|
|
فاروق مصطفى
مقالات
مفاتيح العنوان الذي أطلقته على هذا الكتاب يتناص مع العنوان
الذي أطلقه الروائي الايرلندي ( جيمس جويس ) على مجموعة من قصصه القصيرة DUBLINERS، هذه الإضمامة التي ترجمت إلى
العربية من قبل (عنايات عبد العزيز ) تحت أسم ( ناس من دبلن ) ضمن سلسلة الالف
كتاب الا أن مجاهد عبد المنعم مجاهد ترجم
العنوان إلى ( سكان مدينة دبلن ) هذه المجوعة من القصص القصيرة كتبها ( جيمس جويس
) عام 1904 ألا أن المجموعة لم تظهر إلا في عام 1914 في انكلترا ، وتعالج المجموعة
القصصية الحياة في ( دبلن ) وهي تعطينا صورة واضحة للجيل الذي عاش في ايرلند بين
فترتي الأحتلال والاستقلال ومدينة (دبلن) .. أنها وطن الروائي الايرلندي وعاصمة
بلاده ، وهي في الوقت نفسه قلب الروائي ومستقر ابداعه أنها المكان والاغتراب
والاشخاص فيما يتعانق تأريخ بطل ( جويس ) وتاريخه هو الشخصي وتاريخ الحضارة )) .
ولم أجد أنسب من هذا العنوان لاطلاقه على مجموعة هذه الكتابات التي تدور على أناسٍ
كلهم من كركوك ، فالمدينة وهذه الشخصيات هي وطن هذا الافتتان الكتابي ، وهي
الغواية التي تزرع في أصابعي شهوة الأنسحار بناسها وتأريخها واحيائها وخاناتها
وجسورها وبساتينها التي لا تزال تعيش داخل مخيلة الذاكرة فكركوك تمشي
معي فعندما أخطو إلى اليمين أسمع انفاسها تعبر وجهي وعندما أخطو إلى اليسار فهي
نهر يدور معي يسقيني أكواباً من لذاذاتها الباهجة وكيلاً يدب الوهن في عظام
الذاكرة فتنتهك بشروخ ومسارب ندلي اقدامنا في مياه نهرها الأليف مسخنين قهوتنا
الضواعة في انتظار صحبنا الهابطين من سلالم قلعتها وهم يحملون معهم دفاتر وجدهم واوراق تولههم . الان تمتد المائدة ويطيب الاصغاء إلى ما تقوله
الكلمات ، ثم الكلمات قبل أن تنجرف الايام وتنزلق ساعاتها إلى مقامص نسيانها الأخير
. في مديح الأخت مجدداً مذ رحلت الاخت تركتنا تحت اكداس من الاحزان المتماوجة ،
لبستنا الحيرة ، وركبنا الوجوم واصبحنا لا نعرف كيف نتكيف مع أيام هي غائبة عنها
كانت لنا بمثابة الشمس التي ننتظرها في ايام الشتاء الباردة وكلما تضيق بنا
افعالنا ولا نعرف كيف السبيل الأمثل إلى معانقة الصواب لجأنا إليها فكأن مفاتيح
الغرف المقفلة عندها ، وكأن يديها تحملان عصا الحل والسحر . لم تغلق بابها في
وجوهنا ولم تمنع ابتسامتها الماطرة ان تنث بللها علينا ، وحياتها سلسلة دافقة من
الأعطيات، لاتتوانى عن عمل أي مجهود في إدخال السعادة الى قلوبنا لقد بقيت
طوال مسار حياتها تمنح ولا تأخذ ، تهب ولا
تسترد ، أولى من تستيقظ في العائلة وعندما نغادر أسرة المنام نجدها قد اعدت كل شيء
ووفرت كل ما نحتاجه وهي آخر من تأوي إلى فراشها حتى المصابيح كانت تطفئها بعد أن
تتأكد من إقفال الأبواب وأن الكل آووا إلى
مناعسهم عند ذاك تذهب إلى فراشها الزاهد ، كانت زاهدة بمعنى الكلمة في ملبسها
ومطعمها ومشربها لم اسمعها تشكو شيئاً في احد الأيام ولم أرها ترنو في شراهة إلى
مأكل أو ترغب في زي ، تحترم حاجيات البيت وتتعامل معها وكأنها كائنات تنبض وتتنفس
، آلم الأشياء عندها أن يدق مسمار في حائط أو يشوه أو يبقع ، وفي الليل كانت
تمنعنا من الخروج إلى الحديقة لأننا سوف نصدر أصواتاً تؤدي إلى استيقاظ الطيور المستكينة
فوق الأشجار ، وهذا يعد عندها معصية أن نؤذي أو نزعج أي مخلوق من مخلوقات الله
وعندما تتكلم فبصوت خفيض لا تكاد نسمعها ، لقد وجدت أناساً يقبلون على أطايب
الطعام ويهجمون عليها بنهم وشره ولكنها دوماً آخر من تمد يدها وحتى أنني متيقن أنها
كانت تنسحب من موائد الأكل ومعدتها لم تمتلئ حتى النصف فهي تمقت الشراهة ولا تحبذ
التخمة . تربينا في عائلة ذكورية ثمانية اشقاء وهي الأبنة الوحيدة
فيها وترتيب ولادتها جاء بعد الشقيق الخامس ، فلهذا وقع عليها عبء هذه الأسرة
الذكورية ومساعدة الوالدة في كل الأعمال والمهام الأسرية فلهذا تعلمت كثيراً من
كدح الوالدة وشقائها وجلدها وتعبها في إدامة شؤون العائلة الكبيرة ولم تبخلا بوقتهما
وجهدهما من أجل تسهيل أمور هؤلاء الابناء وكون إنفرادها بصفة الأخت اعطاها مكانة
متميزة في قلوب أشقائها فغدت الأم الثانية وايقونة منزلنا المتوهجة والركن الذي
نلجأ إليه اذا داهمتنا غوائل الحياة ، نصبر ونصابر لأننا نعلم ثمة
كائن جميل في هذه الدنيا يراعينا ويسهر علينا وهو في أتم الأستعداد للتضحية دائماً
من أجلنا . طبع تعودت عليه الأخت ألا تردّ أحداً في تلبية حاجة أو
طلب دين أو استعارة حاجة منزلية أو بغية أية مساعدة ممكنة فقد تعودت جاراتها
وصديقاتها أن يقترضن منها ولا أذكر يوماً ردت إحداهن واذا صدف أنها لا تملك المبلغ
المراد استدانته لجأت إلينا كي نوفر لها المبلغ اللازم لذلك ، وكانت لا تذهب وراء
ديونها بل كثيراً ما تعمد نسيانها ، ومن طريف ما يذكر عنها أنها ذهبت في أحد
الأيام إلى الأسواق المركزية وبعد انتظار مضنٍ ووقوف مجهد في طوابيرها حصلت على
بعض اللحوم المستوردة وهي في طريق عودتها إلى الدار قابلتها إحدى الجارات وسألتها
ما هذا الذي حصلت عليه ؟ وعندما أجابتها بأنها بعض اللحوم عرفت الأخت بأن الجارة
عينها عليها فسرعان ما قدمت اللحم للجارة ورجعت إلى البيت وهي خالية الوفاض ولكنها
سعيدة بإسعادها إحدى الجارات الفقيرات . عرفت الأخت كبيرة في الترتيب المنزلي فبيتنا دائماً يلمع
بفضلها والتنظيف من ألفه إلى يائه واقع عليها فهي تستيقظ قبلنا جميعاً ومن الساعات
الأولى للصباح تجهد نفسها في العمل فالتنظيف والترتيب طقوس خاصة لديها تتفانى في
ذلك وتخلص ولا تترك أعمالها ألا بعد أن يتم الأنجاز ويأتي أبهة في تمامه واكتماله
وهي لا تتأفف ولا تضجر في ذلك وانما تشع سعادة وتنث حبوراً فهي خلقت للعطاء وعاشت
للعطاء ومعجمه المعيشي يمنح ويعطي ولهذا عرفنا نهاراتها مكرسة جلها للعمل المنزلي
، تأوى إلى فراشها بعد أن تكون قد أطمأنت أن الكل لا ينقصهم أي شيء ولهذا تشعر أن
يومها أنجز ولا بد من اغلاقه وانتظار كتاب اليوم التالي . ومع رحيل الأخت رحلت ذاكرة العائلة الخصبة فتاريخ
العائلة كان مدوناً في ذاكرتها فالاحداث بكل تفاصيلها وجزئياتها التي عرفتها
العائلة مذ سربلها الوعي ، كانت تذكرها وتقصها بامتياز في عين الوقت برزت حكاءة ،
فقد حفظت كل الحكايات والقصص التي رويت في ليالي سمر العائلة ، ففي العقد الخمسيني
كان اشقائي الكبار يروون القصص التي قرؤوها ويتماهرون في ذلك فقد رويت داخل الدار
قصص ( لقيطة ) و (شجرة اللبلاب ) وحكايات ( ألف ليلة وليلة ) وقصص التراث الشعبي
وسير الأبطال ومغامراتهم وظلت تروي لنا هذه الحكايات بصفاء ذهن عجيب ، فصغار
العائلة كانوا دائما يجدون عندها هذه الحكايات التي تتجدد وتتألق وكأنها تروى اول
مرة وهي مستعدة بملء آذانهم بسحر الروي
ومن طرفهم فتنة الإصغاء. غدت حديقتنا مقفرة بعد رحليها ، صحيح أن الأشجار ما زالت
تلك الأشجار وشتلات الورود ما برحت في مكانها وربما تبحث عن البلابل التي تعرف أن
في البراعم ترقد الأوراد ولكن نضارة الربيع غادرت الأشجار والطيور لم تعد تغرد
تغريدها الشاغف ، وحتى أزهار (السعدوني ) التي كانت الأخت تحبها هي الأخرى
تيبست وكأن قوة وحشية غير مرئية سلبت
الريعان من عيونها ولم يبق امامي الا أن أجلس تحت شجرة التين العجوز واستغرق في
بكائي الداخلي وانتحب كذاك الشاعر الذي بكى أكثر من كل أطفال العالم . وارنو إلى
نوافذ البيت وقد تركت مصاريعها مشرعة لتهب منها نفحات الكائن الأجمل والأرق
والأكرم الذي كرس العمر لمزيد من العطاء وكثير من تدفق النبل الجميل. مدرسون من كركوك أربعة مدرسين في كركوك جايلتهم وأحببتهم وقدرتهم ، ولا
أذكر متى التقيت بهم؟ وكيف تم التعارف بيننا ؟ ولكن يخال لي أنني عرفتهم من سنوات
بعيدات عرفتهم يتجولون في شوارع المدينة، وربما شاهدتهم يطالعون في قاعة المكتبة
العامة أو يسترخون على تخوت المقاهي الناعسة وربما في المدارس التي عملنا فيها
تعاشرنا ونحن نجري وراء طلابنا صاعدين هابطين من فصل إلى آخر والجرس يطاردنا من
ساعة إلى أخرى . أول هؤلاء المدرسين الصديق ( علي أمين ) المتخصص في
اللغة الانكليزية أظن أننا تعارفنا في
فترة الصبا المبكرة في منطقة ( صاري كهية ) وما جاورها من أحياء عندما يحل في أي
مكان تسبقه إليه نكاته وطرائفه فهو رجل نكتة من طراز نادر ، ويجيد سبكها وإلقاءها
بلغات المدينة المختلفة سمعته أحد الأيام يقول بأنه قرر تعلم اللغة الصينية وعندما
بادرته بالسؤال عن دافعه لذلك أخبرني بأنه ربما يحب فتاة من بلاد الصين فكيف
يتفاهم معها ويتغزل بجمالها أو يتراسل معها
اذا لم يكن متقناً لغتها وهو إلى ذلك معْلم في السخاء ، يجود بما عنده من مال وينتخي لهذا الكرم ويحافظ على
مودة أصحابه وعلى مر الأيام كان قريباً مني بحيث استمرت الصداقة بيننا راضية
وبعيداً لم تتأثر بوادر المودة بالتهرؤ والانقطاع ، وفوق ذلك يعشق لعبة النرد (
الطاولي ) ومستعد دائماً لمبارياتها ويحترم ويقدر ملاعبيه في ذلك وعندما يباريهم
يبحث عن المتمكنين في تلك اللعبة ولا ينازل الذين يجدهم من هم أضعف منه مستوى
ويختار عادة القاباً طريفة ويلقيها على خصومه في لعبة (الطاولي) كـ ( الملك ) و (
الامبراطور ) و (الحاخام ) وما إلى ذلك وهو من رواد مقهى ( قرة ) وله طقوسه الخاصة
في الحضور إلى هناك ومغادرة المكان. في تسعينيات القرن المنفرط التقينا في اعدادية
( الحكمة) مكثنا فيها ما يقارب خمسة اعوام إلى أن تقاعدنا في أواخر عام 1998 فهو
إلى ذلك مارس كتابة الشعر وظل ينشر مقاطعه الشعرية في بعض من صحف ومجلات بغداد ،
وقد اطلعني في السنوات الماضيات على الكثير من تلك المقاطع الشعرية ، ومعظمها أخذ
اتجاهاً رومانسياً بأنفاس عاطفية إلا أن طابع البساطة والسلاسة يغلب عليها ولكن في
الوقت الذي استطاع أن يصل بكتاباته الشعرية نحو التعمق والصياغة القوية والناظر
فيها ينتظر المزيد من الجودة والطرافة والابتكار تخلى عن قول الشعر وهجره نحو عالم
التشكيل ، وبدأ يخطط لوحاته كان يهوى تخطيط الأجساد البشرية ويظللها بعناية
وابتكار . في الوقت الذي التقينا في اعدادية الحكمة المنتصبة
بنايتها بحزن سرمدي جليل امام تلة (( تعليم تبة ) استغرقه عالم المراسلة، مراسلة
هواة التعارف البعيدين والقاطنين بلاد الله النائية ، كان يخط لهم خطابات طويلة
ساهراً في لياليه الساهدة من أجل انجاز تلك الرسائل واظهارها بالشكل الأبهى ، وكان
يطلعني على الأجوبة التي يتلقاها من اصدقاء المراسلة يقرؤها لي في منتهى المودة
والرومانسية ، إلا أن عالم التراسل الورقي والمعتمد على البريد الكلاسيكي سرعان ما
أنهار بظهور (الانترنيت ) وغزو الاتصالات السريعة فأنتهى عند ذاك حلم من تلك
الاحلام التي أحبها ( علي أمين ). ثاني هؤلاء المدرسين الصديق ( حميد جبار ) الشاب الوديع
الخجول الذي التقيته عام 1974 في متوسطة ( إمام قاسم ) وكان قد تعين في مكاني في
المدرسة المذكورة عندما اوفدت إلى بلاد الجزائر أواخر عام 1968 ، جمعتنا زمالة ثم
تطورت إلى صداقة فنحن من نفس الاختصاص وهواياتنا متقاربة في المطالعة ومشاهدة
الافلام والجلوس في المقاهي والتسكع والتجوال في شوارع كركوك المغمورة بذكريات
الطفولة وضوعات الصبا كنا نلتقي في اوقات العصارى في مقهى (أحمد أغا ) الجديد ، ومن هناك ننطلق إلى إحدى
صالات السينما المنتشرة في المدينة ، وبعد نهاية الفيلم يغادرني متوجهاً إلى داره
الكائنة اطراف منطقة (تسعين ) المرء لا يمل من هدوئه وقناعته لمعيشته ، إلا أنني
أحسست في أحد الايام أنه ينأى بنفسه عني ولم أصدق بادئ الأمر إلا أن حدسي كان في
مكانه ، وأنا متأكد بأنني لم اجترح أي شيء في حقه ولن استطيع الاجتراح أبداً فحميد
جبار إنسان ضوعي وهل في مكنة احد أن يؤذي هذا الضوع وإلى اليوم لم أكتشف سر قطيعته
لي وأنني في شوق أن التقيه أحد الأيام
وأساله عن سر هذا التنائي ولكن هل يا ترى يتذكر صديقي تلك الأيام وتداعياتها
البعيدة ، ولكن الطريف في رحلة (حميد جبار ) التدريسيه أنه تعين حسب علمي في
متوسطة ( إمام قاسم ) وبقي يمارس التدريس فيها إلى أن أحيل إلى المعاش وهو في نفس
المدرسة ، وأظن انه بهذه الميزة،ميزة البقاء هناك تسجل له فضيلة أقدم مدرس ظل في
متوسطتنا العتيدة . والذي رأى صديق ( حميداً ) قبل عقود وهو يذرع شوارع
كركوك بسرعته المعروفة ويظن أنه يبحث عن شيء مستلقٍ على قوارع الطرقات ، ويراه
الان وهو في نفس مشيته الآن ويفكر هل عثر على ذلك الشيء أو مازال يحاول العثور
عليه أو أنه يذرع الشوارع لمجرد سير لا طائل تحته لأن عزاءه في هذا السير وخلاصه
في هذا الارتياض المفتوح لفضاءات المدينة المترامية . أما ثالثهم فهو الصديق ( عدنان عابد ) ولا أتذكر أين
تعرفته أول مرة ؟ ولكن يخال لي أنني اعرفه من سنوات بعيدات ، وقد توطدت صداقتي
وترسخت اسبابها معه بترددنا أنا و ( حميد جبار ) على مقهى( أحمد أغا ) حيث كنا
نلتقيه إما تأخذنا الاحاديث الأدبية أو نتفرج على مبارياته في لعبة ( الطاولي )
