العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

باجي دولت

نصرت مردان

 

 

 

 

كان الجميع ينادونها بـ (باجي دولت ) احتراما ، أي ( الأخت دولت ).  كانت تقيم في المنزل رقم 29 بمحلة( بكلر) لوحدها . بعد فقدانها لأولادها الثلاثة في الحرب العالمية الأولى , ولربما من الخطأ القول هنا أنها كانت وحيدة . ذلك لأن بيتها كان دائما مليئا بالزوار وخاصة فتيات الحي اللائي كن يأنسن لحديثها الخلاب ولمعرفتها بشؤون الحياة .

ركزت بعد استشهاد أولادها في ساحة الحرب صوب أحفادها الذين كانت تغدق عليهم جل عواطفها وحنوها . لم تكتوي باجي دولت بنار الحرب فقط بل أنها شاركت في الحرب . وكان ذلك مثار فضول فتيات الحي .

ــ باجي دولت هل صحيح انك شاركت في الحرب ؟

كانت ترد بهدوء وكبرياء : وماذا في ذلك . لقد راجعت الدائرة الحربية وسجلت نفسي للخدمة في الصفوف الخلفية . كنت أعد الطعام وأغسل الأواني وأضمد الجروح ، وأحيانا كنت أحفر قبور الشهداء . المرء يكتسب شجاعة إضافية في الحرب .

تسألها صبية متوردة الوجنات :

ـ باجي دولت ألم تبكي أولادك ؟

ترد عليه بوقار :

ـ بكائي كان بكاء أم ، أي بكاء( جواني) لا مكان للدموع فيه . بكاء الأمهات ليس دائما بدموع منهمرة ، فالدموع أحيانا قد تكون كاذبة . أما بكاء الصادق فهو بكاء القلب الذي يرافق الأمهات حتى القبر . وقانا الله من بكاء الأمهات .

ثم تستمر بالحديث وهي تغوص في بحر الذكريات والأيام الخوالي :

ـ  حفيدي (شكر) كان اشقرا ، طويل القامة كشجرة سرو . لم تر عين  أجمل منه حينما كان يلبس ( زبون جكت ـ الصايه والزبون) كان له مقهى في ( جرت ميداني ) . ابتلى بشرب الخمرة لعنها الله والتدخين . وفي يوم بينما هو متمدد في الفراش على السطح وهو يدخن ، أخذته الغفوة وسقطت السيكارة اللعينة من بين أصابعه على فراشه . رأيته يحترق كالشمعة .

ـ كيف تحملت هذا الألم يا باجي دولت ؟

ـ يا بنيتي الأولاد أمانة الرب في يد الأم ، وهو يسترجعها عندما يشاء .

ـ  لكن والدي قال لي أنهم أطلقوا عليك أثناء الحرب لقب ( صاج قالديران ـ حاملة الصاج ) !

يظهر ظل ابتسامة على وجهها المتغضن :

ـ في الجبهة كنت أهيئ النار من الأعشاب والحطب لإعداد الطعام . وفي الأوقات الاعتيادية كانت النار تظل مشتعلة طوال اليوم . أما في حالة هجوم العدو فكنا ننسحب . وقبل الانسحاب كنت أملأ ( الصاج) بالتراب وأضع فوقه الحطب المشتعل حتى لا يستفيد منه العدو ، وخاصة في أيام البرد القارص .

وتسألها فتاة أخرى بخجل :

ـ باجي دولت هل قمت بدور ( الوصيفة للعروس ـ ينكه ) ؟

يزداد حجم الانشراح في وجهها وهي تقول :

ـ أجل يا بنيتي ففي أيامنا لم تكن الفتاة التي تتزوج في سن مبكرة دون أن يكون لها أية خبرة . كنت أقوم بدور الـ ( ينكة ) على أحسن ما يرام حسب تقاليد أيام زمان . كنت أقدم النصح لهن ليلة الزفاف . وكم كنت أكون سعيدة حينما كنت أرى العروس سعيدة في بيتها ، يحيط بها أطفالها . أمام كل امرأة ثلاث مراحل : مرحلة العزوبية ، مرحلة الزواج ومرحلة الترمل وكانت لا تنسى ان تضيف كلمة ( لا سمح الله ) وهي تأتي على ذكر هذه المرحلة . رغم ترملي في سن مبكرة إلا إنني لم أتزوج حتى لا يكبر أولادي تحت رحمة رجل غريب .

