفارة الشركة المدوية وهي تدوي معلنة أنتهاء العمل في الشركة ، عند ذاك يتدفق مئات العمال من أعمالهم قاصدين بيوتهم الموزعة في نواحي المدينة المختلفة الوالدة تحلم بأن أبنها سوف ينبَجسُ من بين زحامات العمال وتلّوح له او تحييهِ من بعيد ، كانت تنتظر إلى أن تخلو الطرقات الممتدة حول التلة من الشغيلة جميعهم فلا يبقى أمامها إلا الأنصراف والهبوط من المرتفع وأنا أمسك بيدها قاصدة حَيهّا في " جرت ميدان "

تعبت الوالدة من ترددها إلى التلة عند ذاك فكرت بالذهاب إلى بغداد ومقابلة ابنها وجهاً لوجه وترجوه باسم الأمومة وتذكره بالليالي التي صرفتها من اجل السهر عليه إلى أن استقام على رجليه ، ربما يلين ويتكسر عناده وهو يشاهد والدته وقد اجتازت كل هذه المسافات إليه هذه هي رحلة الوالدة الأولى إلى المدينة الكبيرة – وبعد ساعات السفر المتعبة أخي المصاحب والوالدة وصلا بغداد ولديهما عنوان الشقيق وهو فندق في شارع الرشيد والكراكلة هاتيك الأيام ينزلون في الفنادق الموزعة على جانبي شارع الرشيد يقيمون فيها ويتناولون وجباتهم الثلاث في المطاعم المنتشرة في الشارع عينهِ ثم يمضون أوقاتهم في مقاهيه الواسعة يحتسون شايهم ويدخنون سكائرهم وهم ينتظرون رسائل عوائلهم وصحبهم عبر سواق النقليات ، قصدت الوالدة الفندق الذي هو مثبت في العنوان وإذا صاحب الفندق يخبر بأن أخانا في الليلة السابقة قصد كركوك وهنا تقع المحنة كل هذا التعب وكل هذهِ المشقة يذهبان هدراً وأخي المصاحب لا يعرف أحداً ولا يعلم عنواناً فليس أمامهما إلا الرجوع إلى محطة السكك وأنتظار موعد القطار الصاعد إلى كركوك ، في حدائق المحطة أمضت الوالدة ساعات ذلك النهار الحزين ، تنتظر كل هذه الأيام أبنها فلا يطل عليها وبمجرد ما تشد الرحال إليه هو يقصد العائلة والأغرب أن القطارين كانا يلتقيان في " جلولاء " القطار الهابط إلى بغداد والقطار الصاعد إلى كركوك ولكن في مظنة من أن الأيام تخبيء مثل هذه الصدفة الغربية ، عادت الوالدة إلى البيت وقد هَدّ تعب الليلتين الماضيتين كيانها وجرى اللقاء التاريخي بين الأبن والأم وأشتغلت المساعي الحميدة عدة أيام لعلّ الأخ الكريم يبعد عنه تلك الغواية المفترشة قلبه ولكن كما أعلنت أفراد عائلتي عنيدون ومتكبرون ، ظلّ على موقفه وصرح أنه أتخذ قراره النهائي وأنه راحل إلى المدينة الكبيرة ومستقر فيها وسوف يبحث عن عملٍ هناك ، وبالفعل جمع حقائبه ومضى حيث من اختطف قلبه ، عمل في " الدورة " إلا أنه شفي من سراب هيامه وأقتعد مصاطب الواقع الباردة والخشنة ولكنه تزوج غيرها وأنجب أولاده ، وظلت الوالدة تتردد على تلة " تعليم تبة " معزية نفسها برؤية العمال عصارى النهارات وهم يغادرون اعمالهم ، ومع قدْمات السنين تعبت الوالدة كبرت ووهنت عظامها وكلّ بصرها ، وأنا كبرت وجرفتني الأيام ودحرجتني في مساراتها المتعبة المتشعبة ، وجاء يوم انتقلت الوالدة قرب باريها لتجد الراحة من عذابات هذه الدنيا التي لا تنتهي ، وشقيقي اكتهل وجف عوده هو الآخر إلى أن عادَ محمولاً على نعشه إلى كركوك ظهيرة يوم ربيعي دافيء من عام 2005 .

يرى القاصد مقبرة " سيد علاوي " ومن قسمها القريب من جرت ميدان وبمجرد اجتيازه البوابة الرئيسة مجموعة من القبور تعود إلى أشقائي الكبار الذين انتقلوا إلى قرب باريهم وانضمت إليهم شقيقتنا الوحيدة في العام المنصرم وفي طرف أعلى من المقبرة يستلقي قبر الوالدة وكأن وجودها في هذا المكان المرتفع بعض الشيء هو للأشراف والسهر على راحة ابنائها وحتى بعد الممات ومع ساعات الليل وتحليق اجنحة الإظلام حول المقبرة وهي مستكينة لأصابع الهدوء والسكينة تسمع خطوات الوالدة وهي تهبط من مرتفعها لتسهر على راحة الأولاد وتسألهم عما تعوزهم من أشياء وإذا تغطوا بصورة جيدة وأختنا السمحة المعطاء تعينها في كل هذا وفي الصباح تشاهد أثار الأقدام التي تخضبها أنداء صباح كركوكي بليل وتنمحي تلك الآثار تدريجياً مع اتقاد أشعة الشمس وارتفاع الضجيج وبدء إيقاع الحياة في طرقات وأزقة جرت ميدان .

 

عبد العزيز مصطفى في حدائق أم الربيعين

 

 

مارَسا من مقالب " دللي بهجت " في الذاكرة الفقيرة

 

لم أعرف " دللي بهجت " إبان طفولتي أو سنوات صِبايَ بالرغم من سكنهِ قرب دارنا في " جرت ميدان " ربما يعود السبب إلى كثرة تجوالاته وعدم استقراره ِ في مكانٍ واحد ولكنني عرفته عن طريق مرويات اشقائي الكبار عن مقالبهِ العجيبة وتطوافاتهِ الغريبة ، إنه كثيراً ما كان يتردد على مجالس العزاء في البيوت ويشارك النساء بكاءَهن وأنتحابهنّ ويتصنع الحزن ويتكلف الأنتحاب من أجل دفعهنّ إلى المزيد من التفجع والتوجع ، وتزيد هذه الروايات أنه كان يتقمص شخصية الطبيب يتقلد نظارة بيضاء واضعاً على أذنيه سماعة طبية ثم يأمر الأولاد بقطع التذاكر من اجل كشوفاتهم المرضية – وتضيف هذه المرويات بأنه غابَ فترة عن كركوك ثم سُمعَ صوته ينساب من دار الأذاعة العراقية وأصبح هناك بقدرة قادر مُقدم برامج يُشار إليه بالبنانِ – بل أن رواية أخرى أضافت بأن أبواب القصر الملكي ببغداد أنفتحت على مصاريعها أمامه ودخلها دخول الظافر الزهوان ورافق الملك فيصل الثاني بعد أنْ غدا مضحكاً له.

أعلم شيئاً ثابتاً عنه إبان العقد الخمسيني حيث أتصل بأحد أشقائي وكان يعمل في شركة النفط في " عين زالة " وهناك ساعدهُ الأخ على أيجاد عملٍ له إلا أنه لم يترك شخصاً في الشركة إلا ودبر له مقلباً حتى الأنكليز لم ينجوا من مقالبهِ ومساخره ، لقد أغرق الحلاق والبقال والعاملين في المطاعم بمطباته الساخرة وبعد ذلك لا أدري إذا كان فُصل من عمله أو أنه تركه طائعاً المهم أنه ملأ فضاءات " عين زالة " بغمائم هَزلهِ ورياح مساخره وزلازل مقالبه ، وإذا كنت أحرر هذه الاسطر عنه فأنه شخصية جرت ميدانية حميمة فذاكرات الناس مازالت تحفظ الكثير عن شخصيتهِ وشهرته فاضت مياهها من منطقتهِ لتغرق كل مناطق المدينة بل تدفقت منها إلى مدنٍ أخرى وفضاءات بعيدة .

أبصرت هذه الشخصية المحبوبة أول مرة وأنا في المكتبة العامة، دخلت قاعتها المخصصة للمطالعة فوجدته هناك مصحوباً بعدة مصادر ضخمة وهي باللغات الأجنبية – فهو يتقن اللغة الأنكليزية تمام الاتقان وكان بعض الجالسين يتهامسون فيما بينهم بأنه يراجع هذه المصادر باللغة الألمانية  ولا أدري مصداقية هذه النظرية ولكن الشيء الأكيد بأنه كان مبحراً في اللغة الانكليزية وكثيراً ما مثل دور المفتش للغة الأنكليزية والقادم من بغداد لزيارة المدارس الثانوية وأنطلت مقالبه هذه على الكثير من إدارات المدارس وعلى العديد من مدرسيها – كان يَفدُ إلى المدارس وهو يحمل حقيبته الدبلوماسية وتقلد نظارته البيضاء ولبس سُترتهُ " السموكن " وقد ألتقيت به شخصياً في إعدادية كركوك لابساً لبوس مشرف مُخضرم وطائفاً في صفوفها وهو ينفث دخان غليونهِ الخشبي .

لقيته أخر مرة في بعض قرى " العمل الشعبي " الواقعة أطراف كركوك وعلى الطريق المؤدية إلى قضاء " دبس " وأنا عداد ضمن حملة التعداد السكاني لعام 1977 ، بعد أن قمت ولفيف من زملائي في التطواف على بيوتات القرية وتدوين المعلومات اللازمة ومع إظلام الغسق الذي كان يعسكر تدريجياً دُعينا من قبل مختار القرية إلى منزلهِ لتناول العشاء لمحته في منزل المختار وقد تصدر المكان اللائق بهِ وقدمتُ نفسي له فهو صديق أشقائي الكبار ، وبعد طقوس التقديم سألته ماذا يصنع في هذه الأنحاء – أخبرني بأن أهل القرية هم أبناء عمومته ثم فتح صنبور نكاتهِ فأنساب دَفق غمرَ الجميع بالاستملاح والأستظراف ثم خاطبني بقوله :

-    ياأستاذ هل سمعت هذا الخبر عن والدتي بأنها مساءَ أمس ألقت نفسها من احدى السمتيات بوزرتها التي كانت مشتملةً بها.

وبعد مرور سويعة أو ما يقاربها غاب عن الدار أبتلعهُ الظلام ، ولم أعرف أين توجه ؟ ضاع كما ضاع الكثير من شخصيات منطقتي في زحامات الأيام وتقادمات الأعوام ، ولكن ما فتئ الوفير من المقالب البهجتية يتوهج في الذاكرة الكركوكية يأبي الأنطفاء ويتمرد على الأنمحاء لأنه يحمل نكهة البداهة وضوعَ التطبع بأجواء المنطقة التي درج فوقها . ([3])

 

سيارة رينو( 4 ) التي كان يطلق عليها الأصدقاء اسم رامبو

 

 

 

من " جرت ميدان " إلى " تعليم تبة "

 

أستيقظُ عند حافات " جرت ميدان أجد مقاهيها تَتَسَلْفَن بسحائبَ بيضاء وأجد نفسي ملتقطاً نهراً خائفاً من خرائط طفولاتهِ الحصوية أتكئ على نشيجٍ يلسع ذاكرتي البلهاء – أتقدم صَوْبَ مقطنٍ يختفي تحت التوتهِ الساحرة .

شجرة لا تشيخ

وقلب يتعرى ، يتقمصها

أيها الصباحُ المدحرج في مقامص الرياح

في هذه القدْمةِ المهمشة

مَن يَحتفي بجسدِ يتشظى ؟

يتصعلك قطاف أيامه العرجاء

جرس يَحن وخريف يتمسح بخاصرة " تعليم تبة " وأرى التلّ يهبط وآراه يصعد مُفهرساً قبوره البيضاء ، في غرارة يحملها مهرولاً في البساتين المذبوحة بسكاكين النسيان .

وأعلم أنتَ تذكاري

تذوبُ النهار ، تدحرج الأيام

أعدو بغيمة داهشة

تصْهالها العارم المنداح

يتأبط بَوْحَ قلبك الدفين

أيتها المصاطب الشائخة النابحة الهزيلة الأعناق

جسد يليق بنسغ شيخوخته القانطة

وأنتِ تفتحين غسقاً يمر

إلى شتاء يمن كتاباً ذبيحاً

تقرؤون فيه مراثي تُركلُ

لأطفالِ الدفلى وغاويات الغمام .