ومرات نخرج ثلاثتنا ونرتاض على طول سكة اربيل _ في تلك الايام كانت السكة الحديدية
قائمة ، كنا نسير ويمتد بنا السير ونحن نتأمل إلى جانبنا هضبة ( عرفة ) وأشجار
اليوكالبتوس العالية التي تغطيها مما تضفي على المنظر مشهداً حرجياً بالإضافة إلى الهدوء الذي يرين عليها ، وما زلت
اذكر كيف اعارني من مكتبة مدرسته ( أعدادية المصلى ) كتاب ( الامتاع والمؤانسة )
لأبي حيان التوحيدي الكاتب الذي واكبه سوء الحظ وأسيء الظن به إلى درجة أنه جمع
مؤلفاته وتركها لقمة سائغة لألسنة النيران ، أقول تمتعت بقراءة ذلك السفر بجزأيه الذي
تشبه ليالي الكتاب الخالد (الف ليلة وليلة ) ولكن ليس في قص العبث واللهو
والمغامرات الماجنة وأنما فصوله تدور في الحكمة والفلسفة والاتعاظ فهذا الكتاب
دائماً يذكرني بصديقي (عدنان ) ، وصداقتنا استمرت دون أن يكدر صفوها أي شيء إلا أن
لقاءاتنا قلت عندما انتقل من منطقة سكناه في ( ألماس ) إلى منطقته الجديدة في حي
(الواسطي) في السبعينيات والثمانينيات كثيراً ما كنا نلتقي ساعات
الصباح ونحن في طريقنا إلى مكاني عملنا في أعدادية المصلى واعدادية كركوك كنت
أصاحبه إلى مشارف رأس الجسر ثم ننفصل هناك يمضي كل واحد منا إلى مقر عمله ليكافح
مع جمله في النحو ونصوصه في الأدب واستعاراته في البلاغة ، والطريف في حياة (عدنان
) العملية أنه تعين تعيينه الأول في اعدادية المصلى وظل فيها مجايلاً أجيالاً عدة
إلى أن أحيل إلى المعاش بعد بلوغه السن القانونية . وصديقي الرابع هو ( يوسف قادر ) معْلم في اللغة العربية
وقارئ جاد في اللغة والأدب ، عهدي به جوّاباً أميناً لمكتبات كركوك يبحث عن الكتب
التي يتوق إلى قراءتها ولا يتعب في ذلك ابداً، كثيراً ما كنت التقيه في شوارع
كركوك وهو بنشاطه الرياضي ولسانته اللغوية يغرقك في فيض من الحكايات المتقاطعة ،
نتحدث في الأصالة والمعاصرة في عالم الثقافة فهو مولع بالقراءات التراثية وأنا أحضه
للدخول الى عالم الحداثة ، يحدثني عن مطالعاته الأدبية وآخر الكتب التي اقتناها
دعاني مرة إلى زيارة مكتبته الشخصية واطلعني على العديد من العناوين أحببت مكتبته
واستعرت منها أكثر من كتاب . تعودت أن التقيه وهو في جولاته الصباحية والمسائية نتوقف
لدقائق ونتجاذب أطراف الأحاديث ومن النادر أن يجالسني في مقهى فهو صنو المشي وقرين
الحركة لا يتعب من أدارة الحوارات الثقافية معك . ولكن فجأة انقطع عن تجواباته
وغاب عن المرأى الكركوكي اليومي ، سألت عنه عدة اصدقاء عن سبب هذا الغياب ، اثمة
مرض ألم بالصديق فأقعده عن لذاذات الخروج أم كهولة مبكرة نزلت في ساحة الصديق
فاستنبتت القنوط في بساتينه وربما حاله مثل حال الفيلسوف اليوناني (ديوجين ) ضجر
من احوال الناس وتقلبات الدنيا فأحب أن يراقبهم من مكمنه وأنا تعب وقلبي مكتهل ولا
أحد في جواري فمن يدلني على احوال الصديق . هؤلاء اصدقاء أربعة أحببتهم من الميدان الذي كنت أعمل
فيه وأعني ميدان التدريس وأظن أنهم تركوا خلفهم سنوات عملهم وكدحهم بعد أن تجاوزوا
الستين وهم يؤسسون لمرحلة جديدة في تقاويم العمر ، ولا أعتقد أن مودتي ستفتر وتضعف
بالرغم أن لقاءاتنا قلت أو دخلت حتى التلاشي مع بعضهم ولكنهم سيبقون يؤثثون ذاكرتي
بمشهدهم ومحامدهم وحكاياتهم وتبقى اجراسها
ترن وأنا أقطع مماشي المدينة تحت شمس آيلة إلى الأفول . محمد صابر محمود / الأعطيات والمنجزات المتجددة دائماً بعد أن اتحف استاذنا ( محمد صابر محمود) قراءه ومحبيه
بترجمة قصيدة (المركب النشوان ) لرامبو إلى اللغة الكردية استقل هذه السفينة
السكرى التي لا تعرف الشواطئ ولا الضفاف، مخر بها عمق المياه الدفيئة لينتزع من
البحار زرقتها الصادحة والصياح الاسر من نوارسها البيضاء وبالتالي يملأ سلاله بكل
مثير ومدهش وغريب ، وبعد هذه التجوالات في اقاليم ، لا متناهية ، عانى تعب
المتصوفة وتقلب في مقامات احوالهم ومواهبهم ، وتلبس وجدهم وشوقهم المضني، آبَ
ليتحف صحبه بالمزيد من روائع ( فرلين ) صديق ( رامبو ) هذا الاخير الذي عرف كيف يلهم صديقه ( فرلين
) بالنأي عن قواعد البرناسيين ومبادئهم في كتابة الشعر ويشق لنفسه درباً جديداً عذباً
تتجاوب فيه الألوان والأصوات والروائح وليصبح الايقاع الآسر سيد الكلمات . ولم يكتف بهذا بل قدم المزيد لـ ( هرمان هسة ) ولغيره ،
ولا ندري ما الذي سوف تخرج علينا جعبته في قادمات الأيام . أقول إن القراءات الجادة تستقطبه ، وقد جعل ديدنه حسن الاصطفاء
من هذه النصوص العالمية ، وقد تناهى إلينا أنه غارق في قراءة ( ريلكة ) و (
هولدرلين) وحتماً سينقل إلينا قطوفاً جديدة من حدائق هذين الشاعرين الكبيرين . إن أستاذنا وهو ينقل هذه النصوص إلى اللغة الكردية يحاول أن يحافظ على
روحية هذه النصوص كي لا تبدو قلقة ولا ناشزة بالرغم أنه ينقلها من لغة ثانية ،
وليس من لغاتها الأم ، لأنه بصبره الدؤوب وجهده الجاهد وتحليقه في أفضية هذه
النصوص يعطي الترجمة حقها ولأن هذا عالمه وتلك رؤاه فليس ثمة من تراجع لأن عشاق
الفن والجمال أقوياء برهافتهم واحساساتهم وقد احرق عرباته كلها فالفضاء الشاسع
الرحب يناديه ، وهو بهذا القدر يتعزى ويتقوت آلامه المبرحات . قرأت مرة للكاتب المصري سلامة موسى مقولة يقول فيها عن نفسه ((انا شاب في الستين )) واسمحوا لي أن
اقول بأن أستاذنا يحمل مثل هذا القلب وهو يتدرج في مدارج الستين لأننا أولاً نحتار
لاهتماماته الكثيرة في دنيا الأدب يغازل اجناسه العديدة ويغزل منها أنوالاً
متباينة وثانياً يجتهد في تأصيل المفردات للتوصل إلى مفاتيح معانيها المختلفة وهي
تنقلب من جيل إلى آخر وأما في عالم الترجمة فهو محترق في أتونهِ حتى القرار المكين
، ولا يختار إلا الجميل والجديد والرصين ، ولا يقدم على نقل نص الا بعد طول تأن وإمعان
تفكير لأن نشدانه في هذا نثر باقات
الأزهار تحت قدمي هذا المعشوق الأزلي ( الفن ) . وإذا كنت تلمح
ظلالة حزن تظلل عينيه فإنك تستشف بأن عمراً واحداً لا يكفي الأديب المحلّق وإنما
هو في حاجة إلى أكثر من عمر يعكف فيه حتى يتصدى للمشاريع التي يحلم بأنجازها وحتى
يطلع على مئات المدونات ليتحف المتلقين بنقل الروائع والشوامخ مترجمة من العربية
إلى الكردية وبالعكس ، ينجز كل هذا ساعياً
في هدوئه الدائب لا يصانع ولا يتصنع ، وأما احلامه وأمانيه ورؤاه فهي تنبض وتتنفس
من بين هذه الأوراق المحبرة بالشعر والسرد التي ينتظرها صحبه بشغفٍ وتوق دائمين . 1998 أناس من جرت ميدان جرت ميدان دورها المتواضعة تشغف بحب ساكنيها ومقاهيها
الناعسة تمدّ أياديها لتدغدغ هوى روادها . الأغاني الجميلة تصعد من رحبتها لتعانق
فضاءات المدينة عبر مقبرة " سيد علاوي " ثم تتمسح بأشجار الزيتون
الواقفة في بساتين " كاوور باغي " ( جرت ميدان ) دورها تتناجى فيما
بينها ، ومغنوها يتناشدونَ أغنياتهم التي تدور حول الهجر وغدر المحبوب والإنسان
الذي يخسر وحده في آخر المطاف ، المنطقة تضاريس من المقاهي المتموجة وحدائقها
الأمامية التي تفترش واجهاتها تزينها نباتات القصب وأشجار التوت وأزهار "
الساعة " مع ساعات العصارى تُرش الأرصفة وتمد التخوت وتشد الشراشف النظيفة
عليها الكهول يقدمون ويتربعون فوقها ويطلقون موسيقى حكاياتهم التي لا تنتهي، ومع
تقدم الساعات يزحف الغسق الناشط ليغسل الجدران والأبواب بتلك الظلمة الشفيفة
الملساء ويزدحم الشارع وتغص المقاهي إنه غوايات الكرنفال المسائي في جرت ميدان ،
ناسها الطيبون يخبزون رغفان مودتهم ، فقلوبهم مفتوحة وبيوتهم مشرعة النوافذ
والأبواب فلا عجبَ أن يطلق عليهم أمراء النبل وأصدقاء الوفاء ،أعصر ذاكرتي
الممسوحة بزيت أشجان اشخاصها الذين ما زالوا يطرقون بوابة قلبي ولكنهم مضوا مع
المقاهي التي أطفئت أنوارها وأشجار الزيتون التي قطعت بصفوفها السبعة في بساتين
" كاوور باغي " المتيمة بعشق مغامريها وتشيطنِ عصافيرها . ناسها البسطاء نُظراء دورها المتواضعة ولكنهم أغنياء في
نفوسهم كبراء في ضمائرهم يمدون مآدبهم ويفرشون فوقها أطباق مودتهم وأقداحهم الملأى
بشايهم الضّواعِ بعطر أنسهم ، إنهم يخطون على أرصفة قلبي وأسمع خطواتهم على أسفلت
الشارع وأبصر ضجيجهم المغسول بصخبِ المقاهي ، خطواتهم تنزرع في حَبقِ الصباح
وأصواتهم تحملها ريح الغسق ، هذا هو الخال " باقر " الذي يغتبط
دائماً وينتخي عندما يدعو أصحابه إلى
صالات السينما وهو الذي يدفع دائما وهو لا يتركهم ماشين على أقدامهم بل هو مستعد
أن يستأجر لهم من تلك العربات التي تجرها الخيول والتي كانت منتشرة في المدينة إلى
أواخر العقد الخمسيني إلى أن أنتشرت سيارات الأجرة فأزاحتها عن الطرقات وأحالتها
على المعاش . وهذا هو " عزت اوجي " عزت الصياد ، وكان سكنه
يبعد عن سكننا مسافة أمتار قليلة ويعيش مع والدتهِ وأخته ، وتقول حكايات المحلة إن
هذا اللقب ألتصق بـ " عزت : بسبب صيدهِ طائراً نادراً في بساتين كاوور باغي
" هذا الطائر الذي كان عَصياً صيده حتى على أمهر الصيادين ولكن " عزت
" بذكائه وشجاعتهِ صادَ ذلك الطائر الغريب وحمله إلى المحلة وظل الناس
يتفرجونَ عليه ، وعندما كنا نزوره في البيت برفقةِ أشقائي الكبار كانت عيناي
تتعلقان بصندوق مربع له يتربع في احدى زوايا الغرفة ، صندوق خشبي قديم إلا أنه
عُدّ عندي احدى عجائب الدنيا السبع ، والصندوق مليء بالمجلات الأنكليزية التي
تتزنبق بصورها الملونة كنت أنتظر أن يفتح الصندوق ويسمح لي بتصفح تلك المجلات التي
أحتوت بين صفحاتها العوالم والقارات ، أحس نفسي وأنا على ظهر جواد أعدو في البراري
الفساح في كلّ أصقاع العالم والرجل كان يهدينا بعضاً منها وأنا أتعجب كيف يتنازل
عن كلّ هذه اللُقط واللُقى. عاش " عزت " أعزب وعندما توفي شيعته المحلة
تشييعاً يليق بأجوادِ الخَلْقِ ، وأعتقد لم يبق أحد إلا وقد سارَ خلف نعشه لأنه
كان في قلوب الجميع ومحط احترامهم ومودتهم. " العمة جميلة " هي الأخرى كانت من وجيهات
المنطقة وهي قريبتنا من طرف الوالدة حكاءة من طراز نادر ، الوالدة دائماً ترسل من
يناديها إلى دارنا لتروي لنا مروياتها التي تستمر وتستمر ، حكيها الغرائبي وقصها
الساحر ينقلنا إلى أجواء وعوالم لا نريد العودة منها ، كنا نحس بحكاياتها تدب وتتنفس
في أركان الدار وهي سخية بحكيها لا تمل من عزف موسيقاه وبفقداننا للعمة "
جميلة " أنطفأت كوى وأظلمت نوافذ كنا نطل عبرها على سهوبٍ من الخيال ذي
الفضاءات الشاسعة التي لا تُعد . " العم نادر " حارس مقبرة سيد علاوي بوقاره
وكهولته ولحيته البيضاء ما زال يتربع على ذاكرتي الطفولية كانت لديه دارة في
الواجهة الأمامية للمقبرة يعيش فيها وحده نبصره واقفاً هناك أو جالساً على دكة
حجرية ونحن في غَدْونا إلى المدرسة أو رجوعنا منها – كنا نتوسل في قرارة أنفسنا أن
نجد باب المقبرة مشرعاً حتى نشق من وسطها طريقنا إلى مدرسة " المنصور "
المستلقية في أحضان الحقول ، نلمحه في هذا الوسط الهادئ حيث يضفي عليه هَدْأةً
أخرى بوقاره بين سكينة القبور وجلال الموت ، وربيع كركوك يأبى إلا أن يغزو الفسحات
الموجودة بين القبور بمئات من الأزاهير البرية والأعشاب الخضراء . في أواسط العقد
الخمسيني شُق طريق من منتصف المقبرة رابطاً ساحة العمال بساحة الطيران وتهدمت دارة
" العم نادر " ولا أدري ما الذي وقع له إلا أنه كعشرات الأشخاص الذين
كنا نقدرهم ونحترمهم ضاعوا وأختفوا في تقادمات السنين . أمكنة الذاكرة: (( الصعود إلى ( بيت القاضي ) في شتاء العمر )) عندما
أقيم ( بيت القاضي ) على مرتفع من الأرض شمالي المدينة في مكان خالٍ من الناس
والعمران كان مثار اندهاش أهل كركوك كيف يستطيع ساكنوه احتمال وحدة المكان ووحشته
؟ فهم تعودوا العيش في ظلال جيرانهم حيث
تكون بيوتهم متلاصقة ببعضها البعض وكلما كان الالتصاق أشد فالمحبة بينهم ملتحمة
قوية الوشائج ومتدفقة على مرّ الأيام، فلهذا كثر اللغط بينهم وتفرقت بهم
الاحتمالات شتى الطرقات ، واخيراً استقروا على أن
أصحابه ربما بحثوا عن الهدوء والابتعاد عن مشاكل الزحمة والاستلقاء في
احضان الافتتان الخلوي ، ليتمتعوا بمباهج يحصلون عليها من دفقات الهواء النقي
وثمار الأنسام البليلة واسترخاءات الهدوء الجميل الذي يغري المرء بالتأمل والقراءة
في كتاب الكون المفتوح والتعمق فيما بين سطوره من مغاليق وألغاز . وبمرور الأيام غدا ( بيت القاضي ) معْلماً من
معالم كركوك فالناس يخرجون في سفرات ويخيمون في الربوع المستلقية خلف (البيت) حيث
نهر (الخاصة ) يشق طريقة جاهداً بأمواهه الشحيحة وبقايا الطواحين الحجرية التي
تركها مالكوها بعد أن غزت المدينة الطواحين المكننة وصارت من بقايا الأيام الغابرة ولكن منظرها يثير
في المرء ذلك الحنين الرومانسي الجارف إلى الأزمنة القديمة وعدّها دوماً بأنها
كانت أجمل الأيام وابهاها ، والأنسان بطبيعته رهين ماضيه ، فذكرياته تكوي لحمه
وتتركه مترنحاً من جمال سكر تلك الأعوام التي لن تعود أبداً. اشتهرت الدارة عند أهل كركوك بـ ( بيت القاضي )