كانت باجي دولت مغرمة بالأمثال وتعتبرها حكمة نطق بها الأوائل نتيجة خبرة حياتية . فإذا انهمرت خصلة من شعر واحدة من محدثاتها كانت تبتسم وتقول ، هذا يعني ان ثمة ضيف في طريقة إليكم .

وكانت تحرص على أن تودع من تحب بأن تصب ماء خلفه كي يعود ثانية . وكانت وهي تفعل ذلك لم تكن تنسى أن تقول ، نودع من نحب بالماء أما من لا نحب فيجب ان نقذف حسب عادتنا خلفه كي لا يعود ثانية . لكنها ما تلبث ان تقول مستدركة ، لكنني لم أفعل ذلك قط ، لسبب بسيط هو ان من لا أحبه لا يدخل هذا البيت الذي لا يدخله إلا الأحبة .

كانت باجي دولت تحذر زوارها من نساء وبنات الجيران من النظر إلى المرآة في الليل لأن مثل هذا العمل يؤدي إلى التغرب ، أما الذي يزرع حفنة من الحنطة في بيته فان ذلك سيؤدي إلى انتقالهم لحي لن يرتاحوا فيه عند اخضرار حبة الحنطة . وحينما كانت إحداهن تعطس أثناء كلامها تعلق دولت باجي ( هاهو شاهد من الحق ، لا تتعجلوا في اتخاذ القرار .) إما إذا عطست مرتين متتاليتين ، فأن ذلك فأل حسن . وكانت تفسر طنين الأذن وهي تنظر إلى جليساتها ( ثمة من يعاتبنا ) .

وفي عرف باجي دولت ، فأن حكة باطن الكف تعني ( ثمة مال مقبل ) وهنا يجب تقبيل الكف ثلاث مرات . ولا ينتهي تفسيراتها عند هذا الحد بل في عرفها يجب عدم إرسال أي شيء ابيض اللون وخاصة في المساء إلى بيت الجيران لأن ذلك يسبب ضررا لآهل تلك الدار . وفي الحالات القصوى يجب إضافة أي شيء ذو لون اسود على كل مالونه ابيض ليزال الشؤم بذلك فكانت مثلا تلطخ البيض الذي قد تحتاج إليه جارة من جارتها بأن تشطب عليه عدة خطوط سوداء أو تضع في إناء الحليب قليلا من سواد الفحم .

عند إساءة أحد من الجيران إليها لم تكن تقابل الإساءة بالكلام الجارح بل كانت تصعد إلى السطح بهدوء وترفع ( راية العباس ) .

بذاكرتي الطفولية أتذكر عنها ، أتذكرها بملابسها السوداء التي كانت تلبسها حزنا على أولادها الثلاثة الذين قتلوا في الحرب منذ عقود ، ولم أرها أو يراها أحد من أهل المحلة تلبس ملابس أخرى . كانت تبدو وكأنها ذاكرة حية تسير على هدى ما قاله الأسلاف ودون أن تجد في ذلك أي تناقض . محاولة تطويع حياتها على ما قالوه أو ما سمعته منهم في زمن ما . فالدجال سيظهر في آخر الزمان حيث يلفظ حماره بلحا وعنبا ، وستظهر للصبية الذي يتبعونه قرونا تطول بحيث تحول في نهاية الأمر بينهم وبين دخولهم المنزل لشدة طولها . وزراعة البصل والثوم في البيت سيؤدي إلى انتقال أصحابه لمنزل آخر . ودهس الوسادة بالأقدام سيكون سببا في إصابة صاحبها بالصداع . وسكب الماء الحار دون بسملة يؤذي صغار الجن ويستوجب نقمتهم من أطفال البيت .

