التركمان وموكب الحضارة الإسلامية
محمود العدل

الكاتب محمود العدل من مواليد 1975 ، حاصل على ليسانس اللغات والترجمة -قسم اللغة التركية -جامعه الأزهر. حاصل على دبلوم الدراسات والبحوث التركية وعلى درجة الماجستير في الأدب التركي . كانت
عنوان رسالته للحصول على شهادة الماجستير " عدنان مندرس رئيس وزراء تركيا من 1950 ـ 1960والتعدديه الحزبية لتركيا الحديثة
" . يعد الآن للحصول على الدكتوراه في موضوع عن التركمان ، الذي يعتبره
موضوعا متشعبا ، وهو ينوي الكتابة
في جانب من جوانبه المتعددة .
الجزء الأول
الحضارة الإسلامية
مثل غيرها من الحضارات السابقة لم تظهر من العدم أو من تلقاء نفسها إنما سبقتها
حضارات عريقة تواصلت معها وعايشت أهلها وأثرت فيهم وأتت بفكر جديد ومغاير لما
قبلها من الحضارات.
فلقد أجمع العلماء
على أنها أطول الحضارات عمراً وأعظمها أثراً فى الحضارة العالمية. كما أن الحضارة
الإسلامية حضارة إنسانية النزعة والهدف عالمية الأفق والرسالة.
فلقد ذكر القرآن
الكريم دستوراً سياسياً لوحدة النوع الإنساني ووحدة أعراقه فقال الله تعالى:"
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ".
إن الدستور
الإسلامي أعلن هذه الوحدة الإسلامية على أساس الحق والخير والكرامة للبشرية جمعاء
وعلى أساس تنظيم جميع الشعوب والأمم التي خفقت تحت راية الإسلام وغزت الحضارة
الإسلامية.
وقد أقرت تلك
الحضارة العالمية النزعة أيضاً مبدأ العدل والمساواة بين الناس دون النظر إلى
ألوانهم وأجناسهم، فأعلن القرآن الكريم مبدأ المساواة بين جميع طوائف بنى البشر
والتميز بتقوى الله " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ".
لتكون حضارة للإنسانية جمعاء دون النظر إلى العرق واللغة أو الطبقة أو العقيدة.
كل هذه الصفات
وأكثرها مهدت الطريق لدخول شعوب وأمم مختلفة فى موكب تلك الحضارة العالمية فكان
التركمان من أوائل تلك الأمم التي التحقت بموكبها وساعدت على نهضتها وقوة عزيمتها
وصمودها فحملوا لواء الإسلام بكل شجاعة وجسارة لعقود طويلة.
وقبل التطرق لهذه
الرافد الاساسى فى الحضارة الإسلامية نود أن نذكر أحد الآراء للمعنى اللفظي لكلمة
تركمان والتي ورد فيها آراء عديدة ولكن ما نرجحه وهو أن معناها هو التركي الأصيل
أو التركي الخالص وهذا هو المعنى اللفظي.
أما التركمان
المعنيون أو النسيج التركمانى فبدأ تأثيره وعطائه للحضارة الإسلامية على مرحلتين.
المرحلة الأولى:
والتي بدأت عام 54هـ حينما أستقدم عبدالله بن زياد ألفين منهم وأسكنهم البصرة وذلك
لما شهده هذا القائد المسلم منهم من شجاعة بالغة وإخلاص وثبات في المعارك الحربية
وتفوقهم في استخدام السلاح كما أن هناك شهادة يجب أن نسجلها شهد بها جميع القادة
والخلفاء الذين عاصروهم فقالوا" أنهم قوم لا يعرفون الملق والخلابة ولا
النفاق ولا السعاية، ولم تفسدهم الأهواء، ما في الدنيا أشجع ولا أرمى ولا أثبت
إقداماً على الأعداء من الأتراك " وهذه الشهادة ذكرها الكثير من المؤرخين لكن
ما نود أن نسجله هو أن التركمان خدموا في الجيش الإسلامي منذ أوائل العصر الأموي
وكانت لهم مكانة كبيرة عند الخليفة المنصور وكان والى خراسان عبدالله بن ظاهر يرسل
ألفين منهم إلى العراق سنوياً هذا في العصر الأموي.