لأن صاحبها كان ينتسب إلى سلك القضاء كنا نتخيله دائماً بأنه ضجر مجتمعات الضوضاء
والزحمة فأراد أن يبحث له عن مستقر يترك لخياله فيه الانطلاق من اغلال الضجيج ليجد
متسعاً للتفكير في قضاياه ومتنفساً للهموم التي تشغل قلبه ، ولكن المهم أن هذه
الدارة سرعان ما انقلبت إلى دالة أيقونية تستدل المنطقة بها ، وإلى معلم من معالم
المدينة التي يشار إليه . غدا موقعها مثابة ينجذب إليها أهل كركوك ، فالطلاب
الدرّاخون استمرؤوا المكان لحفظ دروسهم والعشاق وجدوه محلاً صالحاً يقيهم من عيون
الفضوليين ولومات العذال ومريدو صحبة الطبيعة مأوى أميناً لإطلاق العنان لأخيلتهم
الهائمة ، وهواة المشي يخرجون من مشارف (جرت ميدان ) ويغذون خطاهم ليصلوا إلى تلك
المناحي التي تنتصب فيها الدار بأبهة ووقار . تعودنا ونحن فتية أن نخرج في سفرات إلى منطقة
الدارة والتحمم في عبق الربوع الممتدة حتى التلول التي يرين عليها حزن سرمدي خفي
الأسباب ، وافتراش الحشائش التي تشطأ من بينها رؤوس شقائق النعمان، هذا إذا كان
الربيع يتمسح بأشجار كركوك ، ثم عندما كبرنا اكتشفنا مقهى جميلاً أسفل الدارة
وأمامه مسقط مائي فتان ، كنا نستلقي في المقهى ونتأمل سقسقة الماء الفرح بأغانيه
العذاب ، الماء الذي عشقنا سلالاته البيضاء وايقاعاته المدوزنة الهابطة إلى
مسامعنا التعبى ظللنا فترة طويلة نزور المكان ونقطع المعبر الصغير الذي يربط حدائق
( أم الربيعين ) بمنطقة جامع الأخوان إلى أن فتح معبر آخر من خلف الدارة فبقيت تتوسط
هذين المعبرين وصارت ضوضاء السيارات تتقاطع عندها وتقطع عنها السكينة واحلامها
المجنحة . تكدست
الأيام في ساحات العمر وتدحرجت بنا السنون وغدونا نحلق وجوهنا ونفتح قمصاننا
للرياح ونحلم أحلامنا البونابرتية وفي
دواخلنا شهوة للتغيير وعناق للتجديد ، نتأبط كتبنا الخوالد ونمضي بها إلى مشارف (
بيت القاضي ) هذا البيت الذي اصبح جزءً من تاريخ سيرنا الخفية ، وكلما تتقلب بنا
الايام نكتشف أن آمالنا ييبسها بردُ الشتاء واحلامنا تتهرأ وتصفر كأوراق الخريف
التي استلبت منها نضارة الحياة، وسرعان ما نكتشف أن الدارة تحولت إلى منتدى
والعمران زحف إلى مناطق أبعد ومساحات اشمل ، وأما البيت فهو يتزيى بأزياء جديدة
ويتقلب من حال إلى حال ، وطورٍ إلى آخر ولكنه يبدو دائماً على مرتفعه كرجل حكيم
يفكر في أحوال الدنيا ، ويتأمل في عواقب الذي يأتي والذي لا يأتي ، ترى هل تفكر
الدارة بذلك المقهى الغاوي لرواده والذي أندثر ؟
والشلال الانيق الصغير الذي هجرته امواهه ، وصوت القطار الصاعد إلى اربيل
كان يحييه كل صباح ، القطار هو الاخر تقاعد واحيل إلى المعاش فكأنه تعب من كثرة
الاسفار التي قام بها ولكن الدارة ما زالت تستقبل صباحات المدينة وتمسك بكفي الضحى
الرطبتين بأنداء حدائق (أم الربيعين ) حتى
تستمر في احلام يقظتها التي تنداح وتتسع حتى التخوم الشاسعة البعيدة. بيت
القاضي /دارة اشتهرت بكركوك في خمسينيات القرن المرتحل غدت معلماً من معالم
المدينة السياحية ،ومكانها مقصداً للطلاب والعشاق وهواة رياضة الجري والمشي الطويل
. شارع ( تكساس ) ينادم مباهج أمجاده المتكسرة في البدء كان اسمه ( النصر ) وهو يحاذي بيوتات محلة (شاطرلو
) الأنيقة يخرج من شارع ( الجمهورية ) متجهاً إلى مشارف ( تعليم تبة ) ثم أشتهر
بأسمه العجابئي ( تكساس ) أبان الستينات عندما
آلفه الشباب وتقاطروا عليه جماعات مع عصارى النهارات الكركوكية المضمخة بضوعات اشجار اليوكالبتوس الباسقة ،
والرائي يلاحظ إلى الآن شجرة يوكالبتوس وحيدة وقد أشرأبت من مقدم أحد البيوت
المطلة على الشارع ثم سمت إلى العلالي في سمت كرنفالي ، وغير بعيد عنها تنتصب
شجرتا يوكالبتوس اخريان وقد تغلط جذعاهما حتى التخشب من تقادم السنين ، وربما يخرج
المتأمل لهما بأنهما من أعمر الأشجار في المنطقة التي تطفو فوقها كلماتنا . أقول تعود شباب
هاتيك الأيام بالتقاطر عليه لحداثة المنطقة ورؤية الصبايا وهن يسرنَ جماعات وقد
تأنقن بملابسهن المهندمة وكنا لا نعدم من مشاهدة احدى الصبيات وقد استقلت دراجتها
الهوائية ، تقودها صاعدة هابطة ومساء كركوكي مموسق يتدحرج على أنغام أغانٍ بعيدة
تدفعها الرياح إلينا محملة ببوح عشاق يتأبطون الآم حبيباتهم /، ومع تقدم الساعات
يزدحم الشارع وتحتشد النسوة أمام أبواب دورهن والشباب يصعدون ويهبطون وهم يعرضون
ويستعرضون آخر أزيائهم المستوردة، في هذه الأوقات
تحلو للأبتسامات أن تغرد وتحتفي بمن تحب ولغة العيون الكركوكية هي الأخرى
تنشط وترسل خطاباتها المحملة بالألم والحرمان والالتياع . بدأت علاقتي مع الشارع عام 1962 بعد تعرفي على ( محمد
حسين ثابت ) حيث تصادقنا في إعدادية كركوك وقد دعاني إلى زيارته في مسكنه الذي يطل
على نفس الشارع في نواحيه الغربية القريبة من مشارف ( تعليم تبة ) وفي أول زورة
إلى داره لفتت نظري لوحة زيتية وحيدة تحتل أحد جدران غرفة الضيوف وعرفت أن اللوحة
تعود إلى (عبد الرزاق شيخلر زادة) وقد استوحى فيها مشهداً من مشاهد بلدة (تازة )
بساتينها المغروسة بكرمات العنب واشجار النخيل والزيتون واضاف إلى طقسها البانورامي
احد تلك البيوت الطينية وهي تقام عادة وسط تلك البساتين لحراسة غلاتها ومحاصيلها
كنت أتأمل تلك اللوحة وأفكر كيف وصلت إلى هذه الغرفة وكم أتمنى أن التقي هذه
الأيام صديقي ( محمداً ) وأساله عن مصير تلك اللوحة ومآلها ترى هل ما تزال تحتل
مكانها في غرفة الزوار ؟ وربما عبثت بها يد الضياع في تقادمات الأعوام وفقدت في
تكسراتها المتماوجة . كثيراً ما كنت أذهب إلى صديقي ونبقى نتجول في الشارع
نصعد ونهبط ونحن سعداء يغمرنا التفاؤل وحب الحياة ونتبختر بعنفوان العمر ونحلم
كثيراً جرياً على عادة شخصيات ( أنطوان تشيخوف ) الكاتب الروسي في مسرحياته بأن
البشرية سوف تستفيد كثيراً من العلم ونظرياته ويستغل كل ذلك في البناء والاعمار
والتفكير ونحلم أكثر على طريقة نابليون بونابرت بأن الأبواب كلها سوف تنفتح
لنا ونطل عبرها على البراري البعيدة حيث
المدن الغارقة في لذاذات الشمس والبحر ، وعندما يطل علينا القرن الجديد تحولت
كركوك إلى مدينة تميس بناطحات السحاب وتشتعل بأضوائها الليلية وتتبختر
بمباهجها السائلة ، نصعد الشارع حالمين
ونهبطه حالمين ونقف عند دكان صغير نطلب من صاحبه أن يفتح لنا قنينتي مياه غازية ،
نجرعها رشفة إثر رشفة وكأن العالم طريح يدنا وعندما يعسكر الظلام ويسقط على الشارع
خافتاً ناعماً مصحوباً بأنغام موسيقية لا مرئية أعرف أن مفارقة صديقي اوشكت ولكنه
يأبي أن يتركني امضي وحيداً إلى بيتي المستلقي في أحضان العزيزة ( جرت ميدان )
يأتي بدراجته الهوائية حيث يقودها وأنا رديف معه ، وهكذا كان ديدن الصديق يوصلني
كلما حلت لحظات الفراق وكلانا يرغب في تجديد لقيا ومنادمة اخرى مسائية نقتات أرغفتها
في ذلك الشارع الكركوكي لنشم مباهجه ونتذوق مسراته من جديد . دكان صغير يستلقي على الجانب الأيمن من شارعنا يشغله
والد الشاعر (سركون بولص ) ويعمل فيه كواءً بمكواته الحديدية أنا وصديقاي : جان
دمو وصلاح فائق كثيراً ما نطل عليه نسأله عن اخبار ( سركون ) ونصغي إلى ذكرياته عن
ماضيه وأيامه الجميلة التي قضاها في أطراف ( الحبانية ) كنا نحترم هدأته ونتلذذ
لغته الخافتة لقد كان كائناً وديعاً دخل قلوبنا فلهذا أحببنا الأصغاء إليه وكان
محله المتواضع محطة نقف عندها لنريح اجساد تسكعاتنا الخائضة في اغبرة الطرقات . معلم اخر من معالم شارعنا قصر (( زورا )) الذي كان
ينتصبُ بشموخ إلى الجانب الأيسر منه وواجتهه الأمامية المزخرفة تلفت النظار ظلت الدار محط أعجابنا وكانت من الجمال بمكان
يحتم المحافظة عليها أو تحويلها إلى بيت ثقافي ومعلم سياحي ولكن في أحد النهارات
اغتيل القصر حيث انهالت عليه معاول الهدم وإذا ذلك الحلم الجميل، الزاوية الحسنة الإضاءة،
الواجهة البهية للشارع يتحول إلى انقاض ثم يزول كل أثر للقصر وتغدو مساحته مرآب
سيارات كما وقع مع صالات سينما صلاح الدين والحمراء وبناية المتوسطة الشرقية
وحدائق المجيدية وكأن كل هذه الأماكن الحميمة كتب عليها أن تتحول مواقف للسيارات
بعد امتصاص نكهتها المكانية وقتل ايقونتها التاريخية وطمس اسمائها العريقة. لا أذكر متى ظهرت العيادة الأولى في الشارع وقد أعقبتها
الثانية ثم الثالثة ثم بدأ الأمر وكأن العيادات تتناسل، وكأن الاطباء نسوا كل
الشوارع باستثناء هذا الشارع الحبيب فشرعوا يضخون عياداتهم وظهور العيادات، ادى
إلى بروز الصيدليات ثم أكتمل المشهد الطبي بغزو المختبرات لكل زواياه والاجيال تجدد
دائما اسماء المناطق. فتنوسي اسم الشارع القديم وظهر باسمه الجديد ( شارع الأطباء
) ومع تغيير النظام عام 2003 زحفت عربات الباعة من كل حدب وصوب واصحاب المحلات لم
يكتفوا باحتلال الارصفة لبسط بضائعهم لعرضها وترويجها وانما نزلوا إلى وسط الطريق فأنقلب
الشارع الرومانسي باسمه العجائبي (تكساس ) إلى شارع يمور بالرائحين والغادين فهم
يزاحمون العربات وأصوات الباعة تعلو والأقدام تدوسك ومناكب العابرين تزاحمك وانت
تبحث موضعاً لقدمك مخافة أن تصطدم بهذا أو تنسحق بقدمي ذاك وفي هذا الطقس المزدحم
تتبخر أحلامك الحافية وتتراخى أصابعك لتسقط آخر كمشة من أشواقك الفتوية لتنجرف تحت
الأرجل وتمضي إلى كنف النسيان الوثير . ترى هل في مكنتي
أن اذكّر الشارع بعشاقه الرائعين؟ وكيف
أذكّره بأشقيائه الذين كانوا يترفعون من ايذاء من هم أضعف منهم قوة وإنما كانوا
يتحدون من هو الأقوى ومن سمعت كركوك بحكايات شقاوته وضربت الأمثال بمتانة عضلاته ،
وللشارع شعراؤه أيضاً وهم يحلمون بأنهم اصبحوا يحاذون قامات بوشكين ولامارتين وفيكتور
هيجو ووالت ويتمان فكانوا يصعدون إلى رأس ( تعليم تبة ) ومن هناك يدحرجون مقاطعهم
الشعرية ويوزعون بركات كلماتها ويسيلون أنبذة معانيها ثم يهبطون التلة وقمصانهم
مفتوحة لرياح ( عرفة ) بأنهم أنجزوا معلقاتهم الشعرية وقد تكتب بنيران ( بابا كركر
) وتعلق على جيد ( كركوك ) وللشارع ندماؤه الليليون يشربون خمورهم بطقوس الذروة في
الأبهة والروعة ثم ينتظرون أمام بوابات المقابر المنتشرة في المناطق القريبة عسى
ولعل أن تصلهم انفاس من فقدوهم ورحلوا تاركين إياهم يتقلبون على جمر وحدتهم
ويتألمون فوق اسرة وحشتهم وعندما تدركهم ساعات الصباح يتهيئون لاستقباله وهو
يأتيهم مندى ومظللاً بأبهاء مسرات غير مرئية ولكنهم يذوقونها ويتلمظون حلاوتها على
اطراف ألسنتهم أنه لذاذات الشارع الكركوكي الذي حمل اسمه العجيب ( تكساس ) ثم ألقى
عنه هذا الاسم أمام غزو العيادات والصيدليات والمختبرات عقر داره وفقده لبيته
الجميل (زورا ) الذي ازيل في غمضة عين عن مشهده الساحر ، ولم يبق له الا ان يدعو
عشاقه وشعراءه واشقياءه وخماريه إلى منادمة
لم تكتمل تحت شجرة اليوكالبتوس التي ظلت في غرام متوله للشارع الحميم . البحث عن موضوع ملقى في طرقات كركوك أخرج إلى الطرقات متكئاً على ندى يتمسح بأشجار الصباح
وقول (الجاحظ ) يتكسر في رأسي (( المعاني مطروحة في الطريق )) علّي أعثر واحداً من
هذه المعاني أتسوله وأغويه بافتتان الكلام، أمشي طويلاً واضرب أحجار الأغبرة فلا
أقع على شيء ولا أجد الأطفال الذين يتدحرجون مع صياحات النهار ، ولا أسمع الدفلى
تلقي هيام ضوعاتها أليست هذه الأبنية هي نفسها تشربت موسيقى معمارها أليست هذه
الطرقات كنت أجمع من جيوب ستراتها أثمار اللهو والغبطة والابتهاج وأين ( رأس
الساقية ) والمياه الناعمة الرقيقة المسكرة لأوقاتنا الطفولية ، وها هي مشارف (
جرت ميدان ) وقد رحلت مقاهيها المسلفنة بالسّحاب ولم تعد ثمة خيل في ابوابها متهيئة للعدو لقد ضاع الفرسان وهم في طريقهم
إلى ساحة الميدان .أقف عند الطرق الأربع قلب سوق ( القورية) أرقب النساء وعباءاتهن
السود وسلالهن الخوص ولكنهن يختفين خلف سكون عاقر. وقد غادر باعة الخبز الجوالون
الذين كانوا يتراصفون جلوساً وهم يعرضون ارغفتهم الساخنة . أتوق إلى سماع غناء
الخبز وأسال هل مرّ الأتراب هابطين إلى ساحة الطيران، تتعب قدماي وأنا أجري خلف
هذا الصوت الذي سحرني وما زلت أجري خلفه لاقتنص أسى سرابه ، أمد يدي ولكنني لا
أحتفن إلا الهباء انتظر عربة من تلك العربات التي تجرها الخيول لتمضي بي إلى محطة
قطار كركوك ، أجد عربة ولكن ليس ثمة من خيلً تجرها استعمل قدمي وأمشي من بين البيوت القديمة واصوات الصباح تنزلق من ميازيب
سطوحها أتعثر بموضوع ملقى على قارعة الطريق وانحنى لالتقطه، ليس من المعقول حفنة
من الايام تمر وأنا لا استطيع أن أكتب
شيئاً هل تيبست الكلمات الحبيبة على قلبي؟ أجلس على دكة حجرية أضع الموضوع عل
ركبتي ، أمسد شعره واداعب خده إلا أنني لا استطيع أن اقتحم عالمه لقد أضعت المفتاح
واحلم أن ألج إلى كوابيس ( رامبو ) " لقد عثرت على المفتاح وتفردت به وحدي
" أظن أن الكهولة شديدة الوطء أظنها متاهة ملولبة لأجوب ثانية وأجيء إلى ملتقى الطرق الاربع وسط
سوق ( القورية ) أتأمل بائعي الخبز