 

الأصدقاء الثلاثة فاروق , عيسى رشيد ملا عمران و فاضل عبد ثاني

 

 

" قميص لطفولة " جرت ميدان "

 

أعجز أن أقول

لا تفتحوا هذا الكتاب

إن هذي الفصول

حَبّرَ الشتاء أوراقها

فعجّلَ الأفول

وصادرَ أقدام رفقتي

فبكى الضبابُ على صدرها

وأمتلأت هاتيك الجيوب

أحلاماً مجففة وأثماراً مدماة

وأشجاراً تهومُ في مرايا الحنين .

 

قميص ثانٍ لطفولة جرت ميدان

 

     تفتحون طفولتي ترحل منها أعشاب الدكاكين التعبى ومنزل ينشج في المزاريب ، وأب ينادم توتتهُ الأليفة ، يملأ جيوبه بروائح الخبز والنساء الهرمات ، تخترقونَ طفولتي يصادر الشتاء منها أقدام الرفقة الهائمة في بِرك العشق والأستنماء عيونكم تصلي لشقاوة كراتٍ تطير ، تتمسح بمناديلِ هوىً يلقى يلهث خلف عربات المساء .

 

مع احمد نجم في بساتين تازة

 

 

ما قاله الأصدقاء لـكركوك الهاطلة في القلب

 

بالرغم من مرور عامين على رحيل القاص " جليل القيسي " وترك عالمنا إلا أنني أحس خطواته وهي تدب على طرقات المدينة ، كلما أقترب من الأماكن التي اعتدت مشاهدته فيها.. اشعر حركاته وانتقالاته ونظراته التي يلقيها جهة اليمين أو اليسار ، وكأنه بصحبة الإله البابلي " مردوخ " الذي هبط كركوك في إحدى ليالي الربيع داعياً " جليلاً " إلى أحد احتفالاتهم الباذخة – انظر " قصة مملكة الانعكاسات الضوئية " أحسه وهو يقطع " شارع الجمهورية " أو يتأنى أمام مكتبة الدار الوطنية ، وحتى أنا اقطع كل هذه الطرقات أتخيله منبجساً من بين زحامات السابلة وهو ذاهب إلى موعد مع احد الأصدقاء أو زيارة إحدى مكتبات المعشوقة " كركوك " وكان حريصاً على تجواله العصري فهو يعده أحد طقوسه اليومية ، فثمة أماكن معينة يرتادها من محلات أو مكتبات في ساعات العصارى الكركوكية ، وأعتقد أن هذه العادة ظلت تصاحبه إلى سني حياته الأخيرة .

عرفت الراحل " جليلاً " عام 1964 في مقهى " المدورة " وكان يسمى في تلك الأيام البعيدة بمقهى النصر ومع الشاعر ( جان دمو ) وكانت هذه البداية في التعرف على بقية الصحب الذين عرفوا في الأعوام اللاحقة " جماعة كركوك " تمتنت وشائج الصداقة بيني وبينه وقويت واستمرت الزيارات والتجوالات في طرقات المدينة وكثيراً ما كنا نلتقي في منزله في محلة   " شوان " القريبة من سوق ( هرج كركوك ) – نجتمع في داره وتخرج الأوراق المحبرة من جيوبنا وتبدأ القراءات ثم المناقشات التي تستمر إلى ما بعد منتصف الليل .

الآن مع ساعات العصارى في كركوك يشاهد " جليل " وهو يصعد شارع الجمهورية أو يهبط صوب ميدان " احمد أغا " بخطواته السريعة وكأنه يريد أن يدرك موعداً مع صديق وقد حمل معه كتاباً أو مجلة ، وأتخيله في بعض الليالي يصعد قلعة كركوك وهو يتأمل القمر النعسان الهابط إلى أمواه نهر " الخاصة " للاغتسال برذاذاتها الناعمة ، وربما هبط بعض أصدقائه من مملكة " بابل " القديمة لمنادمته ، وكذلك بعض الشخصيات الروائية العزيزة عند القديس " دوستويفسكي " أمثال غروشنكا أو الأمير موشكين أو الأب زوسيما ليدعوهم إلى منزله ويحتفل معهم بطيبة وكرم المدينة التي أحبها حتى النخاع ، وآثر البقاء فيها حتى انطفاء الشمعة الأخيرة بين كفيه المعطاءتين .

" عباس عسكر " هو الراحل الآخر الذي أحس دبيب خطواته تضرب طرقات " شاطرلو " وهو يغادر داره القريبة من تلة " تعليم تبة " للقيام بجولته الصباحية أو المسائية ، عهدي به يسير في الشوارع والطرقات المنتشرة من أمام حمام ( علي بك ) هبوطاً إلى سوق القورية . كنا نلتقي في الكثير من المقاهي الصغيرة الوادعة السكرى بضوعات شايها المهيل ، والراحل " عباس عسكر " امتدت صداقتي معه أكثر من أربعة عقود دون أن يصيبها كدر أو يعكر صفوها شائب . بدأت في مقهى تعب كان يستلقي على الجانب الأيسر من شارع الأوقاف ، وفيما بعد هدم ، وأقيمت مكانه بناية دار العدالة الجديدة ، نذهب إليه صلاح فائق وجان دمو وأنا ، مجتمعين نتدفأ بأقداح الشاي وننفث أدخنة سكائرنا وأحلامنا الحافية ثم ندخل قصائدنا نقضم رغفانها ونتلمظ إدامها وربما كتبنا قصيدة جماعية رتلناها في آذان كركوك الناعسة عندما يبدأ الغسق يتقدم على مناكبها ، وتتفتح أقاحيها القرمزية على مدى فضاءات المدينة الرحبة .

دعانا الصديق " عباس عسكر " إلى منزله – الزمن أواسط الستينات – وفي تلك الأيام يسكن ( عرفة ) وهو في سلك التعليم وقد اشترى السيارة الأولى في حياته ، وأعتقد أن ماركتها كانت ( موسكوفيج ) خضراء اللون تجمعنا في دار " جليل القيسي " وبرفقة صاحبي الدائميين : صلاح فائق وجان دمو وقادنا عباس عسكر إلى داره وقد اصطحب ( جليل ) معه جهاز التسجيل ذا البكرات المدورة وكنا اكتشفنا صوت " زكي موران " وعندما كنا نخمر لا ندري ننتشي بهذا السائل الذي لا تنزل الأحزان ساحته أم بصوت هذا المغني الخالد الذكر . تجتمع لك الصهباء مع الأوراق المزهرة بالأشعار وصوت كهذا الصوت الذي يخترق الأشياء والمسامات وأنت محاط بهذا الجمع من الصحبة الطيبة تحس أنك متوج بأحلامك وحِكَمك ، وبهذه الصحبة الزهراء – كنا لا نحس إلا بأصواتنا التي تعلو ولا تهدأ ، هي عادة الصحب وهم يتناقشون حول ماهية الشعر وتقنيات القص والدهاليز والأقبية التي تنحفر في روايات القديس دوستويفسكي.

وعندما اشتد المرض على الصديق عباس في صائفة 2007 كنت أزوره زيارات متقاربة وأرى أمامي عوده يجف ويسري الإعياء في بدنه الناحل إلا أنه يكثر الذكر بصداقتنا ويقول لي : تعلم عمر هذه الصداقة ، وكيف أنها استمرت كل هذه السنين الطوال لأننا ترفعنا على السفاسف وتكبرنا على المنافع وأنا أخبرك أيها العزيز بأن صداقتنا ما زالت مستمرة تنبض وتتنفس ، وكلما مررت من تلك الأماكن التي كنت ألتقيك فيها أشاهدك وأصافحك وأتبادل معك كلمات المحبة والتوادد واسترجعنا ذكرى ذلك العصر الذي صعدنا فيه إلى مقبرة " تعليم تبة " للعثور على قبر العزيز ( يوسف الحيدري ) وتلاوة آيات عطرات على روحه ، إلا أننا لم نعثر القبر المنشود ومع ذلك جلسنا عند قبر وفتحنا مصحفينا ثم بدأنا نتلو الآيات السمحاء ، والربيع حولنا يتدحرج من فوق التلة بأنسامه وأعشابه وأزهاره البرية كأنه كان هو الأخر يستذكر ذلك الصديق العزيز الذي تركنا فجأة في أحد الأيام .

الصديق الراحل " رعد مطشر " أحسه جالساً في محله المتواضع تحت فندق الميلاد وقد عودني أن يدعوني إلى محله كلما مررت من أمامه وأنا متجه إلى الصوب الكبير، عند ذاك أعلم أن ثمة عناوين تخص جماعة كركوك احتوتها الصحف التي وصلته وهو يستنسخها لي بعد أن ينادمني على قدحين من الشاي اللذيذ ، أقتعد كرسياً وأنا أسمع منه آخر إصدارات الكتب والأخبار الأدبية ـ وأتأمل صور الأدباء والأصدقاء زين بها جدران المحل وكذلك علق بعض القصاصات التي تحتوي على نصوص الصحب ، وقد تعمقت علاقتنا بعد صدور جريدة ( صوت التأميم ) بكركوك وخاصة بعد أن تسلم مسؤولية الصفحة الثقافية فيها، وقد طلب إلي أن أكتب استذكاراتي عن الصحب في جماعة كركوك .. وبالفعل كتبت أول مقال لي عن الجماعة المذكورة حمل عنوان " جماعة كركوك : ذكريات وتداعيات " وظهرت على صفحات الجريدة الكركوكية، ثم طلب إلي أن اكتب عن كل أصحاب الجماعة واحداً بعد أخر ، فبدأت بـ ( يوسف الحيدري : الاستذكارات المجزأة ) وظهر المقال على صفحات الجريدة عينها ولكن المقال الذي حمل عنوان " سركون بولص في ذاكرة المدينة الأدبية " حجب عن النشر لأسباب خارج نطاق قدرته. ومن عادة الصديق المرحوم ( رعد ) الاحتفاظ بكل النصوص التي كنا ندفعها إليه ، وقد احتفظ بالنص المذكور عنده ودفعه إلى النشر بعد تغيير النظام على صفحات جريدة ( الوحدة ) التي أصدرها وهي أول صحيفة تعانق النور في الوضع الجديد الذي قام بعد 9/4/2003 .. ولا أنسى إعارته لي كتباً أدبية، حيث كان يترك كتابين في محله أستعيرهما ، وعندما أعيدهما أجد أنه ترك لي كتابين آخرين .. وكانت نادرة إبان الحصار ، وهكذا فتح لي كوىً إلى مشاهد الثقافة والمعرفة وعناق آخر الإصدارات الأدبية .

وعندما أصدر صحيفة " العراق غداً " نشر كتابي المعنون : ولجيد كركوك باقة من أزهار الخباز " على صفحاتها الثقافية مقالة إثر مقالة ، وأنا بدوري ظللت أنشر عبرها الكثير من نتاجاتي الأدبية في هاتيك الأيام.

ترك المرحوم إبداعاته في مختلف الأجناس الأدبية ، ففي الشعر " الغرقى يجمعون المرجان " وفي القص " حلم سمكة " وفي الدراما " خيول "

وكتب في نصه الشعري ( كركوك ) :

 

سلاما يا مدينة القلعة المدلاة من مفاتيح الأفق

وسوروك بالترانيم والمسرات

وزرعوا في حدائقك النجوم فأثمرت قلعتك الموسومة كالتساؤل

وفرغوا في قدميك دورة الكاف الأخيرة

فدعيني يا مدينة البياض

أنشد أغنيتي الأثيرة

فكم من مرة ضحكت ،

وبكيت ، ارتعشت ، خفت

كخليج التفاؤل

مناديا إني أحبك :

كركوك

 

وعندما أمر من أمام محله أتوقف كأن هتافاً يسقط إلى سمعي يهتف بي: أن تعال ! التفت لعلي أبصر صديقي ، وأرى بعيني قلبي إيقاع سخائه المموسق ( يدوزن ) كلماته إلى منادمة لم تكتمل بيننا ، وقصائده التي طالما حدثني عنها تتقاطر من خلل معصمه ، ترتفع وهي تعلو شجرة الكالبتوس الباذخة ، المنتصبة أمامنا ، تحلق مع طيور الصباح إلى أمداء وآفاق نائية . 

