العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

من أبطال التركمان

المغوار عمــاد الـدين زنـكي

وجدي أنور مردان

 

 

 

عندما ادلهمت الخطوب. ولف المشرق الإسلامي ظلام دامس باحتلال الصليبيين لبلاد الشام وفلسطين. سالت شلالات الدماء . احتلت المدن والقرى و دمرت. اغتصبت المقدسات والأرض والعرض وسرقت الثروات ونهبت البيوت.. وفي غمرة هذا التمزق والإحباط كان المسلمون يتطلعون إلى ظهور قائد مغوار يلم شعثهم ويداوي جراحاتهم ويجمعهم على كلمة التوحيد. يسير بهم في طريق الجهاد لتحرير الأرض المغتصبة وينقذهم من طاعون الاحتلال ويضع حدا لبيع الولاة والحكام ضمائرهم للمحتل.

إن الأرحام التي أنجبت الأبطال العظام الذين غيروا حركة التاريخ ومساره، ورفعوا لواء الإسلام، وتقدموا بالمسلمين نحو الأمجاد والبطولات، لم ولن تعقم أبدا عن أن تنجب جيلاً من القادة الأبطال، يستكملون مسيرة الآباء، ويعيدون مجد الأجداد.

بدأت الحملات الصليبية على العالم العربي الإسلامي عام 1098م - 491هـ ، كانت دولة المسلمين في الشام والعراق وغيرها تمزقها الخلافات والصراعات الدموية عشية بدأ الحملة الصليبية على العالم الإسلامي عام 491 للهجرة –1098 للميلاد. أخذت الأنظار في أوروبا تتجه نحو الأرض المقدسة. دعا البابا أوربان الثاني «لاسترداد» الأراضي المقدسة من أيدي المسلمين. وأعلن أن كل من يشترك في هذه الحروب المقدسة تغفر له ذنوبه، كما قرر أن ممتلكات المقاتلين توضع تحت رعاية الكنيسة مدة غيابهم، و طلب أن يخيط كل محارب صليباً من القماش على ردائه الخارجي ومن هنا جاءت تسمية (الصليبيون) والحملات والحروب التي أعقبتها سميت بالحملات والحروب الصليبية.  

بعدما احتل الصليبيون عملوا على تجنيد حكام وأمراء الولايات والمناطق التي احتلوها او القريبة منها. وظهرت الخيانات وانكشف التخاذل من إمارات المدن التي حرصت كل منها على نفوذها و«كسب ود» الصليبيين, الذين استطاعوا بمساعدة الخونة والعملاء حصار بيت المقدس واسقاطها ثم احتلالها!!.

وتتابع سقوط مدن فلسطين الأخرى واحدا بعد الآخر, وهكذا تأسست مملكة بيت المقدس الصليبية. استطاع الصليبيون- بعد حملتهم الأولى- أن يستولوا على جزء كبير من بلاد الشام والجزيرة خلال الفترة من [489هـ = 1069م] إلى [498هـ = 1105م]، وأنشئوا فيها إماراتهم الأربع: الرها، وإنطاكية، وطرابلس، وبيت المقدس.

وفي ليل اليأس المطبق وظلام الانكسار الموجع والاستسلام المهين، لاحت بارقة أمل في العيون، ما لبثت أن صارت شعاعًا توهج ليضيء الطريق، فانتبهت النفوس من غفوتها، وأفاقت القلوب من حسرتها، وتلاقت الهمم وتوحدت السواعد، والتف الجميع حول ذلك البطل المرتقب الذي جاء ليحقق الحلم، ويجدد الأمل، ويمحو شبح الهزيمة، ويعيد العزة والكرامة إلى ملايين المسلمين، ليس في عصره فقط، وإنما لجميع المسلمين عبر العصور والأزمان.

 فمن هو هذا البطل الذي حمل على أكتافه أمانة التحرير ولواء الجهاد، ووضع أسس تحرير بيت المقدس من دنس الاحتلال؟

هو الملك المنصور البطل التركماني المسلم عماد الدين زنكي .