أما الدور الأكبر
الذي كان ينتظر التركمان فكان في عهد الدولة العباسية تلك الدولة التي قامت عام
132هـ وامتد حكمها لخمسة قرون، وعلى الرغم من أن الأسرة العباسية الحاكمة كانت
أسرة عربية هاشمية تنحدر من سلالة العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله علية
وسلم إلا أنهم لم يتعصبوا لجنس معين من رعاياهم على نحو تعصب الأمويين للعرب بل
نظروا إلى الشعوب التي تتألف منها الأمة الإسلامية نظرة واحدة مع إختلاف أجناسهم
وقومياتهم، وبهذه السياسة وتلك النظرة ارتقى العرق التركمانى وتداخل بشكل أكبر في
الدولة الإسلامية كما أن عظم الشأن التركمانى بدأ يظهر في عهد الخليفة المعتصم
بالله الذي كان يحب الأتراك والذي جمع منهم أربعة آلاف جندي اهتم بهم فألبسهم
أنواع الديباج والملابس المذهبة والحلي وميزهم بالزى عن سائر جنده ثم قدمهم في
الجيش حتى صار معظم أفراد الجيش من الأتراك ويذكر الدكتور " هشام
الشاوي" أحد أهم الآراء عن تميز الأتراك في الحضارة الإسلامية: قائلاً: أن
سبب تميز الأتراك في الجيش وفى الحضارة الإسلامية هو إاعتناقهم للدين الإسلامي
بإخلاص حيث بهرهم المجتمع العربي الإسلامي الجديد عليهم فدخلوه بشغف وانفتاح
واندمجوا فيه كلية بإيمان صادق وولاء ثابت للدين والخلافة والدولة ولم يتنكروا
للعرب كما لم يهددوا كيانهم يوما ما بل حافظوا على وحدة كيانهم وتواصل تراثهم، كما
بقيت القيم والمفاهيم العربية كما تضمنها الإسلام أساساً لحياتهم ودولهم، كما بقيت
اللغة العربية سيدة في كافة شئون الدين والعلم والأدب عندهم، وتوغلت كثيراً في
لغتهم وأكسبتهم طابعها، وبقى المجتمع العربي مجتمعاً حقيقياً لهم وعقيدة ثابتة
لديهم.
أما المرحلة
الثانية من العطاء التركمانى لموكب الحضارة الإسلامية فقد بدأ عندما ساء البويهيون
الحكم في الدولة الإسلامية بالرغم من فترة حكمهم القصيرة إلا أنه في تلك الفترة
ساءت الأحوال العامة بعد أن ساءت الطائفية وانتشرت الفتنة إلى أن هجر الناس بغداد
بعد أن ضاع الأمن والأمان بها إلى أن ترك الخليفة العباسي القائم بأمر الله الأمر
إلى القائد التركي السلجوقي طغرل بك الذي أكد فروض الولاء والطاعة للخليفة العباسي
بإنقاذ الدولة الإسلامية والدين الإسلامي من حكم البويهيين والقضاء على موجتهم
البائسة.
وقد أعز الله
الدولة الإسلامية بالأتراك السلاجقة في هذا العصر خصوصاً بعد العداوات والصراعات
بين الخلافة العباسية في بغداد والخلافة الفاطمية في القاهرة والتي أدت إلى ضعف
عام للدولة الإسلامية حيث أدى ذلك الضعف إلى زيادة أطماع الدولة البيزنطية في
الدولة الإسلامية إلى أن جاءت تلك القوة التركية الأصل الإسلامية النزعة الفتية
والمليئة بفتوة البداوة التركية وعنفوانها لتنقذ الحضارة الإسلامية من انهيار محقق
ففي عام 463هـ - 1071م استطاعت جيوش الأتراك السلاجقة بقيادة سلطانها " ألب
أرسلان" أن تحرز انتصاراً حاسماً على الإمبراطور البيزنطي في الموقعة الشهيرة
" ملازكرد".
ويذكر المؤرخون أن
ظهور الأتراك السلاجقة فى تلك الفترة والتي أتسمت بالانحطاط العام فى الدولة
الإسلامية سواء العباسية أو الفاطمية أعطى للمسلمين الحيوية والنشاط فى الجهاد ضد
الصليبيين مؤكدين على حبهم لرفع راية الله وإعلاء كلمة الحق فى نشر الإسلام.
وقد أدى ذلك إلى
حصول السلاجقة على سمعة إسلامية ضخمة باعتبارهم المجاهدين والمدافعين عن الإسلام
والعاملين على نشر الدعوة الإسلامية فى آسيا الصغرى حيث وجه" ألب
أرسلان" ابن عمه سليمان قوتالمش إلى الأناضول وأقام هناك دولة سلاجقة الروم
نسبة إلى بلاد الروم التي قامت فيها، ومنذ ذلك الوقت وعم الإسلام بلاد آسيا
الصغرى.