 

حب قوريالي يتسول ضبابات آساهُ

 

أزقة " جرت ميدان " المتداخلة ببعضها البعض ، انحشر فيها من أطراف محلة " صاري كهية " أدخلها وأنا مطمئن إلى ألفة بيوتها ومتأمل وداعة حماماتها المحلقة فوق السطوح ، جدران الدور المتواضعة تخاطب بساطة القلب وفي نفس الوقت تتظلل بأشجار النخيل المتطاولة ، تتشامخ من فناءاتها فتسمع حفيف جريدها كأنها تناجيك للتوحد في لغة الطبيعة الكركوكية ، ومع ساعات الضحى الأولى تتهيأ السيدات الجرت ميدانيات للتسوق من سوق القورية وقد تناولن سلالهن الخوص والأزقة كلها تقود إلى هذه السوق ، حيث يبدأ إيقاع الاكتظاظ تدريجياً فتصعد أصوات الباعة ودبيب أقدام الحمالين والعربات التي تجرها الخيول ، انه صباح كركوكي خالص يبوح بهوى أنسامه للأقدام التي تضرب حافات الأرصفة ، ومع هذه الأوقات يطيب الخروج والجلوس في بعض المحلات المتناثرة عند ميدان " احمد أغا " وهي تقدم الحلويات الكركوكية هذا إذا كان الفصل شتاءً وإلا وهي تقدم أطايب المثلجات إذا كانت الصائفة تتمسح بجدران المدينة .

أسلك طريقاً محدداً من الدار إلى الوجهة التي أقصدها ، كنت إذا وصلت إلى زاوية معينة في ذلك الزقاق المنساب إلى السوق ألاحظ حركات متموجة في أحدى النوافذ البارزة إلى الخارج ، ستارتها تتموج كأن أصابع نسيمات رقيقات تعبث بها ، الحركات عينها تتكرر مع تكرر مروري من ذلك الدرب المستسلم لصمت الانزواء وسكينة الانطواء . يوماً بعد يوم اكتشف خيال صبية يتحرك هناك ، والخيال يتضح وينقلب إلى صبية متواضعة الجمال ذات ضفيرتين طويلتين ، وفي يوم أخر تأتيني ابتسامة فأحس أن السعادة تغمر براري جسدي وأرد الابتسامة وأحس أنها تلقتها ثم تتوارى خلف الستارة المتموجة – أليس هذا الحب الذي طالما قرأت عنه في الروايات التي شغف بها الفؤاد ورأيت في الأفلام وكثيراً ما قاسيت مع شخوصها عذابات الحب ولذاذاته المتقلبة ، هل أتحول إلى " قيس " وقد عثر على " ليلاه " أم " روميو " وقد اكتشف " جولييت " . أيتها الطريق المباركة أسعدتِ قلبي وأنا أقطع مماشيك إلى هذه النافذة التي أصبحت الكوة التي أبصر عبرها النور الدفاق ، لا بد هذا الهوى سيخترق دخيلاتي ويجوب ألافاً من العوالم والأنفاق الكامنة فيه ، أنه حب عامي السادس عشر أنشر أشرعته البيضاء وأفتح قميصي لأستقبل الرياح القادمات من البحار البعيدة أنه الهوى المبارك الذي يغوي القلب بتذوق التين الناضج وتناول الأعناب الدفاقة بعصاراتها المسكرة .

في صباح جديد وجدتها تركت الدار وقد تلفعت بعباءتها السوداء تقصد السوق ، اقتربت منها وألقيت عليها تحية الصباح ، لكنها ابتعدت عني إلا أنني تلقيت أشارتها : أترك مسافة بيني وبينك ، وهكذا هو حب بدايات الستينات من القرن المنصرم ، أن تكون مسافة بينك وبين من تعشق ،وإذا أحرقتَ سفائنك وألقيت نفسك في اليم فأنت والمجاهيل التي سوف تتخبط في عواصفها المتحركة ، عرفت اسم الآنسة الصغيرة وعرفت مرحلتها الدراسية واسم مدرستها فتسنى لي أن أبصرها عبر النافذة أو وهي منصرفة من مدرستها إلى الدار وكل شيء من بعيد لبعيد – المهم عرفت الحب الأول وذقت عذاباته واكتويت بجواثيمه ، واشتعل الجسد بأحلامه الخابطة وأنت تشحذ حفيف ابتسامة أو جملة طائرة منها ، تتلقاها وكأنك تملك عائلة من يمامات السعد .

ترحل إلى بغداد ، وهناك تلقى في نادي " كلية الآداب " الفتيات البرجوازيات والارستقراطيات المتأنقات حد اللعنة يضعن ساقاً على ساق ويدخن وينفثن أدخنة سكائرهن ، حتى الصبايا العربيات القادمات من أقطار الوطن العربي ، والأجنبيات اللواتي جئن للتخصص في آداب العربية وتذوق طعم ابتسامتهن وتتلمظ أفاويه ضحكاتهن وتحاول أن تلعب دور الفتى وبالفعل تعجب بواحدة منهن وتبادلك الإعجاب وتبدأ قراءاتك في كتب الهوى فليس أجمل ولا أبهى من عالم الإناث فأصواتهن خبزك ونظرات عيونهن نبيذك وقوتك في أيام يشح فيها الزاد .

وتحلم بالآنسة الصغيرة وبحدائق " كركوك " وتزورك وأنت تتمرغ على رمال الأحلام تجري وتلهث وراء عربات الأيام ثم تتغرب في بلاد الله الواسعة وتتعرف على مدائن وغابات وبحار وصحارى وتصافح وجوهاً جديدة وتتسكع في شوارع ملولبة وأزقة تضيع فيها وحانات تخمر على موائدها المغتسلة بحكايات البحارة والصعاليك ، وتحاول من هذا البعد أن تعود إلى الآنسة الصغيرة ولا تعرف إذا كانت زادت طولاً وما الذي حل بضفيرتيها الكثيفتين – المهم أنها تضيء دخيلاءك لتهتدي ببوح خطواتك وهي تضرب حافات الطرقات المستسلمة  لنزق النسيان ، وتنتهي أيام الغربة وها أنت في كركوك الأليفة وصحبك الآُلاف يعزفون ألفة مودتهم بأوتار الوفاء ، ولكن أين من أعجب بها القلب ؟ تذهب إلى الطريق المباركة وتنظر إلى النافذة تجدها مسدلة الستائر، وتعيد العبور ثانية وثالثة والستارة لا تتحرك وتتيقن بأن صاحبة الضفائر الطويلة تركت الدار فهي حال الدنيا تدور وتدير معها الناس ولا يبقى للحاب إلا أن يدور هو الأخر يتلمس أثار أقدام المحبوب فهي بوصلته وكتابه الذي لا يمل القراءة بين سطوره وأحصل على رقم هاتف وأدير القرص ويأتيني صوتها الناضج كبيدر من القمح وأحاول أن أعرف شخصي ولكني لا أتلقى إلا سيلاً من المفردات القاسية واعيد السماعة إلى مكانها يبدو لا فائدة من النفخ في رما حب برد ، من المستحسن لي أن أركنه في رف من رفوف الذاكرة ، ربما الآنسة الصغيرة كبرت وتأهلت وأنجبت أبناء وبنات وأنا لا أحب التطفل على حياتها وإنما الاستلقاء على وسائد الذكريات للإنتشاء بأقداحها الفائضة وان ألقم القلب بأثمار الأسى الذي لا يني وهو يطرق بوابات العمر ولكن النافذة تظل زاوية حسنة الإضاءة يحن إليها الفؤاد في ذلك الزقاق المتدفقة لهفته عند أطراف " القورية " للذاذات وعذابات تلاطمات السنين .   

 

الخروج من فراديس ((جرت ميدان ))

"

أتذكر مقاهي " جرت ميدان المطرزة بنباتاتها المعرشة والمؤثثة بنبل روادها وشغفهم بسواقي الحكايات التي لا تنضب ، كانوا يتقاطرون عليها مع ساعات العصارى ولا يغادرونها إلا بعد أن يجد الليل نفسه يقترب من ممالك الصباح ، لقد كان كرنفالاً حقيقياً ، القوريات الصاعدة ولذاذات أقداح الشاي المضوع والأحاديث المتجاذبة أطرافها بين الجلاس والحميمية التي تفترش القلوب ، هذه المقاهي المنتشرة من أمام رحبة " جرت ميدان " وحتى الأطراف النهائية لساحة الطيران ، الكل يسهر وخاصة إذا كانت الصائفة تعبث في طرقات كركوك وأثمارها المنوعة تزدان بها المحال والأصوات التي تنساب من مدارج سينما " النجوم " المستلقية عند صدر ميدان " احمد أغا " تهبط عبر سوق " القورية " وتتمسح بالجدران والسطوح وتصل مضمخة محناة إلى بيوتات " جرت ميدان " فهي أقرب صالات السينمات الكركوكية إلى منطقتنا والذهاب إليها كأنك تعبر فراديس المقاهي إلى فراديس السينمات . والزورات السينمائية جزء من حياة أهالي " جرت ميدان " وهم يقومون بهذه الطقوس كأنها عادات متجذرة في نفوسهم ، فإيقاع حياتهم لا يستقيم ولا يدوزن إلا بجلوسهم في المقاهي هذه الزوايا الحسنة الإضاءة وذهابهم إلى صالات السينما للنظر في الكوى المطلة على التخوم البعيدة وترك أحلامهم ترعى في تلك البراري الفساح ، وبين المقهى والسينما هناك محطات أخرى لتناول الشطائر الخفيفة والسريعة في مطاعم السندويجات الأنيقة والمدينة في خمسينيات القرن المنفرط تتميز بهذه المطاعم ذات الكاونترات المنجزة بإتقان ومقاعد الستولات التي تنتشر على طولها ، وبعد انتهاء عرض الدور الثاني للأفلام كان الجمهور يتدفق إلى شوارع كركوك المضوعة بأقاحيها القرمزية من نيرانها الخالدة ، ونحن نترك سينما " النجوم " خلفنا نجتاز سوق القورية ما زال أصحاب الحوانيت التي تعرض الفواكه ساهرين مع أثمار الرقي وحبات البطيخ وقد تركوا المصابيح اللاحبة تضيئها ، نمشي ويمشي الأمان معنا ، نسلم على رواد المقاهي وهم ما زالوا يطيرون أوراق أحلامهم ويداعبون وجنات حكاياتهم ، ثم نأوي إلى السطوح للاستلقاء فوق مفارشنا بعد أن ابتردت الوسائد بأنداء الليل ، والاستلقاء هناك له شعائره الخاصة به مع نهل الماء البارد من الكيزان الفخارية التي وضعت على الأفاريز لجلب المزيد من الابتراد وأنت تتأمل السماء هذا الاتساع اللامتناهي وكل هذه النجوم السعيدة التي تدور في أفلاكها وتتخيل أنها ربما تتعب فتهبط علينا وتتسرسح في شوارع وطرقات كركوك ، أصوات أنثوية مموسقة تعلو من البيوت المجاورة إلا أننا نجهل مصادرها بالضبط ولكنها ترتفع وتتسلق أعالي السطوح ثم تتدحرج منخفضة ً ،أصوات تبوح بلوعتها وأساها وانكساراتها ولكن في إيقاع شجي يخترق القلب ، أفتح عيني وتتشبع مساماتي بتلك الأصوات التي تدركني فوضى عارمة وقلقاً حارقاً ، أهبط مقتفياً أثرها إلى أين تمضي ؟ أحس أن فيها قوة تمغنطني وتلقي بي كألاظلام الذي يتخبط من شارع إلى أخر ولكني مع ذلك أسير إلى الأحياء التي تجاور " جرت ميدان " وأرفع عيني إلى النوافذ المطفأة الأنوار ولكني مع ذلك أسير وفي داخلي رغبة في تذوق هذه الأصوات الاسيانة وربما عزائي في هذا السير الذي لا يقود إلى أي شيء ولكنني مع ذلك أترك ساقي إلى هذا السرى ربما أتعثر بمصادر هذه الأصوات لأصحو من سكراتي الخابطة وأعيد إلى نفسي الهدوء ، الساعات تتقادم ونبضي يزيد ثم تتراكم الأيام وأجد نفسي أهرول خلف عربات لا مرئية والأصوات تستمر وتستمر وبالرغم من اكتهال الأزمنة واكتهال الجسد المضني ما زلت أسير وأتسول تلك الأصوات التي جرحتني بسكاكينها طوال هذه السنين العجاف .