ولد عماد الدين زنكي بن آق سنقر بن عبد الله آل ترغان" نحو سنة [477هـ = 1084م] في أسرة تنتمي إلى قبائل "الساب يو" التركمانية الشديدة المراس، كان والده "آق سنقر" مملوك السلطان محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي، وكان مقربًا إليه، ذا حظوة ومكانة لديه، اعتمد عليه السلطان في كثير من الأمور فلم يخذله آق سنقر قط، وهو ما جعله ينال ثقته ورضاه، وزاد من منزلته عنده. تولى آق سنقر ولاية الموصل سنة 516 للهجرة بأمر من الخليفة العباسي المسترشد بترشيح من السلطان محمود ابن السلطان محمد بن ملكشاه وفي سنة 521هـ ملك حلب واستولى على (الرحبة) و (الجزيرة) وفتح (الرها) سنة 539هـ, وكان يحتلها الصليبيون بزعامة (جوسلان) .

لم ينس السلطان محمود بن ملكشاه تضحية "آق سنقر" في سبيل عرشهم ووفاءه لهم، فوجه جل اهتمامه وعنايته نحو أبن آق سنقر الوحيد عماد الدين زنكي الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره عند وفاة والده.

نشأ عماد الدين في "حلب" في رعاية السلطان محمود السلجوقي، ثم ما لبث أن انتقل عام [489هـ = 1096م] إلى "الموصل" ليحظى برعاية القائد السلجوقي "كربوقا"، فظل ملازمًا له حتى تُوفِّي سنة [495هـ = 1101م]، فخلفه عليها "شمس الدين جكرمش" الذي قرب عماد الدين لما لمس لديه من مقدرة عسكرية ومهارة قتالية عالية ،  فأحبه واتخذه ولدًا. ظل عماد الدين ملازمًا له حتى تُوفِّي سنة [500هـ = 1106م]، فتولى "الموصل" من بعده "جاولي سقاو"، وتوطدت علاقة عماد الدين بالوالي الجديد، حتى خرج ذلك الوالي على السلطان، فانفصل عماد الدين عنه، وانضم إلى الوالي الجديد "مودودو بك التونتكين" الذي عينه السلطان محمود على الموصل، وكان ذلك مدعاة إلى إكبار السلطان له، وثقته فيه، وزيادة حظوته ومكانته عنده.

خاض القائد التركماني عماد الدين زنكي إلى جانب القائد "مودود" معارك كثيرة  ضد الصليبيين المحتلين في "الشام" و"الجزيرة"، وقد لفت إليه الأنظار بشجاعته الفائقة ومهارته القتالية العالية.

ومع مطلع عام [517هـ = 1123م] استطاع السلاجقة – بفضل الخطة البارعة التي اتبعها عماد الدين – إلحاق هزيمة ساحقة بجيوش "دبيس" الخارج على الخليفة العباسي، وخلّصوا الخلافة من خطر محقق كاد يعصف بها، فانضم "دبيس" إلى الصليبيين بعد هزيمته أمام عماد الدين، وساهم معهم في حصار "حلب" طمعًا في الاستيلاء عليها.

وعندما تدهورت العلاقات بين الخليفة العباسي المسترشد والسلطان السلجوقي "محمود" في عام [519هـ = 1125م] كان لعماد الدين دور كبير في إنهاء الصراع بينهما، وتجاوز الأزمة بأمان قبل أن يتفاقم الموقف، وتحدث مواجهة وخيمة العواقب بين الطرفين.

أن الخاصية التي تميز التركمان كقبائل البدو الرحل، إنهم يعتبرون البقعة التي يستوطنون فيها موطنا لهم، يدافعون عنها ويذودون عن حياضها، هذا وقد شارك التركمان، المعروفين بوفائهم و بفروسيتهم ، في جميع الحروب التي خاضتها القوات الإسلامية لتحرير بيت المقدس ،

سعى الصليبيون إلى بسط نفوذهم وإحكام السيطرة على المزيد من أراضي البلاد وإنشاء إمارات جديدة. والإمعان في السلب والنهب والقتل.