وحقيقة، فلقد
استحدث الأتراك السلاجقة نظام المدارس الدينية في الدولة العربية، وهى منشآت علمية
هدفها بث روح الجهاد بين المسلمين والتصدي للطائفية وهى مثل المدرسة النظامية التي
أسسها الوزير السلجوقي " نظام الملك" في بغداد وسار على هذه السياسة
" نور الدين محمود زنكي" في الشام ثم " صلاح الدين الأيوبي "
في مصر".
الجزء الثاني
تلك الحضارة التي تعاقبت عليها دولتان عربيتان
للخلافة الإسلامية فكانت أولهما الدولة الأموية والتى تقلدت أمور الخلافة ابتداء
فى عام 41هـ إلى عام 132هـ لتحكم بعدها الدولة العباسية والتي حكمت العالم
الإسلامى من عام 132هـ إلى عام 656هـ
وبسقوط دولة الخلافة الثانية سقطت دار الإسلام فى قبضة قبائل
التتار فى 20 محرم 656هـ وقتلوا الخليفة المعتصم بالله آخر العباسين ببغداد.
وما أن سقط رمز الإسلام والمسلمين وهو الخلافة
الإسلامية حتى تعاقب علي الأقاليم الإسلامية الكثير والكثير من الأهوال والمحن
والشدائد وما كان ذلك إلا بعد أن أنفرط عقد بنينه وتناثر نظامه، وتشاغل كل بنفسه
عن أخيه وذويه فأغار الدهر بخيلة ورجاله على الإسلام ودولته وقلب لأبنائه ظهر
المجن والفتن فتناسوا ما كان لهم من فخامة الاقتدار وجلالة الحضارة وضخامة العمران
وأصالة الإمارة وانغمسوا في بحار الكسل والخمول واستكانوا إلى المذلة والهوان
صاغرين حتى باتوا وأصبحوا على شفا جرف هار وقد أوشكوا أن يقضى عليهم بالدمار
والاندثار.
إلا أن عناية الله أبت إلا أن ينصر دينه ويحفظ
كتابه الكريم ودولته الإسلامية فكانت الدولة العثمانية التى قدر الله لها من بين
دول الترك أن تصبح إمبراطورية مترامية الأطراف وأن تحكم شعوباً ومللاً ونحلاً غير
متجانسة وأن تكون أطول دول الترك بقاءً إذا عمرت تلك الدولة 623 عاما من 1295هـ -
1925م ولقد أختلف على عرشها أربعون حاكماً، الثلاثة الأولون منهم بكوات والباقى
سلاطين ووليهم من أيام السلطان سليم الأول إلى انقراضها اثنان وثلاثون سلطاناً
خليفة، جمعوا فى أيديهم السلطتين الزمنية والروحية ودعى لهم على منابر العالم
الإسلامى طوال 406 عاما.
لقد ورثت الدولة العثمانية عدة حضارات منها
حضارة السلاجقة ومؤسساتهم العلمية وحضارة الدولة التركية الآناضولة وأخذت نظم
الإدارة عن دولة المماليك والايلخانين، وتأثرت بالبيزنطيين والصقالبة، ولقد احتلت
اللغة العربية المكانة الأولى فى نفوس الأتراك وكانت تدرس بها كل العلوم الدينية
والتطبيقية.
ولنتطرق أولاً إلى تأسيس تلك الدولة الفتية
فمؤسس هذه الدولة هو " ارطغرل بن سليمان شاه التركماني" مؤسس الإمارة العثمانية و أكبر أولاده هو عثمان أول سلاطين الدولة العثمانية.
وإلى عثمان تنسب الدولة. تولى الحكم عام
(687هـ) بعد وفاة أبيه وورث عن أبيه عدة أقاليم ومدن صارت
تحت حكم عثمان.
ولعثمان رؤيا كان قد رآها قبل زواجه من ابنة
أحد الرجال الصالحين وهى أنه قد رأى القمر صاعداً من صدر هذا الرجل الصالح وبعد أن
صار بدراً أنزل فى صدره أي صدر عثمان ثم خرج من صلبه شجرة نمت فى الحال حتى غطت
الأكوان بظلها، وظلت أكبر الجبال تحتها وخرج النيل ودجلة والفرات من جذعها ورأى
أوراق هذه الشجرة كالسيوف يحولها الريح نحو مدينة القسطنطينية، وقد ذكرنا هذه
الرؤيا لظهور الفائدة منها وربما أنه كان موضوعاً ذكره المؤرخون من بعده لعلو شأن
دولته.