الجوالين وقد افترشوا الأرض وهم يعرضون أرغفتهم البيضاء والسمراء ، أتأملهم وأتأمل
كدحهم اليومي من أجل إدامة شؤونهم الحياتية ، ويخيل لي أن (محمود درويش ) مرّ من
أمامهم وخزن صورتهم في عقله الباطني فكتب قصيدته المشهورة ( لا تقل لي ) حيث جاء
فيها: ليتني بائع خبز في الجزائر لاغني مع ثائر المح عباءة سوداء وجسداً شواقاً يتلفع بها وابصر عينين
تغزوانني حتى الاعماق، اتدحرج نحو الازقة المغمورة ببذخ النسيان وأجدني اعانق ظلي الفقير
وأرى تلة (تعليم تبة ) بأنني سوف أحتقن مواضيع ترقد عند أحجارها البيضاء
واحلم بشعراء يهبطون من جوانبها وهم يلقون
بوح قطاف كلماتهم. اقف هناك ويطول الانتظار لشيء لا يأتي واعرف أنه لا يأتي ، ولكن
السعادة أن تتمرغ فوق تراب ترقبِه اتحرك وأمضي نحو بيوتات ( ألماس ) واصداء اغنية
حزينة بعيدة تتكسر على اكتاف الطريق المضنكة . ناصر خلف يُعيُد الرُواء إلى أشجار كاوورباغي اندرست اشجار الزيتون في بستان ( كاوور باغي )) وتقوضت
بقية اشجاره واحتلت البيوت مساحاته الخضراء ولم تسلم من هذه المذبحة الشجرية إلا
بضع اشجار بقيت في فناء مدرسة (المنصور ) الابتدائية القديمة ، وهي تتحدى الأيام
والسنين . والبستان قديم ولكن متى غرست اشجاره الأول ؟ ومتى بُني سوره الطيني
المدور والملتف حوله لحراسة فواكهه والمحافظة على بقية غلاته الزراعية واضفاء طابع
الملكية الخاصة عليه ، ولكنني عرفت البستان أواسط الخمسينيات بعد أن شيدت مدرسة (
المنصور ) في قلبه وهي في البدء بدون اسيجة وانما جزء اضيف إلى البستان وتلامذته
الصغار بمثابة بلابله وعصافيره وأعمالهم المتشيطنة هي الاخرى انعجنت بالتاريخ السري
للبستان ، كنا نحن سكان محلة ( جرت ميدان ) نتخيله دائماً بستاناً أزلياً وكأنه
ولد في أزمنة سحيقة وكأنه ركن متمم لحياتهم وطقوسهم ونزهاتهم . أيام الاربعاء
كانوا يتسرسحون إليه وقد حملوا معهم عدد الساي ليشربوا اقداح الشاي اللذيذ تحت
اشجاره الخضراء الباذخة ونشيش سماواراتهم يعلو ويتوحد مع ازير النحل واصوات الطيور
العابرة وخوار الابقار السائمة في حقوله الفسيحة. المشردون والضائعون الذين غضبوا
من ذويهم يجدون بين خضرته الغامقة ظللاً تقيهم من هاجرة النهار ليتمتعوا بقيلولة
كركوكية بهيجة ، وصائفة المدينة تذيب حتى القار المسفلت على الشوارع . في الأربعينيات شهد البستان اضراب عمال شركة نفط العراق
(i.p.c) كانوا يجتمعون كل صباح تحت اشجار الزيتون ويقرؤون
خطبهم الثورية ويعلنون على الملأ مطاليبهم من أجل تحسين ظروف عملهم وزيادة اجورهم
ولكن الاضراب في آخر المطاف توج بمذبحة
دامية سقط فيها شهداء عديدون وكأن البستان عمد بتلك الدماء التي سالت من أجساد
الشهداء وبقيت اشجار الزيتون شاهدة على تلك المذبحة التي وقعت في ذلك النهار
الكركوكي الحزين من عام 1946 عام 1956 انتقلت إلى مدرسة المنصور الابتدائية التي
توسطت بنايتها قلب البستان وقد زاملت فيها الصديق ( ناصر خلف ) في مرحلة الصف الرابع
والخامس والسادس ومازلت أذكر جيداً سمرته
وخجله الطفولي وهدوءه الساكن ظللنا طوال هذه السنوات الثلاث تِربين متحابين
وكنا نجدد لقاءاتنا خارج حجرات الدرس فهو من سكنة ساحة الطيران ولا تبعد كثيراً من
منطقة سكناي في جرت ميدان معلمنا لمادة التربية الفنية في تلك السنوات الثلاث
الاستاذ نهاد عبد المجيد كان يتفنن في رسماته للأشجار على لوحة الكتابة يتقن
استعمال فراغات الرسوم ويظلل بفنية ما يقوم من تشكيل الاشياء وهذا ما كان يسحرنا
ويجذبنا إلى دروسه في بعض ساعات الرسم يدعونا
إلى الرسم في الهواء الطلق بعيداً عن جدران الصفوف ويفرقنا تحت شجرات الزيتون
ويطلب أن نرسم جذوعها وأفرعها واوراقها المتفرقة فكان ينخلق لنا طقس من الرسم نتوحد
فيه مع الطبيعة بأشجارها واطيارها وشمسها المضيئة وأزير النحل وخوار الابقار
السعيدة واعتقد استطاع استاذنا أن يغرس في تلامذته هوى الرسم وصنع عوالم التشكيل
يدعمها الخيال القائم على مشاهداتنا العيانية فظلت ذكرى هذه الدروس منطبعة في لحم
الذاكرة التي لن تستطيع الأيام محوها أو جرفها إلى نعاسات السنين .والآن كلما
أتامل تخطيطات الفنان ( ناصر خلف ) وارى العوالم التي اقامها فيها وقد اشتبكت
الأقانيم الثلاثة للأنسان والشجر والطير وابصر الجذوع المتعرشة بالأيدي والأرجل
البشرية والرؤوس المثقلة بهمومها الحارقة والكوابيس التي تتدفق على بياضاتها تعود
بي الذاكرة إلى العزيز بستان ( كاوور باغي ) فناصر خلف خريج نجيب من أكاديميته التشكيلية
فجذوع اشجار الزيتون وفروعها وأوراقها التي اختزنت في لاوعيه من اعوام الطفولة تثب
وتنط إلى تخطيطاته لأنها تأبى البقاء هناك وانما ترغب في معانقة اصابع الفنان وهي
تخط عوالمها فناصر الذي بقي مخلصاً طوال عقود وهو يخلصنا من كوابيسنا عندما نبصر
عذاباتنا مشكلة في رسماته نرى همومنا ونسمع صرخاتنا، ونشم آمالنا ، ونذوق نداءاتنا
ونلعق دبق احلامنا ، لقد حمل لنا في اوراقه التشكيلية كل هذه العذابات وهي تطرق
علينا الأبواب فتنفتح لها قلوبنا وتعانق هذا الصراخ الحار الحزين الذي ينداح مع
ظلالنا المتطاولة على اسفلت طرقات كركوك لتكسرات أيامنا المعذبة . تصوحت اشجار الزيتون وغيب البستان كأن هاوية خرافية قد
ابتلعت حقوله واحواضه واسواره الطينية ولكن ناصر خلف ظل مخلصاً يعيد الرواء إلى
أشجاره لتنهض من جديد في تخطيطاته التي لا تكف يوماً من أن تحتضن طيور احلامنا قبل
أن ييبسها برد الكهولة ويهرمها غسق العمر المنحدر إلى افوله الغارب . الراحل ناصر خلف في ذاكرة كركوك 1- أستطيع أن أقول بأنني عرفت الراحل ( ناصر خلف ) في كل
مراحل حياته وتعرفت كل محطاته الفنية والثقافية بدءً من المدرسة الابتدائية التي
تتلمذنا فيها وأعني مدرسة ( المنصور ) الابتدائية المستلقية في أحضان البستان
المعشوق (كاوور باغي) ثم في فترة العقد الستيني حيث كنا نتجالس في مقهى ( جليل )
الناعس في الجانب الخلفي من عمارة ( ابي حنيفة ) كان يأتي إليه برفقة صديقيه (محمد
جلال ) والمعروف لدينا باسمه المحبب ( ممادي ) وصمد كريم يجلسون على طاولة يخططون
ويتجادلون وساعات ندفع لهم قصائدنا المتواضعة فيقيمون عليها عوالم من التشكيل نسر
بها ونغتبط عندما نرى هذا التوحد والذوبان بين الكلمة وعوالم الرسم / وفي العقد
السبعيني بدأت مرحلة النضوج الفني عند صديقنا بعد أن نشرت مجلة ( الأقلام)
البغدادية له تخطيطات مكرسة للشاعر (السياب ) وهنا بدأت محطة مهمة في حياته حيث أستطاع أن يخترق جدران الاقصاء والتهميش
المفروضة على المحافظات والظهور في صحافة العاصمة وفي فترة الثمانينات الحرب
العراقية الايرانية المستعرة حيث تشتت الصحب فمن سيق إلى السواتر الأمامية ومن جند
في قطعات ما كان يسمى بالجيش الشعبي وبعضنا أعتزل الحياة الثقافية ، وآخرون غادروا
البلاد سراً بمعاونة أدلاء الحدود وغدت
الثقافة والادب والفن وكل الوسائل الفنية المتاحة موضوعة في خدمة إدارة رحى الحرب
وبعد انطفاء اوارها سرعان ما بدأت سنوات
الحصار والجوع. في تلك السنين تعودت رؤياه إما وهو في طريقه إلى نقابة الفنانين أو
الالتقاء به في محل الشاعر الراحل ( رعد مطشر ) كنا نجلس ونتأمل صور الأدباء
والشعراء التي كانت تزين حوائط المحل وفي هذه الفترة ظهرت تخطيطات جديدة لـ (ناصر)
في مجلة تصدر خارج القطر وهي مجلة لها ذيوع وانتشار . بعد عام 2003 بدأنا نلتقي كثيراً أزوره في مقر عمله ( مديرية
النشاط المدرسي ) وقد أتحفني بالعديد من تخطيطاته وحتى أنني أخترت احدها لغلاف أحد
كتبي الموسوم بـ ( تسكعات الفقير الكركوكي وأيامه المنهزمة ) ثم صرنا نتهاتف وقد
هاتفني اخر مرة وتلقيت صوته الودود، أفادني بأنه وضع لي أمانة في المكتبة
الفلسطينية علي الذهاب هناك لأستلامها
وهبط علينا الخبر الحزين لقد توقف قلب الذي طالما امطرنا بوده ومحبته وبوحه
الصداقوي بلا تعب ولا كلل وإنما بسخاء دافق منقطع النظير . 2- وأراه يهبط من أعالي الصباح يمسك يد الصباح المنداة
يهبطان إلى ساحة الطيران يطرقان الباب تلو الباب كفاه ندىً ، يبحث عن أطفال النهار
يتدحرجون مع مسرات الطريق وأراه ينهض من فضاءات تخطيطاته يترك مثابات نومه ويدعو
الريح تتمسح بأشجار( كاوور باغي) وابصره يقتعد سور البستان، يتسول آسى أحبابه يدلي
قدميه ويبعثر سعاداته ذات اليمين وذات الشمال العالم يا صديقي بستان وانت تفك نسغ
اشجاره الخضراء وتفتح طلاسمه البيضاء
العالم يا صديقي سرىً من انتصاف الليل إلى أول النهار حيث مقهى ينادم غماماته
الناعسة وانت تزرع اقمارك الضائعة في كتب معاشق الأصحاب ترسمون كلماتنا وتنطقون
عويلها وتصغون إلى حفيفها وآهاتها وتمسحون بكاءاتنا لأننا نبكي ونتعرش مدامعنا.
ضحى ينزلق وعالم لا يتخلى عن أخطائه ولا أثر للحبيب وكيف نتتبع خطاه ونستأنس
بأثاره. تنهض وتلقي نهراً في زوادتك انت والنهر تتماهيان وتغدوان غمامة مكركرة _
تعبر الغمامة القلعة وتظلل الطرقات السكرى ببذخ نسيانها الباهج – وتقول لي
يعجبك التجواب تحت أفاريز النوافذ المسدلة
الستائر بحثاً عن صبية ذات ضفيرتين طويلتين أو توته يهوى المرء أن يذوق حباتها
المسكرة وتقول لي لماذا غادر الصحب زاويتنا الحسنة الأضواء؟ وتسمع مثلى دبيب الخراب
إليها الحلم ينطفئ واللقاء يعزُ والأقوات تندر، وألمحك تدعو البحر إلى كركوك
والربابنة نعسوا فكيف السبيل إلى منعسهم ؟ ومدّ مائدة الود إلى قلوبهم ستقتعد مصطبة حجرية عند حافات نهر ( الخاصة ). نوقد النار
ونسخن قهوتنا ونسكب اقداحنا الأثيرية في
انتظار صحبنا الشعراء جوّابي المدينة وجوّالي حدائق حلواتها المبهجات وصوت (والت ويتمان ) صاحب ( اوراق العشب ) يصعد من
قلب النهر : (( أيها الغريب يا عابر السبيل إذا مررت بي وكنت تريد أن تتحدث معي فلماذا لا تفعل إني ايضاً اريد أن اتحدث معك . )) عود إلى جماعة كركوك وهمومها بعد أن يسوح المتلقي في فضاءات كتاب ( الروح الحية )
لـ (فاضل العزاوي ) وهو الكتاب الذي كرسه
لجيل الستينيين وسيرته الحياتية والأدبية يخرج بفكرة أن بدايات ( جماعة كركوك )
تعود إلى أواخر الخمسينيات من القرن المرتحل حيث أنه زامل الشاعر ( مؤيد الراوي )
ثم تعرفا الأصحاب الآخرين : يوسف الحيدري ، أنور محمود سامي الذي أشتهر فيما بعد
بـ (انور الغساني ) وقحطان الهرمزي، وبعد ذلك انضم إليهم القاص زهدي الداوودي وقد
اسهب ( فاضل ) في الحديث عن الأصدقاء أولاء في مقالته التي وسمها بـ ( اصدقاء
السوء ) حيث أنهم أشتهروا بهذا الاسم في أوساط كركوك المحافظة هاتيك الأيام بتمردهم
المبكر ونزواتهم الفنية وخروجهم على المألوف والسائد هذه المقالة عينها جعلها أحد
الملاحق الأربعة لكتابه السيروي ( الروح الحية )، لكنني لم أعرف الجماعة إلا
ابتداءً من عام 1964 باستثناء الراحل ( أنور الغساني ) الذي كان أستاذنا في مادة
التربية الفنية في المتوسطة الشرقية بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 وقد ظل
يدرسنا طوال ثلاث سنين إلى أن ترك ( كركوك ) وأنتسب إلى أكاديمية الفنون الجميلة
ببغداد للتخصص في مادة الرسم . في البدء تعرفت ( جان دمو ) وهو بدوره عرفني على بقية
الصحب : جليل القيسي ويوسف الحيدري ثم جاء سركون بولص وصلاح فائق,اصبحنا نزور (مؤيد
الراوي ) وهو جليس مقهى (المجيدية ) نذهب إليه مصحوبين بقصاصات أوراقنا المحبرة
بمحاولاتنا الشعرية نقرؤها عليه وننتظر بدورنا تقويمه لها . وهو أكثر الجماعة
تجريباً وحداثوية ، وفي نفس الوقت كان الأب (يوسف سعيد ) راعياً لكنيسة تطل على
ساحة العمال وكان قد سبق الجميع بطبع مسرحية
له حملت عنوان ( المجزرة الأولى ) وطبعت بمطبعة الشمال ، الأصدقاء : سركون بولص
جان دمو، وصلاح فائق كانوا دائمي التردد على الأب يوسف سعيد في كنيسته المواجهة
لأزهار دفلى شارع المحطة القديمة، يأخذون معهم قصائدهم ويقرؤونها عليه ومرات
يحملون قصائدي المتواضعة معهم
ويعرفونه عليها ، هكذا عرفت الأب (
يوسف سعيد ) لم ألتق به شخصياً لكن عن طريق تكرار زيارات اصحابي له ونقلهم الكثير
من أخباره وتاملاته وكتاباته إلى حد غدوت وكأنني أراه وأجالسه وأتلقى أخباره وحتى
عندما حل فيما بعد في بلاد السويد تعرف هناك على صديقي الرسام (محمد جلال )
والمعروف لدنيا باسمه المحبب ( مَمادي ) وهذا الأخير بدوره كان ينقل إلي _ عبر
البريد الكثير من أخباره وأشواقه إلى مدينتنا المتولهة بعشق شعرائها ومحبيها . أظن أن أخصب
فترة عاشتها الجماعة هي الممتدة بين عامي 1964 و 1968 وهي السنوات التي ترك فيها
الصحب كركوك إلى بغداد – فاضل العزاوي بحكم دراسته الجامعية كان أول المغادرين لها
عام 1960 حيث أنتسب إلى كلية التربية / قسم اللغة الأنكليزية ، بعد ذلك تركها (
يوسف الحيدري ) وهو في سلك التعليم إلى مدينة الحلة ثم أنتقل إلى بغداد وتبع (
مؤيد الراوي ) صديقه ( أنور الغساني ) حيث كانا لا يتفارقان وسار من بعدهما على
نفس الخط ( سركون بولص ) و ( جان دمو ) وكان آخر المغادرين ( صلاح فائق ) بأستثناء