لم يشأ القائد التركماني المغوار عماد الدين زنكي في البداية أن يدخل في حرب مع المحتلين إلى أن يوطد دعائم إمارته الجديدة، ويدعم جيشه، ويعزز إمكاناته العسكرية والاقتصادية قبل أن يقدم على خوض غمار المعركة ضد الصليبيين. فعكف هذا القائد المحنك على وضع استراتيجية محكمة لتوحيد الإمارات والولايات الإسلامية الصغيرة المتناثرة والمتناحرة فيما بينها وجعلها تحت قيادة قوية. ومن ثم العمل على تهيئة الأمة الإسلامية وتوحيدها قبل أن يخوض معركتها المرتقبة. ولتنفيذ هذه الاستراتيجية ، استولى عماد الدين على إمارة "حلب"، كما هاجم عددًا من المواقع المحتلة  المحيطة بها، وتمكن من الاستيلاء على خمسة منها، كما تمكن من الاستيلاء على "بعرين" التي وجد الصليبيون في استيلائه عليها خطرًا يهدد أماراتهم في المشرق. وقد حاول الصليبيون إنقاذ "بعرين"، ولكن حملتهم التي قادها الإمبراطور البيزنطي "حنا كومنين" فشلت في ذلك.

ثم عمل "عماد الدين" على تفتيت التحالف الخطير الذي قام بين الصليبيين في الشام والبيزنطيين، واستطاع بحنكته السياسية، أن يزرع بذور الشك بين الطرفين ليقضي على التعاون بينهما، كما سعى في الوقت نفسه إلى طلب النجدة والإمدادات العسكرية من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

وفي السياق نفسه وجه عماد الدين زنكي جهود إلى توحيد المسلمين. فقد حاول الاستيلاء على دمشق مرتين دون جدوى، كما سيأتي لاحقا، فقد كانت دمشق المفتاح الحقيقي لاسترداد فلسطين من جهة الشام، غير أن القائم بأمر الحكم هناك راسل الصليبيين للتحالف ضد عماد الدين زنكى وهو ما اضطره إلى التراجع عنها. ولكنه استطاع أن يدعم موقفه بالاستيلاء على بعض المواقع وعدد من الحصون الخاضعة لإمارة "الرها" الصليبية، وتمكن بذلك من قطع الاتصال بين أمير "الرها" وبين حلفائه.

وكانت إمارة "الرها" واحدة من أهم الإمارات الصليبية في المشرق، وذلك لقوة تحصينها، وقربها من "العراق" التي تمثل مركز الخلافة الإسلامية، ونظرًا لما تسببه من تهديدات وأخطار للمناطق الإسلامية المجاورة لها.

ومن ثم فقد اتجهت نية "عماد الدين" إلى إسقاطها، وعزم على فتحها، وراح يدرس الموقف بدقة، فأدرك أنه لن يتمكن من فتح "الرها" إلا إذا استدرج "جوسلين"- أمير "الرها"- وقواته خارجها، فوضع خطة بارعة أتاحت له الوصول إلى مأربه؛ إذ تظاهر بالخروج إلى "آمد" لحصارها، وفي الوقت نفسه كان بعض أعوانه يرصدون تحركات أمير "الرها"، الذي ما إن اطمأن إلى انشغال "عماد الدين" عنه بحصار "آمد" حتى خرج بجنوده إلى "تل باشر"- على الضفة الغربية للفرات- ليستجم ويتفرغ لملذاته.

وقد كان هذا ما توقعه "عماد الدين"، فأسرع بالسير إلى "الرها" في جيش كبير، واستنفر كل من يقدر على القتال من المسلمين لجهاد الصليبيين، فاجتمع حوله 20 ألفا من المقاتلين التركمان الأشداء و حشد هائل من المتطوعين العرب والأكراد، فحاصر "الرها" من جميع الجهات، وحاول التفاهم مع أهل "الرها" بالطرق السلمية، وبذل جهدًا كبيرًا لإقناعهم بالاستسلام، متعهدا لهم بالأمان، ولكنهم أبوا، فما كان منه إلا أن شدد الحصار عليهم، واستخدم الآلات التي جلبها معه لتدمير أسوار المدينة قبل أن يتمكن الصليبيون من تجميع جيوشهم لإنقاذ المدينة.