أتخذ عثمان بن ارطغرل من مدينة ( يني شهر) (المدينة الجديدة)
مقراً لملكه كما قام بتحصينها وتحسينها ثم أكمل طريقه في التوسع والفتوحات ولقد
أرسل إلى جميع أمراء بلاد الروم ببلاد آسيا الصغرى يخيرهم بين ثلاثة أمور إما
الإسلام أو الجزية أو الحرب فما كان إلا أن أسلم بعضهم وانضم إليه، وقبل البعض دفع
الجزية ومن عصى منهم هيأ لهم جيشاً جراراً تحت إمرة ابنه أورخان، ذلك الشبل الجسور
و الشجاع والذي أوصى له والده بالملك من بعده.
ولقد استدعاه والده فى أيام مرضه الأخير ليوصيه
وصية تظل المبدأ الأساسي لحكم آل عثمان فقال عثمان لابنه أورخان " يا بنى أحط
من أطاعك بالاعزاز وانعم على الجنود، ولا يغرنك الشيطان بجندك ومالك، وإياك ان
تبتعد عن أهل الشريعة، يا بنى إنك تعلم أن غايتنا هى إرضاء الله رب العالمين، وأن
بالجهاد يعلو نور ديننا كل الأفاق فتحدث مرضاة
الله جل جلاله، يا بنى لسنا من هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة حكم أو سيطرة
أفراد، فنحن بالإسلام نحيا، وللاسلام نموت وهذا يا ولدى ما أنت أهل له. "
استمع أورخان لوصية
أبيه وتقلد الحكم. ولقد اتبع أورخان
في البلاد المفتوحة سياسة اللين والرفق وهو ما جذب إليه قلوب الأهالي، حيث لم
يعارضهم في إقامة شعائر دينهم وسمح لهم بحرية الحركة والتنقل ونحو ذلك. و أدت هذه السياسية
السمحة إلى أن الغالبية العظمى من الروم البيزنطيين الذين كانوا يسكنون هذه المناطق
دخلت الإسلام طوعا. وأفتى الفقهاء الذين كان السلاطين يستشيرونهم في
كل ما يتصل بتشريعات
الدولة ونظمها بأن كل من أسلم بأهله من السكان صار من أهل الدولة.
وانقسمت فترة حكم أورخان إلى فترتين: الأولى من عام 726هـ إلى
743هـ وأهتم فيها بتوطيد دعائم الحكم العثمانى فى آسيا الصغرى وتأسيس الدولة
وإنشاء الجيش الجديد " الانكشارى". والفترة الثانية وبدأت من عام 743هـ
إلى عام وفاته عام 761هـ وكان يستعد فيها لتثبيت قدمه فى شبه جزيرة تراقيا
ومقدونيا ونشر سلطانه على أرض أوروبا ولما أتسع ملك الدولة العثمانية تفرغ "
أورخان" لترتيب البلاد وتنظيمها وسن القوانين اللازمة لاستتباب الأمن،
وانتشار العمران فى أنحاء الدولة العثمانية.
وعندما زار الرحالة الإسلامى " ابن
بطوطة" بلاد الاناضول فى فترة حكم أورخان وقابله هناك، قال عنه" إنه
أكبر ملوك التركمان وأكثرهم مالاً وبلاداً وعسكرا، وإن له من الحصون ما يقارب مائة
حصن، يتفقدها ويقيم بكل حصن أياماً لإصلاح شئونه".
وكان رحمه الله ملكاً جليلاً ذا أخلاق حسنة
وسيرة طيبة وكرم وافر عمل على استقرار الدولة العثمانية ونشر الحضارة الإسلامية
بفتوحاته الجديدة وتنظيماته العديدة.
وعندما توفى السلطان اورخان الذي يعد أول سلطان عثماني كان ملكه
قد أمتد إلى داخل أوروبا، وكانت مدة ملكه خمسة وثلاثون عاما.
تولى ابنه السلطان مراد الأول الذى توالى فى
انتصاراته وفتوحاته فى أوروبا حتى أنه فتح جميع المدن الواقعة على الطريق المؤدية
للقسطنطينية، تلك المدينة التي كانت عاصمة الدولة المسيحية وقتها والتى حاول
المسلمون فتحها سبع مرات قبل الفتح المبين وذلك تفاؤلاً بحديث المصطفى صلى الله
عليه وسلم" لتفتحن القسطنطينية فنعم الأمير ذاك الأمير ونعم الجيش ذاك الجيش".