( جليل القيسي ) الذي آثر البقاء في مدينته حتى توفاه الله عام 2006 . إن مغادرة الصحب لكركوك لم تقطع علاقاتهم بها فهم كانوا
دائمي الزيارة لها وهكذا كنا نلتقي بهم في هذه الزورات في منزل القاص (جليل القيسي ) وكذلك في محل لصياغة الذهب كان
يعود لأحد أشقائه ، وقد تحدثت مطولاً عن هذا المحل في مقالات سابقة إلا أن
اللقاءات في العاصمة كانت هي الأعمق والأغزر وعن سنوات مجايلتي لهذه الجماعة وهي
الممتدة من عام 64 إلى عام 68 لم التق بالراحل قحطان الهرمزي حيث كان مبعداً إلى مدينة البصرة لظروف سياسية ، وكذلك القاص (زهدي
الداوودي ) فهو يقول في آحدى رسائله الموجهة إلى الدكتور (إبراهيم خليل العلاف )
وهو بصدد الحديث عن أسماء جماعة كركوك "وأما زهدي الداوودي فالتحق بالثورة
الكردية وما لبث أن القي القبض عليه في تموز 1964 ، ونفذ بحقه الحكم الغيابي الصادر
من المجلس العرفي الرابع لمدة سنتين أنهاهما
في سجون بعقوبة والرمادي والحلة "
ولم التق به شخصياً إلا في عام 1978 في أروقة جامعة الموصل وهو في تلك الأيام
تدريسي في إحدى كلياتها . إن تسمية ( جماعة كركوك الأدبية ) لم تكن معروفة ولا
متداولة طوال فترة العقد الستيني ويرجح الدكتور ( عبد الله إبراهيم ) ظهور التسمية
منذ النصف الأول من العقد السبعيني إلا أنها ذاعت وراجت في فترة الثمانينيات ، ومن
المؤكد أن هذه التسمية راجت لدى أدباء بغداد وهم الذين ابتكروها وأطلقوها على
اولئك الصحب الذين انحدروا من مدينة كركوك وعملوا
بكل ثقة وجدارة على تحديث الأدب العربي وحاولوا أن ينقلوه إلى فضاءات
ومساحات ارحب واغنى فمثلاً إذا أخذنا
الروائي (عبد الرحمان مجيد الربيعي ) نموذجاً في تعداده لأسماء جماعة كركوك كما
فعل في كتابه النقدي ( أصوات وخطوات ) والمطبوع عام 1984 فنلاحظ أنه يذكرهم على
النحو الآتي : جليل القيسي
وأنور الغساني ومؤيد الرواي ويوسف الحيدري وسركون بولص وصلاح فائق وجان دمو وفاضل
العزاوي وحتى أنه لا يذكر أسم الأب ( يوسف سعيد ) واعتقد أن هذه الأسماء باستثناء
( جليل ) حلوا ببغداد وعاشوا فيها وعملوا في صحافتها ، الا أن ( جليلاً ) كان دائم
التزاور مع أدباء بغداد يزورهم فيها وهم يزورونه في كركوك فعرفوا واشتهروا عند ادباء
العاصمة ، وبعد ذلك إن اضافة اسم إلى الجماعة أو ابعاد اسم آخر عنها فهذا مرهون
بأجتهاد الشخص الذي يحاول أن يدون استذكاراته عنهم فأنا كما ذكرت مراراً في
كتاباتي السابقة عاشرتهم وعايشتهم في أخصب فتراتهم الثقافية والأبداعية ومازلت
أتابع كتابات المستمرين على العطاء
والأبداع كـ(فاضل العزاوي ) .و( مؤيد الراوي) وما زالت صداقتي دافئة مع ( صلاح
فائق ) الذي زار كركوك عام 2003 وحمل في جعبته لنا ديوانه الموسوم بـ ( أعوام )
الصادر عن دار الجمل والذي أخبرني بأنه بصدد انجاز كتابة سيرته الحياتية إلا أنني
لم أقرأ له أي شيء خلال هذه الأعوام السبع إلا أنه مقيم في بلاد (الفلبين ) ونحن
بأنتظار زيارة أخرى منه إلى المعشوقة كركوك أستطيع أن أحيل المتلقي الذي يبغي
التوسع في معرفته عن هذه الجماعة والأستزادة من أخبار أصحابها ومنجزاتهم إلى هذه
المصادر التالية :- 1- الروح الحية ، جيل الستينيات في العراق / فاضل العزاوي
دار المدى / الطبعة الثانية . 2- الموجة الصاخبة / سامي مهدي / دار الشؤون الثقافية /
بغداد/ 1994 . 3- انفرادات الشعر العراقي الجديد / عبد القادر الجنابي
منشورات دار الجمل 1993 . 4- تاريخ العراق الثقافي المعاصر / الدكتور إبراهيم خليل
العلاف الموصل / دار ابن الأثير / 2009 . ولابد من التنويه أن الأديب ((وحيد الدين بهاء الدين))
قد دعا في إحدى مقالاته إلى الحديث والبحث عن جماعات كركوك وليست جماعة واحدة لأن
المدينة عرفت أدباء قبل هؤلاء الصحب حيث شكلوا واقاموا ما تشبه الحلقات والمنتديات
وكذلك دعا الدكتور ( عبد الله إبراهيم ) إلى جماعة كركوك الثانية في مقالته الموسومة بـ ( ذكريات مستعادة ) يقول عن هذه الجماعة الثانية "
ولم تنتزع جماعة كركوك الثانية شهرة أدبية كالأولى التي تكونت في الستينيات من
جليل القيسي وسركون بولص وفاضل العزاوي وجان دمو وأنور الغساني ومؤيد الراوي وصلاح
فائق ويوسف الحيدري ويوسف سعيد ، وهو قيّم إحدى كنائس المدينة ، وجميعهم غادروا
العراق باستثناء القيسي والحيدري اللذين أنتصرا على كل شيء بالموت داخل أسوار
الوطن قبل سنوات وجان دمو من مخلفات الجماعة الأولى لكنه زعيم الثانية "
وهناك من تحدث عن جماعة كركوك الثالثة. وهذه الآراء والطروحات تدل على حيوية (
جماعة كركوك ) وهي تقودنا إلى المزيد والمزيد من الحديث والكتابة عن أعطيات
ومنجزات هذه الجماعة التي أعطت الكثير إلى الأدب والأبداع وأرادت أن تقيم حقولها
المتنامية تحت أنوار الشمس وأن تترك أشجارها تستقبل الرياح الهابة وازهارها تتفتح
بعشرات الألوان والضوعات والاشذاء . الأديبة رمزية مياس في منجزها الخواطري : (سَحَر) رمزية مياس كاتبة وشاعرة من مدينتي كركوك ، تكتب
باللغتين العربية والتركمانية ، وهي حتى الان انجزت منجزات عدة فكانت اصدارات
شعرية وسردية ، ففي اللغة العربية قدمت منتجها الخواطري الموسوم بـ (سَحَر) ثم
اعقبته بمدونتها الشعرية التي حملت عنوان ( مهرجان الفراغ) واما ما يتعلق باللغة
التركمانية فقد قدمت الاصدارات التالية : ( كركوك منيم خورياتيم) و (حق يولنده) ثم
ثالث هذين الاصدارين جاء بعنوان (مياس نه نه ده ستاني) ، وأظن ان للأديبة (مياسة)
وهذا اسم شهرتها الادبية كتباً مخطوطة ربما هي تعمل على تنضيدها وتبويبها لتكون
جاهزة للنشر في قادمات الايام . في منجزها الخواطري الموسوم بـ (سَحَر) والذي اصدرته عام
2004 عن مكتب عبد الوهاب اوجي للخدمات الطباعية / كركوك ، يشير معجم (الوسيط) بأن
كلمة " سَحَر " بفتح السين والحاء : آخر الليل قبل الفجر والسَحَر :
البياض يعلو السواد وتجمع الكلمة (أسحار) ، فهو الوقت الذي تبدأ الطبيعة تنفض
عنها قميص الكسل وتحلو للنفس أَن تتأمل
كتاب الطبيعة وتقرأ بين سطوره المخفية وكذلك كاتبتنا (مياسة) هذا الوقت الساحر
الذي يسبق مقدم الصبح لتسمي خواطرها الوجدانية حيث النفس تنفتح وتتفتح لتقرأ أسرار
البراعم النائمة داخل الورود وتغاريد الطيور العابرة التي تتقاطع مع حفيف الانسام
الهابة , الإنسان أمام الطبيعة والقلم ازاء المبدع فهو يخط سطوره
لتوجز اماله وتعبر عن احلامه وتكثف بوحه وآلامه على بياض الاوراق الاليفة. تقول في المقدمة وهي عتبة استهلال كتابها , ان كتاباتها
التي تحتويها هذه المدونة هي بمثابة ( صدر ام رؤوم) وديدنها ليس في الديباجة
والتنميق وانما البحث عن صدق المشاعرفنعرف ان الكاتبة تولي معانيها الاهمية و
الابراز وتبعد عن مفاتيحها التصنع والتقعر وهي بالتالي تخبرنا بأن منبع كلماتها
وكتاباتها هي ضلوع كركوك وجوانحها ولاعجب في ذالك فهي بنت كركوك, فالمدينة نوافير
الهامها وخزانة احلامها فهي تمتاح من
كهاريز كركوك يقول (البير كامو) صاحب رواية الغريب:(ان لكل كاتب اصيل نبعا واحدا
يغذيه طوال حياته) فكركوك دائماً تتمرأى في كلماتها وتتمظهر في خواطرها بقلعتها
وبساتينها وناسها الطيبين , وبعد المفتاح الاستهلالي وعبور العتبة النصية ندخل متن
كتابها فننظر الى الثيمة التي تتجسد بـ( يا اعذب الألحان) والخاطرة مكرسة الى عيون
ولدها (نبيل) وتفيدنا بأن مقدم الوليد دفع شمس عمرها الى البزوغ والإشراق ومع
نغمات صوته العذب عاد قلبها يعزف الحان الحنان . ثم تردف موضوعها السابق بـ(صرخة ابن الشهيد) ومدخل النص
تستهله الكاتبة بهذه المناجاة الاسيانة : )
اماه ما هذه الحياة وهذا السواد القائم ؟ سواد ردائك يا امي تظلم الدنيا بعيني
ويزيد الدجى ظلاما .. لم لا تخبريني عن هذه السحابة السوداء التي تجثم فوق دارنا ) انها حوارية الابن مع امه وهو بصدد تساؤله عن هذه الغيوم
الثقال التي تجثم على دارهم واخيرا تكشف الام عن سر هذا الخطب انه الاب وغيابه
وتكرس (مياسة) موضوعها الثالث المعنون بـ(رجاء) الى ابنة الشهيد , وترين على النص
نفس اجواء الخاطرة السابقة وكأنه امتداد للموضوع عينه ولا غرابة في ذلك فأن ثيمة
واحدة تجمع بين الخاطرتين. ثم تنثر خواطرها الوجدانية وتأملاتها الحياتية عبر
مواضيع تناهز العشرين ففي خاطرتها الموسومة بـ(وداعا) نجدها تُترك على قارعة
الطريق تغتسل بمنابع احزانها , انها تصف
لحظات الفراق ولأنها صادقة في هذه المشاعر الحياتية فهي تنقلها لنا بلا تكلف ولا
تقعر وانما في بساطة انسانية مترفعة , فلهذا ينبهر الناظر في ادبها وينجذب الى
كلماتها الحنون مصغيا الى كلماتها النازفة : "صفر
القطار بصفارته معلنا
الرحيل وقفنا للوداع وتعانقت اناملي
مع اناملك شعرت
بالقشعريرة مع حرارة يدك وفتحت ذراعي
لأضمك بشوق الام لوليدها البعيد" ويستطيع الناظر في كتاب(سحر) ان يعده كتاب الكاتبة
العائلي فهي تكرس الاهداء الى بعلها شريك حياتها , وتكرس اجزاء من خواطرها الى
افراد اسرتها, فهم يشاركونها احاسيسها وهي
تشاركهم مشاعرهم فلهذا نجد كلماتها وظفت في مديح الابن ونجد خواطرها تخطو نحو ابنة
عمها كما في العنوان الذي ينكشف امامنا بـ(نعود) , وتكرس نصها الموسوم بـ( أمنية)
الى والدها الحبيب فهي تستكثر الكثير من حنانه و عطفه فتقول (مياسة) مخاطبة والدها
: (( اردتك حلاوة
للعيد بسمة للربيع بلسما للقلوب مازلت طفلة
تنتظر دقات خطواتك ومنديلك المليء
بالفواكه)) وان نصها الذي
يحمل عنوان (الرسالة الدامية) يتناص مع قصيدة الشاعر التونسي ( ابي القاسم الشابي)
(( صلوات في هيكل الحب) تقول مياسة : ((كنت لي كالطفل
الوحيد للام ... كالندى للورد كالشمس
للحقول .. كالزاد للروح .. كالدليل للتائه
كالشمعة للظلام
.. كالأمل لليائس )) كافات التشبيه
التي اكثرت مياسة من استعمالها نقع عليها في نص الشابي : عذبة انت
كالطفولة كاألاحلام كاللحن كالصباح الجديد كالسماء الضحوك
, كالليلة القمراء كا لورد
كأبتسام الوليد يأتي التناص
غالبا من باب التخاطر او من قراءات الكاتب التي تتكدس في لا وعيه , ومن النادر ان
نقع على نص لشاعر او سارد يخلو من باب التناص , وانما هو رافد من روافد أغناء
واثراء النصوص الادبية . ان كتاب (مياسة) الذي حمل عنوان (سحر) تحلو السياحة بين
مواضيعه و التجواب بين خواطره و التقلب بين عناوينه , فيكتشف المتلقي فيه فيوضا من
عواطف الكاتبة تجاه ذوي القربى وتجاه صديقاتها ، والكتاب يختزل ايضاً الامها
واحلامها وهي تصعد وتهبط سلالم الحياة عارفة حلاوتها وذائقة مرارتها وهي تسجل
تجارب حياتها بشجاعة واقتدار ولم تنسَ ان تؤرخ خواطرها وحسناً ماصنعت ، لان هذا
العمل يفسح المجال لدارسي أَدبها ان يعرفوا اشواط التقدم والتطور والنضوج في
كتاباتها الادبية وامتلاك ادواتها الفنية وهي تقطع عاماً بعد عام في تقويمها
الابداعي ومنجزها الفني كي نذوق ماعندها من الاطايب المستحلبة في منتجها الشعري
والسردي .. في تَقريظِ القِصّةِ التُركمانّيةِ المعُاصِرة كان أدب القصة رائجاً ومنتشراً في ستينيات القرن المنفرط
وسبعينياتهِ في العراق وفي سوريا ومصر وحتى بلاد المغرب العربي إلى درجة أن بعض
المجلات الأدبية كرست صفحاتها بأكملها لهذا الجنس الأبداعي كما الحال مع مجلتي
القصة في القطرين المصري والتونسي وهذا يعود إلى الجمهور العريض لهذا الفن الشائق
والممتع الذي يحاول أن يخاطب مشاعرنا ويقتحم أعماقنا بالأجواء والمواقف التي
يصورها ويشيدها . وكثيراً ما رأينا مجلة ( الهلال ) المصرية تصدر أعداداً خاصة
للقصة القصيرة وهذا دليل وشغف لتلقي هذا الشكل الأدبي الذي سحرَ الألباب ، ولكن
لوحظ تراجع هذا الجنس الأبداعي أمام غوايات الجنس الروائي ، فخريطة القصة القصيرة
غدت تنكمش أمام مساحات الرواية الماردة ، أصبح صدور المدونات الروائية بكثرة وزاد
عدد المتلقين لها ، ونقرأ تخصيص الجوائز المغرية لكتابها وهم يتشاركون في
احتفالياتها العديدة ، إلا أنه مع ذلك لم ينقطع الأمل بعودة الأخضرار واليناعة إلى
شجرة القصة القصيرة ويعود الرواج والانتشار اليها ، ويظهر كتاب كبار يتعاطون هذا
الفن الجميل ويمارسونه ويقيمون عوالمه الساحرة كما رأينا ذلك عند جي . دي .
موباسان و ادغار ألان بو وأنطون تشيخوف . ومما يُحيي شجرة التفاؤل في نفوسنا بعودة
الأزدهار والانتشار إلى هذا الفن الماتع ، انعقاد ملتقى القاهرة الدولي للقصة العربية القصيرة من 1–4
من شهر تشرين الثاني لعام 2009 وقد فاز الكاتب السوري (زكريا تامر ) بجائزة
الملتقى وقد أكد في تصريح له بأنه من الكتاب الذين اختاروا هذا الجنس ولن يحيدوا
عنه وقد استطرد بقوله (( أكتب قصة قصيرة ولا أنوي غير كتابةِ قصة قصيرة ، وعندما
يسألني أحدهم لماذا لا تكتب رواية ؟ أدهش وأراه كمنّ يسأل صانع الخبز لماذا لا
تزرع ورداً )) وكذلك أعود فأقول إن صدور كتاب ( آوان الورد في كركوك ) انطولوجيا
القصة التركمانية العراقية المعاصرة ) من اعداد الأديبين : د. نصرت مردان و د.