وبعد (28) يومًا من الحصار انهارت بعض أجزاء الحصن، ثم ما لبثت القلعة أن استسلمت لقوات القائد التركماني المنصور" في [28 من جمادي الآخرة 539هـ = 27 من نوفمبر 1144م]، فأصدر "عماد الدين" أوامره إلى الجند بالتوقف عن القتال أو الأسر أو السلب، وأمر بإعادة جميع ما استولوا عليه من غنائم وأسلاب، فأعادوا كل ما أخذوه إلى أصحابه. وضرب بذلك أروع مثال على الشهامة والفروسية والأخلاق الإسلامية الرفيعة. وبدأ من فوره بإعادة أعمار المدينة. فأعاد بناء ما تهدم من أسوارها، وما تهدم من بيوتها أثناء اقتحام المدينة، وسار في أهلها بالعدل وحسن السيرة، حتى عم الأمان وهدأت النفوس وكسب القلوب والعقول. ثم أمر بان يحتفظ النصارى بكنائسهم وصومعهم وسمح لهم بأداء عبادتهم وطقوسهم الدينية بكل حرية وأمان.

أن ظهور وبروز القائد التركماني البطل عماد الدين زنكي بن أقسنقر وبدء عهد الدولة الزنكية في الموصل وحلب، قد وضع الأسس العسكرية والسياسية الجدية وفتحت صفحة جديدة لتحرير الأراضي الإسلامية المغتصبة، وقد أكمل المسيرة ابنه البطل نور الدين زنكي وأكمله القائد الكردي المغوار صلاح الدين الأيوبي وحرر بيت المقدس.

تولى عماد الدين زنكي ولاية الموصل وأعمالها سنة 521هـ بعد أن ظهرت كفاءته في حكم البصرة وواسط. ، وفي محرم سنة 522هـ تمت له السيطرة على حلب. وأخذ عماد الدين يخوض المعارك تلو المعارك ويحقق الانتصارات على الصليبيين .

استمر جهود زنكي في توحيد قوى المسلمين واستنهاض عوامل القوة الكامنة فيهم. فملك عماد الدين زنكي مدن: حماة وحمص وبعلبك، وسرجي، ودارا، والمعرة، وكفر طاب، وقلعة الصور في ديار بكر، وقلاع الأكراد الحميدية، وقلعة بعرين، وشهرزور، والحديثة، وقلعة أشب وغيرها. وفي سنة 534هـ حاول عماد الدين زنكي الاستيلاء على دمشق مرتين دون جدوى، فقد كانت دمشق المفتاح الحقيقي لاسترداد فلسطين من جهة الشام، غير أن القائم بأمر الحكم هناك" معين الدين أنز" راسل الصليبيين وتحالف معهم ضد عماد الدين زنكي ووعدهم بأن يحاصر بانياس ويسلمها لهم ووافقوا، ولكن عماد الدين زنكي فاجئهم قبل قدومهم لدمشق فلما سمعوا ذلك لم يخرجوا. ومع ذلك فإن معين الدين حاصر بانياس بمساعدة جماعة من الفرنج ثم استولى عليها وسلمها للفرنج. لم يخلوا زمان من العملاء وبائعي الأوطان والمتحالفين مع المحتلين، وهذه سنة الحياة ودورة التاريخ!!

 غير أن أشهر ما يذكر من الفتوح لهذا القائد والحاكم السياسي التركماني هو فتحه للرها وإسقاطه للمملكة الصليبية التي قامت بها، فقد حاصرها لمدة أربعة أسابيع وفتحها عنوة في 6 جمادى الآخرة 539هـ، وفتح ما يتبع هذه المملكة من أعمال في منطقة الجزيرة، وفتح سروج وسائر الأماكن التي كانت للفرنج شرقي الفرات ما عدا البيرة.