ولقد بدأت محاولات هذا الفتح فى القرنين الأول والثانى للإسلام سبع مرات، فحاصرها
معاوية فى خلافة سيدنا على عام 34هـ وحاصرها يزيد بن معاوية عام 47هـ في خلافة
سيدنا على أيضاً وحاصرها سفيان بن أوس فى خلافة معاوية عام 52 هـ وفى عام 97هـ
حاصرها مسلمة في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز الأموي وحوصرت أيضاً فى خلافة هشام
121هـ وفى المرة السابعة حاصرها أحد قادة الخليفة هارون الرشيد عام 182هـ وما كان
إلا أن هيأ الله لهذا الفتح السلطان محمد الفاتح سابع سلاطين آل عثمان والذي تولى
الحكم بعد أبيه السلطان مراد الثاني.
وعند
توليه الملك لم يكن بآسيا الصغرى خارجاً عن سلطانه إلا مدن قليلة ومملكة ترابزون
الرومية وضواحي مدينة القسطنطينية.
ولقد حاصر مدينة القسطنطينية في أوائل ابريل
عام 1435م في جهة البر بجيش يبلغ المائتين وخمسين ألف جندي ومن جهة البحر بعمارة
مؤلفة من مائة وثمانين سفينة وفى أثناء الحصار اكتشف قبر أبى أيوب الأنصاري الذي
استشهد حين حاصرها في عام 52هـ في خلافة معاوية بن أبى سفيان الأموي وبعد الفتح
بنى له مسجدا وجرت العادة بأن يتقلد كل سلطان عثماني سيف عثمان غازي الأول بهذا
المسجد ليصبح متوجاً على الملك.
وفى أثناء حصار الفاتح للقسطنطينية استنجد
قسطنطين ملك القسطنطينية وآخر ملوك الروم بأوروبا فأرسلوا له عمارة بحرية أرادت
الدخول إلى ميناء القسطنطينية فعارضتها السفن العثمانية وقامت بينهم حرب هائلة
انتهت بدخول العمارة البحرية الأوربية إلى الميناء وذلك بعد أن رفع المحاصرون
السلاسل الحديدية التي وضعوها لمنع المراكب العثمانية، ولقد أخذ السلطان الفاتح
يفكر في حيلة للهجوم على القسطنطينية فلم يلبث أن خطرت بباله أمر غريب وهو أن ينقل
المراكب على البر ليتجاوز تلك السلاسل، وتم هذا الأمر الغريب بأن مهد طريقاً على
البر أختلف في طوله والمرجح أنه فرسخان أي ستة أميال ورصت فوقه ألواح من الخشب صبت
عليها كمية من الزيت والدهون لسهولة انزلاق المراكب وبهذه الطريقة أمكن نقل سبعين
سفينة في ليلة واحدة حتى إذا أصبح النهار ونظرها المحاصرون أيقنوا أنه لا مناص من
نصر المسلمين عليهم ولكن لم تخمد عزائمهم بل ازدادوا إقداما وصمموا على الدفاع عن
أوطانهم حتى الممات وفى 24 مايو 1453م أرسل السلطان محمد الفاتح إلى قسطنطين يخيره
بتسليم البلد طواعية ويتعهد له بعدم مس حرية الأهالي أو أملاكهم وأن يعطيه جزيرة
مورة ولكن قسطنيطين لم يقبل بل آثر الموت على تسليم المدينة.
عند ذلك أستعد السلطان وجنوده للهجوم في 20جمادى الأولى 857هـ
والموافق 29مايو 1453م ووعد جيشه بمكافآت كبيرة عند تمام النصر المبين. وفى الليلة
السابقة ليوم الفتح أشعل الجنود العثمانيون الأنوار أمام خيامهم وظلوا طوال الليل
يكبرون احتفالا بالنصر المحقق لديهم حتى إذا لاح الفجر صدرت إليهم الأوامر بالهجوم
فهجم مائة وخمسون ألف جندى وتسلقوا الأسوار حتى دخلوا المدينة من كل فج وأعملوا
السيف في من عارضهم ودخلوا كنيسة القديسة صوفيا وقاتل قسطنطين حتى مات دفاعاً عن
وطنه. وعند دخول السلطان الفاتح للمدينة عند الظهر أصدر أوامره بمنع كل اعتداء ومن
ثم ساد الأمن والأمان وزار كنيسة أيا صوفيا وأمر بأن يؤذن فيها للصلاة وجعلها
جامعاً للمسلمين. وبعد تمام الفتح على هذه الصورة أعلن فى كافة الجهات بأنه يضمن
للناس حرية دينهم وحفظ أملاكهم فرجع من هاجر من المسيحيين وأعطاهم نصف الكنائس وجعل
النصف الآخر جوامع للمسلمين ثم جمع أئمة دينهم لينتخبوا بطريركا لهم فاختاروا جورج
سكولا ريوس واعتمد السلطان هذا الانتخاب وجعله رئيسا للطائفة، واحتفل يتسبيته بنفس
الاحتفالات السابقة للفتح الإسلامى وأعطى الفاتح للبطريرك حرساً من عساكر
الانكشارية ومنحه حق الحكم فى القضايا المدنية والجنائية بكافة أنواعها المختصة
وعين معه فى ذلك مجلساً مشكلاً من أكبر موظفى الكنيسة وأعطى هذا الحق فى الولايات
للمطارنة والقساوسة وفى مقابل هذه المنح فرض عليهم دفع الخراج مستثنياً من ذلك
أئمة الدين فقط.