كانت باجي دولت رغم كبر سنها حريصة على أن تكون في مقدمة نساء المحلى اللائي يستعدن لطبخ الحنطة ( داندوج) حيث كانت توضع الحنطة في قدور ضخمة يسهر الجيران حولها حتى الصباح . وكان أطفال الحي ينتظرون وصحونهم بأيديهم بفارغ الصبر . كانت باجي دولت تحرص على حق الجار . ومن حقوقه إرسال طبق من طعام العشاء إليه . وبفضل هذا التقليد الجميل كان أهل الحي يتناولون أصناف متنوعة من الطعام على موائدهم .

في الحي عند خسوف القمر الذي كانت باجي دولت تفسره على أن ( الديو ـ المارد ـ ابتلع القمر)كان الرجال يطلقون النار ، ونحن الصبية نطرق بعود على صفائح فارغة لإخافة (الديو) حتى يطلق سراح القمر المسكين ، ليعود إلينا بنوره الوضاء .

كانت باجي دولت حريصة على المشاركة الوجدانية والفعلية في عزاء محرم الذي كانت النسوة يقمنه في منزلهن ، باكيات على الحسين ومرددات :

 

                القوا بالحسين من السطح

                باعوا سيفه المضمخ بالدماء

                صدأ السيف في الغمد

                أمنا فاطمة ( فاطمة ننه ) تجهش بالبكاء

                ادخلي يا أمنا فناء الدار

                فالحسين مضرج بدمائه هاتفا :

                أين قومي وإخواني  ؟

                لعنتي على يزيد ، لعنتي على يزيد  !

كان أكثر ما يروق لدولت باجي ويضحكها ، نداء الدلالين بين الأحياء بحثا عن مفقودات ، وكانوا في الوقت نفسه عمال في البلدية :

(( يا أمة محمد ـ  أي محمد امتى ـ ! فقد حمار أبيض اللون ، على ظهره سرج لونه اسود . من يبلغ عن مكانه سيكسب ثوابا عند رب العالمين وفي الدنيا مكافأة قدرها ـ مجيدي واحد ـ  )).

كانت باجي دولت تبدو في حياتها اليومية وعلاقتها مع نساء المحلة أشبه بموسوعة حية في كل شؤون الحياة . وقد سمعتها مرة وهي تردد لأمي 25 للورد والنباتات البرية التي كانت تنبت على حافات السواقي وجداول المياه في كركوك كنباتات للتطبيب .

ورغم كبر سنها لم تتخلف قط عن المشاركة في التنزه في البساتين  والحقول ( جرشمبة سور) التي كانت منتشرة بكركوك مثل بستان ما يوسف وملا عبدالله تبه سي ( تلة ملا عبدالله ) صونا كولي ، تسين باغي  وغيرها حيث تزين السماورات التي كانت تلمع ببريق الذهب  . وكان من الطبيعي ان يحيط الشباب بالتجمع النسائي هذا ، متأملين المتنزهات من الفتيات بعيون ظامئة للحب ، مرددين الأغاني الفولكلورية التي تكشف عن مشاعرهم :

 

           صعدت إلى جبل الكنيسة            ونظرت إلى حديقة ( دورتلر )

           تحولت عيوني إلى ينبوع دم         لما رأت مكان الحبيبة

كان لها أكبر (سماور) في المحلة ، وكان بريقها لا يغطي على بريق مثيلاتها . وفي هذه النزهات ، كانت الفتيات المراهقات يرددن بدورهن أغان شعبية معروفة لاستثارة الشباب ومنها تلك الأغنية الذائعة الصيت ( آي هاوار ده كيرمانجي ـ أواه أيها الطحان ) :

 

           أواه أيها الطحان                  أنت صاحب الخان وأنا رحال

 

كانت أيام العيد مهرجانا حقيقيا في كركوك ، حيث تمتليء الأحياء والأزقات بالأطفال وهم بملابسهم الجديدة الزاهية يقصدون في ( الكللوك ) المراجيح ودولايب الهواء وغيرها من الألعاب أو يستأجرون عربة يغنون فيها ويدقون ( الدبنك ـ دنبلك ) . ولم تكن باجي دولت تهمل في هذه الأيام إدخال الفرحة في نفوس أحفادها أولا ثم قلب صبي من أفقر عائلات الحي بشرائها كسوة العيد له . وكانت حذر الأطفال من ارتداء ملابس العيد قبل حلول العيد ثم لا تلبث ان تضيف ضاحكة :

ـ إياكم وارتداء هذه الملابس قبل العيد والا فان العيد ( سيخري ) عليها  !