 

 

كركوك : بيت للدفلى وحديقة للغمام

========================

اليوم الذي وقع فيه نظري على شجيرات الدفلى وهي تتماوج على طول الجزرة الممتدة في طريق محطة سكك كركوك القديمة ، هذا اليوم حمل لي فألا ً طيباً لأنه دفعني إلى عشق أزهارها الحمراء والوردية والبيضاء وعددتها على طول الخط كائنات تنبض وتتنفس وتتحاور مع الرياح التي تلطمها وكيف تكون أحاسيسها إذاً ألقى الصباح عليّ تحاياه أو إذا أقبلت عليها سجف الإظلام ، ربما كان عمري في السابعة أو الثامنة في ذلك اليوم الذي توحدت فيه في هذه العشقية الهانئة مع أزهار الدفلى وأنطبع في القلب هذا الهوى اللاصق الذي سوف يستمر معي طوال هذه العقود العديدة . لقد كان مشهداً فتاناً عندما وقعت عليه أول مرة ، مئات الأزاهير المدفلة وكلها تصدح بتفتحها الدافق وقد خلتها تصهالا ً لخيول تعدو فوق البراري الفسيحة تحمل الشوق والعناق إلى الأحضان الدافئة . طالما تساءل أصحاب لي لماذا تكثر من صور الدفلى ومفرداتها في كتاباتك ؟ دفلاي ، محلم الدفلى ، أدفلت ، المدفلة ، الدفالي، أقول إنها عشق وشمه ملتصق بروحي وجسدي لا استطيع نزع هذا الوشم ولا التخلي عن لذاذات هذا الانشغاف، كلما رأيت زهرة دفلى تذكرت طريق المحطة القديمة والعربات التي تجرها الخيول المتعبة وهي تنقل المسافرين للسفر إلى بغداد ، والمحطة مكتظة بمئات المسافرين وهم ينتظرون ساعة خروج القطار إلى العاصمة ، هذه الساعة التي تعني المتعة والمجهول والمغامرة ولقاء الأحبة البعيدين .

إلى الآن تستوقفني شجيرات الدفلى التي أصادفها في الحدائق أو الجزرات الوسطية أو وهي تطل من فوق أسيجة الدور وأعلم أنها محملة بأشواق جوانية تحاول البوح  بها ، وأنا لا أمل من تأملها واستبطانها ومدينتي موطن أليف لها تهوى أن تستلقي هاماتها الناعمة على أكتافها ، هي تستأنسها والدفلى بها أنيسة ـ وتأتي الغمائم العابرات تلقي رسائلها البيضاء على أزاهيري الحبيبة باحثة عن مرابع ظماء لأمطارها الدافقة ، تتشكل في الفضاء لوحاتٍ جميلة بأشكالها وشخوصها وكركوك نشوى بدفلاها وغمائمها ، الدفلى العاشقة والغيمة السكوب وطفولتي الهائمة تتأثث بذاكرة النسيان وأترابي يركضون هنا وهناك يختفون ويظهرون وهم يحملون في جيوبهم تلك النزقة الحلوة المدعوة بـ ( الحياة ) فرحين بعبثهم اللاعب ولا مبالاتهم المتشظية بمرور الساعات ، الليل يعسكر من جديد على المدينة والظلام يتدحرج أمام البيوتات الواطئة والمشرعة الأبواب لمودة الجيرة وشغف الوفاء بأهلها ، انتظر الصباح وإذا الشوارع مغزوة بمئات من شجيرات الدفلى وهي  تتبرعم وتتفتح وتتماوج ، والغمائم تعلم أن في هذه البراعم ترقد الألفة ، ولا بد من غسلها بمياهها الأرجوانية ، الغمائم تحتضن الأزاهير ، وأبصر لداتي يحممون غزلانهم في هذا العبق الممطر والضوع الموار يمسح واجهات البيوت، يدعوني إلى منادمةٍ مبكرة في ضحى كركوكي مغسول بعصائر الذاكرة الغائمة .

 

 

شهداء كاوور باغي يمرون من جرت ميدان

=============================

 

لم أدر إلى اليوم متى بدأت علاقتي مع بستان ( كاوور باغي ) لقد فتحت عيني في المنطقة التي درجت فيها على ثلاثة معالم لا حبة ظلت لصيقة بجدران الذاكرة كالغراء ألا وهي : مقبرة سيد علاوي وبستان كاوور باغي وبين هذين الكائنين كائن أكثر تواضعاً حمام شعبي واطئ الجدران يتوسطهما ، كانت هذه المعالم جزءً من حياة أهل المنطقة ، البستان يشهد نزهاتهم الأربعائية ( نسبة إلى يوم الأربعاء ) والحمام وطقوس اغتسالهم واستحمام العرائس والعرسان وما تتبعه من مظاهر الفرح والزفاف والمقبرة يزورون فيها أيام الخميس ضريح السيد الذي سميت باسمه وهي مأواهم الأخير حين يودعون دنياهم الوداع الأخير، يحرسها العم " نادر " وله في واجهتها بيت متواضع يلوح دائماً أمامه بلحيته البيضاء و وقاره الصوفي .

ثمة سور طيني يحيط بالبستان ويلتف حوله ولكنه متآكل في عدة من أطرافه يبدو أنه تهدم بسبب عوامل التعرية يقتعده الصبيان وهم يتأملون المتنزهين المحتفين بالربيع تحت أشجار الزيتون وفي داخله سبعة صفوفٍ من هذه الأشجار وآخر صف يحمل اسم ( ييدى قتر /  الصف السابع ) وهو ملاصق للقاعدة الجوية والأشجار ملتفة كثيفة وبين صفوف الأشجار تزرع مختلف الغلات والمحاصيل وللمزارعين الذين يشرفون عليها أبقار ترعى بين المزروعات المحصودة تسمع خوارها وتسمع أزيز الحشرات الطائرة .

ونحن أطفال كنا نسمع عشرات الحكايات التي تتناقلها الأفواه ومسارحها إما البستان أو الحمام أو المقبرة ، كنت أصغي إليها وأنا مسترخ ٍ في مقهى والدي والذي يقع في مكان قريب من هذه المعالم التي أسطرتها مرويات الناس وفي مقدمتها أخبار الحكاية الحزينة عن المجزرة التي وقعت داخل البستان عام ( 1946 ) لقد أضرب عمال شركة نفط العراق لأنهم يطالبون بتحسين أحوالهم المعيشية ورفع الأجور التي يتقاضونها فامتنعوا من الذهاب إلى العمل ، وصاروا يجتمعون تحت اشجار الزيتون يخطب زعماؤهم ويعددون المطالب المشروعة التي يصبون إلى تحقيقها والكثير من أهل المنطقة يتسلقون الأشجار ويرقبون هذا المشهد الذي يجري أمامهم والأطفال والصبيان هم أيضاً بفضولهم يمدون أعناقهم ليتشمموا أخبار الشغيلة أولاء ويلتقطوا شذرات من خطبهم وكلماتهم الحماسية ، ويفيض الرواة كيف أن الشرطة وهم على ظهور أفراسهم يراقبون هؤلاء وقد أحاطوهم من كل الجهات ولكنهم لا يتدخلون في الأمر الذي هم فيه شاغلون استمرت الحال على هذا المنوال عدة أيام ، ولكن صبيحة أحد الأيام تغيرت اللعبة إذ أعطيت الأوامر للشرطة بفتح النار وبدأت تلعلع زخات الرصاص ، لقد وقعت المذبحة وتخضبت أرض البستان بدماء العمال الزكية ـ إنه عرس الخبز الدامي ـ كانت التضحيات كبيرة أثنا عشر شهيداً وقدر عدد الجرحى بعشرة ٍ ونيف وقد علمت من رواد مقهانا وحكائيه أن جثامين الشهداء مرت من أمامهم وهي تصعد منطقة( جرت ميدان ) والدماء تسيل منها مع صرخات ذويهم وعويلهم الحارق . وفي اليوم التالي طاف ذوو الشهداء والجرحى المنطقة صارخين محتجين مستنكرين هذا الظلم الفادح وهذه الوحشية المؤلمة بحق أبنائهم الأبرياء .

في عام ( 1955 ) ذهب جزء من البستان لأنه أقيمت فوقه مدرسة المنصور الابتدائية وقد استلم إدارتها الأستاذ المرحوم ( موسى زكي مصطفى ) وقد تتلمذت فيها ثلاث سنوات . في البداية كانت المدرسة بدون أسوار خارجية فالبستان كله بمثابة ساحة للمدرسة وقد تعودنا أن يخرجنا أستاذنا ( نهاد عبدالمجيد ) في دروس التربية الفنية إلى الفضاء الواسع لرسم الأشجار على الطبيعة والتمتع بهارمونيتها الدافقة ، وكان معي في هذه المرحلة صديقي الرسام ( ناصر خلف ) فكلما أتأمل تخطيطاته ورسماته الآن وما أقام فيها من عوالم مكتظة بالأشجار والطيور والأجساد المتماهية معها عادت بي الذاكرة إلى أشجار ( كاوور باغي ) وكأنه جعلها نبعاً يمتاح منه مشاهداته التي حولها رموزاً وإيقونات وصوراً تتشظى تأويلاتها .

لجأت شركة نفط العراق أواخر الخمسينيات إلى شراء مساحات كبيرة من البستان وبدأت تنشئ فوقها دوراً متواضعة ً لعمالها تستملكها لهم بالتقسيط وكأنها أرادت أن تطمس أثار تلك المذبحة المروعة التي وقعت فيها . في سنين لاحقة أنشئت مدرسة متوسطة خلف مدرسة     ( المنصور ) فاختفى البستان تماماً إلا جزءه المسمى بالصف السابع وبقي خط ممتد من أشجار الزيتون تعطي ظلالها وتذكر المرء بأمجاد البستان السابقة وبذاختها التي بليت وتهرأت ، ومع بدء حرب الخليج الثانية وأيام الحصار الخانقة التي شحت فيها الأرزاق وعزت وسائل الوقود عم الناس إلى قطع هذه الأشجار لاحتطابها واستعمالها في طبخ الأطعمة وإيقاد التنانير وبزوال هذه الأشجار أسدل الستار على بقعة  جميلة في مدينة كركوك التي أنسنها وأسطرها الناس لأنها انعجنت بأحلامهم وعذاباتهم ومسراتهم وغدت ينبوعاً ثراً تتدفق منه حكاياتهم التي لا تنتهي .

 

 

" المتوسطة الشرقية " هي الأخرى تنقلب إلى ساحة للسيارات

=======================================

مع ثورة 14 تموز عام 1958 دخلت " المتوسطة الشرقية " غدت الحياة تنزع عنها ثيابها القديمة وتتزين بأثواب جديدة لم تألفها من قبل ، قادة جدد . جرائد جديدة مصطلحات لم نألفها من قبل شاعت على ألسنة الناس ومظاهرات ومسيرات تخرج هنا وهناك وأسماء أحزاب جديدة نسمعها من جيراننا وهم يتداولونها كما أنهم يتناولون وجباتهم اليومية ، و " المتوسطة الشرقية " عام ثمانية وخمسين كانت تحتل بناية قديمة تدخلها من شارع الجمهورية إلى ما خلف بناية المحاكم ، الآن تحول موقع " المتوسطة " إلى مرأب للسيارات بعد أن أزيلت بنايتها تماماً وفي عقد السبعينيات والثمانينيات شغلت بنايتها من قبل دائرة الجوازات والسفر والجنسية وربما قبل أشغالها من قبل المتوسطة الشرقية كانت مدرسة مخصصة للإناث المهم في أول صبيحة لي في المتوسطة اصطففنا وبعد ذلك توزعنا نحن التلاميذ القادمين من الابتدائية في أربع شعب و وجدت نفسي في شعبة (أ) ثم خصصت لنا قاعة دراسية في الطابق الأول خارج قاعتها الرئيسة ونحن خليط من مختلف طوائف وأعراق مدينة كركوك ، استلمنا في حصص اللغة العربية الأستاذ ( محمد صابر محمود ) وهو الذي سيستمر معنا في التدريس في مرحلتي الصف الثاني والثالث أيضاً ، رحلته معنا رحلة ماتعة وإبحار شائق عندما يختار لنا نصوصاً شعرية جميلة للدرس والاستظهار ، من هذه النصوص التي أتذكرها إلى اليوم ( النهر المتجمد ) لميخائيل نعيمة ونص( أخي إن عاد بعد الحرب جندي لأوطانه ) لنفس الشاعر ، وقصيدة ( إرادة الحياة ) لأبي القاسم الشابي ، ونص (المقصورة ) لمحمد مهدي الجواهري ونص نسيت عنوانه للشاعر الفلسطيني يوسف الخطيب ، يشجعنا على القراءة الجهرية مع تمثيل ما نقرؤه، والمرحوم الأستاذ (إحسان عبدالحميد ) هو الآخر من أساطين اللغة ، استلمنا في بعض حصص التربية الإسلامية إلا أنه سرعان ما ترك المتوسطة الشرقية وتسلم إدارة متوسطة ٍ جديدة أطلق عليها اسم ( الحكمة ) هذه المتوسطة التي سوف تتحول في السنوات اللاحقة إلى ثانوية الحكمة وتذوب فيها المتوسطة الشرقية، في مادة الرياضيات الأستاذ برهان الصالحي ، وفي دروس اللغة الانكليزية باشر معنا الأستاذ جودت أما في مادة التربية الفنية فكان أستاذنا ( محمود أنور سامي ) الذي اشتهر باسمه الأدبي فيما بعد ( أنور الغساني ) يقيم منذ عام 1984 في (كوستاريكا) حيث يعمل أستاذاً للصحافة والإعلام في جامعتها ـ أذكر مرة في إحدى حصص درس الرسم كان يتفقد كراريسنا وعندما جاء دور كراسي تأمل أحد رسومي البدائية وبقي يتأمله فترة وجيزة .