وقصد بذلك إعطاء النصارى درساً فى التسامح
الإسلامى والرحمة الإسلامية بين الديانات المختلفة. وليعطى درساً للإنسانية جمعاء
باسم الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية التي قيض الله لها السلطان الفاتح
التركماني الأصل الإسلامي النزعة والهوية ليكون فاتح القسطنطينية وبطل ثاني أكبر
فتح في التاريخ الإسلامي بعد فتح النبي الكريم لمكة المكرمة في العام العاشر
الهجري.
وإن شاء الله فى الجزء القادم نكمل العطاء التركماني
لحضارتنا الإسلامية
الجزء
الثالث
إن
علاقة الدولة العثمانية بالبلاد العربية ظلت حتى نهاية القرن الخامس عشر علاقة
مجاملة ومؤازرة عن طريق المراسلات مع تبادل الوفود
والهدايا وظلت كذلك حتى بدأت المشاحنات بين الدولة العثمانية ودولة المماليك
المصرية عام 1489-1490م عندما استولى المماليك على بعض المقاطعات العائدة إلى ذي
القدر الذين كانوا يمتون إلى آل عثمان بصلة المصاهرة، ولذلك حشد السلطان بايزيد
الثاني حملة عسكريه لإخراج المماليك من تلك المقاطعات ولكن جيشه لم
يستطع التغلب على جيش المماليك, ثم كرر الحملة في السنة التالية ولكن دون جدوى إلى
أن تولى السلطان سليم الأول الحكم في الفترة من 1470 – 1520
حيث وجه أنظاره نحو القارة الآسيوية والأقطار العربية ساعيا إلى
توسيع حدود دولته في البلاد الإسلامية وذلك لخلق تكتل إسلامي يواجه به التكتل
المسيحي الصليبي الذي كان يسعى لالتهام العالم الإسلامي ولينقل مركز الثقل
الاسلامى إلى الترك لكي يتولوا الدفاع عن العالم الإسلامي.
وقد أحرز السلطان سليم نصرا حاسما في " جالديران" عام
1514
وفتح أمامه أبواب تبريز عاصمة الدولة الصفوية والتي كانت تنازعهم السلطة
في العالم الاسلامى. وبعد مضى سنتين توجه السلطان سليم الأول إلى الجنوب
لمحاربة المماليك وانتصر على" قنصوه الغوري " في "مرج
دابق"بالقرب من حلب في 24 أغسطس 1516 م واستولى بعد ذلك على سوريا بأكملها
وعين بها ولاة من طرفه وقابل العلماء فأحسن وفادتهم وفرق الهبات على المساجد وأمر بترميم
الجامع الأموي بدمشق وعندما صلى الجمعة بالمسجد أضاف الخطيب عندما دعا له عبارة
"خادم الحرمين الشريفين " فاستحسن السلطان هذه العبارة وظلت مستخدمة في الخطبة إلى انهيار
الخلافة العثمانية.
ومن
ثم قرر فتح مصر في العام التالي لفتح سوريا فاجتاز صحراء سيناء ووصل إلى شواطئ
النيل ودخل العثمانيون القاهرة بعد حروب طاحنة مع المماليك في 8 محرم 923 للهجرة
والموافق
31 يناير 1517 م، ووقع طومان باي الذي تولى السلطة بعد قنصوه
الغوري في أيدي العثمانيين وبعد أن مكث
السلطان سليم بالقاهرة نحو شهر في منيل الروضة أخذ في زيارة جوامع المدينة وكل ما
بها من آثار ووزع على أعيانها العطايا والخلع السنية, وحضر الاحتفال بفتح الخليج
الناصري عند بلوغ النيل الدرجة الكافية لري الأراضي المصرية ثم حضر
احتفال خروج قافلة الحجاج والتي ترسل معها الكسوة الشريفة إلى الأراضي الحجازية وأرسل الصرة
المعتادة إلى الحرمين الشريفين بقصد توزيعها على الفقراء وزادها إلى ثمانية وعشرين
ألف دوكا.