محمد عمر قزانجي ، خطوة بالغة الأهمية في إلقاء الضوء والكشف عن هذا الجنس الأدبي
في الأدب العراقي المكتوب باللغة التركمانية
فالكثير من المتلقين يجهلون وجود هذا النوع الأدبي في أدبنا التركماني
والحقيقة غير ذلك وهي أن القصة التركمانية القصيرة موجودة وتعود إلى نفس بدايات
القصة العراقية المدونة بالعربية أي إلى اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن
العشرين إلا أنها لم تنضج إلا في فترة الثمانينيات حين دخلتها التيارات والمدارس
المتنوعة وهُندست معها التِقانات المختلفة . تبدأ عتبة
الكتاب باستهلالٍ مكتوب من قبل الدكتور نصرت مردان وهو ما يخبرنا بأن هذا المنجز
اعتمد على الجهد الجماعي وترك للكتاب المساهمين أن يختاروا هم مروياتهم لتتبوأ
متنها الحكائي ثم يردف مفتتح الكتاب بدراسة للكاتب عينهِ حملت عنوان ( من ده ده
قورقوت إلى المعاصرة في القصة التركمانية ) والكاتب يلقي الضوء على بدايات وجذور
القصة التركمانية والتي تعود إلى حكايات
ملحمة ( ده ده قورقوت ) والحكايات الشعبية التركمانية المتنقلة عبر الأجيال
المتعاقبة والقصص الدينية وحكايات الطناطل والمردة والجان ثم يعرج إلى قصة الحب
الخالدة ( ارزي قنبر ) ، ويحدثنا عن أهمية هذه الحكاية ومكانتها في الأدب الشعبي
التركماني الشفاهي إلى أن يرسو بنا في ضفاف القصة التركمانية المعاصرة والدكتور (نصرت
) معروف بثقافته الموسوعية وحرصه الشاغف بالكتابة عن الأدب التركماني شعراً وقصاً
ومسرحاً ونجده دائماً في المقدمة يحاول أن يضيء مناحي مختلفة من منجزات الابداع
التركماني وهو لم يكتفِ بالمشاركة في اعداد هذه الانطولوجيا وإنما ساهَم فيها
بقصتهِ المعنونة بـ ( سعاد ) والتي احتلت الصفحات من 130 إلى 134 . وأما الدكتور
محمد عمر قزانجي فهو مشتغل مقيم على مَداميك المرويات التركمانية فهو يقدم ( رحلتي
مع أول قصة تركمانية ) باحثاً فيها عن بدايات القصة التركمانية الحديثة ، ويقرر
بأن القصة التي كتبها الأديب ( كركلو محمود نديم ) بعنوان ( مبارزة عشق ) ، وهي
أول قصة تركمانية بمعناها الحديث تظهر في الأدب التركماني ، وبعدها يبحر في
تفصيلات عثوره عليها والاجتهادات التي وجدها لدى ادباء آخرين في ترسيخ هذه البداية
والتأشير على تواريخ طبعها ويصل الدكتور إلى قناعةٍ بأن هذه القصة هي اقدم قصة
عراقية (( يتضح أن قصة ( مبارزة عشق ) إنما هي أول قصة عراقية محلية وعلى الأطلاق
فالقصة العربية وبمواصفاتها الفنية الحديثة ولدت في العراق على يد ( محمود أحمد
السيد) باتفاق جميع الذين أرخوا لفن القصة فاعتبروه رائد هذا الفن في حدود معينة
ومن خلال قراءاته للقصص التركية بلغتها لأجادته هذه اللغة وللقصص العالمية ولا
سيما الروسية والفرنسية المترجمة )) ص23 ثم يبحر الدكتور
قزانجي في خضم المقالات والدراسات النقدية التي كرست لعالم القص التركماني . وقد
بذل جهداً ملموساً في تمحيص وتدقيق هذه النقدات ومدى قربها أو بعدها من جوهر النقد
الأدبي الممتلك لأدواته وتقنياته الفنية ، فقد نظر في معظم الصحف والمجلات
والدوريات والمحاورات مع القصاصين والمحاضرات التي ألقيت وهو في كل هذا يظهر شغفه
وولعه في ترسيخ هذا الجنس الأبداعي وبعد النظر والأمعان في كل هذه الصحائف التي
تناولت نقد وتقويم القص التركماني يتوصل الباحث " أن النقد القصصي في الأدب
التركماني بدأ على نحو كتابات متواضعة وغالباً على شكل تعليقات عابرة أو سطور
مقتضبة و " إن النقد القصصي في الأدب التركماني اتخذ طابعه العلمي ودخل اطاره
المنهجي الصحيح في الثمانينات من القرن الماضي " ويفيدنا أيضاً " إن
معظم الذين مارسوا ويمارسون النقد القصصي في الأدب التركماني هم أنفسهم قصاصون في الوقتِ نفسهِ أي
أنهم يمارسون كتابة القصة والنقد معاً " وهذا في رأي الباحث فضيلة تسجل لصالح
القصة التركمانية حيث ادت هذه الأزدواجية في الجمع بين تعاطي الفن القصصي وممارسة
نقدهِ إلى ازدهار وتطور هذا الجنس الابداعي ، وهذا ما نلاحظه أيضاً في الأدب العربي
حيث نلمسه عند الكاتب العراقي (عبد الرحمن
مجيد الربيعي ) حيث مارس فن القص وفي نفس الوقت قدّمَ كتباً لخص فيها أراءه
وملاحظاتهِ وتأملاته حول السرد القصصي وفي الأدب المصري نهض ( يوسف الشاروني )
قاصاً وناقداً وفي الأدب السوري تقدم ( رياض عصمت ) ككاتب للقصة وفي نفس الوقت
مارس نقداتهِ الأدبية في هذا المضمار . ولم يكتفِ د.
محمد عمر قزانجي في أعداد الكتاب بدراستيه الأنفتي الذكر وانما ساهم في هذه
الأضمامة بقصته التي حملت عنوان (قبلة من خلف الزجاج) وهي مروية مسرودة بصيغة
الضمير الغائب وقد قام بتعريبها الأديب مولود طه قاياجي. ضمت هذه الآنطولوجيا قصصاً لتسعةٍ وعشرين قاصاً ينتمون
إلى مختلف الأجيال والتيارات الفنية ، وحسنا ما صنع المعدان عندها رَتبا قصص
الكتاب بحسبِ تدرج أجيالهم فجاءت قصة (فتحي صفوت قيردار ) والذي هو من مواليد 1896
في الترتيب الأول وانتهت المجموعة بقصة عبد القادر حجي اوغلو وتصادف سنة ازدياده
عام 1970 إلا أن المجموعة ختمت بقصة الكاتبة ( سلمى ابلا )الموسومة بـ ( من يكره
البحر ) ولكن سيرتها جاءت غفلاً من عام تولدها إلا أن عنوان قصتها يتناصُ مع عنوان
قصة جزائرية عنونت بـ ( من الذي يتذكر البحر ) والعنوان هو بمثابة عتبة استهلالية
للدخول إلى المتن الحكائي وهي من القصص التي تشوق المتلقي وتتغوره وهي تدور حول
عشق البحر وتمكن هذا العشق في نفوس من وقع صرعاه . يقع الناظر في
هذه الانطولوجيا على شتى الأساليب المشتغلة في الأدب القصصي ، فمن القصص ذات
الشخصيات المحورية إلى القصص التي كتبت بلغة شعرية أو ما يطلق عليها في لغة النقد
الحداثوي ( السرد الغنائي ) وكذلك أنماط القصص القصيرة جداً وهذا ما وقعنا عليها
عند كل من ( شيرزاد بابا أوغلو ) و (
عدنان القطب ) والقصص التي تندرج تحت جناح الخيال العلمي ، وقصص المجموعة هذه تضاف
إلى ضربينِ: قصص وضعت باللغة التركمانية مباشرة ثم عُربت من قبل واضعيها أو بواسطة
مترجمين آخرين وقصص وضعت بالعربية، والذي يدفع المتلقي إلى الجزم بهذا تعاطي
الكتاب التركمان الكتابة بالعربية وكذلك جاءت مدوناتهم خالية من الأشارة وذكر
أسماء المترجمين . إن صدور كتاب (
أوان الورد ) يفتح كوة مضيئة في المشهد الثقافي التركماني ويعد خطوة أولى لزحزحة
الشعر قليلاً الذي ظل مهيمناً ومسيطراً على الذائقة الأدبية ويأتي إشعاراً بأن
الأدب التركماني لا ينحصر في الشعر وقورياته وإنما هناك أدب سردي واكب السرد
العراقي المدون بالعربية ويعود إلى نفس بداياته الأولى وهذا ما يفرح المرء ويدفعه
إلى الطماح بأضافاتٍ جديدة ومقتدرة من قصاصينا تجارب حداثوية تنقلنا إلى ما وراء
المسكوت عنه والحفر عميقاً تحت أكوام همومنا وتشيد عوالم ورؤى نرى أنفسنا وأحلامنا
وآمالنا فيها هذه العوالم والأجواء التي تشتغل على آخر التيارات والتقانات القصصية
العالمية وقد فتحنا نوافذنا لاستقبال وهضم الاتجاهات الأصيلة ، لتغدو عندنا قصة
تركمانية ناضجة ، ويمضي هذا الفن الجميل والماتع في ازدهاره وانتشاره وقوته
مخاطباً مشاعرنا وقلوبنا وضمائرنا بكل شغفٍ وحدب واستغوار . دراجة " سركون بولص " منظر مألوف أن تأتي الى محل لصياغة الذهب الذي يعود الى
أحد اشقاء (جليل القيسي ) - تعودنا أن نلتقي فيه - كان الشقيق غائباً عن المحل وقد
حل ( جليل ) مكانه، وتجد سركون قد وصل قبلنا وقد ركن دراجته الاثيرة عند الدورة
المخضرة الواقعة امام المحل، دراجته الاثيرة التي كان يقودها من مسكنه المستلقي
على أطراف محلة (تبة) شمالي كركوك وهو يقودها بتأن و شغف، وعندما يصل وجهته
المقصودة، يتركها في مكان قريب بحيث عندما نبصرها نعلم أن صديقنا الحميم قد سبقنا
في الوصول الى لقاءاتنا الادبية في تلك الايام أواسط الستينات من القرن المنفرط
،ويتكرر نفس الشيء عندما نذهب لملاقاة الشاعر والرسام (مؤيد الراوي) وهو حينئذٍ جليس شاغف بمقهى
(المجيدية) فنبصر الدراجة العزيزة مركونة امام المقهى و سركون مع مؤيد قد احتدما
في نقاش أدبي لا يهدأ أواره، و(سركون) جيوبه ملأى دائماً بآخر الاوراق المحبرة
بكتاباته الشعرية والسردية وشذرات من ترجماته الادبية من المدونات الانكليزية
والامريكية وهو مكتشف الاسماء الشعرية الغربية وفي هذا لا يضاهيه أحد، فدائماً
يحمل لنا في جعبته الجديد،أسماء كتب،اسماء شعراء ،واسماء قصاصين وروائيين، فهو
جوال مثابر وجواب مجتهد في سوح قراءاته الانكليزية . وكان يخفي عشقاً كبيراً لدراجته الهوائية، يقودها في
طرقات و شوارع كثيرة، ومن أكثر الاماكن التي كان يتردد عليها، الطواحين الحجرية
القديمة المهجورة شمالي المدينة، وهي تعمل وتدار بواسطة المياه ،إلا انها اصبحت
متروكة بفعل تقادم الايام وظهور الطواحين المكننة ،يمضي اليها صديقنا برفقة صديقته
الاثيرة / الدراجة، يتأمل انقاضها ويستشرف احلاما مطمورة تحت حجارتها، وقد نقل هذه
المشاهد الى أكثر من عمل أدبي " وهذا ما نلحظه جلياً في قصته القصيرة (الملجأ) و التي
نشرها على صفحات مجلة (العاملون في النفط) العدد / 55 لشهر تشرين الثاني عام 1966
و يستهل قصته الانفة الذكر بهذا التدفق من القوة و الوضوح " حين بلغت الجسر
نزلت عن دراجتي وانحدرت في سيري على حافة الارض العالية وأنا احمل الدراجة في
ذراعي حتى استقرت قدمي على حديد السكة وعدت فأمتطيت دراجتي ثم أنطلقت بها محاذياً
للسكة التي لا نهاية لها، كان يتبعني ظل طويل جداً يشتبك في اسفله بظل الدراجة
" وثيمة القصة تدور في منطقة كانت تكثر فيها الطواحين الحجرية إلا أن تقادم
الزمن احالها على المعاش و القصة تروى على لسان السارد اي بضمير المتكلم، فعنذاك
تكتسب المروية انثيالها الدافق وسكبها الجميل، وعبارة مأثورة للكاتب الفرنسي
(اناتول فرانس) تلازم الراوي "
الحياة ثلاثة اشياء : ولادة ، ألم ، ثم الموت " ويريد أن يختصر هذه المقولة
بقفزة من فوق الشيء الثاني ليبقى الجسر عالقاً بين الموت والولادة، لهذا فهو يقيم
ملجأ من الاحجار المتناثرة ويدعمها بحديدة بحيث عندما يسحبها تنهار الاحجار ويتم
الانتحار. إلا أنه يلتقي
بأحد حراس البنايات المجاورة فيتركه يدخل الملجأ ثم يزيح الحديدة لتنهار عليه
اكوام الحجارة ويقول الراوي" وامتطيت دراجتي ورحت أدفعها على مهل بحذاء الخط
الحديدي الذي لا نهاية لأمتداده " . استطاع (سركون بولص) ان يرسم طريقاً خاصاً له فوق خارطة
الادب القصصي العراقي حيث نشر قصصاً عديدة على صفحات مجلة (العاملون في النفط)
وكذلك المجلات اللبنانية والاردنية كـ (الاداب) و (حوار) اللبنانيتين و (افكار)
الاردنية، وكل هذه القصص حملت نكهة خاصة مميزة وبانت فوقها البصمات السركونية لاحبةً
واضحةً ،الا أنه لم يستمر طويلاً في تعاطي هذا الضرب من الجنس الابداعي إذ سرعان
ما تخلى عنه الى عالمه الحميم الشعر، حيث غدا فيه صوتاً يخترق أعماق المشاعر
الانسانية، وقد حمل كل عذاباتنا وآلامنا ونيران ذكرياتنا التي تكوينا حتى النخاع . تعود الصحب رؤية (سركون) ممتطياً دراجته الهوائية، وهو
يقودها في شوارع كركوك وأسواقها باحثاً عن الاقلام الملونة وأنواع المداد و
الاصباغ الزيتية والمائية التي يحتاجها للرسم، وكثيراً مادعانا الى مسكنه وعرض
علينا اللوحات التي قام برسمها وكنا بدورنا نتأمل لوحاته بشغف ومودة مفتشين عن
انفسنا بين ألوانها وخطوطها، وقد تحدث صديقنا عن هذا الجانب في سيرته في محاورة
جرت بينه وبين الشاعر (خالد المعالي) ونشرت على صفحات مجلة (عيون) . " نعم بدأت ارسم فوق سطح دارنا في كركوك ،كنت اضع
صندوقاً على الارض، اضع عليه دفتراً كبيراً استعيره من اخي، وأرسم بالألوان، كنت
مولعاً بالألوان وخاصة عندما تشرق الشمس، شمس كركوك الصيفية أو الخريفية المذهلة
التي تبدو أحياناً على وشك المغيب، كانت لي عينان قويتان كنت احدق في الشمس ،عندما
كنت أرسم وأقرأ ". وفي المحاورة عينها يحدثنا (سركون) عندما التقى بأحد
أشقاء القاص (يوسف الحيدري) وهو لا يذكر اسمه، وربما المقصود هو (عزالدين الحيدري)
الذي التقيت به مراراً في منزلهم وكان يهوى الثقافة والقراءة ويحضر قراءاتنا
الشعرية والقصصية،المهم دعاه الى الانتماء الى الحزب الشيوعي ويستطرد صديقنا
:" قلت له نعم . لم لا ،كنا نذهب بالدراجات خارج كركوك الى طريق اربيل "
المهم أن دراجته الاثيرة تصحبه في حله وترحاله وهي معه عندما كان يذهب الى
اجتماعاته الحزبية ،الا أنه سرعان ما توقف عن الذهاب اليها لأنه كان مشغولاً بنسج
قصائده التي بدأ نشرها على صفحات مجلة (شعر) لان التشابكات بين العقلية الحزبية
والمخيلة الشعرية التي فرضت نوعاً من الفصل كما يفيدنا (سركون) في تلك الفترة
المبكرة من حياته، فأنفصل عنه واغرق نفسه في عالمه الشعري و السردي ليخلق تلك
الروائع القصصية والشعرية التي بقيت عالقة في اذهان معجبيه واصدقائه و محبيه . والان اتتبع اثار دراجته في كركوك حيث الطواحين الحجرية
أزيلت كل اثارها، بعد أن زحف العمران على اماكنها والمكتبات التي كان يقود دراجته
اليها هي الاخرى أضمحلت وتلاشت في صعودات الحياة وهبوطاتها، مقهى (المجيدية) ازيلت
بنايته القديمة وقامت مكانها بناية جديدة، وتبخرت منها تلك الضوعات المشعة التي
كنا نشمها ونحن نلتقي بـ (مؤيد الراوي) ونصغي الى قصائده وننتشي بتخطيطاته ،أما