ثم قال لي : ماذا رسمت هنا ؟

قلت : ناطحات سحاب .

فقال لي : لماذا لا تستوح مناظر بلادك ؟

في تلك الفترة من مراحل عمري كنت مأخوذاً بالبنايات ذات الطوابق المتعددة ولما كانت مدينة كركوك تفتقر إلى هذا الضرب من البنايات كنت أخلقها في دفاتري راسماً شوارع وقد قامت على أطرافها هذه الأبراج العالية . ولدينا مرسم في المدرسة وكنا نصمم فيه مجلاتنا الحائطية والأستاذان محمد صابر محمود وأنور محمود سامي هما اللذان يشرفان عليها وأذكر في واحدة منها ظهرت إحدى محاولاتي البدائية في النظم وثيمتها تدور حول كفاح الشعب العربي في بلاد الجزائر ، وأعتقد أن هذه النشرات المدرسية هي المحطة الأولى التي انطلقت منها كتاباتي الأدبية .

وفي حصص التاريخ يأتينا الأستاذ المرحوم ( وادي إبراهيم ) ويهبط بنا إلى أعماق التاريخ العراقي القديم حيث السومريون والبابليون والأشوريون يشيدون ويتحاربون ويتناسلون ويعمرون مدائنهم العجيبة وكان المرحوم أول ما يبدأ محاضراته بسؤاله التالي : هل وجدتم مفردات صعبة في تحضيركم استعصت معانيها عليكم ؟ ففي أحد الأيام رفعت أصبعي وسألته عن معنى مفردة ( الوتد ) فأجابني : هو (الخازوق ) غير بالتركماني فغرق الصف في ضحك عاصف .

لم يكن الدوام صارماً في المتوسطة في العام الدراسي 1958 ـ 1959 ففي الوقت الذي كنا نأوي إلى حجرات الدرس للاستغراق في التحصيل وإذا ضوضاء تصعد من هنا وهناك وترتفع هتافات من بعض الممرات ثم تفتح الأبواب ، وجموع الطلاب تتدفق من داخل الصفوف ويحمل الذين يحبون أن .. يبرزوا أو يتزعموا المظاهرات على الأكتاف ـ كل هذا يجري مع تزاحم المناسبات و وصول الوفود المختلفة إلى كركوك ـ كنا نجد أنفسنا وسط الشوارع وقد تأبطنا كتبنا ومسامعنا تستقبل هتافات ٍ نعي بعضها ، والبعض الآخر نردده مع عشرات الأفواه الهاتفة من غير أن نعي معانيها . وتلك الأيام بحق ٍ كانت تحتفي بموضة المظاهرات وتحتفل بشغف المسيرات التي لا تنتهي والأيام تمر بسرعة ونحن نكبر معها .

في مرحلة الصف الثاني خفت الاندفاعات وهدأت الأمور وأصبحت التدريسات منتظمة واختفى الكثير من الأحلام ، وتبخرت أمطار الآمال يبدو أن كرنفالات المظاهرات تكسرت وانسحبت إلى ما خلف الكواليس وبقيتُ مع معظم لِداتي في شعبة ( أ ) في مرحلتي الثاني والثالث هؤلاء الزملاء الأحباء الذين سوف أفارق بعضهم بعد تخطينا مرحلة المتوسطة ، واختيار بعضنا الفرع العلمي وآخرين الفرع الأدبي ، ولكن بقينا نحِنُّ إلى تلك الأيام بلذاذاتها وعذاباتها والتئام شخصياتنا وهي تغادر عتبة الابتدائية وتشيطن صبغتها الطفولية نحو مدارج الصبا وعناق الأماني التي تصبو لها النفس .

والآن أمر من أمام أطلال المتوسطة الشرقية فلا أجد سوى ساحة كبيرة تصطف فيها عشرات السيارات ضجيجها يطغى على كل تلك الأصوات التي حلمت أن اسمعها وهي تعلو من داخل فصولها التي سويت مع الأرض ، وعجلات السيارات تدوسها بلا رحمة وهي تنسى بأنها أصوات أولئك الصبية الذين أحبوا أن يحدقوا في شموس أحلامهم ولكن السنين أيبستها وألقتها على قوارع الطرقات تطؤها عجلات العربات وأي قدر عجيب أن ترى سينمات كركوك تنطفئ وتحول قاعاتها إلى مرائب للسيارات أو مخازن للبضائع الوافدة . ومتنزهات المدينة وحدائقها الوارفة تتيبس وتنقلب إلى ساحات للسيارات وحتى قصور كركوك التاريخية والأثرية تهدم وتغدو عرصات لوقوفها . لله درك يا متوسطتي العزيزة كنت كوة ً للتحصيل ونافذة للأنوار المشرقة وها أنت الآن مرأب للعربات تعول كل تلك الآمال التي كانت تجيش في صدور طلابك وهي تختنق بعوادم السيارات النافثة لغازاتها . أترك دمعتين كهلتين وأنا أشم أصواتك وهي تتكسر على جدران ذاكرتي المضنكة التي طينتها الأمواج الغاسقة.

 

 

من الذي يتذكر كازينو ( ليالي كركوك ) البيضاء ؟

 

وأنت تمر من أمام المصرف العقاري تشاهد أمامك ثلاث أو أربع شجرات كالبتوس باسقة يبدو عليها الترهل ويرين فوقها الاكتهال ، أشجار تجاوز عمرها بضعة عقود ومع ذلك تمنح أفياءها وجمالاتها يجلس تحتها نفر من الأساكفة يكدحون طوال النهار ويتعبون ويعرقون من أجل هذا العزيز الغالي ( الخبز ) . في موقع هذا المصرف وما تحيطه من مساحات متواضعة كانت توجد ثلاثة أو أربعة كازينوات صيفية مظللة بأشجار الكالبتوس العالية وتزخرفها فسقيات وسطية ناعمة ترمي أمواهها بتراخ ٍ لذيذ ، هذه الكازينوات الكركوكية كانت تتوهج بمباهج الصيف الكركوكي ، وشباب المدينة يؤمونها ويتقاطرون عليها باحثين عن متعهم البيضاء في لعب الدومينو أو ارتشاف العصائر الباردة والتهام الشطائر اللحمية المستمرأة ، يتواعدون ويتأنقون بألبستهم الأنيقة ، بعضهم يتبختر بما تزين من هذه الأزياء الوافدة إلى كركوك جديداً ، وآخرون يستعرضون ما عندهم من هذا الهندام المربرب ثم ينتظرون مواعيد عرض الأفلام في صالات السينما الصيفية،( الحمراء )الصيفية يطل جانبها الايمن على هذه الكازينوات وهي الزوايا الحسنة الاضاءة في المدينة والكوى التي تتوهج بمسراتها الصغيرة ومن طرف اخر صالتا( العلمين )و(الدنيا) تغويان روادهما بأفلامهما الماتعة وغير بعيد سينما ( النجوم ) المطلة على ميدان ( أحمد أغا ) هي الأخرى مكان صالح أن تسترخي فيه وتطلق لمخيالك العنان مع( كيرك دوكلاس ) و ( روك هدسن ) و (شكري سرحان ) لتخوض في عوالمهم وتكتوي بعذاباتهم وتستمرئ مغامراتهم وحتى إذا وجدت مكاناً مريحاً واستعذبته وأنت في الكازينو مع صحبتك ولم ترم مغادرته فإن أصوات الممثلين عبر صالات السينما المكشوفة تصل إليك تسمع مغازلاتهم العشقية وتصغي إلى توسلاتهم أمام من يحبون والموسيقى التصويرية هي الأخرى تغزوك في عقري مكانك تثير مكامن الأشواق في دخيلائك ، والمكان واحة خضراء في جحيم القيظ ألأفعواني ، والشباب يطيلون السهر فإذا فاتهم الدور الأول لعرض الأفلام فإن هناك دوراً ثانياً والليل سوف يبترد بعض الشيء ويخفف الحر من بعض غلوائه وبعض الأنسام تصلك من البساتين المختلفة التي تحيط بكركوك .

يحلو الصيف في مكان ٍ إذا كانت أقدامه تتدلى في مياهه البحرية أو يقطع وسطه نهر متأوهاً من تباريح عشقه الطويل والمتنزهات العديدة تظلل قلب المكان تحيطه بحنوها الآسيان ، إن هذه الكازينوات بمثابة البقعة الظليلة وفؤاد المدينة الملوكي إبان أشهر الصائفة الصاهدة فأنت تبحث عن أجمة تتظلل بها ، وأنت تفتش عن نوافير تتسقسق وتتهامس مع الأحباق والأشجار وبعد ذلك كيف تريد لمتخيلك أن يلقي عن نفسه عقاله ويهدم سدوده ؟

لقد كان أمل شباب كركوك أن يصلوا هذه البقعة الملوكية وأن يسترخوا فوق تخوتها ويرتشفوا عصائرهم الباردة وأمنياتهم تخمر عيونهم وأحلامهم تسكر نفوسهم العطشى إلى الود والتلاقي والتعرف على الجغرافية الواقعة ما خلف تخوم مدينتهم التي لا تكل من استنبات أقاحيها الحمراء في لياليها الطوال .ترى كيف دب اليبس في شرايين أشجارها وكيف أنقطع عنها النسغ ؟ وما الذي دفع نوافيرها إلى الانقطاع عن الغناء ؟ لم تسكت هذه الفسقيات عن صداحها الكركوكي ولم تمتنع عن هواها الناعم الأمين ، وإنما السواقي والكهاريز كلها أمحلت ، لملمت غناءاتها وهسهساتهافي غرائر ورحلت بعيداً تاركة وراءها عشاقها في ظمأ ٍ وجفاف ٍ طويلين .

أتأمل هذه البقية من أشجار الكالبتوس الوفية والمتحدية قسوة الأيام وغلائلها وأرقب الغسق الهابط على الشوارع التعبى وكأن الستارة ترفع عن خشبة المسرح حتى تدب فوقها ظلال وأشباح من الماضي ثم تتدفق أصوات من داخل سينما ( الحمراء ) لتتمسح بحوائط البنايات ومع تقدم ساعات الليل تعلو هذه الأصوات وعيناي تبحثان عن تلك الزوايا والكوى التي عكست سنين عدة المباهج الصيفية الكركوكية المشتعلة بمسراتها البيضاء .