ومما جعل لفتح مصر أهميه تاريخية في
الدولة العثمانية أن محمد المتوكل على الله آخر ذرية الدولة العباسية
الذي حضر أجداده لمصر بعد سقوط مدينة بغداد مقر خلافة بنى العباس في يد التتار سن
656 م وكانت له الخلافة الإسمية بمصر تنازل عن حقه في
الخلافة الإسلامية إلى السلطان سليم الأول العثماني وسلمه الآثار النبوية الشريفة
وهى البيرق والسيف والبردة، وسلمه أيضا مفاتيح الحرمين الشريفين
ومنذ ذلك التاريخ صار كل سلطان عثماني أميرا للمؤمنين وخليفة لرسول رب
العالمين اسما وفعلا، وما أن دعم موقفه بالقاهرة حتى تحرك بالسفن من بولاق إلى
دمياط ثم إلى رشيد والإسكندرية وقد كان حريصا على تدعيم صلاته بالأهالي والأعيان
في كل المناطق التي زارها وعندما شرع في ترتيب الإدارة والحكم رأى أن أغلبية
الحكام من المماليك الذين ورثوها عن ساداتهم ورأى أن بعد الولاية عن مركز الدولة
ربما أوجب خروج حكامها عن الطاعة وتريد الاستقلال فجعل حكومة مصر منقسمة إلى ثلاث
أقسام وجعل في كل قسم رئيسا وجعلهم جميعا منقادين لكلمة واحدة هي كلمة وزير الديوان الكبير
ومن الملاحظ على الفتح العثماني لبلاد الشام والحجاز ومصر أن الشعب لم يقاوم
العثمانيين ولم يدافع في الوقت نفسه عن المماليك بسبب ظلمهم السابق بل كانوا
يرحبون بمقدم العثمانيين بسبب ما عرف ونشر عنهم من الجهاد في سبيل الله ونشر
الإسلام وأن معاملتهم للسكان كانت باللين والمعاملة الحسنه.
الفتح
العثماني للعراق:
كان
أمرا طبيعيا بعد بلاد الشام ومصر أن تتطلع الأعين إلى فتح مركز الخلافة الآخر
"بغداد" فتجمع بذلك بلاد المشرق العربي تحت سلطتها وتحول دون محاولات
الصفويين الاستيلاء على العراق. وكان العثمانيون في أعقاب انتصاراتهم
في "جالديران" 1514 م قد فرضوا نفوذهم على الموصل وديار بكر
وماردين وعينوا حاكمًا من قبلهم عليها. وقد عين السلطان الصدر
الأعظم إبراهيم باشا قائدا على الجيش المتجه لفتح العراق وغادر اسطنبول في 2 ربيع
الآخر سنة 940 هجري ، 1533 م ولحق السلطان العثماني سليمان
القانوني بالصدرالأعظم ثم اتجه معه نحو بغداد ووصلها الصدر الأعظم في 24 جمادي الثاني في 941 للهجرة،
31
كانون الأول 1534 وبعده بيومين دخلها السلطان سليمان وسط مظاهر الحفاوة الشعبية، وأصدر السلطان أوامر مشددة إلى جنده بعدم التعرض
للأهالي كما حاز على رضاهم أيضا بزيارته الأماكن المقدسة في بغداد ورصده المال لها سواء السنية أم الشيعية، وقام بجهد خاص لاكتشاف قبر
أبى حنيفة وأمر ببناء قبة عنده وكذلك قبر عبد القادر الكيلاني مؤسس الطريقة القادرية كما
قام بزيارة الأماكن المقدسة لديهم في النجف حيث قبر الإمام علي رابع الخلفاء الراشدين رضي
الله عنه وأرضاه وزار قبر الإمام الحسين في كربلاء وهرع زعماء القبائل والأعيان
إلى بغداد لتقديم ولائهم للسلطان وكان من بينهم أمير البصرة راشد بن مغامس والذي
أبقاه السلطان كما هو وهكذا خضعت البصرة للعثمانيين وترتب على ذلك مسئوليات دفاعية جديدة خاصة ضد البرتغاليين
في منطقة الخليج وبعد أن أتم العثمانيين فتح العراق توالت الفتوحات فدخلت الجزائر
تحت الحكم العثماني بدون حرب بل بمحض إرادة حاميها خير الدين المعروف