كان فتح "الرها" هو أجلّ وأعظم أعمال "عماد الدين"، ولم يمض عامان على ذلك النصر العظيم، حتى تم اغتياله في [6 من ربيع الآخرة 541هـ = 15 من سبتمبر 1146م] خلال حصاره لقلعة "جعبر" على يد "يرنقش"- كبير حرسه- الذي تسلل إلى مخدعه فذبحه وهو نائم.

ويرى عدد من المؤرخين أن اغتيال "عماد الدين زنكي" جاء لأسباب سياسية ، فقد كان في أوج انتصاره على الصليبيين المحتلين، كما حقق انتصارًا آخر على المستوى الإسلامي بعد أن نجح في توحيد الصفوف وتكوين جبهة إسلامية قوية، وتأسيس جيش قوى عماده 50 ألف مقاتل تركماني ومتطوعين عرب وأكراد، ومن ناحية أخرى فقد كانت قلعة "جعبر" على وشك السقوط بعد أن بلغ حصاره لها مداه، فضلاً عن أن قاتله "يرنقش" كان من الباطنية، وقد استطاع التستر والانتظار طويلاً- على عادة الباطنية- حتى حانت اللحظة المناسبة لتنفيذ جريمته، فاغتال "عماد الدين" ذبحا، وهو في قمة مجده وانتصاره وكان عمره قد زاد عن ستين سنة. تغمده الله بواسع رحمته.

وعن شخصية هذا التركماني المسلم الغيور قال ابن الأثير: فقد كان عماد الدين زنكي شديد الهيبة في عسكره ورعيته، عظيم السياسة، لا يقدر القوي على ظلم الضعيف، وكانت البلاد قبل أن يملكها خراباً من الظلم وتنقل الولاة ومجاورة الفرنج، فعمّرها وامتلأت أهلاً وسكاناً وكان زنكي من خيار الملوك وأحسنهم سيرة وشكلاً، وكان شجاعاً مقداماً حازماً، خضعت له ملوك الأطراف، وكان من أشد الناس غيرة على نساء الرعية، وأجود الملوك معاملة، وأرفقهم بالعامة.. واشتهر عماد الدين بعد مقتله بلقب" الشهيد"". ودفن بصفين, وخلفه ابنه سيف الدين غازي في الموصل وخلفه ابنه نور الدين محمود في حلب .  

لقد عمل عماد الدين زنكي في أجواء صعبة. من استشراء الفساد والنزاع بين أمراء والولاة والتناحر والتشرذم والمؤامرات بين أمراء وزعماء السلاجقة أنفسهم، وبينهم وبين الخليفة العباسي في أحيان أخرى، ومع ذلك فقد استطاع أن يضع الأسس لقاعدة انطلاق جهادية كبيرة وقوية تمتد من شمال الشام إلى شمال العراق، كما كسر شوكة المحتلين الغزاة في مواقع كثيرة، ويسر سبل الجهاد والعمل الجاد لتحرير الأرض، وقدم نموذجاً للحاكم المجاهد تحت راية الإسلام، وقوى الأمل باسترجاع المقدسات. غير أن أفضل أثر تركه حسب ما يذهب إليه المؤرخون هو ابنه نور الدين محمود زنكي.

 

بعد استشهاد عماد الدين زنكي، وحسب الأعراف الوراثية في ذلك الزمان، انقسمت دولته بين نجليه: نور الدين محمود الذي تولى حلب وما يتبعها وسيف الدين غازي الذي تولى الموصل وما يتبعها.
ولد نور الدين محمود -بعد حوالي عشرين عاماً من سقوط القدس في أيدي الصليبيين- في 17 شوال 511هـ -فبراير 1118م . وبحكم نور الدين دشنت صفحة جديدة رائعة من صفحات التحرير في بلاد الشام، وطوال 28 عاماً من وضع نور الدين زنكي ًفي ذهنه هدفه الأساسي في تحرير واسترداد بلاد المسلمين، وتوحيدها تحت راية الإسلام واستكمال ما بدأه والده الشهيد..
ومنذ تلك اللحظة أخذ يخطط ويأخذ بالأسباب ويعد العدة والعتاد ويوحد الجهود المسلمين ويرتقي بهم في جوانب الحياة المختلفة وذلك وفق تصور إسلامي متكامل لإعادة أمجاد المسلمين وطرد المحتلين من بلادهم..
 الزنكيون، بنو زنكي:

سلالة تركمانية من قبيلة (الساب يو) استوطنت شمال سوريا و العراق حكمت مابين 1127-1174 م وفي الموصل حتى 1262 م.
 مؤسس السلالة آق سنقر بن عبد الله آل ترغان ، والذي كان من الجنود المماليك للسلاجقة، أصبح أتابكا (قائد عسكري) على حلب من قبل القائد السلجوقي تطـش. ثم تولى ابنه عماد الدين زنكــي (1127-1146 م) الإمارة على البصرة وواسط في العراق، تمكن بعدها من غزو الموصل عام (1127 م)، ثم حلب عام (1128 م) و مدن أخرى في الشام. بفضل سياسته الحكيمة و حملاته الناجحة ضد الإمارات الصليبية في الشام، استطاع أن يحكم قبضته على كامل شمال العراق و أجزاء مهمة من الشام. خلفه ابنه نور الدين (1146-1174 م) في بلاد الشام، تمكن الأخير من الاستيلاء على دمشق عام (1154 م). بعد وفاة أخيه سيف الدين (1146-1149 م). ضم نور الدين شمال العراق إلى دولته ثم اتخذ من الموصل عاصمة له. استمر هذا الفرع في الحكم حتى العام 1262 م.
بعد استشهاد القائد المغوار عماد الدين رحمه الله، قاد نجله نور الدين زنكي دولة بني زنكي إلى أوجها، تميز عهده بتطور حركة العمران و ازدهار الاقتصاد وتوسع رقعة إمارته. تمكن من أن يمد حدوده حتى مصر، حيث قضى قائد جيشه صلاح الدين على الخلافة الفاطمية فيها سنة 1174 م. ثم استولى صلاح الدين و الأيوبيون على الحكم من إسماعيل بن نور الدين زنكي (في حلب)، معلنا ظهور نجم الأيوبيين بعد أن كان هؤلاء في خدمة الزنكيين لسنوات طويلة.
 وفي الحلقة القادمة انشاء الله نتحدث عن بطل تركماني آخر كان له القدح المعلى في سوح الجهاد والتحرير والدفاع عن ارض العرب والمسلمين في بلاد الشام وفلسطين والعراق.

أهم مصادر الدراسة:

·      الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية: شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي (أبو شامة) - تحقيق [1376هـ = 1956م].

·      شذرات الذهب في أخبار من ذهب: أبو الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي - مكتبة القدسي - القاهرة [1350هـ = 1930م].

·      عماد الدين زنكي: د. عماد الدين خليل - مؤسسة الرسالة - بيروت [1402هـ = 1982م].

·      المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: تقي الدين أحمد بن علي المقريزي - دار صادر - بيروت [د. ت].

·      نور الدين محمود (رائد نصر المسلمين على الصليبيين): د. حسين مؤنس - الدار السعودية للنشر والتوزيع - جدة [1408هـ = 1987م].

·      عماد الدين زنكي.. خدم الإسلام وقتلته الباطنية (في ذكرى استشهاده: 6 ربيع الآخر 540هـ سمير حلبي- موقع إسلام اون لاين

·      تجارب الأمم: أبو علي أحمد بن محمد (ابن مسكويه) - دار الكتاب الإسلامي - القاهرة [د. ت].

·      وفيات الأعيان وأبناء أبناء الزمان: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمود (ابن خلكان) - تحقيق: د. إحسان عباس - دار الثقافة - بيروت [د. ت

  * الفنون والهندسة الإسلامية) لـ"ماركوس هاتشتاين

* ابن الأثير: الكامل في التاريخ- دار صادر- بيروت 1399-1979م.
  *ابن خلكان: وفيات الأعيان- تحقيق إحسان عباس- دار صادر- بيروت 1978م.
 *المواقع الالكترونية: إسلام اون لاين . الزنكيون . الفسطاط . التاريخ .

 

                                                                      كاتب من العراق. 25/9/2005