 

عندما تغادر الأحلام جسور كركوك

 

عندما تهدم الجسر الحجري الوحيد في كركوك بفعل السيول الجارفة التي كانت تتدفق في نهر ( الخاصة ) شتاء 1954 ، نهض مكانه جسر أسمنتي مسلح في موقع قريب منه ، وأزدان بأعمدة كهربائية جميلة تلقي بأضوائها الساحرة على أرضيته وعلى أفريزي ضفتيه ـ كنت استمرئ العبور من فوق الجسر لأمتع بصري بمناظر كركوك البانورامية ـ فمن أمامك تواجهك القلعة ببناياتها التاريخية ، الوقار والاتزان يسمانها وأغاني المدينة الخلابة التي تنبثق من مختلف الأطراف والزوايا تتمسح بسفوح القلعة ثم تضيع في الفضاء الشاسع الكبير ، ومن جانب آخر تمد طرفك ليعانق جمال أحياء (تبة) ومعالمها التي تحاول الإحاطة بها ، وإلى جنوبي الجسر الفضاء الرحب يتسع ويتسع تود أن تملك جناحين بسيطين لتطلق لمخيالك العنان فيه ، تتأمل جماليات كل هذه المشاهد وأنت وسط الجسر والسابلة يمرون بخطواتهم المتزنة وحتى السيارات تنساب هادئة ناعمة ، المهم أنت متروك لأحلامك وتهويماتك فأنت في نزهتك العصرية ترقب تلال كركوك ومرتفعاتها المتموجة التي يرين فوقها حزن سرمدي كحزن القلوب التي كواها ألم الهجر والغدر ، تستعيد قصائد قرأتها في كتب الشعراء الذين يرافقونك في رحلتك اليومية في طرقات المدينة المؤثثة بشجن لا مبالاتها ، تستعيد منهم مصافحاتهم المتواددة وترتشف من كلماتهم أنبذة هياماتهم ، ثم تقطع الجسر فتمضي إلى مدخل الصوب الكبير وأمام باب خان تقتعد مصطبة خشبية وتعل شايك ثم يعلو لغط المسافرين الذين تجمهروا فيه أو هكذا تتخيلهم وهم يستعدون للخروج في قافلة المساء إلى بغداد وآخرون يجمعون حاجياتهم في التهيؤ في القافلة الصاعدة إلى الموصل وغيرها من المدن ، سحر الخانات في هذا الجزء من كركوك يمتلك القلب يضوع بعبق الأيام القديمة وناسها الأصلاء ، فبمجرد خطوك على عتباتها حتى تلفحك أنفاسهم الحميمة ، تشاهدهم يستسرون ، وتلمحهم يتجالسون ويتواددون ، وعندما اكتشفت هذه الخانات خيل لي بأنني عثرت على مفاتيح بوابات كركوك السرية . كم من الأمور جرت فيها . وكم من المشاكل حلت فيها ، والصفقات التي أبرمت في غرفها ، والمسافرون الذين كانوا يهبطون إلى بغداد أو الذين يصعدون إلى المدن الشمالية والقلوب الحزينة والنفوس الفرحة والآمال التي يحدقون فيها ، لكنني الآن أجد نفسي فوق الجسر من جديد أصطدم بهذا وأتعثر بذاك عشرات العربات تتربع فوقه ، وصرخات الباعة تصم الآذان والترويج لبضائعهم بحناجرهم وبواسطة أجهزة التسجيل " مرحباً بكم " تجد هنا كل ما يتبادر إلى الذهن من السلع ذات المناشئ الهابطة معلبات ، كهربائيات ، مكملات الزينة ، أقمصة ، مناشف ، ثياب مستعملة و . و  ولا تدري أين تضع قدميك فالعبار يكتسحونك وحتى إذا وجدت بقعة صغيرة واستندت إلى سياج الجسر وأردت النظر إلى نهر ( الخاصة ) علك تسمع تأوهة ً عاشقة ً من تأوهاته الاسيانة يرتد إليك بصرك كليلا ً حسيراً مئات العلب الفارغة والصناديق التالفة والأكياس المتهرئة والحاجيات النخرة وكل أصناف سقط المتاع ، فبدلا ً أن تجد المياه التي كنت تحلم بالتدفق فيه وإذا كرنفالات سقط المتاع تسمع مارشاتها العالية وإذا رفعت نظرك إلى الأعلى وأنت تحلم لأن تجد نورساً من تلك النوارس الحابة للقلعة و ( الخاصة ) هي الأخرى تركت فضاءاتها وفتحت أجنحتها للطيران المحلق البعيد ، ليس أمامي إلا أن أعود إلى مقهاي ، أطلب شاياً أتعزى بارتشافه وأنا أشاهد أحلامي الجميلة تتكسر قوادمها وتتشظى وتهجر الجسر الذي كنت أظن أن فوقه تلتقي كل جسور العالم الكبير وتتعانق أشجار صوري وعيوني التي كانت لا تتعب من تأمل تلك الطيور البيضاء التي اختفت في الفضاءات البعيدة .

 

 

البحث عن قبر ( يوسف الحيدري )

 

اتفقت مع الراحل ( عباس عسكر ) في الصعود إلى مقبرة ( تعليم تبة) بحثاً عن قبر صديقنا ( يوسف الحيدري ) . كان يوماً شتائياً شبه دافئ وقطع من الغمائم المتناثرة تعبر السماء والطرقات المحيطة بالمقبرة يؤثثها هدوء مسترخ ٍ ، تقع المقبرة على أطراف محلة ( شاطرلو ) وعلى مشارف منطقة ( عرفة ) ، وهي مرتفع من الأرض تستلقي على سفوحه قبور بيضاء تشبه من بعيد نوارس وكأنها حطت هناك تبحث عن استرخاء بعد تحليق طويل ، ولقد تعود أجدادنا في كركوك أن يدفنوا موتاهم فوق المرتفعات لتصورهم بأن أعزاءهم الراحلين سوف يستشرفون عليهم من عليائهم هناك وتبقى قبورهم بمنجىً من سيول الأمطار وعوامل التعرية وتسرب الرطوبة والبلل إليها . دفعنا باب المقبرة وعانقنا جلال المكان وهدوءه الوقور ، وإذا لم تخني الذاكرة المنهكة بأن اليوم كان الاثنين ومن عادة أهل مدينتي أن يزوروا موتاهم يومي الاثنين والخميس، الوقت ما زال مبكراً ولذلك لم يكن ثمة الكثير من الزوار ، لمحت بضع نساء متشحات بعباءاتهن السوداء افترشن حول بعض القبور والريح تأتي ببقايا نحيب يتدوزن في مسامعنا .

أخبرني صديقي ( عباس ) بأنه حضر تشييع جثمان الراحل ( يوسف الحيدري ) إلى مثواه الأخير ـ وللعلم توفي عام 1993 ـ فلهذا فهو يعرف مكان القبر جيداً ، إلا أننا صعدنا أعلى المقبرة ونزلنا سفحها الغربي وجلنا سفحها الشرقي ولكننا لم نعثر على قبر الفقيد كان ثمة الكثير من القبور الجديدة و وقفنا على قبور غيرها في طريقها إلى الاندراس . ماذا نصنع ؟ لقد جئنا المقبرة من أجل تلاوة آي معطرات على روح المرحوم وكل منا يحمل مصحفه ، ولا يجدي التطواف في أرجاء المقبرة وهي تزدحم شيئاً فشيئاً بزوارها ، اخترنا أن نجلس عند قبر قديم ، قلنا أن نتلو الآيات هناك وأنا أتذكر أبياتاً قرأتها لـ (صلاح عبدالصبور ) :

 

" يا موتانا

ذكراكم قوت القلب

في أيام ٍ عزت فيها الأقوات " .

فتح صديقي مصحفه وشرع يتلو بصوتٍ جهوري ، ثم جاء دوري فتلوت ما تيسر لي وعندما انهينا تلاوتينا ، ارتفع بكاء طفل يبدو أنه تدحرج ساقطاً على بعض الأحجار مما أدمت أحدى يديه هرولنا مسرعين إلى نجدته ومحاولتنا إسكاته وإزالة الأتربة من يديه إلى أن وصل ذووه حكيت لصديقي كيف أنني أيضاً كنت أتدحرج وأتقلب في هذا المرتفع عندما آتي المقبرة برفقة والدتي إبان سنوات الطفولة ، كنت أعشق قطف أزهار الخباز البرية ولمها على شكل باقات ثم من بعثرتها من أعلى المرتفع ، أسعد بهذا العمل كأنني أسابق الرياح ، كأنني ألثم الربيع وهو يترك بصماته فوق شواهد القبور ، اتفقنا أنا والصديق ( عباس ) أن نزور المقبرة ثانية بعد أن يسأل عن القبر من أحد معارف الفقيد وعند ذاك سيتأكد ويأخذ علم اليقين فنجدد زورتنا إليها . ولم أدر أنه يأتي يوم ويغادرنا العزيز ( عباس عسكر ) ويوارى جثمانه في نفس هذه المقبرة التي زرناها ذلك اليوم الذي استقر في زاوية مكينة ٍ في الذاكرة ، وأنا كلما مررت بمحاذاتها تخيلت أن شاعراً كركوكياً تسلق أحد سفوحها وبدأ يلقي مراثيه المدحرجة لقد اغتسل بوهج الإبداع وشرارة الشعر تخترق روحه وجسده ، يقف هناك ويفتح صدره مستقبلا ً الرياح الهابة من فوق أشجار الكالبتوس المطعمة بروائح القلعة وتأوهات نهر الخاصة وأقاحي نيران كركوك الأبدية .    

 

 

عاشق السينما بامتياز

 

استطيع الآن أن أتكلم بصراحة عن شغفي الجنوني بالسينما بعد أن انطفأت كل أنوار صالات السينما الكركوكية ، لقد دب وهن الاكتهال في عظامها فبدأت تسقط الواحدة أثر الأخرى . في البدء السينمات الصيفية الساحرة شاخت وانهارت في أماكنها ثم لحقت بها أخواتها الصالات الشتوية ، وبالرغم من تشييد صالتين جديدتين في السنوات الأخيرة ـ شيدت سينما القلعة على أنقاض سينما أطلس الصيفي وأقيمت صالة جديدة لسينما العلمين في شارع الزجّاجين الذي يخرج من شارع الأوقاف إلى شارع الأطلس ، ولكن مع ذلك لم تقدرا البقاء والصمود ، انطفأتا وسكنتا ولم تشفع لهما حداثتهما ولا جدتهما ، ولم يبق أمامي إلا اجترار ذكرياتي عن هذا العالم الساحر الذي أبهرني مذ سنوات طفولتي المبكرة إلى كهولتي المجهدة حيث اكتشفت فيه من البدء عالماً مستعاداً لعالمي الواقعي بل تعاملت مع شخوصه بواقعية أكثر من واقعية الشخوص الحقيقيين وأنا طفل ذهبت إلى التماهي في العالم السينمائي مستسلماً لمقعدي في الصالة الظلماء كنت أخترق الشاشة الفضية لأنجد أبطال الفيلم أو أمشي وراء البطلات وأجري وراء نزواتهن وكنت أجد نفسي في اليوم التالي في فراشي وأنا متحمم في عرقي الدبق من كثرة الركض في دهاليز ما خلف الشاشة المشتعلة .

تعوت في صغري أن أذهب إلى صالات السينما برفقة أشقائي الكبار ، كنا نتردد عليها بطقوس خاصة . في غالب الأحيان نستأجر عربة من تلك العربات التي تجرها الخيول ونهبط منها أمام سينما ( غازي ) وإلى هذه الساعة أتذكر العديد من الأشرطة التي شاهدتها في هذه الصالة وكان أكره شيء لي أن أبصر ( THE  END ) أو ( النهاية) في آخر الأفلام مع الموسيقى التصويرية الخاصة بالنهايات وإشتعال الأضواء داخل الصالة ، كان الخروج يشق علي َ وأول سؤال أوجهه لأشقائي متى سيكون قدومنا التالي إليها ؟ وعندما كبرت كنا أنا وثلاثة من أترابي نطوف على كل صالات المدينة ، نشاهد كل الأفلام لا نستثني فيلماً منها ويصدف أن ندخل بعض الأفلام ليومين متتاليين وفي طريق العودة إلى المنزل أحاديثنا برمتها تدور حول حبكة الفيلم وفيما إذا كان الإخراج متقناً ونحاول أن نجد فيه بعض العيوب ونوع تلوين الفيلم ، ثم ننتظر حالمين بقدمة اليوم التالي لعلنا نكحل البصر بفيلم جديد .

ومع ولوجي عالم الأدب واستغراقي في مطالعة الكتب لم يخففا من غلواء مشاهدتي للأفلام ، وإنما بدأت أبحث عن الروايات العالمية التي حولت إلى أفلام سينمائية ، ففي سينما العلمين شاهدت رواية ( لمن تقرع الأجراس ) لارنست همنغواي و ( الأخوة كرامازوف ) في سينما ( سندباد ) للساحر دوستويفسكي وفي سينما ( أطلس ) رواية ( موبي ديك ) لهرمان ملفيل ويطول الحديث عن هذه الروايات التي حولت إلى أشرطة، وكنا نوازن بين الروايات والأفلام وفيما إذا كان المخرج موفقاً في إيصالها إلى الشاشة والممثلون بارعين أو بالعكس في تجسيد أدوارهم .