"بارباروس" ولقد قام خير الدين بإدخال تونس وطرابلس أيضا إلى
حوزة الدولة العثمانية وما أن حل عام 1556م حتى أصبح شمال أفريقيا
كله تابعا للدولة العثمانية وفى عام 1550م استولى العثمانيون على القطيف في منطقة
الخليج ثم مدوا نفوذهم إلى الإحساء التي فتحوها عام 1552م أما سليمان باشا والي مصر فكان قد فتح مدائن عدن
ومسقط وكل إقليم اليمن وجعله ولاية عثمانية عام 1538م وهكذا فقد أصبح معظم البلاد العربية
تحت الحكم العثماني فيما عدا المغرب الأقصى من جهة وقلب الجزيرة العربية من جهة
أخرى وذلك في مدة لا تتجاوز الأربعين عاما. وقد كان اهتمام الدولة
العثمانية بتوجيه نشاط دولتهم نحو الحرب والجهاد لفتح الأقاليم البيزنطية وإدخاله
في حوزة الإسلام وإقدامهم على الجهاد بهذه الصورة سببا لجذب عدد غير قليل من المتطوعين
من مختلف الإمارات التركية الإسلامية إليهم، وكل فتح من فتوحاتهم في(
بلاد الكفر) حسب تعبير ذلك الزمان كان يرفع من مكانتهم في أنظار
المسلمين ويقوى تيار المتطوعين إليهم. وقد حرص سلاطين آل عثمان على نشر أخبار انتصاراتهم في مختلف
البلاد الإسلامية.
وقبل أن ننهى هذا البحث نشير
إلى مكانة اللغة العربية في العهد العثماني فلقد احتلت اللغة العربية المكانة
الأولى في نفوس الأتراك وكانت تدرس بها كل العلوم الدينية والتطبيقية بل كان
العالم التركي يضع مؤلفاته أولا باللغة العربية وإذا ما أراد الانتشار
بين بنى جنسه ترجمها بعد ذلك إلى اللغة التركية ولقد كانت السمة الدينية من أهم
السمات التي اتسمت بها تشريعات الدولة العثمانية ومعظم تصرفاتها و كان للهيئة
الإسلامية وضع معترف به ومركز مرموق وكان يطلق على رئيسها "المفتى" أو
مفتى اسطنبول ثم تغير هذا اللقب إلى " شيخ الإسلام " وكان السلاطين
أنفسهم حريصين على تدعيم سلطاتهم ويعملون على استغلاله كلما حذا بهم أمر أو أقدموا على
مشروع هام، فقد كان المفتى يحرر فتوى تجيز الحرب دفاعا أو
هجوما وعقد الصلح وغير ذلك من الأمور الهامة للدولة، وكانت الدولة العثمانية
تهتم اهتمام بالغاً بنشرالتعبئة الروحية بين أفراد القوات المسلحة
وإثارة عاطفتهم الدينية ورفع الروح الإيمانية والقتالية للجنود قبل المعارك.
وختاما لهذا البحث ندعو الله أن نكون قد
وفقنا في إلقاء الضوء على الدور التركمانى في الحضارة الإسلامية تلك الحضارة التي
ازدهرت على يد التركمان أجداد آل عثمان الذين تحملوا أمانة العطاء للحضارة والدين
الإسلامي الحنيف حيث ازدهرت تلك الحضارة بازدهارهم وضعفت بضعفهم بل تكاد أن تكون انتهت
بنهاية الدولة العثمانية والتي حملت لواء الحضارة والخلافة الإسلامية لأكثر من ستة
قرون.
المصادر
والمراجع:
1-تاريخ
الدولة العلية العثمانية.تأليف الأستاذ محمد فريد بك المحامى –دار
الجيل –بيروت1977م
2-أوراق
تركية حول الثقافة والحضارة، الكتاب الأول ج1، ا.د/الصفصافى أحمد
المرسى-جواد الشرق للنشر والتوزيع2002م
3-
أوراق تركية حول الثقافة والحضارة، الكتاب الثاني، ا.د/الصفصافى أحمد
المرسى-ايتراك للنشر والتوزيع2003م
4-الدولة
العثمانية دوله اسلاميه مفترى عليهاج1، ا.د/عبد العزيز محمد الشناوي
5-مجله
قارداشلق(الإخاء)العدد27 لسنة7 تموز-ايلول2005 ص50-55
أكاديمى مصري