المحل المسكين في السوق العصرية فهو باقٍ مع أشجار الدورة المخضرة الزاهدة التي
مازالت تتنفس، وتذكر خليها الوفي (جليل القيسي) الذي هو الاخر انتقل الى جوار ربه
فافتقد المكان بهجته وانطفأت حيويته،ولكنني مع ذلك انحدر مغتسلاً بالغسق الهابط
على ازقة ودرابين كركوك بحثاً عن تلك الدراجة واثار عجلتها في اغبرة الطرقات
التعبى التي عشقها (سركون بولص) شاعر كركوك الحميم، ووظفها في العديد من كتاباته وتحدث
عنها بمودة ووفاء في محاوراته مع صحبه ومعجبيه . احالات :- 1- قصاصون عراقيون سريان في مسيرة القصة العراقية / هيثم
بهنام بردي ،اربيل / 2009 . 2- جماعة كركوك ،الاستذكارات الناقصة /فاروق مصطفى/
كركوك/2005 مطبعة ارابخا . 3- مجلة ( عيون ) العدد 12 السنة السادسة 2001 . الشاعر طيب جبار: قصائد الحنين وحنين القصائد (ذات زمان الظلام كان ابيض ) إضمامة من القصائد للشاعر
المهندس (طيب جبار) ترجمها من الكردية عبد الله طاهر البرزنجي وصدر الكتاب ضمن
السلسلة الشعرية / الغاوون 2010 وزين الغلاف الأمامي بلوحة للفنانة (وسماء الاغا)
تمثل امراة فاتنة غاوية وقد شبكت يديها خلف راسها ونسدل شعرها الفاحم شلالين من
الضوء الاسود ، وهي بثوبها الاحمر المزركش وقلادتها المتدلية وقرطيها المتأرجحين
ونظرتها المتلصصة متربعة على تختها تبدو امراة شرقية مقتدرة نؤوم الضحى ويطل من
خلفها ظلام جميل وفاكهة منسدلة ويبدو في البعيد هلال مقلوب هو الاخر يوحى باتساع
الظلام الذي يتقاطع مع هذا المشهد الغاوي الذي يصنع غاويه ومعجبيه ومريديه هؤلاء
الذين يكتوون بحرائقه فيقتفون كل اثر للغواية حتى تتلولب بهم السبل ، ومن غواية
الاحتراق بشهوة الجمال الى غواية الاكتواء بنيران الشعر والغواية هنا ادمى واخطر
فهي لاتترك وراءها الا مجانين يحرقون وراءهم كل شيء ولا يسيرون الا وراء هذا
الجميل الغاوي الصانع الخلاق فلا يترك عشاقه وانما يمسك بايديهم ويقودهم حتى
التخوم الواقعة خارج تضاريس الجغرافية في لامكان. عند ذاك يحلو الشعر
ويطيب وهو يلقى من مرتفعات الروح ممزوجاً بصراخاتهم واحزانهم وافراحهم وحنينهم الى
يوتوبيا المكان الاول وبلاد الطفولة الدافقة التي لاتكف عن الغناء في دهاليز
الذاكرة المضنكة وغواية الشعر تركت لنا سلالة من ابنائها المتوارثين جنوناتهم
وعذاباتهم وتجواباتهم ومعاشقهم وضمن هذه السلالة يأتي الشاعر (طيب جبار) الذي بدأ
تجواله من كركوك مدينة النور والنار وغرس شجرة تسياره في السليمانية مدينة الحدائق
والتوت وهبط (هواره برزه) ليلقي من هناك مراثيه الحزينة ويفيض حنين قصائده ، وهو
يحتفن ايامه التي تنزلق من خلل اصابعه وهي في طريقها الى نعاسات النسيان ، ولكنه
بقصائد حنينه يريد ان يوقف هذا النسيان ويرمم ذاكرة الشوق ، نحو الاشياء التي تحمل
طابع الرومانسية وزهو المكان الاول والق الطفولة ومدنها الفاضلة الضائعة تعرفت
الشاعر (طيب جبار) اول مرة على صفحات جديدة (تاتو) البغدادية حين قرأت نصه الموسوم
بـ(دعاية انتخابية) ولفتت نظري فيه كثرة المجازات اللغوية وتماهي الكلمات في
مداليل جديدة واذا كنا نقع عند بعض الشعراء على شيء من هذه المجازات فان الشاعر
(طيب ) اغرق نصه بفيوض من هذه المجازات المحلاة التي يقتنص ابتكاراتها لينضاف
عليها قميص من التحلية وينسدل عليها ثوب من الافاضة الدافقة ، وهذا لاياتي الا من
قدرات الشاعر ومواهب مخياله الشعري ، فهو عندما يقول من باب السخرية والهزء : " نضعُ الامثال والحكم في ماعون نأكلها بالسكين والشوكة كفاكهة لذيذة " ينقلها ماوراء الاستعمالات الشائعة التي يستهجنها الذوق
ونصبو الى شيء جديد وهذا ما يمنحنا اياه الشاعر المحلق الذي يفجر اللغة ويشظيها
بحثاً عن الأقمار الجديدة التي تحمل الينا البريق واللمعان والادهاش . وعندما نقرأ ضمن برامج عمل قائمة اخرى في النص المذكور " نضع تحت رؤوسنا وسادة الضحك " نعرف اننا ازاء شاعر موهوب يحمل الكثير في زوادته وان
هذه الموهبة سوف تستغل وتكثف في منجزات
الشاعر القادمة وهكذا تلقينا هذه الاضمامة ونص (دعاية انتخابية) يتصدرها والنص
الذي يليه في المجموعة وسمه الشاعر بـ(ذات زمان الظلام كان ابيض ) وهو رحلة في
زمنين : الزمن الماضي حيث كانت الدنيا جميلة : " الارض كانت عش الورد السماء كانت بستان الضوء " ورحلة في
الزمن الحاضر حيث : " الريح تضرب عن الهبوب لاتنزل من
الاعالي الجدول غاضب البحر منزعج من بخاره " حتى العاشق (مَم) يدير ظهره الى محبوبته (زين) قصيدة
حنين الى الايام الجميلة التي عاشها المرء في ماضيه ، فعندما نتأكد من استحالة
عودة تلك الايام لايبقى امامنا الا رفع هذه الاناشيد في التغني بأمجادها واستذكار
مباهجها كما فعل الشاعر الراحل (سركون بولص) عندما هتف متألماً : " أيها الماضي ، ايها الماضي ماذا فعلتَ بحياتي
؟" ومن الظلام الجميل الذي تغنى به (السياب) وهو يعانق وطنه
الى الظلام الابيض الذي كان يكتنف تلك الايام السعيدة التي عرفها الشاعر وهي تتدحرج
سلسة خفيفة كالانداء التي يلحسها الصباح من اغصان الاشجار الناعمة . ونصه (يوم اموت) كتبه على شكل عشرة مقاطع طويلة باستثناء
المقطع الاخير الذي حل في اربعة اسطر قصار: " يوم اموت عدا بناتي لاتبكي علي ... في هذه المدينة أي فتاة " ويلتقي النص مع قصيدة ابي فراس الحمداني في رثاء نفسهِ أبنيتي لاتحزني كل
الانام الى ذهاب نوحي علي بحسرة من خلف سترك والحجاب قولي اذا ناديتني وعييت من رد الجواب زين الشباب ابو فراس لم يمتع بالشباب وقد امتلا النص بكرنفال من المجازات والانزياحات حيث
مجاز يلهث وراء مجاز وكلها تحتفي بصور شتى من مظاهر الطبيعة تتضافر في هذه المرثاة
البيضاء التي يكرسها الشاعر لذلك اليوم الذي يحل فيه افول العمر ولا ينسى ان يوظف
(الره شه با) / الرياح السوداء التي تتغازل مع مدينة السليمانية بقوة وشراهة بين
فترة واخرى ويوظف الهندسة وخطوطها والجغرافية وتضاريسها ، وكم كان النص يبدو جميلا
اسرا لولا هذه التفصيلات التي اضفت على معماره كل هذه التفصيلات المترهلة، مناخ
النص كان اولى به التركيز والتكثيف ولكن الشاعر هندس له هذا الثوب الفضفاض فتشظى
وتفرق وتوزع في كل هذه المسارات المختلفة . ان الشاعر المهندس (طيب جبار) ومن (هواره برزة) /
المنطقة العالية ، محل سكناه في السليمانية ، يتأمل مدينته صباحاتها ومساءاتها
ويتأمل الناس واحوالهم المختلفة في صعوداتهم وهبوطاتهم ومن هناك يحلم بالشعر النقي
الذي يصبح معادلاً موضوعياً لـ(هوارة برزة) ويليق به ويلائم مزاجه . يقول : أين الشعر الذي أين الشعر الذي يعلن للملأ جراحك واحزانك .. ويمضي الشاعر مع اسلوب الاستفهام بحيث لايبقى في الاخير
الا على اسم الاستفهام (أين) وهو يكتب عن حنينه الى مدينته الفاضلة ، الى المكان
الاول ، الى عشقية احلامه التي لاترتوي الا بعودة سعادة ومضات ايامه التي كانت ذات
زمان ... الظلام كان ابيض ، والاحلام ترعى زنابق معاشب الانهار التي لاتكف عن
التدفق والغناء . وبعد هذه السوحة السريعة بين هذه النصوص يخرج الناظر
بالملاحظات التالية : - 1-
أفاض الشاعر
على نصوصه دفقات من المجازات المستحبة 2- تمتاز قصائد الكتاب بنوع من الطول باستثناء نصه المعنون
بـ (انشودة المستقبل ) 3- لازمة معينة تتكرر في نصوصه مثل (أنا عائد اليك ) في نصه
(شعر قليل الملوحة) ولازمة(يوم اموت) في النص الذي بحمل نفس الاسم ، وكلمة (نحن)
في قصيدته (دعاية انتخابية ) 4- استفادته من التراث الادبي الكردي وتوظيفه لاسماء اعلام
وشخصيات من ذلك التراث 5- يستاف المرء نكهات ايقاعات الحياة السائدة في مدينة
السليمانية ودبيب خطوات طبيعتها 6- قصائد المجموعة كلها مؤرخة بمدينة السليمانية باستثناء
نص الكتاب الاخير وهو مؤرخ بمدينة كركوك . 7- اشتملت النصوص على شتى اساليب الكلام الا انه اكثر من
اسلوب الخطاب والنداء والاستفهام . 8- تتلون النصوص بخضاب الحنين الى تقاويم السعادة الهانئة
والحزن من حلول افول العمر وليس ثمة من يبكي الشاعر سوى فلذات كبده . واخيراً لابد من الاشارة الى جهود المترجم الشاعر عبد
الله طاهر البرزنجي الذي نقل الينا (انطولوجيا الشعر الكردي) و (شذرات قوباد)
وهاهو ينقل الينا هذه الاضمامة الجديدة من القصائد من الشعر الكردي المعاصر وهو
يحاول ان تكون ترجمته دقيقة قريبة من النصوص المنقولة واعتقد انه مقتدر في هذا
الباب لتمنكه من اللغتين : المنقول منها والمنقول اليها ، وفي كلمته التي كتبها
والحقها باخر الكتاب اراد ان يحدد موقع الشاعر (طيب) ضمن خارطة الشعر الكردي
الحديث وقد انزله ضمن حداثة المرحلة الثانية في تطور الشعر الكردي وحدد فترتها
الثانية ببداية سبعينيات القرن المرتحل ، وقد وقف مطولاً عند نص الشاعر الموسوم بـ
(دعاية انتخابية) وكان قد نشر ترجمة النص على صفحات جريدة (تاتو) البغدادية ،
ويخلص في اخر تحليله للنص الى (هيمنة مفردات الطبيعة على النص ) وبعد ذلك لايسع
المرء الا ان يثني على جهود الاخ عبد الله طاهر البرزنجي وهو يسعى مقتدراً لنقل
هذه النصوص من الادب الكردي الى اللغة العربية ، وهو بهذا يعمل على فتح نوافذ
مضيئة حسنة الانوار بين الثقافتين والادبين العربي والكردي ليتعرف المتلقي على
المزيد من ابداعات الشعراء الكرد ومنجزاتهم وثقافاتهم الحديثة وهم يواكبون تطور
الشعر العالمي في اصقاع المعمورة عند أعلامه الماهرين ومنظريه البارعين (طه حسين )بين( وحيد الدين بهاء الدين )و( محمد البساطي )
لم يعرف القرن العشرون اديباً امتد تأثيره لعقود في مثل
قامة (طه حسين ) لقد تتلمذت على يديه اجيال متعاقبة ، ومؤلفاته التي كانت حرثاً في
ارض بكر ماتزال تطلب وتقرأ ، وكتابه (الايام) مابرح يثير شهية المتلقي للأستزادة
من تنغيمات اسلوبه المموسق الذي يحب ان يقرأه بصوت عال لوقعه الاسر في اذنيه، ثم
هل ترك ( طه حسين ) باباً من ابواب الادب دون ان يلجه ؟ وحياته المثيرة من بداياته
الازهرية ثم تزييه بالملابس الافرنجية وسفره الى فرنسا وزواجه من تلك البلاد وفوق
ذلك وهو البصير الذي قهر سلطان الظلام ، وعندما استوزر في اخر وزارة قبيل ثورة 23
، رفع شعاره الخالد في جعل التعليم مشاعاً ومجانياً للجميع وان يكون كالماء
والهواء ، ويحار المرء وهو يعدد مؤلفاته التي توزعت في مختلف الاجناس الادبية يقول
غالي شكري " ولست اعتقد ان مثقفاً واحداً من مثقفي العقود الاربعة الماضية من
هذا القرن (القرن العشرين ) في مصر والوطن العربي عامة لم يمتد اليه تأثير (طه
حسين) لقد كانت وستظل هذه ميزته التي ينفرد بها عن بقية ابناء جيله العظيم فلربما
تجد من يقول انه تأثر بالعقاد او سلامة موسى او المازني كل على حدة ولكنك ستجد ان
الجميع قد تأثر بالاضافة الى كاتبه المفضل بـ (طه حسين ) . (محمد البساطي ) قاص
يقف في مقدمة القصاصين المصريين الذين دفعوا القصة القصيرة الى مسارات جديدة
ونقلوها الى فضاءات ارحب واوسع وقد عرف بأسلوبه المتميز والخاص به . انه اسلوب
رشيق بعيد عن الزوائد المتهدلة فهو يكتفي باستعمال الالفاظ التي تدل على مقتضى
الحال دون تفصيلات واستطرادات ، فلهذا عد مقتدراً ومتمكناً في هذا الباب وكأنه شق
لنفسه طريقة الخاص في خارطة ادب القصة القصيرة ، ومن مجاميعهِ القصصية (الشرطي يلهو قليلاً ) من منشورات دار المدى
لعام 2003 وقد اشتملت على اثنتي عشرة قصة ، فالاولى حملت عنوان (مناغاة) اما
المروية الاخيرة فحملت عنوان (امسيتان)إلا انني اقف عند مرويته السادسة الموسومة
بـ (طه حسين ) لانها تتناص مع مقالة للأديب (وحيد الدين بهاء الدين) (ذكريات عن طه
حسين ) والمنشورة في جريدة (القلعة ) البغدادية العدد 209 . قصة (محمد البساطي) تدور حول شخص معجب بـ (طه حسين) فهو
يقلده ويتقمصه ، لقد حفظ الكثير من عباراته يرددها للجميع ، لانه لم يترك مؤلفاً
من مؤلفاته الا واقتناه ، والى درجة انه لبس النظارة العاتمة " ويوماً ناداه
احدهم من قبيل الهزء : ياشيخ طه والتفت ، جاءت التفاتته طبيعية وكأنه اسمه حتى ان
من ناداه اصابته الدهشة ، وبمرور الوقت اصبح الجميع ينادونه بالاسم الجديد وربما
وجدوا فيه مايرضيهم من غمز" وتسرد القصة من قبل الراوي فهو والشخصية التي تقمصت (طه
حسين) الشخصيتان الرئيستان في المروية والاحداث تتعاقب في بلدة ريفية ، وبدأت
الشخصية تدخل بالتمام في ثوب (طه حسين ) طريقة كلامه ، تحدثه بالفصيحة ، ترداده
لعبارات وجمل حفظها من مؤلفاته ، ويقطع شأواً اخر في حمله عكازة يتحسس بها الطريق
، وحالته التقمصية تزداد درجة حرارتها يوماً بعد اخر . يقول الراوي : " البلدة لاتستريح لمن يخرج على
ايقاعها ، كانوا يتناقلون اخبار مشاحناته مع الباعة في السوق ، ويضربون كفاً بكف ،
عقله شطح واللي كان كان " وصداقة (بسيوني) تتمتن مع الراوي لانه الوحيد في
البلدة يتعاطف معه وهو يصغي الى احاديثه التي تدور حول كتب الشيخ، معاركه الادبية
، وقائع محاكمته ، اخباره التي قصها من الجرائد والمجلات ، وياتي يوم لايستطيع فيه
(بسيوني ) الاستمرار في البلدة بعد ان كثرت تحرشات الصبيان به ودفعه الى الترع
الطينية فلهذا يقرر ترك البلدة الى العاصمة ، ويوصي لصديقه الراوي بكتب (الاستاذ)
ويتركها عند امه بعد ان تحدثا عن كتاب (مستقبل الثقافة في مصر ) وبعد ذلك يركب
القطار والراوي الوحيد الذي ودعه في المحطة ثم انقطعت اخباره ولم يسمع عنه شيء .