عام 1963 عندما ذهبت إلى بغداد للتتلمذ في كلية الآداب أول شيء لفت نظري وجود الصالات الضخمة ، صالة : الخيام وغرناطة والنصر وسينما ( السندباد ) بدرجة أقل بينما صالات مثل بابل وسميراميس لم تكن قد أقيمت بعد ، إلا أنني لم اترك أية صالة في العاصمة إلا وقد شاهدت فيها فيلماً ابتداءً من صالات شارع الرشيد إلى الباب الشرقي فشارع السعدون ، بالإضافة إلى الصالات الأخرى المبثوثة في مناطق أخرى من بغداد وحتى الأفلام المختارة الكلاسيكية التي كانت تعرضها دار المسرح القومي لم أفوتها ، بل أنني حضرت مشاهدة معظم الأفلام التي تم عرضها في الملحقيات الثقافية المعتمدة في العاصمة . والأفلام لا تتغير في دور السينما في تلك الأيام إلا في بداية الأسبوع ،كنت أسرع إلى اقتناء جريدة لأقرأ عروض الأفلام المعلنة فيها أو أسرع إلى (الباب الشرقي) لأشاهد عن كثب إعلانات الأفلام المعروضة ، والشيء البهي في بغداد هاتيك الأيام أن بعض الصالات تقيم لأفلام شركة ( مترو جولدين ماير ) أو (كاليفورنيا) وغيرهما فتعرض على مدى أسبوع كامل أفلاماً منتجة من نفس الشركة ولكل يوم فيلماً وكلها أفلام مختارة بحذق ٍ وذكاء ولها من الشهرة والصيت ما يشفع لها بالعرض في هذه المناسبات .

أوفدت إلى القطر الجزائري عام 1968 وكانت بطاقة سفري بالطائرة مفتوحة ، وأنا في طريقي إلى الجزائر هبطت في القاهرة ومكثت فيها أسبوعاً ، وفي اليوم الأول هناك بعد نزولي أحد الفنادق نزلت سلالم الفندق وقادتني خطاي إلى اقرب صالة سينما، ولا أبالغ إذا قلت في زياراتي القادمة للقاهرة أتيت على دورها السينمائية جميعها ونفس الشيء فعلته في دمشق وعمان وبيروت وتونس واستانبول وطرابلس الغرب بدرجة أقل لأنني لم أمكث فيها إلا بضعة أيام .

وفي الجزائر في عامي الأول تعينت في مدينة ( كَالما ) وهي بلدة صغيرة تقع شرقي الجزائر وتبعد عن عاصمتها حوالي 600 كيلومتر وعن مدينة (عنابة) 65 كيلومتراً في هذه البلدة الناعمة الصغيرة كانت هناك صالة سينما صغيرة واحدة في الأغلب الأعم تغير أفلامها المعروضة مع إطلالة كل أسبوع جديد فكنت أضطر أن أهبط مدينة (عنابة) في العديد من الأيام وكانت فيها أكثر من سبع صالات للتمتع بشريط سينمائي ويصاحبني عادة في هذه الرحلات السينمائية زميلان لي نعمل معاً في نفس الثانوية أحدهما لبناني وهو احمد خليل من سكنة منطقة ( الشياح ) ببيروت والثاني ( مسيو رولو ) وهو فرنسي الجنسية .

مرة كنت في طريقي إلى ( باريس ) فالطائرة التي أقلعت بي من مدينة قسنطينة الجزائرية هبطت بي في ( مرسيليا ) الميناء الفرنسي الجنوبي خرجت أتسكع في شوارعها فدخلت دار سينما ثم وجدت إعلانات أفلام مرقمة 1 ، 2 ، 3 ، الخ ... وبعد ذلك اكتشفت إن هذه الدار تحوي على سبع صالات فما عليك إلا أن تخبر قاطعة التذاكر رقم الصالة التي تروم الدخول إليها ويا للسعادة التي غزتني عندما اكتشفت نفسي في دار خيالة تحوي كل هذه الصالات ومعها باقات من الأفلام المعروضة ، ولكنك تشكو التعب وضيق الوقت وتفكيرك في قطع المسافة البعيدة للوصول إلى ( باريس ) .

وفي بلاد الجيك في مدينة ( استرافا ) بالتحديد وهي مدينة شمالية تشتهر بمعالمها الصناعية كنت ألجا إلى صديقتي ( مارتا ) المضيافة حتى ترشدني إلى أفضل الصالات وإلى أحسن الأفلام وعندما أتيت على معظمها فاتحتها بأن ترشدني إلى سينمات القرى، والحق يقال أن القرى الجيكية كما لاحظت الكثير منها يشتمل على دور سينمائية أنيقة وقد طفنا على أكثرها طوال شهر كامل ، ففي كل مساء كانت تقودني إلى واحدة منها ، أدخل هذه الأفلام وكلها مدبلجة باللغة الجيكية أفهمها أو لا أفهمها فعندي سيان ولكن ما العمل ؟ هو الشغف بهذه الساحرة الفتانة مالكة القلب ( السينما) وفي آخر المطاف لم تعد تتحمل ( مارتا ) نزواتي السينمائية فأخبرتني بالله عليك أكفف عن هذه النزوة لقد بلغ بي العياء مبلغه المتناهي .

مع العقد الثمانيني من القرن المنصرم بدأ الاكتهال يدوّد أجساد السينمات في كركوك وقد لاحظت انقطاع النخبة المثقفة من ترددها عليها وجمهور جديد صار يتعامل مع الأفلام بالصفير والصياح والأفلام المسوقة هي الأخرى شرعت الرداءة تخالطها ، غابت تلك الأفلام ذات التقنيات العملاقة ، لم يبق أمامي إلا الانقطاع عنها ، ولكن كوة جديدة فتحت لي في هذا العقد هي اختلافي على الدور السينمائية في الموصل فكلما ذهبت إلى زيارة شقيقي الدكتور فائق مصطفى هناك تحينت الفرص في التعرف على صالاتها ، ومدينة (الموصل ) كانت مكتظة بها ، وفي كل زورة ٍ إليها أعثر على فيلم أو فيلمين وبلا تردد كنت أشاهدهما ، بعض هذه الصالات تهرأت وتآكلت من القدم ولكن بعضها الأخر يزدهي بشبابها وتتبختر بأناقتها وقد لاحظت كيف أن بعض هذه الصالات أحيلت إلى المعاش وأطفئت أنوارها وأصبحت خارج العمل والحقيقة تقال ما زلت احتفظ بذكريات حميمة دافئة إزاء تلك الدور المشتعلة شاشاتها في الموصل وأنا أتدفأ بنيران كهولتي الباردة لقد أحببت تلك الأماكن التي كنت دائماً أحن إلى التواصل معها والتردد عليها بطقوسي الخاصة التي لازمتني طوال سني العمر وأنا في معانقتي لتلك الزوايا الحسنة الإضاءة والبهية الإشراق .

الآن خمدت أضواء هذه الدور وانتزع سحرها وأزيل بهاؤها وتفرق عشاقها لم يبق أمامهم إلا أن يتدفأوا بلذيذ تلك الأيام واللقاءات التي بقيت معلقة فوق رفوف الذاكرة المتعبة أو الاستلقاء على سريرك وأنت أمام الشاشة الصغيرة تبحث عن فيلم ولكن حنينك دائماً ينبجس إلى هاتيك الشاشات العملاقة التي كنت تتماهى مع شخوصها الذين تحبهم وتحلم بأنك أنت الآخر غدوت تشاركهم خبزهم وترتشف معهم أكوابهم وتلوح بيدك الواهنة لهذه الفتانة الجنانة التي شغفتك حتى الأعماق .     

 

هؤلاء مروا من كركوك

 

وأنا بين ظهراني هؤلاء الصحب الطيبين الذين حلمت سفائني التعبى بمراسي عيونهم، وقلوبهم غدت بمثابة واحات آمنة تأوي إليها كلماتي المشردة في هذه العصرية البهية التي أتوق فيها إلى دفء علاقاتكم الإنسانية والتي هي خمرتي المعتقة ، وقبلها كنت أسير وأسير تحت أمطار كركوك الشتائية والرياح تضرب جوانب قلعتها ثم تدلي أقدامها في مياهها الحصوية ، هل كان ذاك السرى دون طائل ؟ لقد أردت أن أمشي وحسب وعزائي الوحيد زوادتي الملأى بخبز أحلامكم ونبيذ جنوناتكم ، كنت مذهولا ً بهوس الكلمات فجبت كركوك أزقتها وطرقاتها المغمورة بحرائر النسيان .

تعثرت أحد الأيام بـ ( رامبو ) صاحب " المركب النشوان " وهو يصعد سلالم القلعة بحثاً عن المفتاح الذي يفتح أبواب المحال و ( لوركا ) عندليب غرناطة يبحث عند أطراف القلعة عن أصدقائه الغجر عازفاً على أوتار قيثارته أغاني الجيتانو الأسبان ، ولقيت مرة صديقي الشاعر ( اورخان ولي ) وهو يحمم غزلان وحدته الشاردة استوقفني في خان ٍ من خانات الصوب الكبير قال لي : دلني إلى مقهى (المجيدية) وقال لي : أصحبني إلى منازل الدفلى ونادمني في بساتين الغمام ، وهل تصدقون يا أحبتي بأن الكاتبة العالمية ( أجاثا كريستي ) صاحبة القصص البوليسية المشوقة قد مرت من مدينتكم كركوك وقد وصلتها عبر قطار بغداد الصاعد إليها وهي في طريقها إلى ممالك نينوى للالتحاق ببعلها العامل في مضمار الآثار هناك .

ومن يتذكر الكاتب العراقي المبدع ( نجيب المانع ) عاش فترة في ربوع هذه المدينة الشاغفة بوجوه ناسها ونبل علاقاتهم ، ومر من هنا الكاتب الأردني ( غالب هلسا ) والشاعر المتصعلك ( عبدالأمير الحصيري ) هو الأخر اجتاز من فوق ترابها وشرب من خمرتها ما شرب وترنح جسده الواهن ذات اليمين وذات اليسار بعد أن تعتعه السكر وشم روائح تلك الأزهار القانية المتأججة في حدائقها الليلية ثم كانت ملحمة ( جماعة كركوك ) وصحبنا الذين ملأوا الدنيا بأساطيرهم وأبحروا للوصول إلى المدن القائمة خارج تخوم الجغرافية .

فأنا عندما أخط أي نص أدبي فكل هؤلاء الأصدقاء يتسكعون في مخيالي ويتصعلكون في طرقاتي ويشاركونني خبزي وشايي وقهوتي ويزينون موائدي بأزاهير مودتهم وأقاحي بهجتهم فأصابعي دائماً مبعقة في مدادهم وعيوني دائماً تتسلق أوراقهم ، وكذلك أنتم تستلقون تحت أهدابي فأحلامكم وأشواقكم وخطواتكم هي التي تنعجن برذاذ نصوصي فإذا أردتم أن تهزوني فلا يسقط مني إلا بوح نجاويكم وحفيف أسراركم ونشيش آلامكم ، أعلن الشاعر المصري ( صلاح عبدالصبور ) مرة بأنه قبل أن يبدأ كتابة نص فأنه يقرأ عشرات النصوص الشعرية ويبحر داخل أسرارها الجوانية ويستمرئ طعمها ويستعذبها ثم يتهيأ لكتابة نصه الشعري فأنا مقتعداً على كومةٍ حصوية مدلياً قدمي في بلل نهر ( الخاصة ) وقد أوقدت نيران السمر وسخنت قهوتي في انتظار صحبي الشعراء أن يهبطوا عليَ فأسمع صوت الشاعر ( والت ويتمان ) :

 

" أيها الغريب

يا عابر السبيل

إذا مررت بي وكنت تريد أن تتحدث معي

فلماذا لا تفعل ؟

إني أيضاً أريد أن أتحدث معك "    

 

ويتناهى إلي صوت " محيي الدين بن عربي " الآسيان :

" لقد صار قلبي قابلا ً كل صورة ٍ   فمرعىً لغزلان ٍ ودير لرهبان ِ" .

 

عند ذاك أجد نفسي أتسرسح وأتدحرج في طرقات كركوك جارياً وراء النصوص التي تنزلق من بين خلل ِ أصابعي وتتيه في زحامات المدينة، يتعثر بها الناس ويسمونها أطفالا ً أو أعشاباً أو شجيرات دفلى ، ثم أتعثر أمام أحد خانات كركوك القديمة بـ ( كازانتاكيس ) صاحب ( زوربا ) وهو يستيقظ من سرير رقاده ضارعاً إلى الله أن يمهله يوماً أخر في عمره حتى يخط المزيد من أوراقه الإبداعية .

سأبحث عن شجرة زيتون وعن ذلك البستان المطلسم المسمى بـ (كاوور باغي ) بقمصه المستسرة ثم أعدو وأنا أطرق الأبواب أتسول عيونكم لأنني سأزيح الأعشاب لعلي أجد تحتها شمساً نائمة تمنحني الدفء وقطاري يهبط منحدرات الغسق الأخير .