وكان الصبية يطيعون كلامها دون ان يفكر احد منهم ، كيف سيقوم العيد بالخراء على ملابسهم !

كالنساء الأخريات ورغم كونها طاعنة في السن ، كانت تزور المقابر في يوم عرفة : مقبرة الشيخ محي الدين ومقبرة ملا عبدالله وعلي باشا والشهداء وسيد علاوي وبابا فتحي وغيرها .

من التقاليد في كركوك هو قيام النساء بأعداد الطعام وقت الفطور ، حيث يتناول أهل الدار الطعام صباحا . ومن الأكلات التقليدية صبا ح العيد : التمن والفاصوليا أو الباميه أو أكلة ( القيسي ـ المشمش ) . كانت باجي دولت حريصة على إعطاء  ( خرجية العيد ) مهما كان المبلغ ضئيلا وإذا تعذر عليها ذلك كانت تملأ جيوب الأطفال بالجكليت أو الكليجة أو الكرزات .  ومن العادات السائدة في تلك الفترة توجه سكان المصلى ( ذاك الصوب ـ او ياخا ) إلى ( هذا الصوب ـ القورية ) في اليوم الأول من العيد لتهنئة أقاربهم وأصدقائهم ، حيث يرد في اليوم الثاني من العيد سكان المصلى الزيارة لسكان القورية .

في اليومين الثاني والثالث كانت باجي دولت حريصة مثل كل نساء كركوك بزيارة جامع النبي دانيال ــ  دانيال بيغمبر ) حيث يجلسن في باحته ، يتجاذبن أطراف الحديث ويتناولن الكليجة أو يكرزن الحب . وكن يدفعن للكليدار مكافأة لدخولهن إلى الفناء من الباب الداخلي .

كانت النساء يبالغن في ارتداء الذهب . في مثل هذه الحالات كانت باجي دولت تكتفي بالنظر إليهن مع ابتسامة يحار المرء في تفسير معناها قائلة :

ـ في حياتي لم أتجمل ولم ألبس الحلى .

تقول ذلك وهي تدير نظراتها الفاحصة على النساء المتبرجات والمتحليات بالحي ، وهي ترى كل من حولها تتباهى بأقراطها ( التراجي ـ صرغا ) أو القلادة الذهبية ( التون بوينباغ ) أو من تلبس حزاما من الذهب يشبه حزام الرصاص الذي يرتديه الصيادون ( سلاحليغ ) أو الأساور المختلفة ( ديلمج ، بيلازيك ) أو قلادة من اللؤلؤ ( اينجي بوينباغ ) والأكثر ثراء كن يرتدين حزاما من ذهب ( آلتون كمر ) أو الخزمة ( التون خزمه ) أو الحجل ( حجيل ) أو الخلخال ( خلخال) .

ورغم زهدها في الحياة بسبب ترملها في سن الشباب ووفاة أبنائها الثلاثة فأنها كانت ترى ضرورة ان تتزين المرأة لزوجها حتى يبقى وفيا لها . كانت توصيهن بوضع الكحل (سورمه) وتحمير الشفاه بقشرة الجوز الطري ووضع الحمرة ( اوليك ) على خدودهن والبودرة ( كيرشان ) كما كانت تحرص على تحنية أقدام وأكف بنات الجيران بالحنة ( خننا ) باستعمال ماء القرنفل ( قرنفيل) أو بماء الورد ( كولاب ) ولصبغ الشعر فأهم وصفة هو استعمال الحنه او الحنة و الـ ( وسمه) معا . ولم تكن تهتم بالوشم في الوجه أو اليدين ، حيث من النادر ان يرى المرء نساء التركمان في كركوك موشومات .