ان هذه القصة التي تدور حول اعجاب (بسيوني ) بـ طه حسين هذا الاعجاب الذي تحول
بمرور الايام الى لصقة نفسية تكتوي بها الشخصية والمرض يستشري حد اللعنة في اعماقه
فينتقل الى طريقة مشيه وطريقة تكلمه وحفظه لعبارات واقوال ( الاستاذ) يرددها
بمناسبة وغير مناسبة وانفاق كل مايملك من مال لاقتناء مؤلفاته فهو نجمه الذي يغطيه
ضوؤه ويكتنفه من كل الجوانب ، ثم مخاطبته لاهل بلدته بالفصحى ، وهذا خروج على
ايقاعات منطقته المحافظة ، فمن هنا ظن الناس ان عقله حاد عن طريقه فسخر منه
واستهزئ به وزاد تحرش الصبيان به، وهو مع ذلك لايكترث، وانما هوى اعجابه مستمر
وعندما تضيق به السبل لايجد امامه الا الخروج من محيطه والتوجه الى القاهرة " ابحث عن عمل كما ترى ، الظروف
لاتسمح بالتحاقي بالجامعة، ربما فيما بعد ، الكتب هنا ، وقلت لامي ان احتجت اليها
" هذه القصة تتناص مع مقالة للأديب ( وحيد الدين بهاء
الدين) نشرها على صفحات جريدة (القلعة) البغدادية العدد 209 حملت عنوان (ذكريات عن
طه حسين ) يسرد فيها شغفهُ وكيفية تعرفه على عميد الادب العربي " ولكوني
طالباً في المرحلة المتوسطة في منتصف الاربعينيات الماضيات كان اسمه يكحل عيني على
اغلفة كتب قواعد اللغة العربية مراجعاً الى جانب زملاء له " وارتفاع حد
الاعجاب لديه دفعه ان يكتب اليه طالباً نصيحة في توجيهه وتسديد خطاه ، ولكنه يعترف
بانه لم يتلق منه ماكان يأمله من حسن الرد والجواب ، وهذا لم يضعف من عزيمته ولم
ينل من قوة متابعته له على صفحات المجلات : الرسالة ، الثقافة ، (الكاتب المصري )
وبعد ذلك يمتلك الاديب وحيد الدين ذاكرة ممراعة ، فهو يتذكر حتى الاحاديث التي كان
يلقيها (طه حسين) من اذاعتي لندن
والقاهرة يتذكر عناوينها واجواءها ويستطرد كاتبنا " ولأيغالي المفرط في عالم
(طه حسين) شرع زملاء ومعارف ينادونني بـ(طه حسين) مناداة تحمل بين تضاعيفها من
السخر والهزء تارة ، ماتحمل من التحبب والتظرف تارة اخرى " ومن هنا تلتقي
مقالته هذه بقصة (محمد البساطي) التي وسمها بـ(طه حسين) هذا الشغف الذي قاده الى
التماهي بشخصيته وتقمص تصرفاته وتقليده فيما يلبس ولا ادري اذا كان الاستاذ ( وحيد
الدين ) قد تعرف هذه القصة ، ولكن الالتقاء ليس الا من باب التخاطر ، فهو مقاليُّ
في سطوره يسوق لنا ذكرياته واحواله التي اراد فيها التشبه بعميد الادب العربي مما
حدا ببعضهم ان يعرضوا له في الصحف ويطلقوا عليه لقب (طه حسين كركوك) ويفرط هو
بدوره ان يرد عليهم ويلقنهم حسب قوله " شيئاً من ادب الدرس وادب النفس "
ونصادف هذه الاشكاليات تحدث مع (بسيوني) شخصية (محمد
البساطي) في مرويته الانفة الذكر وكيف ان الاولاد يخاصمونه ويناكفونه والوقائع
الغريبة التي جرت له مع الحذّاء والقصاب وهويخاطبهما باللغة العربية الفصحى ويتصور
الخلق انه يسخر منهم او شطح العقل منه . وتمضي الايام والسنون ويحل يوم من عام 1968 واديبنا (وحيد
الدين ) يحل في القاهرة وقد احتضنته (رامتان) فيلا (طه حسين ) وهو بين يدي هذا
الكاتب العملاق يفيض عليه حسب قول كاتبنا من شمائله ثم يهديه بعضاً من مؤلفاته
فاذا الحلم المرتجى قد تحقق بعد ان حمل له من الاعجاب الكبير وواكب رحلته السيروية
والابداعية . يتأمل المتلقي هذه المقالة وينظر بين سطورها هذا
الانشغاف وتقوده خيوط واسباب الى مروية (محمد البساطي) وشخصية (بسيوني) محورها
واعجابه الكبير بادب الشيخ وتماهيه في شخصيته وذوبانه في هيأته وصوره ، ويعرف ان
صاحب المقالة ختم ذلك الاعجاب في مسكن المعجب به وجلوسه بين يديه مصغياً الى
كلماته ، ترى مالذي جرى لـ(بسيوني) عندما ترك بلدته الريفية واستقل القطار وهو في
طريقه الى المدينة الكبيرة يبحث عن هوى اعجابه ام يجري وراء قوته ومتطلبات معيشه
اليومي . إحالات 1- الشرطي يلهو قليلاً – محمد
البساطي – دار المدى – سنة 2003 2- ماذا يبقى من طه حسين ؟ - غالي شكري – دار المتوسط – بيروت
1972 3- ذكريات عن طه حسين
– وحيد الدين بهاء الدين – جريدة القلعة البغدادية / العدد 209 – 22/ شباط / 2010 محاورة في عام 2008 التقاه وحاوره ضياء الخالدي كان من المفروض أن تنشر هذه المحاورة في واحدة من الصحف
اليومية البغدادية ضمن ملف أدبي يتمحور حول المشهد الثقافي الكركوكي المعاصر ،
ساهم في اعداده لفيف من الأصدقاء الأدباء الذين يترددون على ملتقى ( الزمن )
للثقافة والفنون وباشراف مباشر من ( ضياء الخالدي ) وأظن أن الملف أنجز كما ينبغي
إلا أن ظروفاً طارئة قد حالت دون نشره والذي احتوى بين تلافيفه هذه المحاورة التي
ترى النور أول مرة عبر هذا الملحق المتواضع لهذا الكتاب . س1 – كركوك ، الطفولة ، التاريخ ، بدايات الكتابة ،
الأصدقاء، والاماكن ، تحدث عن ذلك . ج / درجت في محلة شعبية تدعى ( جرت ميدان ) / ميدان
الفروسية وهي منطقة كانت تقع عند الأطراف الجنوبية لسوق (القورية ) وهي تحاذي
مقبرة ( سيد علاوي ) ثم تتصل ببساتين ( كاوورباغي ) هذه المعالم الجغرافية تركت
بصماتها على تضاريس كتاباتي وحفرت عميقاً في اساسات ذاكرتي ، المنطقة أناسها بسطاء
ولكن أمراء في النبل يعرضون مودتهم على الآخرين بشغف وحميمية منهم تعلمت معاني كثيرة
في الصداقة والوفاء واحترام العلاقات الانسانية
مارست الكتابة من مرحلة المتوسطة
وبداية من المجلات الحائطية ثم مراسلة
الجرائد البغدادية أوائل الستينيات وبالتحديد جريدة ( الأخبار ) البغدادية لصاحبها ( جوزيف ملكون) وكان يحرر
صفحاتها الثقافية الاستاذ ( زهير أحمد القيسي ) الذي آزرني كثيراً وأنا أخطو
خطواتي الأولى في عالم الكتابة. تعرفت
صحبتي الذين عرفوا فيما بعد بـ ( جماعة كركوك ) عام 1964 و( جان دمو ) هو الذي
قادني إلى هؤلاء الصحب الرائعين عشاق البحر وأبناء الشمس وبدأت معهم مرحلة جديدة
في القراءة والكتابة والتسكع والتطواف في طرقات كركوك ومقاهيها التي تدغدغها أصابع
النسيان /واستمرت إلى عام 1968 حيث اوفدت إلى القطر الجزائري ، وهنا عايشت مرحلة
حياتية أخرى في التسكع والتجوال في محطات وحانات العالم السفلي . س2 / ثقافات المدينة متعددة على الرغم من كونها تصب في
مجرى واحد هو الثقافة العراقية ولكننا لم نلمس وضوحاً للثقافة الكركوكية وبصمتها
بعد جماعة كركوك ما الأسباب ؟ ج/ تعود بدايات الجماعة الأدبية التي تعورف عليها بـ(
جماعة كركوك) إلى اواخر الخمسينيات من القرن المرتحل حيث جايل (فاضل العزاوي )
كلاً من يوسف الحيدري وانور الغساني ومؤيد الراوي وقحطان الهرمزي ، وقد تحدث
(العزاوي ) بالتفصيل عن هذه البدايات في مقاله الموسوم بـ ( اصدقاء السوء ) والذي
نشره في مجلة ( المدى) ثم جعله أحد ملاحق
كتابه السيروي ( الروح الحية ) ولكنني اتيت هؤلاء الأصدقاء مع أطلالة عام 1964 ومن
البدء اعترف كان معظمهم يحمل استعداداً مبكراً في احتراف عالم الأدب والاحتراق فيه
حتى الشوط الأخير كانوا موهوبين بالفطرة وكثيري القراءة في التعرف على الثقافات
الانسانية وكركوك حديقة متنوعة اللغات والثقافات ، هذه الثقافات المتلاقحة عبر
السنين الكثار ، وصدف انهم كانوا يتقنون اللغة الأنكليزية وعبرها انفتحت امامهم
كوى إلى آداب العالم الغربي ، إلا أنهم سرعان ما تركوا كركوك إلى بغداد باستثناء
المرحوم ( جليل القيسي ) ومنها خرجوا إلى بلاد الله الواسعة. في العقد السبعيني
عرفت كركوك أدباء آخرين أمثال : عبد الله إبراهيم ، نصرت مردان وعواد علي واخرين
وهؤلاء الثلاثة مازالوا متواصلين في عالم الكتابة والابداع وظهرت اسماء اخرى إلا
أنها لم تحقق شهرة جماعة كركوك ولكن عقد الثمانينيات احترق في اتون الحرب العراقية
الايرانية فتشتت الكثير من المهتمين بعالم الأدب، من جند وسيق إلى الجبهات
الأمامية ومن جند في الجيش الشعبي ، ومنهم من اعتزل واختفى عن الأنظار ولم تكن في
المدينة لا صحيفة ولا مجلة تعنيان بشؤون الفكر والأدب والابداع. في الوقت الحاضر
في المشهد الثقافي الكركوكي العديد من الأسماء يتعاطى الكتابة بالعربية أو الكردية
أو التركمانية وأظن الأيام القادمة سوف تقيم وتنصف ابداعاتهم . س3 / نلاحظ عدم وجود تجمعات أدبية وثقافية أو مقاه خاصة
بالمثقفين تناقش وتتداول ما يطرأ في الساحة العراقية والعربية والعالمية الان ربما موجودة على شكل افراد أو تجمعات صغيرة
بالكاد تذكر .. هل الانقسامات موجودة في الوسط الثقافي الكركوكي ؟ ج/ في العقد الستيني أنتشرت مقاه كثيرة في مدينة كركوك
كان الأدباء والمثقفون ومحبو الأدب يؤمونها أذكر منها مقهى (المجيدية ) وهو من المقاهي القديمة في المدينة ، حيث كنا نلتقي فيه
بالشاعر ( مؤيد الراوي) اذهب إليه برفقة (جان دمو) و ( صلاح فائق ) وينضم إلينا
الراحل ( سركون بولص ) ، ومقهى (النصر ) ويعرف اليوم بـ(المدورة ) ومقهى ( جليل )
العاصفة ومقهيان مستلقيان في شارع الأوقاف
هذه المقاهي بمرور الأيام تلاشت نكهتها الأدبية واضمحلت مكانتها الأدبية
وتحدثت عن هذا الجانب في مقالتي الموسومة بـ(المقاهي الأدبية في كركوك) أما في
العقود اللاحقة فبعض المكتبات غدت بمثابة ملتقيات يجتمع فيها محبو الأدب يتحاورون
ويتبادلون احاديث الثقافة والفكر واخبار الأدب وآخر الاصدارات الأدبية وما يتعلق
بالشطر الاخير من سؤالك أنا شخصياً لا الاحظ اية انقسامات ثقافية ، الكل يثمن
العلاقات الإنسانة ويحترم الوشائج الأدبية ويقدر الابداع الود الانساني وسمو
الابداع يجب أن يسودا ويرتفعا على كل شيء آخر في آخر المطاف . س4 / وإلحاقاً بالسؤال السابق نقرأ صحف كركوك فنجد
ثقافياتها تعاني من ضعف شديد في النضج ربما وجود كتاب جيدين أم غير ذلك ج/ أنا معك تماماً فمعظم الصحف الصادرة في كركوك والتي
تصلني اتصفح صفحاتها الثقافية فأجد هزلاً في موادها وضعفاً في تنفيذها ربما
القائمون عليها لا يعطون الاهتمام كما ينبغي أو أنهم ليسوا من المتعاطين للأدب أو
تنقصهم الدربة والخبرة ، الكتاب الجيدون موجودون ولكنهم مشتتون والكثير من
كتاباتهم تظهر في المحافظات الأخرى في اعتقادي لو انيطت مسؤولية هذه الصفحات إلى
من لديه الخبرة والمران وممارسة الكتابة الادبية الجيدة لتغيرت اوجه هذه الصفحات
إلى الأحسن والأجمل والأغنى . س5 / بالضبط ما هي الاجناس الأدبية الي كتبتها وهل هناك
جنس اثير لديك ؟ ج / كتبت الشعر ومازلت اشيد فيه عوالمي إلا أنها سرعان
ما تتهدم اشكالها لأنني لا استطيع أن اقبض على الشكل الذي أحلم به اتخيل احياناً
أنني امسكت به ولكني بعد ذلك اكتشف أنني لم اقبض ألا على كمشة هواء انقد الكتب
التي اعجب بها واكتب عن بعضها دراسات وعروضاً وفي فترة من فترات العمر ترجمت
العديد من النصوص الأنكليزية ولكنني وجدتها تبعدني عن عالمي الأثير : الشعر
وموخراً شرعت اصوغ عشقي للأماكن الحميمة في كركوك والمحفورة بين عظام ولحم الذاكرة
نصوصاً تدور حول امكنة الذاكرة هذه الاماكن
التي احاول عبر المخيال أن أعيد إليها نبضها وانفاسها قبل أن تنزلق إلى كنف
النسيان الوثير . س6 / لو توسعنا وتكلمنا عن الثقافة العراقية عموماً ألا
تظن معي أن تقافة العنف هي السائدة في المجتمع العراقي وحتى الكتاب أخذ أسلوبهم
يتداول مفردات تعزز هذ القول ج / ولكن أنت انظر إلى تاريخ العراق الطويل الممتد عشرات
المئات من السنين كان دائماً هناك القهر، القحط، الجدب ، والقمع، ومع ذلك كان
العراقي ينهض من تحت رماده ويبدأ بإيناع أزاهيره وسنبلة مرابعه وهناك دائماً من
يتقدم لتعاطي ابداعه وخلقه مثل نهرينا الخالدين الدفاقين، نعم الكثير من المفردات
الأتية التي تعكس ثقافة الوضع الراهن تسربت إلى كتابات وأدبائنا وهذا من البداهة
بمكان فالأدباء يعايشون المشهد صباح مساء ولكن مع ذلك مركب العراق سيقطع هذه اللجج
وادباؤه سوف يضمدون جروحه ويمسحون اوجاعه . س7 / هناك من يقول إن الشاعر ( جان دمو ) ليس بشاعر
وإنما حياته التي عاشها ورفقته لجماعة كركوك جعلتاه من الاهمية ما تعليقك؟ ج / يقول عبد القادر الجنابي : إذ يكفي أن تستحضر في
ذهنك (( جان دمو )) هذا الشاعر البلا قصيدة حتى تصدق أنها مجرد دواوين ) وقال عنه
أيضاً : إنه شاعر بلا نص . ونص بلا شاعر أقول إن ( جان ) لم يترك من خلفه نصوصاً
كثيرة وحتى نصوصه التي ضمتها مجموعته (أسمال ) جمعت من هنا وهناك كان يكتب ولكن
سرعان ما يضيع كتاباته ، وهذا طبيعي في أمر ( جان ) فلم يكن لديه مكان للأستقرار
ومحل للنوم ، وانما منزله معه ينتقل إلى الحدائق أو يهبط تحت السلالم أو يصعد سطوح
العمارات أو يلج غرف الاصدقاء ومع ذلك كان
يحلم بكتابة قصيدته العتيدة الي ستهز كل دعائم الأدب. في مظنتي أن منجز
(جان) الكبير هو حياته التي ظل مخلصاً لها وعاشها بالطول والعرض والاعماق دون زيف
أو نفاق ، فهو جوال الشعر الدائم والمتسكع الأبدي الذي ما زلت اتخيله واقدامه تضرب
طرقات كركوك متأبطاً كتبه الخوالد، فهو فتح طريقاً جديداً في خريطة التصعلك الشعري
واقام لنفسه تلك الأكاديمية الأدبية التي حملت اسمه. س8 / ماذا يحتاج العراق آلان ؟ ومن مفهوم ثقافي أعني
الانسان العراقي ومستقبله ج / الكثير من العمل وعلى كل الصعد والوفير من المنجزات
التي لا تتوقف فأنا أحلم أن المؤسسات الثقافية تنبري إلى خدمة الانسان العراقي ثقافياً ، احلم بعشرات المتاحف
وعشرات المسارح وعشرات المكتبات والصالات التي تعزف الموسيقى العالمية والكاليريات
التي تعرض اللوحات المحلية والعالمية وارى في مناهجنا المدرسية والجامعية ما تربى
ثقافة الانسان وتصقلها وتفتح أمامها النوافذ والأبواب لاستقبال المزيد من النور
حتى نغتسل في فضاءات الثقافات الجادة التي فيها اعلاء للأنسان وكلماته الي تعانق
الخير ، وتحتضن المودة والجمال , س9 / لماذ لا نجد كتاباتك في صحف بغداد ؟ ج / نشرت العديد من المواد الأدبية على صفحات جريدة
(القلعة) البغدادية وظهر لي مقال في جريدة ( الأديب ) وبالنسبة إلى جريدة (الزمان
) البغدادية فقد ظهرت فيها عدة مقالات تناولت بعض كتبي ، وفي ملحق ( الصباح )
الأدبي ظهرت لي مقالة وظهر مقال آخر في عدد آخر منها تناول أحد كتبي ونشرت مقالات
على صفحات جرائد أخرى اذاً فأنا لست بغائب تماماً عن ثقافيات صحف بغداد ولكني
اعترف لك فأنا مقل بعض المرات ومرات أخرى لا أجد من يحمل لي كتاباتي إلى هناك ،
أريد التواصل مع بغداد الحبيبة التي عشت فيها أبهى السنوات إبان العقد الستيني . 15/3/2008 كركوك فاروق مصطفى - ولد في كركوك 1946 - تخرج في جامعة بغداد / كلية الآداب / قسم اللغة العربية
1967 - عمل في التدريس بين 1967- 1998 - أوفد إلى القطر الجزائري لمدة ست سنوات من عام 1968-
1974 - أحيل إلى المعاش عام 1998 - مازال متواصلاً في نشر كتاباته في الصحف والمجلات التي
تصدر في كركوك وبغداد - من مشاريعه الأدبية القادمة إصدار ديوان كركوك الشعري
يضم إضمامة من نتاجات صحبه الشعراء من إصدارات (( فاروق مصطفى )) الأدبية · قمصان الغيوم المتدلية / مجموعة شعرية 2003 · أرصفة الدفلى / مجموعة شعرية 2004 · جماعة كركوك / الاستذكارات الناقصة 2005 · ولجيد كركوك باقة من ازهار الخباز / ذاكرة المكان 2005 · طريق الدفلى إلى كركوك / مجموعة شعرية 2006 · هديل الغمام بين يدي كركوك / ذاكرة المكان 2006 · تسكعات الفقير الكركوكي وأيامه المنهزمة / ذاكرة
المكان 2007 · بريد كركوك الذاهب عشقاً / مجموعة شعرية 2007 · الثمل بعشق كركوك / مقالات 2008 · 10- قراءات في
الأدب القصصي / مقالات 2008 · 11- ذاكرة جرت ميدان / ذاكرة المكان 2008 · 12- ما قاله الأصدقاء لكركوك الهاطلة في القلب 2009 · 13- كركوك بيت للدفلى وحديقة للغمام 2009 · 14- ذاكرة كركوك · 15- أدباء
وشعراء ومقاه في مذكورات كركوك 2010
المحتويات
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||