 

ما بعد جماعة كركوك ...

صعداً لشم أشجار الليل في حدائق الغبار

 

 

 
آه عندما أشم رائحة البحر

يصير الليل مركباً وحبيباً

والنجوم طيور لامعة

أعشاشها في كل قلب

 

                       ـ  سنية صالح ـ

 

شهدت كركوك خلال الأعوام الممتدة من 1964 إلى أواخر 1968 حركة أدبية خصبة وقد برز في هذه الأعوام معظم الوجوه والتي تعورف عليها فيما بعد بـ ( جماعة كركوك ) ، وأقول هذه الفترة بالذات لأنني عايشتهم وجايلتهم وقد حضرت الكثير من تجمعاتهم النهارية أو الليلية وما زلت أذكر مناقشاتهم وجدالاتهم التي لا تنتهي وقراءتهم الشعرية والقصصية لأخر ما جادت بها قرائحهم . أطراف النهار كنا نلتقي في مقهى ( النصر ) أو ( المدورة ) ، وكذلك في محل لصياغة الذهب كان يعود إلى أحد أشقاء المرحوم " جليل القيسي " أما آناء الليل ففي بيوت الصحب ، بيت جليل القيسي في محلة " شوان " وكذلك في بيت المرحوم يوسف الحيدري . وكان أبرز هولاء الصحب، جليل القيسي ، يوسف الحيدري ، سركون بولص ، جان دمو ، صلاح فائق ، مؤيد الراوي ، وكذلك الأستاذ أنور الغساني عندما يفد إلى كركوك يزور صحبته ونسمعه آخر قصائدنا ونتاجاتنا ، وكنت تعرفته من قبل لأنه كان أستاذنا لمادة التربية الفنية في المتوسطة الشرقية طوال ثلاث سنوات ، إلا أنه فيما بعد رحل إلى بغداد لإكمال دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة وقد تحدثت عن هذه اللقاءات وهاتيك الأيام في أكثر من مقال ( * ) .

شددت الرحال إلى القطر الجزائري أواخر عام 1968 كنت موفداً هناك ضمن بعثة تدريسية وقد أمضيت في تلك البلاد ما يقارب ستة أعوام وعندما اشرف إيفادي على نهايته أبت إلى مدينتي كركوك صائفة عام 1974 ، وأول عمل قمت به هو البحث عن صحبتي القدامى للوقوف على أخبارهم فذهبت إلى (عرفة) حيث منزل (جان دمو) إلا أنني أخبرت بأنه قد رحل إلى بغداد ـ وسألت عن صلاح فائق سعيد فوجدت نفس الشيء معه ، وسركون ومؤيد تركا العراق وخرجا إلى بلاد الله الواسعة . سركون أبحر إلى الولايات المتحدة الأمريكية واستقر في مدينة ( سان فرانسيسكو ) ومؤيد هبط ببيروت وعمل في مجلة ( إلى الأمام ) الصادرة عن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. ويوسف الحيدري نقل وظيفته ـ في سلك التعليم ـ إلى مدينة الحلة، ولم يبق من الأصدقاء في المدينة باستثناء ( جليل القيسي ) وقد آثر البقاء فيها حتى توفاه الله صيف عام 2006 .

في عام 1975 كان جيل جديد من محبي الأدب وبناته ينفخ دماء جديدة في جسد الإبداع الكركوكي ـ وجدت ( حمزة حمامجي أوغلو ) قد نضج أكثر وأنصرف بتمامه إلى عالم القراءة والكتابة ، يقيم عوالمه الشعرية باللغتين العربية والتركمانية وينجذب إلى غوايات القصص وفي نفس الوقت يراسل جريدة ( يورد ـ الوطن ) وله فيها باب ثابت : ( بريد كركوك ـ كركوك بوسطاسى ) وصديقه إسماعيل إبراهيم يخطو هو الأخر في طريق الكتابة يطرق أبواب الشعر والقصة والترجمة ويحمل كتبه معه في غدوه ورواحه . وتعرفت نصرت مردان فوجدته ممتلئاً بالحماس والحيوية والبحث في أغوار الحياة عن زهرة الكيمياء والجمرة المتقدة في عيش هاتيك الأيام . وكان هناك شابان فتيان يشتعلان حيوية وجرأة في اقتحام عالم الأدب : عبدالله إبراهيم وعواد علي ثم شاباً آخر قريباً من الصحب أولاء وهو( عمر صادق ) وكانت إحدى قصائده ظهرت على صفحات مجلة (الكلمة) ، وبالإضافة إلى الأسماء الآنفة الذكر ثمة كائن رائع يتمتع بوداعته الأليفة ويتميز بدماثته الجمة (خاجيك) الذي عرفته من سنوات سابقة وكان قريباً جداً من ( جان دمو ) ويحاول أن يغريه بشتى المغريات من عرضه عليه سكائره الأنيقة أو دعوته إلى تناول شطيرة أو مشاهدة فيلم حتى يسمعه ما في جعبته من مقاطع شعرية ، وقد طبعها فيما بعد في باكورة أعماله ( الحسرة الأفيونية) ويسكن في شقة تطل عل سينما الحمراء ، وفي سنوات لاحقة ترك العراق وهاجر إلى ألمانيا . كنت ألتقي الأصدقاء أولاء في مقاه متفرقة مثل مقهى ( قره ) أو مقهى (الجماهير ) المستلقي على شارع الجمهورية وكذلك في مقهى (النصر) الذي حول إلى منتدى ثقافي عائداً إلى دور الثقافة الجماهيرية ولزامٌ عليَ أن أعترف بأن وجوهاً أدبية أخرى كانت تتصل بنا ونتحاور ونتبادل الكتب ، إلا أنني فقدتها في تقادمات السنين ولكنني استثني من هولاء الأستاذ ( صباح نوري مرزوك ) الدكتور في الوقت الحاضر ، كان هو الآخر متحمساً للأدب والكتابة وأعتقد أنه تدريسي جامعي في مدينة الحلة .

وفي الأيام تلك كنت املك سيارة صغيرة فرنسية المنشأ ـ ماركة رينو / 4 موديل 1970 أقودها إلى ضواحي المدينة برفقة الصحب ، نقودها ونحن نتناشر قصائدنا بعد أن دفأتنا أحلامنا التي تهاجمنا كالرياح التي كسرت أطواقها .

الصديقان عبدالله إبراهيم وعواد علي يدرسان في الفرع الأدبي في إعدادية المصلى ، إلا أنهما كانا يبدوان أكثر نضوجاً وأشد يناعة ويقرءان بشغف ويتابعان بحميمية ـ وقد أتحفني عواد برواية (البؤساء ) لفكتور هيجو وأنا أهديته رواية جميلة ( فساد الأمكنة) وأعطاني عبدالله أحد نصوصه الشعرية فأرسلته إلى القطر الجزائري وقد ظهر هناك بملحق جريدة النصر / النصر الثقافي بتاريخ 8/5/1976 ، وقد حمل عنوان ( فصل من كتاب الهجرة ) :

 

فعند دوائر الوطن شرطي

وعندي عذابات الليالي التعيسة

وما بينك وبيني

سطور

وعند الحدود

تقبع خيام بيضاء

وأنت يا شمعة في العتمة

أجيئك عند الغروب

أو عند ظهور الثريا

أجيئك عند سفوح الحقول

أو في ضفائر الصغار

نامي ، لأن في أحداقي ليلا ً مظلماً

وتحت اليد بحار تصطخب في لجة السكون

توجه عواد إلى التخصص في عالم المسرح بينما ( عبدالله ) توجه إلى التخصص في العربية وآدابها إلى أن أكمل تحصيله الدراسي العالي وأصبح من أشهر النقاد في السرديات ، ويقيم هذه الأيام في (الدوحة) العاصمة القطرية .

وما زلت احتفظ بباكورة أعماله بـ ( رمال الليل ) والصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة سنة 1988 وقد ضم الكتاب تسع قصص تبدأ بمروية ( رمال الليل ) وتنتهي بـ ( حفلة لنجمة الصباح ) والقصص كلها مؤرخة بثمانينيات القرن المنفرط ، ولا أدري إذا كان الصديق الدكتور ( عبدالله ) يتعاطى هذا النوع من الجنس الإبداعي أو أنصرف بكليته إلى عالم الفكر والتنظير . 

بقي ( حمزة حمامجي أوغلو ) مخلصاً لأيامه السبعينيات وعصاراها المكتظة بشرب الشاي مع الأصدقاء واقتناء الكتب من مكتبة (الطليعة) وغيرها من حوانيت الكتب ففي كل عصرية كان يشاهد وهو يتدحرج في شوارع المدينة موزعاً تحياته المباركة على الأصدقاء ومردداً مع نفسه آخر قصائده المنقعة بأنفاس ( القدح السابع ) ومع مساءات كركوك المتدروشة وقامة ( حمزة ) المقتحمة حدائق الليل وهو يهشم أرغفة كلماته إلى طيور لا مرئية يسمع رفيفها من فوق أشجار الظلام المتطاولة في حدائق الغبار المستنيمة لأصابع النسيان .

 

( * ) راجع كتابي جماعة كركوك / الاستذكارات الناقصة وهديل الغمام بين يدي كركوك)

إحالات :

1-   رمال الليل / عبدالله إبراهيم ـ دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد / 1988

2-   ملحق جريدة ( النصر ) الجزائرية الثقافي . العدد / 16 تاريخ 8/5/1979

3-   جماعة كركوك / الاستذكارات الناقصة / فاروق مصطفى . مطبعة آرابخا /    كركوك 2005    

4-    هديل الغمام بين يدي كركوك / فاروق مصطفى . كركوك 2006

 

الفهرست

 

اسم الموضوع

رقم الصفحة

عندما تنادم قمصان كركوك البيضاء رياح الشتاء

1

مقاهي جرت ميدان

3

إعدادية كركوك

7

السينمات الشتوية

10

السينمات الصيفية

13

طريق الغسق إلى

16

الربيع يليق بـ تعليم تبه

19

كـاوورباغي..

21

محطة القطار..

24

زادُ الجَنى

27

بنفسجتان بين يدي السوق العصرية

30

المقـــاهي الأدبية في كـــــركوك

33

العــــودة الى تعــــليم تبـــة مجددا

37

طريق الدفـلـــــى الــــى  محطة قطار كركوك

39

مدرسة المنصور الابتدائية

41

حكـــــاية شعــــــراء من كــــــركـوك

45

مفــــــــــاتيـــح

50

مقهـــى الـــى يسار شارع الاوقـــــاف

53

من حكـــايات غرفــة العمــــة " مريــم "

56

و لا تـــــزال الصــداقــة دافئـــة

59

ولكـــركوك  حَمّــامـــاتهــا السعـيدة

62

إكتشاف   الجانب   الأخر   من    كـــركـــوك

65

وانا اصغي

69

المكتبة العامة

71

شارع الأوقاف

74

الملتقيات الثقافية في كركوك

77

طريق الغسق إلى " جرت ميدان "

81

أناس من جرت ميدان

83

دارة في شرق " جرت ميدان "

86

البحث عن " رأس الساقية "

89

المقبرة والبستان والحّمام / الحكايات المتقاطعة

92

رحلة السيدة الكركوكية إلى بغداد

96

مارَسا من مقالب " دللي بهجت " في الذاكرة الفقير

100

من " جرت ميدان " إلى " تعليم تبة "

102

" قميص لطفولة " جرت ميدان "

104

ما قاله الأصدقاء لـكركوك الهاطلة في القلب

105

حب قوريالي يتسول ضبابات آساهُ

109

الخروج من فراديس ((جرت ميدان ))

112

كركوك : بيت للدفلى وحديقة للغمام

114

شهداء كاوور باغي يمرون من جرت ميدان

116

" المتوسطة الشرقية "

119

من الذي يتذكر كازينو ( ليالي كركوك ) البيضاء ؟

122

عندما تغادر الأحلام جسور كركوك

124

البحث عن قبر ( يوسف الحيدري )

126

عاشق السينما بامتياز

128

هؤلاء مروا من كركوك

132

ما بعد جماعة كركوك ...

 

134

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] تعليم تبة ,  شاطرلو , الماس , الاوقاف  / اسماء اماكن في مدينة كركوك

[2] القلعة : اشارة الى قلعة كركوك والخاصة : نهرها الذي يقسم المدينة الى صوبين القلعة والقورية    

(1) دللي بهجت / بالتركمانية بهجت المجنون